زوجى اذانى

:
​حرقوا إيدي.. فحرقت إمبراطوريتهم
​جوزي مسك إيدي وبكل غل ضغط بيها على البوتاجاز المولع عشان حتة اللحمة استوت زيادة! وأنا بزحف على الإزاز المكسور وبموت من الوجع، حماتي طلعت تليفونها وهي بتضحك بدم بارد وبتصورني وتقول: “عشان تتعلم مكانها فين وما تتعداهوش”. وحماي؟ بكل بساطة على صوت التليفزيون عشان يداري على صريخي. ووايات رولا
​كلهم كانوا فاكرينني بترمي تحت المطبخ وبدور على خاتم جوازي الضايع.. ما كانوش يعرفوا إن صوابعي كانت بتوصل لسر هيحول الكابوس ده لخراب ودمار على إمبراطوريتهم كلها!
​ريحة الروزماري والزبدة السايحة كانت مالية المطبخ، ومعاها خنقة رهيبة من طموح جوزي المريض.
​الليلة دي ما كانتش عزومة عادية، دي كانت الليلة اللي دانيال فانس مستنيها عشان يوصل للقمة. بقاله تلات سنين بياكل في الأخضر واليابس في شركة “فايرون كابيتال”، مضحّي بكل حاجة—بما فيها صحتي النفسية—عشان يوصل لمنصب الشريك المدير. وفاضل بالضبط نص ساعة، ورئيس مجلس الإدارة، مارتن شو، هيتصل بنفسه عشان يبلغه بالخبر. الشمبانيا كانت في التلج، والكاسات الكريستال بتلمع زي الألماظ.
​دانيال كان واقف جنب رخامة المطبخ الفخمة بيظبط كمام قميصه المتفصل عليه، وعضلات فكه مشدودة من كتر التوتر. أما أبوه وأمه، باتريشيا وريتشارد، فكانوا قاعدين في الريسبشن وكأنهم ملوك مستنيين التتويج.
​”اللحمة ارتاحت؟” دانيال سأل بنبرة حادة ومن غير ما يبصلي.
​رديت بصوت واطي يا دوب مسموع وسط صوت الشفاط: “آه.. دقيقتين بالظبط زي ما طلبت”.
​قرب مني لدرجة إنه بقى كاتم على نفسي.. ما كانش بيمشي، كان بيمشي زي صياد بيحاصر فريسته. مسك سكينة التقطيع الكبيرة وقطع في نص حتة اللحمة اللي قعدت ساعة بحالها أظبط فيها.
​نقطة دم خفيفة نزلت على البلانشة.. تسوية مثالية (ميديام).
​لكن عيون دانيال اسودت وبقت مليانة غل وشر. “أنا قولت ميديام رير يا كلارا! أهم مكالمة في حياتي بعد نص ساعة، وأنتِ بتقدميلي لحمة مستوية؟”
​”دانيال، دي بس الحتة اللي في النص، دي—”
​ريحة شياط جلدي وصلتلي قبل ما أحس بالوجع نفسه!
​في ثانية واحدة، عقلي وقف.. افتكرت الطاسة الطفحت أو وقعت على البوتاجاز، بس بسرعة فوقت على الحقيقة المرعبة: دانيال كان كابس على معصم إيدي زي الكلبش الحديد، وبكل قوته زق كف إيدي المفرود على شبكة البوتاجاز الحديد المولعة!
​”ميديام رير!” دانيال فضل يجز على سنانه ويهمس في ودني ونفسه السخن في وشي وهو بيضغط على إيدي أكتر وأكتر: “كام مرة لازم أشرحلك أ ب طيخ؟”
​صريخي هز أركان البيت، صرخة ووجع قطعوا هدوء المكان.
​النار كانت بتاكل في لحمي، والوجع ضرب في دراعي كله زي الكهربا. عيني زغللت من الدموع وركبي سابت خالص. وأنا بقع، كوعي خبط في طبق صيني غالي، اتمطوح واتكسر ميت حتة على الأرض، والإزاز اتنطور في كل مكان والشوربة والدم ساحوا على السيراميك الأبيض.
​دانيال ما سابش إيدي غير لما اترميت وسط الإزاز المكسور.
​كنت بنازع وبموت، وضامة إيدي المحروقة لصدري. الناحية التانية من الرخامة، حماتي باتريشيا ما تأنبتش، ما جريتش تجيب مية ساقعة.. بكل برود وهي لابسة هيلز دهبي، عدت من فوق رجلي اللي بترعش عشان توصل لـ “ستاند” الرموز وتجيب إزازة نبيذ غالية.روايات رولا
​”لازم تتعلم مكانها فين”، باتريشيا ضحكت ضحكة خفيفة وهي بتفتح الإزازة.
​ومن الصالون، حماي ريتشارد حتى مالتفتش.. مسك الريموت وبكل برود على صوت التليفزيون، وصوت مذيع الأخبار الاقتصادية غطى على صريخي وعياطي المكتوم.
​كنت كاشة في نفسي من الوجع، والنار اللي في كف إيدي مخلية بطني تقلب عليا. بس وأنا بفتح عيني المليانة دموع وببص وسط كاسات الإزاز ورجليين التربيزات، حسيت برعب أعمق وأقوى..
​زرار البث المخفي—اللي قعدت شهور أظبط سلكه في السر عشان أفضحهم—ما كانش فوقي بالظبط. لما وقعت، اترميت لورا كام متر. اللوحة المخفية كانت في أخر ركن تحت تقفيلة المطبخ، ورا الوزرة الفايبر. وعشان أوصلها، كان لازم أزحف على بحر من الإزاز المكسور المتغرق بدمي، وجوزي واقف فوق راسي بيراقب كل حركة!
​”بصيلي هنا يا كلارا”، دانيال أمرني.
​قعد قرفصا جنبي، وبصلي ببرود وثقة غريبة، ووشه كان عبارة عن قناع من التحكم المستفز.
​اضطريت أبص في عينه، وعضيت على شفتي جامد لدرجة إني دوقت طعم الدم.. كنت محتاجة وجع في بوقي يفوقني من نار إيدي الشمال اللي بتغلي.
​”هتقولي لمارتن، ولأي حد يسأل، إن ده كان حادثة غبية منك”، دانيال قال بصوت ناعم ومبرمج: “كنتِ مستعجلة وأنتِ بتغرفي، وأنتِ طول عمرك غبية ويدك خفيفة، ودي أصلاً صفتك الأساسية”.
​إيدي المحروقة كانت بتنقح، والجلد بدأ يعمل فاقيع حمراء مرعبة. وسط دموعي، المطبخ الفخم ده اتقلب لبيت رعب.. المطبخ ده اللي باتريشيا كانت بتجبرني أنظفه حتة حتة بعد كل حفلة خيرية تعملها، وهي بتجرجرني قدام الناس وتقول “البنت الطيبة البسيطة اللي ابني أنقذها من الفقر”.
​”قولي ورايا!” دانيال زعق وصوابعه بدأت تقرب مني تاني.
​”كانت… حادثة”، صوتي طلع مكسور وضايع.
​باتريشيا أخدت بوق من الكاس بتاعها وقالت: “حاجة تقرف!”.. وبعدين، وبمنتهى الحقارة، طلعت تليفونها الآيفون من شنطتها الماركة. فتحت الكاميرا ووجهت العدسة عليا وأنا مرمية بترعش وسط الإزاز. “لازم أوري إيفلين في النادي المصيبة اللي ابني عايش معاها في البيت! يمكن ساعتها يفهموا ليه ما كناش عايزين نجوزه واحدة بيئة ومن غير أصل”.
​كانت بتصورني فيديو! بتوثق ذلي عشان تضحك بيه وهي بتشرب عصير مع صحابها!
​وطيت راسي وخليت شعري يغطي وشي.. قولت لنفسي: “خليهم يشوفوا زوجة مكسورة.. خليهم يفتكروا إن ست سنين من الحرب النفسية، والضرب المستخبي، والتحكم المادي، كسروا ضهري خلاص”.
​”أنتِ بتعملي إيه؟” دانيال سخر مني وهو بيقف ويظبط بنطلونه، “اخلصي قومي لمي القرف ده قبل ما التليفون يرن”.
​ما قمتش.. ما كنتش قادرة اصلاً. بدل ده، بدأت أنقل وزني بالراحة على إيدي اليمين السليمة وركبي. اتوجعت أكتر لما حتة إزاز قطعت فستاني وغرزت في ركبتي.
​”خاتمي..” عيطت، وطلعت كذبة ذكية من تحت طقاطيق دماغي: “خاتم جوازي.. وقع من إيدي وأنا بقع.. طار تحت المطبخ”.
​دانيال نفخ بضيق وقلب عينه: “طبعاً لازم تضيعي الخاتم! ألماظ تلاتة قيراط وبتتعاملي معاه كأنه إكسسوار رخيص! هاتيه بسرعة، لفي إدك بفوطة واختفي من وشي لحد ما المكالمة تخلص”.
​بدأت أزحف..
​كل سنتيمتر كان عبارة عن معركة وجع وتركيز. بقيت أعد الأنفاس.. تجاهلت النار اللي في كفي.. تجاهلت الإزاز اللي بيقطع في رجلي.. وتجاهلت باتريشيا اللي كانت بتدندن وبتظبط زاوية الكاميرا عشان تجيب كدر أوضح وأنا بزحف ومتهانة.
​وصلت للركن المظلم تحت آخر ضلفة.. إيدي اليمين بدأت تخبط في الضلمة.. حسيت بالخشب الناعم، وبعدين حسيت بالمجرى الصغير الفاضي اللي أنا حفرته بنفسي.
​صوابعي دخلت جوه، ولمست الزرار البلاستيك الناشف.
​حماتي كانت دايماً بتقول عليا: “بنت من غير عيلة ولا ظهر.. بنت منحة ووشها حلو وخلاص”.روايات وةلا
​كانت صح في موضوع العيلة.. أبويا مات وأنا عندي 21 سنة، وسابلي بيت قديم، ومجموعة ساعات كلاسيك، وشركة ناشئة في الأمن السيبراني كانت بتصارع عشان تعيش. بس اللي باتريشيا ودانيال ما عرفوهوش—لأن غرورهم كان عاميهم عن أي حاجة برة مجتمعهم الطبقي—هو أنا عملت إيه بالشركة دي!
​أنا حولت شركة “أيجيس سيكيوريتي” لحصن رقمي.. وبعتها في السر من سنتين بمبلغ كاش أكبر من كل الإمبراطورية العقارية لعيلة فانس! دانيال كان لسه فاكر إن شغلي “أونلاين” ده مجرد “تسالي كمبيوتر” يا دوب بتجيبلي تمن لبسي.
​ما كانش يعرف إن البيت اللي إحنا قاعدين فيه ده.. أنا اللي شرياه عن طريق صندوق مالي مغلق باسم مستعار!
​ما كانش يعرف إن عقد ما قبل الجواز اللي أجبرني أمضيه، كان متفصل من محامي أنا اللي معيناه تحت التربيزة، ومصمم عشان يحبسه هو أول ما يغلط غلطة تمس الشرف أو يعمل جريمة!
​وأنا صباعي فوق الزرار، دانيال ما كانش عنده فكرة إنه خلاص هيخسر كل حاجة في حياته.. بس فجأة سمعت خطوات رجله التقيلة بتقرب ورايا. مسكني من شعري وبكل غل شد راسي لورا قبل ما ألحق أضغط على الزرار!
​”أنا قولت اخلصي!” دانيال هس في وشي وعينه ضيقت وهو بيبص في الفتحة الضلمة اللي إيدي مستخبية فيها: “أنتِ بتمدي إيدك تجيبي إيه بالظبط يا كلارا؟”
​قلبي كان بيدق في صدري زي عصفور محبوس. الوجع في فروة راسي كان شديد، بس الرعب من إنه يكتشفني كان مشلشلني. لو شاف اللوحة دي، لو جرجرني بعيد قبل ما أضغط، ست شهور من التخطيط الدقيق كانوا هيتحولوا لرماد!
​”زنق..” عيطت بدموع حقيقية وحارقة نازلة على خدي: “الخاتم.. مزنوق في فتحة الباركيه. أرجوك يا دانيال.. أنت بتوجعني”.
​فضل باصص في عيني لحظة طويلة مرعبة. عينه كانت بتدور في الضلمة، بس اللوحة كانت جوه خالص ومدهونة أسود مطفي نفس لون الخشب.. ما كانش يقدر يشوفها من زاويته.
​بقرف و اشمئزاز ساب شعري، ورما راسي لورا. “سيبيه.. إيدك عمالة تنزل دم على الرخام. لفيها واطلعي فوق.. لو سمعتلك صوت ومارتن على التليفون، وقسمًا بالله يا كلارا، المرة الجاية هثبت وشك أنتِ على البوتاجاز!”
​أداني ضهره ومشي ناحية أمه عشان يملى كاسه تاني.
​ودي كانت غلطة عمره القاتلة!
​في جزء من الثانية وهو مديني ضهره، ضغطت على الزرار.
​تحت رخامة المطبخ، لمبة LED حمراء صغيرة نورت.. وبعدين ثبتت على اللون الأخضر.
​كاميرا المراقبة المخفية—المحطوطة بدقة جوه الديكور الخشبي وموجهة عشان تجيب المطبخ والريسبشن كله—بقت لايف! بس السيستم ده ما كانش سيستم مراقبة عادي بيسجل على هارد ديسك عشان نقدمه للشرطة بعدين..
​تليفوني اللي في جيب المريلة اتهز هزة واحدة:
(البث المباشر يعمل)
​اتهز هزة تانية:
(تم إرسال الرابط)
​البث ما كانش رايح لصحابي ولا لأكاونتات مجهولة على السوشيال ميديا عشان محامين دانيال الأغنياء يمسحوها في ثواني.. الكود اللي أنا كتبته بنفسي بعت اللينك اللايف لـ 12 عضو من أعضاء مجلس إدارة شركة “فايرون كابيتال”، وعدى من كل فلاتر الحماية بتاعتهم من خلال ثغرة أنا مجهزاها من شهور.
​اللايف راح للمستشار القانوني للشركة.. راح لرئيس قطاع الالتزام والمتابعة..
​وراح للجمعية الخيرية لمناهضة العنف الأسري، اللي كانت لسه بكل فخر حاطة اسم “باتريشيا” في لجنة الحفلة السنوية الجاية!
​وراح للمحققة “ألفاريز”، اللي شافت تعويرة فكي من تلات أسابيع وقالتلي: “يا مدام فانس، أنا مصدقاكي.. بس من غير دليل، رجالة زي دول دايماً بيكسبوا.. الدليل بيغير كل حاجة”.
​بس البث المباشر كان نص القنبلة بس..
​ضغطة الزرار دي شغلت كمان “أمر تدمير ذاتي مبرمج” على السيرفر بتاعي. السخرية في الموضوع إن عيلة فانس العقارية وظفت من سنة شركة خارجية عشان تعمل صيانة وفحص لشبكة السيرفرات القديمة بتاعتهم.. ومن خلال شبكة شركات وهمية، الشركة الخارجية دي كانت شركتي القديمة!روايات رولا
​بقالي 12 شهر معايا دخول كامل ومخفي لأعمق وأقذر الأسرار المالية لعيلة فانس.. التهرب الضريبي.. الحسابات اللي برة البلد (الأوفشور).. الرشاوي اللي ريتشارد كان بيدفعها لموظفين الحي عشان ياخد رخص وموافقات للمشاريع العقارية الفخمة بتاعته.
​وفي الوقت اللي باتريشيا بتشرب فيه نبيذ ودانيال بيظبط ساعة الرولكس، كان فيه ملفات متفرعة ومتشفرة بجرائم فيدرالية واضحة بتتبعت حالاً لقطاع الجرائم المالية في الـ FBI!
​”أنتِ مابتسمعيش؟” دانيال زعق وهو بيلف ويلاقيني لسه على الأرض. جيه عليا، مسكني من دراعي السليم ووقفني بالعافية. “أنا قولت اطلعي فوق!”
​اتكعبلت وأنا ضامة إيدي المحروقة.. ما عيطتش المرة دي. بصيت بعيني في الكاميرا المخفية الصغيرة.. كنت محتاجاهم يسمعوه.. محتاجة مجلس الإدارة يشوفوا الوحش اللي كانوا هيرقوه كمان شوية.
​قولت بصوت واضح واصل للمايك المخفي: “أرجوك يا دانيال.. إيدي بتعمل فاقيع والجلد بيقشر.. سيبني أروح المستشفى”.
​باتريشيا قلبت عينها وهي ساندة على الرخامة ودخلت في الكدر: “بلاش دلع ماسخ يا كلارا! دي حروق بسيطة. بصراحة يا دانيال، أنا حذرتك إن الجواز من بنت مالهاش أصل هيبقى متعب.. ما عندهاش أي قدرة على التحمل أو الانضباط!”
​دانيال قرص على دراعي أكتر ووشه كله غل: “دخول المستشفيات بيعمل سين وجيم.. هتقعدي في البيت ده، وهتتعلمي إزاي تحترسيني، وإلا المرة الجاية مش هكتفي بإيدك بس!”
​تليفوني اتهز مرتين ورا بعض بسرعة:
(عدد المشاهدين: 14)
​وبعدين اتهز هزة طويلة ما بتفصلش..
​تليفون دانيال بدأ يرن.. ما كانش المعاد لسه جيه، بس الشاشة نورت على الرخامة باسم:
(مارتن شو)
​تليفون باتريشيا اللي جنب الكاس نور بعده بثانية..
​وبعدين تليفون ريتشارد رن بصوت عالي من الريسبشن..
​التلات تليفونات بيرنوا بنغمات مختلفة في نفس الوقت، عاملين سيمفونية من الرعب والخراب اللي داخل على البيت.
​دانيال كشر وبرطم: “هو مارتن بيتصل بدري ليه؟”
​باتريشيا كانت بتبص لشاشة تليفونها ووشها المتدكك بودرة أبيضّ زي الأموات: “هي إيفلين رئيسة الجمعية بتتصل بيا ليه الساعة 9 بالليل؟”
​دانيال فتح الخط وشغل الاسبيكر—زي عادته عشان يورينا إنه مسيطر—ورسم على وشة ابتسامة بروفيشينال منافقة:
​”مارتن! مساء الخير.. بدري شوية بس أنا جاهز طبعاً عشان نتكلم في مستقبل الشركة”.
​الصوت اللي طلع من الاسبيكر ما كانش فيه أي تبريكات.. كان زئير من الغضب الأعمق والأنقى، زئير هز حيطان البيت!
​”دانيال!” مارتن شو زعق بصوت كله قرف واشمئزاز: “ابعد عن مراتك حالا.. دلوقتي!”
​السكوت اللي حل على المطبخ كان أتقل وأخنق من دخان اللحمة المحروقة.
​إيد دانيال تيبست في الهواء.. ابتسامته الواثقة مش بس اختفت، دي اتدشدت ميت حتة. عينه بدأت تروح وتيجي برعب بين التليفون اللي في إيده ووشي، وبعدين بص في المطبخ الفاضي كأنه بيدور على قناص مستخبي!
​”مارتن؟” دانيال لجلج وصوته نزل حتة، وكل الثقة طارت: “أنا.. أنا مش فاهم.. أنت بتتكلم عن إيه؟”
​”أنا شايفك يا دانيال!” صوت مارتن كان بيرعش من الغضب: “مجلس الإدارة كله شايفك دلوقتي.. إحنا لسه شايفينك وأنت كابس إيد مراتك على البوتاجاز المولع! ولسه سامعين أمك وهي بتقول عليه انضباط!”
​ورا دانيال.. الكاس وقع من إيد باتريشيا.. اتهبد على الأرض واتكسر ميت حتة وسط الإزاز الصيني، والنبيذ الأحمر ساح على السيراميك الأبيض زي بركة دم طازة.
​”لأ..” باتريشيا شهقت وهي ماسكة رقبتها وتليفونها لسه عمال يتهز في إيدها التانية: “لأ لأ.. مش ممكن!”
​”أنتِ عملتي إيه؟” دانيال همس وهو بيلفلي.. الصدمة بدأت تفوقه على الحقيقة المرعبة.
​كنت ضامة إيدي المحروقة وبحس بنبضات قلبي جوه الفاقيع.. وقفت مفرودة الطول ونسيت وجع ركبي.. بصيت للراجل اللي رعبني ست سنين، ولأول مرة.. ما اتهزيتش!
​”أنا خليتهم يشوفوا حقيقتك يا دانيال”، قولت بصوت هادي وبارد بيتردد في المايك المخفي: “خليتهم يشوفوا الوش الحقيقي اللي ورا البدلة المتفصلة”.
​دانيال هجم على المطبخ.. الرعب عماه تماماً.. بدأ يفتح الأدراج ويحدف السكاكين الشيف الغالية على الأرض، ويخبط في الخشب زي المجنون: “فين الكاميرا؟! فين الكاميرا دي؟! اقفليها!”
​”دي متوصلة باللايف ومتسجلة خلاص”، رديت وأنا واقفة في مكاني بثبات: “فيه نسخ احتياطية على السحاب (Cloud).. تلات سيرفرات متشفرة في بلدين مختلفين.. حتى لو كسرت المطبخ كله، الفيديو بقا دائم.. بلاش تهين نفسك أكتر من كده”.
​دانيال وقف مكانه، صدره بيطلع وينزل ووشه خالي من الدم.
​مارتن شو ما كانش لسه خلص كلامه: “أمن الشركة دلوقتي طالع على مكتبك يلم حاجتك في كرتونة يا دانيال.. أنت مطرود، من اللحظة دي! وأسهمك وتصفيتك اتجمدت لحد ما التحقيق الجنائي يخلص.. ما تعتبش الشركة، وما تتصلش بأي عميل.. أنت بتجيبلي القرف!”
​الخط قطع.
​باتريشيا طلعت صرخة هستيرية.. وفتحت تليفونها بإيد بترعش: “إيفلين؟ أرجوكي يا إيفلين ده سوء تفاهم—”
​الخط قطع في وشها.. بس لحقت أسمع صوت رئيسة الجمعية الحاد طالع من سماعة التليفون: “…مطرودة من المجلس فوراً! أنتِ عار يا باتريشيا.. والشرطة بلغتهم”.
​ومن الصالون، حماي ريتشارد دخل المطبخ وهو بيترنح.. المليونير العقاري صاحب النفوذ فجأة بقى شكله عجوز ومكسور، وواقف يبص في شاشة تليفونه: “شركائي..” برطم بصدمة: “عاملين تصويت طارئ عشان يطردوني من المجموعة.. جالهم إيميل جماعي.. حسابات بنكية.. ملفات ضرائب.. كلارا، إيه ده؟”
​بصيت لحماي.. الراجل اللي على صوت التليفزيون عشان ما يسمعش صريخي.
​”ده بقا النص الثاني من البث يا ريتشارد”، شرحتله والبرود في دمي مخليني ثابتة: “أنا عملت فحص لسيرفرات العيلة.. ولقيت الرشاوي.. الحسابات اللي برة.. التهرب الضريبي.. الـ FBI استلم الملف المتشفر كله من تلات دقائق بالظبط”.
​”يا و***” دانيال طلع النفس ده.. الصدمة بدأت تروح، والوحش العنيف اللي جواه بدأ يظهر تاني.. عيونه اسودت تماماً وبقت خالية من أي عقل. “أنتِ خربتي حياتي.. أنا هقتلك!”
​ما قصرش مسافات، ده جري عليا!
​”دانيال، اقف!” باتريشيا صرخت لما فاقت للمصيبة: “الكاميرا لسه شغالة!”
​بس دانيال كان عدى مرحلة إنه يهتم بالجمهور.. رفع إيده وقبضتها وجري على رقبتي، مستعد يقطعني بإيديه.. جهزت نفسي ورفعت دراعي السليم عشان أصد الضربة، وعارفة إني مش هعرف أجري منه.
​بس قبل ما إيده تلمسني، هبدة قوية هزت باب البيت.. الباب الأرو الثقيل اتمزع واتكسر ودخل لجوه!
​”الشرطة! كله على الأرض.. حالا!”
​أنوار البوكسات الزرقاء والحمراء بدأت تلف في المطبخ وتضرب في وش دانيال الهيجان.. السرينات ما كانتش بتقرب، دي خلاص وصلت ووقفت تحت البيت.
​تلات عساكر وضباط دخلوا المطبخ وسلاحهم ميرى، وكشافاتهم بتقطع دخان العشاء المحروق.. وراهم دخلت المحققة “ألفاريز”، وشارتها بتلمع على حزامها، وعينها لقطت المنظر المرعب: الإزاز المتدشدش، الدم، النبيذ، وإيدي اللي بتغلي من الحروق.
​”على الأرض يا دانيال فانس!” الضابط الكبير زعق وهو موجه سلاحه لصدري جوزي.
​لو راجل عاقل، منظر تلات طبنجات موجهين ليه كان هيخليه يسمع الكلام.. بس دانيال عقله كان اتمسح.. الدمار المفاجئ لكل كارييره، وسمعته، وحريته، كسروا أي فرامل في دماغه.. النرجسي اللي زيه، الفضيحة عنده أوحش من الموت!
​”ده بيتي أنا!” دانيال سحل في الظباط.. ولف ليا ووشه متشنج من الغل واللعاب بيطير من بوقه: “أنتِ فاكرة إنك هتقدري تأخدي حياتي مني؟! أنا أملكك!”
​هجم عليا تاني زي الحيوان المسعور، وصوابعه عاملة زي المخالب ورايحة على عيني!
​رجعت لورا بسرعة، واتزحلقت على الرخام الناعم.
​”نيموه في الأرض!” المحققة ألفاريز زعقت.
​الظباط اتحركوا بسرعة واحترافية.. اتنين منهم هجموا عليه وشالوه ورموه في الأرض وسط الإزاز المكسور والنبيذ. دانيال كان بيحارب زي الوحش الكاسر، بيعفر، بيخبط، وبيشتم شتايم وسخة صوتها بيرن في السقف العالي. ضرب ظابط بكوعه في فكه، بيحاول بكل طريقة يفك عشان يوصلي.
​”اثبت!” عسكري زعق وهو حاطط ركبته في ظهر دانيال وبيلوي دراعه ورا ظهره.
​التكة الحديد بتاعة الكلبشات وهي بتقفل على إيده.. كانت أحلى صوت سمعته في حياتي كلها!
​وقفوه بالعافية.. قميصه الغالي كان مقطوع ومتغرق نبيذ.. وشه كان متبهدل، وفيه جرح في خده من حتة إزاز وهو بيعافر في الأرض.. بقا شكله بالظبط زي ما هو: مجرم، تافه، وعنيف.
​”كلارا!” دانيال صرخ وهو بيعافر والظباط بيجروه للباب: “قوليلهم إن ده غلط! قوليلهم ما كنتش أقصد! أنا جوزك! كلارا!”
​وقفت بالراحة، وضامة إيدي المحروقة، ومشيت لحد ما بقيت واقفة قدامه.. وقفت بعيد عن إيده.. وبصيت في عيونه المرعوبة الهايجة.
​”أنا مش مراتك خلاص يا دانيال”، قولت بصوت ثابت وقوي، صوت ملوش رجعة: “أنا عزرائيل بتاعك”.
​فضل يصرخ بغل وهما بيزقوه برة الباب وبيرموه في بوكس الشرطة.
​في المطبخ، الهيبرة هديت وحل سكوت تقيل ومذهل. باتريشيا كانت مرمية جنب الرخامة وبتعيط بهستيريا، وهيلزها الدهبي مقلوب في الأرض، وشعرها منكوش. ريتشارد كان قاعد على كرسي البار، بيبص للارض وفاقد النطق كأن روحه طلعت.
​المحققة ألفاريز عدت من وسط الكركبة وقربت مني.. وشها الجاد هدي خالص وهي بتبص للحرق الأحمر المرعب اللي مغطي كف إيدي كله.
​”مدام فانس”، قالت بحنية: “الإسعاف مستنياكي تحت.. لازم نروح المستشفى حالاً”.
​”شكراً يا محققة”، همست، والادرينالين بدأ ينسحب من جسمي وخلاني أترنح وأنا واقفة.
​فجأة باتريشيا زحفت لقدام ومسكت في جاكت المحققة ألفاريز: “أرجوكي يا محققة”، ترجتها بصوت مسرسع ومذلول: “ممكن نحلها ودي.. العائلات الكبيرة بتحل مشاكلها ودي! هندفع لها كل اللي هي عايزاه.. بس بلاش قبض علينا”.
​ألفاريز بصت لباتريشيا بنظرة كلها قرف واشمئزاز يقطع النفس.
​”الوقت عدا على الودي يا مدام فانس”، المحققة شدت جاكتها من إيد باتريشيا: “إحنا مش بس شفنا اللايف وأنتِ بتتفرجي على تعذيب مرات ابنك.. زمايلي في الفيدرالي لسه مكلميني بخصوص ملف البيانات اللي اتبعت من الـ IP بتاع البيت ده”.
​باتريشيا ثبتت مكاها، والدم هرب من شفايفها.
​”الـ FBI طلع خلاص أوامر ضبط وإحضار لحساباتكم، وممتلكاتكم، والجمعية بتاعتكم”، ألفاريز كملت بصوت رسمي بارد: “فيه قوة جاية دلوقتي عشان تاخدك أنتِ وجوزك على القسم للتحقيق في قضايا النصب الإلكتروني، التهرب الضريبي، والتآمر.. أنتِ مش رايحة النادي الليلة دي يا باتريشيا.. أنتِ رايحة الحجز”.
​باتريشيا طلعت صرخة عالية واترمت في الأرض.
​ما قعدتش عشان أشوفهم وهما بيكلبشوها.. أديرت ومشيت وسبت خراب عيلة فانس ورايا.. طلعت من الباب المكسور، وشميت الهوى الساقع والنضيف بتاع الليل. أنوار الإسعاف اللي بتنور وتطفي كانت بتستقبلني كأنها طوق نجاة. الوجع في إيدي كان بيموت، بس وأنا في الإسعاف والمسعفين بيلفوا إيدي بشاش ومرهم ساقع مهدئ.. حسيت براحة وسلام داخلي رهيب غمر قلبي.
​النار حرقت إيدي.. صح.. بس حرقت إمبراطوريتهم كلها وجابتها الأرض!
​نص الليل في أوضة المستشفى كان عبارة عن هدوء معقم.. اللمض الفلورسنت كانت بتزن فوق راسي، وعاملة ضل طويل على الأرض البلاط. إيدي الشمال، المليانة مرهم حروق ومتغطية بشاش أبيض سميك، كانت بتنقح بنبض منتظم ومرفوعة على مخدات.
​وعلى الكرسي البلاستيك المعبس اللي جنب السرير، كانت قاعدة “إيفلين” محاميتي.. دي ما كانتش مجرد محامية طلاق، دي كانت وحش لابس بدلة فورمال، ودلوقتي كانت بتبص في التابلت بتاعها ووشها كله رضا وشماتة.
​”دي مجزرة يا كلارا”، إيفلين قالت وعينها بتلمع بانتصار: “عمرى في حياتي ما شفت إعدام شركات بالسرعة دي!”
​”قوليلي..” همست بصوت مبحوح من الدخان والصريخ.
​إيفلين بدأت تقرأ من التابلت: “طرد دانيال من شركة فايرون كابيتال بقى رسمي وعلني.. مجلس الإدارة نزل بيان بيدينه قبل ما بوكس الشرطة يوصل القسم اصلاً. ومتوجهاله تهم ضرب وإصابة، وعنف أسري، ومقاومة سلطات.. وعشان ضرب عسكري، اترفض الإفراج عنه بكفالة.. وهيبات في سجن ريكرز الليلة دي”.
​غمضت عيني، وسبت الحقيقة دي تدخل جوه عضمي.. مش هيقدر يوصلي.. مش هيقدر يؤذيني تاني أبداً.
​”وأبوه وأمه؟” سألتها.
​”مباحث الأموال العامة داهمت مكتب ريتشارد من ساعة”، إيفلين كملت والابتسامة وسعت على وشها: “ملف البيانات اللي بعتيه كان كامل ومفهوش غلطة.. لبسوه قضية تهرب ضريبي ورشاوي لموظفين الحي.. شركائه أجبروه يتنازل عن نصيبه في اجتماع طارئ عشان ينجوا بجلدهم. وجعيمة باتريشيا؟ جمدوا عضويتها فوراً.. وفيه تحقيق شغال معاها بتهمة اختلاس أموال الجمعية عشان تصرف على لبسها وحياتها الفارهة.. اتدمروا تماماً”.
​إيفلين سكتت شوية، وبصت في عيني: “عقد ما قبل الجواز شغال وفي مصلحتنا يا كلارا.. عشان دانيال انتهك بند الشرف والجريمة، فمالوش حق يطالب بأي مليم من أصولك وفلوسك.. وده بيجيبنا للسؤال التاني: هنعمل إيه في البيت؟”
​بصيت لإيدي المتغلفة بالشاش.. البيت اللي اتهنت فيه، واتشتمت فيه، واتحرقت فيه.. البيت اللي شريته بفلوسي في السر عشان أحبسهم جوه طمعهم.
​”بيعي”، قولت بصوت واطي بس كله قوة: “هدي المطبخ المتفصل ده، شيليه من جذوره، وبيعي البيت لأعلى سعر.. مش عايزة أشوفه تاني أبداً.. هو أدى غرضه خلاص”.
​إيفلين هزت راسها وكتبت بسرعة على التابلت: “اعتبريه حصل.. أنتِ بقيتي ست حرة يا كلارا.. أغنى من إمبارح، وأمانك ملوش حدود”.
​مشيت بعد كام دقيقة، وسابتني لوحدي وسط زن الأوضة الهادي. نمت على المخدة وبصيت في السقف.. لسنين طويلة، كنت فاكرة إن سكوتي ده سلام.. كنت ببلع اعتذارات مش من حقي.. كنت بداري علامات الضرب تحت كمام الحرير الطويلة وببتسم في الحفلات وأنا سامعة باتريشيا بتتكلم عن “الستات القوية” قدام الصحافة.
​كنت مخلية نفسى أبان ضحية.. كان لازم أعمل كده.. عشان ما يشوفوش المهندسة اللي بتبني المشنقة تحت رجليهم.
​بعد ست شهور.. التراب كان نزل خلاص وهدي فوق مباني مانهاتن.
​دانيال اتحكم عليه بـ 8 سنين سجن مشدد، واترمى من كل أعضاء مجلس الإدارة اللي كان في يوم من الأيام بيشرب معاهم شمبانيا. ومن غير محامين غاليين—اللي مابقاش معاه فلوس يدفع لهم—دفاعه انهار.
​باتريشيا وريتشارد كانوا بيحاربوا قضايا فيدرالية، واضطروا يبيعوا مجوهرات باتريشيا الغالية ويسكنوا في شقة إيجار ضيقة عشان يدوب يدفعوا مصاريف المحامين.. إمبراطوريتهم طارت، الحكومة حجزت عليها أو اتباعت في المزاد عشان تدفع التعويضات.
​أما أنا.. فكنت واقفة في الشمس في شقتي الجديدة البسيطة (المودرن) اللي بتبص على السنترال بارك.
​إيدي خفت، بس الصدمة سابت علامة.. علامة دايمة على شكل هلال، خط فضي بارز في كف إيدي. الدكاترة عرضوا عليا يعملوا عملية تجميل عشان يشيلوها خالص، بس أنا رفضت.
​عمرى ما داريتها.. وعمرى ما هخبيها.
​الصبح ده.. كان عندي أول مؤتمر صحفي كبير بصفتي مؤسسة جمعية “أيجيس للدعم الرقمي”.. مؤسسة خيرية بتمويل ضخم جداً، هدفها توفير حماية رقمية مشفرة، كاميرات مخفية، وخزنات قانونية محمية لضحايا العنف الأسري من الطبقات الغنية.. بندي الستات الأدوات اللي تخليهم يبنوا دليلهم في السر، من غير ما المجرمين يحسوا بيهم.
​الأوضة كانت زحمة ومتروسة صحفيين.. وفي أخر المؤتمر، صحفية من قناة كبيرة رفعت إيدها.
​”مدام فانس”، سألت وصوتها طلع في المايكات: “بعد كل اللي عشتيه—العنف النفسي، الضرب، والغدر—هل شتوفي نفسك محظوظة إنك قدرتي تهربي وتنقذي حياتك؟”
​بصيت للعلامة اللي في كف إيدي، ومشيت صباعي فوق الجلد البارز الناشف.. ما بقتش توجع خلاص.. دي مجرد ذكرى، اتولدت من النار.
​رفعت راسي، وبصيت في فلاشات الكاميرات، وابتسمت.. ما كانتش ابتسامة باهتة أو مجاملة.. دي كانت ابتسامة قوة حقيقية وجبروت.
​قولت بصوت واضح وصريح هز الأوضة كلها: “لأ.. ما بشوفش نفسي محظوظة.. أنا كنت جاهزة”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *