روايه جديده ج٢

“الفصل السادس”
مرت الأيام المتبقية على همام وعهد كثقل غيمة سوداء لا تمطر سوى وجعًا، لم يعد أي منهما يرى في الأفق سوى صورته كضحية، كليهما مقتنع أن الآخر هو من خذله، وكليهما يتهيأ لمصير رسمه بمرارة قلبه.
وجاء يوم الزفاف.
ارتدت عهد فستانها الأبيض وكأنها تزف إلى قبر لا إلى عرس، كان القماش الناعم يلتف حولها ككفن محكم، يخنق أنفاسها ببطء. دموعها استنزفتها حتى جفت عينيها؛ لم تعد تبكي، لم تعد تصرخ، فقط نظرة واحدة تسكن عينيها، نظرة الانكسار التي رأتها يوم وقفت أمام همام وذ..بحت قلبه بيديها.
في الخارج، كانت الزغاريد تتعالى، والموسيقى تصدح، والضحكات تتشابك في الهواء. الجميع يحتفل، يرقص، يبارك. أما هي، فكانت جالسة في منتصف غرفتها كتمثال من شمع ذاب قلبه وبقي شكله.
حين انتهت من زينتها وغادر الجميع الغرفة، ساد صمت ثقيل، رفعت عينيها ببطء نحو المرآة، رأت عروسًا متلألئة بالحلي، محكمة بالزينة، لكنها لم تر نفسها، اقتربت أكثر، لامست بأطراف أصابعها اسمها المنقوش على بطاقة الدعوة الموضوعة أمامها:
“عهد رياض، زوجة أسر.”
ارتجفت يدها، زوجة أسر.
مررت إصبعها فوق الاسم كأنها تحاول محوه، لكن الحبر لم يتزحزح، شعرت وكأن هويتها تنتزع منها قسرًا، في تلك اللحظة، دوى صراخ صامت داخل صدرها، ولم تشعر بنفسها إلا وهي تلتقط زجاجة العطر وتلقيها بقوة نحو الأرض، تناثر الزجاج حولها في شظايا حادة، ورائحة العطر امتزجت برائحة الاختناق التي تملأ المكان.
حركت رأسها بنفي هستيري، كأنها تطرد فكرة شيطانية، وفجأة، نهضت.
نهضة واحدة، حاسمة، وكأن يدًا خفية انتشلتها من غيبوبة طويلة.
تقدمت نحو الباب، فتحته ببطء، وأطلت برأسها في الممر، كان هادئًا على غير العادة، لا أحد، سحبت أنفاسها بحذر، ورفعت طرف فستانها بين يديها حتى لا يصدر احتكاكه بالأرض صوتًا يفضحها.
خطت أولى خطواتها خارج الغرفة.
كان قلبها يدق بعنف حتى خيل إليها أن صوته سيسبقها إلى الأسفل. اقتربت من الدرج، وانحنت قليلًا لتنظر. في الأسفل، كان الجميع مجتمعين؛ أسر يقف مزهوًا، رياض يوزع الابتسامات الواثقة، الضيوف ينتظرون لحظة نزول العروس.
تراجعت بسرعة حين سمعت صوت خطوات تقترب من أحد الممرات الجانبية، التصقت بالجدار، تحبس أنفاسها، مرت إحدى قريباتها مسرعة وهي تقول:
“فين العروسة؟ المفروض تنزل حالًا!” شعرت أن الأرض تميد تحت قدميها.
لو تأخرت دقيقة أخرى، سينتهى كل شيء.
نظرت يمينًا ويسارًا بعينين مذعورتين تبحثان عن منفذ خلفي، في تلك اللحظة، لمحت خادمتها الخاصة تمر قرب الممر المؤدي إلى السلم الخلفي. هتفت إليها بصوت هامس مرتجف.
اقتربت الخادمة بعدم فهم وقالت:
“انتي واقفه كده ليه يا أنسه عهد؟”
تكلمت بصوت مختنق وبترجي: “ساعديني يا داده اهرب من هنا، مستحيل اتجوزه.”
ابتلعت ريقها بصعوبة وتكلمت بتلعثم:
“ا اساعدك تهربي! ب بس لو رياض باشا عرف هيكون اخر يوم فى عمري.”
حركت رأسها بالرفض وقالت:
“متقلقيش محدش هيعرف انك ساعديني، بترجاكي يا داده، أنا مش هقدر اعيش مع راجل تاني غير همام.”
ترددت الخادمة لحظة، تتلفت حولها بذعر، ثم زفرت بضيق وأومأت برأسها بالموافقة، أشارت إليها أن تتبعها. تحركتا بخطوات محسوبة عبر الممر الخلفي المؤدي إلى باب الخدمة، في منتصف الطريق، سمع صوت رجل من الحراسة ينادي على أحد زملائة.
تجمد الدم في عروق عهد.
دفعتها الخادمة بسرعة داخل مخزن صغير وأغلقت الباب نصف إغلاق. مرت لحظات بدت دهورًا، ثم ابتعد الصوت تدريجيًا، فتحت الخادمة الباب مجددًا وهمست:
“يلا بسرعة.”
أخيرًا، وصلت إلى الباب الخلفي.
هواء الخارج لفح وجهها كصفعة أيقظتها تمامًا، عبرت البوابة الصغيرة دون أن يراها أحد، وما إن ابتعدت خطوات قليلة حتى احتضنت الخادمة بقوة، وكأنها تعانق آخر خيط نجاة في حياتها.
أوقفت سيارة أجرة بيد مرتعشة، جلست في المقعد الخلفي، وأغلقت الباب خلفها، تحركت السيارة.
أخرجت هاتفها بسرعة، ضغطت على اسمه.
“الهاتف مغلق.”
جف حلقها.
حاولت مرة أخرى.
“الهاتف مغلق.”
نظرت إلى انعكاسها في مرآة السيارة الصغيرة، عروس هاربة، بفستان أبيض وشعر مصفف بعناية، وعينين يملؤهما الذعر، تذكرت صوته وهو يقول بسخرية لاذعة:
“تنفعي تشتغلي ممثلة.”
ابتسمت بوجع وهمست لنفسها:
“المرة دي مش تمثيل يا همام.”
وضغطت الهاتف بين يديها بقوة، بينما كانت السيارة تشق طريقها نحو الحارة، نحو الأمل الأخير، أو نحو الكارثة التي لم تكن تعلم أنها تنتظرها هناك.
*************************
بالحارة…
وقف همام في منتصف الشقة الخاوية، يتلفت حوله بعينين مثقلتين، كأنه يودع روحًا لا جدرانًا. كانت حقائب السفر مصطفة قرب الباب، شاهدة على قرار اتخذ تحت وطأة الكرامة المكسورة، لا تحت هدوء العقل.
سكنت عيناه على الأريكة الصغيرة في الركن، فداهمته ضحكتها، هنا جلست يومًا تعبث بطرف ثوبها، وهنا وقفت تقسم أنها لن تكون لرجل غيره. في كل زاوية ذكرى لها، وفي كل صمت صدى صوتها.
ارتفعت دقات قلبه بعنف، حتى خيل إليه أن يستمع اضطرابه. حرك رأسه برفض متتابع، كمن يحاول أن ينتزع صورتها من ذاكرته انتزاعًا، أن يسكت ذلك الصوت الذي يهمس باسمه على طريقتها.
“كفاية، كفاية.”
لكن الذكريات لا تطرد بالأوامر.
انتبه إلى صوت والدته من خلفه، صوت مثقل بالحزن، ترتجف فيه أمومة خائفة:
“بلاش تسافر يا ابني وتبعد عن حضني، ويا عالم نتقابل تاني ولا لا.”
استدار إليها ببطء. كانت واقفة عند عتبة الغرفة، عيناها معلقتان به كما لو كانت تحفظ ملامحه، اقترب منها، أمسك يدها وقبلها بحنان موجوع، ثم قال بصوتٍ مختنق:
“بعد الشر عنك يا حبيبتي، ربنا يبارك فى عمرك ويخليكي ليا، مش هقدر يا أمي أعيش على نفس الأرض اللي هي عايشه عليها، هعيش مكسور فيها، خليني اسافر مكان تاني اداوي قلبي اللي اتوجع بسببها.”
شدته إلى صدرها كما كانت تفعل وهو صغير، وكأنها تحاول أن تعيده طفلًا قبل أن يعرف الحب، وقبل أن يعرف الخذلان، تحدثت بصوت أم ينزف على فلذة كبدها:
“يا ضنايا يا ابني، ربنا يريح قلبك يا حبيبي ويرجعك ليا سالم غانم يارب.”
ابتسم ابتسامة لم تصل إلى عينيه، ابتسامة رجل يحاول أن يبدو ثابتًا كي لا ينهار بين ذراعي أمه.
“يلا يا امي، علشان اوصلك عند اختي قبل ما أمشي.”
تنهدت بضيق ممزوج بالرفض:
“طيب خليني عايشه فى بيتي يا ابني، أنا أيه بس هيخليني أروح أعيش عند أختك، مش عايزة أكون تقيله على حد.”
أمسك يدها برفق بالغ، وكأنه يخشى أن تنكسر:
“يا حبيبتي مش هينفع اسيبك تعيشي هنا لوحدك، مش هكون مطمن عليكي، أختي هتاخد بالها منك، وجوزها أبن حلال وطيب عمره ما هيزهق منك، إنتي خالته مش حد غريب، يلا يا حبيبتي أمشي.”
نظرت إلى الشقة نظرة أخيرة، نظرة امرأة عاشت عمرها بين هذه الجدران، وربت فيها ولدًا وأبنه كان كل دنياها. مر بصرها على المطبخ الصغير، على الشرفة الضيقة، على سجادة الصلاة في الركن، ثم زفرت زفرة طويلة وخرجت.
حمل همام الحقائب، وأطفأ الأنوار واحدًا تلو الآخر، كل ضغطة زر كانت إعلانًا بإغلاق فصل كامل من حياته. وقف لحظة عند الباب، مفاتيحه بين أصابعه، وتردد.
تخيل للحظة خاطفة، أنها قد تطرق الباب الآن، أن يسمع صوتها تناديه باسمه، لكن الصمت كان سيد المكان.
ابتلع غصته، وأغلق الباب بإحكام.
نزل السلم ببطء، تتبعه والدته بخطوات أثقل من أن تحمل، حين وصلا إلى الشارع، أوقف سيارة أجرة. وضع الحقائب في صندوقها الخلفي، وساعد أمه على الجلوس.
قبل أن يركب، رفع رأسه نحو الشرفة الصغيرة لشقته. بقيت معتمة، ساكنة، كأنها لم تعرف يومًا ضحكة أو وعدًا.
ركب السيارة.
تحركت ببطء خارج الحارة، مبتعدة عن كل شيء عرفه.
وفي الجهة الأخرى، كانت سيارة أخرى تشق طريقها نحوه، تحمل عروسًا هاربة، وقلبًا يسبقها إليه بدقائق معدودة.
***********************
توقفت سيارة الأجرة عند مدخل الحارة، ترجلت عهد منها قبل أن تستقر عجلاتها تمامًا، ودفعت الأجرة بيد مرتجفة دون أن تنتظر الباقي. كان فستانها الأبيض ينساب خلفها كذيل حلم يحتضر، يجذب إليه أعين أهل الحارة الذين تجمعوا على الأبواب والشرفات، يتهامسون بدهشة واستغراب، لم تعبأ.
رفعت طرف فستانها وركضت.
كل خطوة كانت صفعة على قلبها، وكل نبضة تصرخ باسم واحد. وصلت إلى بناية همام، دفعت الباب بلهفة، وصعدت الدرج بسرعة كادت تزل بها. أنفاسها تتقطع، وصدرها يعلو ويهبط بعنف.
وقفت أمام بابه.
الباب الذي وقفت خلفه يومًا تنتظر أن يفتح لها بقلب مفتوح، طرقت.
مرة، مرتين، عشرا.
ثم راحت تضغط على زر الجرس بإصرار هستيري، كأنها تحاول أن تعيد الزمن للوراء بالضغط المتكرر، لكن الداخل ذكريات صامته، لا صوت حركة، لا وقع أقدام، لا أحد يقترب من العين السحرية.
حركت رأسها برفض متتابع.
“لا، لا، هو جوه، أكيد جوه.”
طرقت من جديد، أقوى، حتى آلمتها قبضتها، ألصقت أذنها بالباب، فلم تسمع سوى صمت بارد.
تراجعت خطوة، ثم هبطت الدرج مسرعة، تكاد تتعثر بثوبها، لمحت إحدى الجارات تقف عند المدخل، تحدق بها في ذهول.
اقتربت منها بأنفاس متلاحقة وسألت بعينين مذعورتين. أجابها الرجل الواقف إلى جوارها قائلًا:
“أيوه همام اخد أمه وسافر من شوية، زمانه وصل للمطار.”
توقفت الكلمات في الهواء، لكنها لم تتوقف في قلبها؛ بل اخترقته كرصاصة.
حركت رأسها بهستيرية، ترفض المعنى قبل أن تستوعبه.
“لا، لا مش ممكن.”
استدارت فجأة، وركضت في الشارع بفستانها الأبيض، لا ترى نظرات الناس، لا تسمع همساتهم، لا تشعر بشيء سوى أن شيئًا منها ينتزع بعيدًا.
أوقفت سيارة أجرة بيد مرتجفة، كادت تسقط لولا أنها تمسكت ببابها.
“على المطار، بسرعة!”
انطلقت السيارة، بينما كانت هي تحاول الاتصال به من جديد.
“الهاتف مغلق.”
أغلقت عينيها بقهر، وضغطت الهاتف إلى صدرها، كأنها تعاقبه لأنه لا ينقل صوتها إليه.
وصلت إلى المطار.
توقفت السيارة، اندفعت خارجها، وركضت نحو البوابة بعينين تبحثان بجنون بين الوجوه، رجال، نساء، مسافرون، حقائب تجر على الأرض، لكن لا أثر له.
دارت حول نفسها كطفلة ضاعت في زحام لا يرحم.
“همام!”
خرج اسمه من بين شفتيها مكسورًا، ثم أعلى، ثم أعلى، حتى صار صرخة. التفتت إليها الوجوه باستغراب، بعضهم يشير إليها، بعضهم يبتسم بسخرية، وبعضهم يكتفي بالمشاهدة.
لكنها لم تكن ترى أحدًا.
وفجأة، سمعت هديرًا مألوفًا.
رفعت رأسها ببطء.
كانت الطائرة ترتفع في السماء، تشق الغيوم، تبتعد.
اتسعت عيناها، كأنها تحاول أن تمسكها بنظراتها.
“همام.”
خرج اسمه هذه المرة همسًا مبحوحًا.
ثم انهارت.
سقطت على الأرض بفستانها الأبيض الذي اتسخ بطين الطريق، وارتفعت من صدرها صرخة مدوية، صرخة امرأة لم تفقد حبيبًا فحسب، بل فقدت آخر فرصة للغفران.
ترددت الصرخة في أرجاء المكان، لكنها لم تبلغ الطائرة التي واصلت صعودها في السماء، حاملة معها قلبًا يظن أنه ترك، وقلبًا آخر تأخر دقيقة واحدة فقط.
*************************
صعد رياض الدرج بخطوات واثقة، لا يشك لحظة أن الأمور تسير وفق ما خطط له، كانت الموسيقى تتعالى في الأسفل، والضيوف ينتظرون نزول العروس، مد يده وطرق باب غرفة ابنته طرقًا خفيفًا في البداية، ثم دفعه مفتوحًا وهو يبتسم ابتسامة رسمية جاهزة.
لكن ابتسامته تجمدت، الغرفة خالية.
تقدم خطوة إلى الداخل، عيناه تجوبان المكان باضطراب مفاجئ. الفستان ليس في موضعه، الزينة مبعثرة قليلًا، وشظايا زجاج متناثرة على الأرض كأنها بقايا انفجار صغير.
اشتد وجهه، وخرج صوته غاضبًا وهو يهتف بأسماء الخدم والحرس. تجمعوا أمامه مذعورين، يتبادلون النظرات، وكل منهم يؤكد أنه لم يرها، ولم تمر من أمامه.
كان الغضب يتصاعد في صدره، لكن خلفه مباشرة، وقف أسر، صامتًا.
هادئًا على نحو غير طبيعي.
لا سؤال، لا انفعال، لا حتى دهشة.
كان يراقب المشهد بعينين ثابتتين، كأنه يشاهد عرضًا كان يعرف نهايته سلفًا.
ذلك الهدوء أربك رياض أكثر من اختفاء ابنته، التفت إليه بتوتر واضح، وقال بتلعثم حاول إخفاءه:
“م متقلقش هنجيبها، والفرح هيتم وهتاخدها بيتك.”
أرجع أسر ظهره إلى الخلف قليلًا، ونظر إليه نظرة مطولة، باردة، خالية من أي تعاطف. لم يجبه.
أخرج هاتفه ببطء، ضغط رقمًا محفوظًا، وما إن جاءه الرد حتى قال كلمة واحدة:
“نفذ.”
هبطت الكلمة في صدر رياض كطعنة خفية، شعر بأن الأرض تميل به، وقال بصوت مضطرب:
“ت تقصد ايه بكلمة نفذ دي؟”
وفي تلك اللحظة، أعلن هاتفه عن اتصال وارد.
ابتسم أسر ابتسامة لم تصل إلى عينيه، وقال بهدوء مريب:
“رد على تليفونك وانت هتعرف.”
ازدادت دقات قلب رياض حتى كادت تخترق أذنيه، ابتلع ريقه بصعوبة، وضغط زر الاستجابة، وما إن أجاب، حتى جاءه صوت محاميه صارخًا في أذنه:
“خسرنا كل حاجة يا رياض باشا، الاسهم بتاعتنا بقت فى الارض، بعد انسحاب شركة فريد الهواري، وفسخ عقد الشراكة، الشركة راحت وكل حاجة راحت يا باشا.”
تجمد، بقي الهاتف ملتصقًا بأذنه، لكن الكلمات لم تعد تسمع بوضوح، شعر كأن الهواء انسحب فجأة من حوله. نظر ببطء نحو أسر، فوجده يبادله نظرة احتقار صريح، عينه ممتلئة بشر بارد.
سقط الهاتف من يد رياض، وارتطم بالأرض، بينما خرج صوته متقطعًا، ضعيفًا على غير عادته:
“ل ليه؟”
اقترب أسر منه بخطوات محسوبة، حتى وقف أمامه مباشرة، وتحدث بنبرة غاضبة تخفي شماتة عميقة:
“علشان كنت متوقع الغدر من بنتك، علشان أنت معرفتش تربي يا رياض باشا.”
كانت الكلمات كفيلة بأن تطيح بما تبقى من تماسكه.
استقام أسر بجسده، سوى سترته، وارتسمت على وجهه ابتسامة شامتة، ثم استدار وغادر المكان بخطوات ثابتة، تاركًا خلفه رجلًا خسر إمبراطوريته في ليلة واحدة.
تدريجيًا، انفض الجميع، خفتت الموسيقى، انطفأت الأضواء واحدة تلو الأخرى، كما لو أن الفرح ذاته لم يكن سوى وهم عابر.
جلس رياض على أقرب مقعد، يحدق في الفراغ، كانت الضوضاء في رأسه أعلى من أي موسيقى. مد يده المرتعشة إلى ربطة عنقه، وبدأ يفكها بعنف وهو يشعر بالاختناق، كأن شيئًا يضغط على صدره بقسوة.
تنفسه صار أثقل.
نظر حوله إلى القاعة التي كانت قبل دقائق تضج بالحياة، فإذا بها الآن باردة، خالية، كأنها تسخر منه.
ازدادت ضربات قلبه اضطرابًا، وتشوش بصره، حاول أن يتمسك بطرف الطاولة ليستند، لكن جسده خانه.
مال إلى الخلف، وسقط.
غاب الوعي عنه، وساد المكان صمت ثقيل، لا يقطعه سوى صدى ليلة بدأت بزغاريد، وانتهت بانهيار كامل.
************************
“الفصل السابع”
بعد مرور عدة أعوام…
استيقظ همام على صوت طفولي دافئ، صوت لا يعرف في هذا العالم سوى أب احتمى به من جرح قديم ما زال ينزف في صمت، وأم تعشق قلبًا لم يكن يومًا لها إلا بحكم القدر.
“بابي، بابي، اصحى يلا.”
فتح عينيه ببطء، كأنهما مثقلتان بحلم لم يكتمل، كانت آثار دمعة لم تجف بعد مرسومة على وجنته، وابتسامة مكسورة تستقر فوق شفتيه. اعتدل في جلسته، ومد ذراعيه إليها، فصعدت فوق قدميه بخفة، فقبل وجنتها الناعمة برفق بالغ، وقال:
“صباح الورد يا قلب بابي.”
ضحكت ببراءة أذابت ما تبقى من قسوة الليل، وقالت بطفولية محببة إلى قلبه:
“أنا جعانة يا بابي، ومامي مستنياك تصحى، علشان ناكلوا سوا.”
ابتسم لها بنبرة مازحة يخفي بها شيئًا أعمق:
“يا روح بابي حقك عليا، هقوم أغسل وشي وأجي وراكي على طول.”
أنزلها برفق إلى الأرض، وربت على شعرها، ثم قال:
“يلا روحي قولي لمامي تحضر الفطار.”
أومأت برأسها الصغيرة وركضت خارج الغرفة، تاركة خلفها دفئًا قصير العمر.
ظل ينظر إلى أثرها لحظة طويلة، وابتسامته تذبل شيئًا فشيئًا. عاد إليه الحلم، نفس الحلم الذي يزوره بين الحين والآخر كندبة تفتح من جديد. كانت تضحك مثل ملاك، تقفز حوله كطفلة، ثم ترتمي في أحضانه كما لو كانت تخشى أن يختفي. كان يحتضنها بقوة مبالغ فيها، كأنه يعلم في أعماقه أنها مجرد حلم، وأنها ستفلت من بين ذراعيه في أي لحظة، كما فعلت يومًا.
أغمض عينيه سريعًا، قبل أن تخونه دمعة أخرى.
نهض من فراشه، واتجه إلى المرحاض. نزع ملابسه، وترك الماء ينساب فوق جسده، لعله يغسل شيئًا من ثقل الذكريات العالقة بروحه. لكنه كان يعلم أن بعض الأوجاع لا تغسل.
خرج، ارتدى ملابسه بعناية، ثم هبط إلى الأسفل.
كانت المائدة معدة، ولانا تجلس بجوار ابنتهما تنتظره. حين رأته، ابتسمت ابتسامة امرأة تحاول أن تصنع من العدم حياة كاملة.
اقترب منهما، قبل رأس زوجته في هدوء، ثم حمل ابنته وأجلسها على قدميه، وقال بصوت ثابت:
“صباح الخير يا لانا.”
ابتسمت له بحب صادق وقالت:
“صباح النور همام.”
بدأ يطعم طفلته بيده، يلاعبها، يضحك لضحكاتها الصغيرة. كان يبدو أبًا سعيدًا، وكان كذلك فعلًا، لكن بينما انشغل بروفان، لمح ظل ألم يمر على وجه لانا سريعًا، كغيمة حاولت الاختباء.
توقف، ونظر إليها بقلق حقيقي:
“مالك يا لانا، انتي تعبانه؟”
أومأت برأسها قليلًا وقالت بألم خافت:
“مش عارفه همام، حاسة بوجع شويه هنا.”
وأشارت إلى معدتها.
اعتدل في جلسته فورًا، وصوته يسبق تفكيره:
“أنا هتصل بالدكتور.”
هزت رأسها برفض لطيف:
“لا همام، مش مستاهلة، شوية وجع بسيط، وهيروح كمان شوية، دي مش أول مرة أحس بي.”
نظر إليها نظرة مطولة، لم تعجبه جملتها الأخيرة، وقال بضيق واضح:
“ولما انتي حسيتي بالوجع ده قبل كده مقولتيش ليه؟”
ابتسمت له ابتسامة عاشقة، تحمل امتنانًا وحبًا وشيئًا من الاستسلام:
“همام، أنا مش عايزة اعطلك، أنت شايل شغل الشركة كلها لوحدك، وأنا باخد مسكن وبيروح الوجع مش بحس بي.”
تنفس بعمق، وأمسك يدها بين كفيه، وقال بنبرة دافئة صادقة:
“لانا، أنا مافيش حاجه فى الدنيا تعطلني عنك، إنتي مراتي، وأم بنتي، وقفتي جنبي كتير أوي لما جيت هنا البلد، وبسببك بقيت أب لأجمل بنوته، علشان كده لو هديكي عمري كله مش خسارة فيكي.”
أطرقت لحظة، ثم رفعت عينيها إليه، وفيهما رجاء امرأة تعبت من الانتظار. قبلت يده بحب، وقالت بصوت يوشك أن ينكسر:
“أنا مش عايزة حاجه همام، غير انك تحبني، نفسي اشوف حبي فى عيونك، أنا عارفه أن الحب مش بأيدينا، بس انا بعشقك، ونفسي تحبني.”
انخفضت عيناه إلى الأرض. لم يكن في ملامحه قسوة، بل عجز، وقبل أن يتكلم، تابعت هي بسرعة خجولة:
“أنا مش قصدي اوجعك همام، أنا بس بقولك اللي فى قلبي.”
رفع بصره إليها، وابتسم ابتسامة رجل يعتذر عن شيء لا يملكه، وقال:
“أنا آسف يا لانا.”
كلمتان فقط.
نهض بعدها بهدوء، ووضع ابنته على المقعد بجوار أمها، ثم غادر المكان بخطوات صامتة، لكنها مثقلة بما لم يقل.
تبعته لانا بنظرة طويلة، حزينة، ثم أعادت بصرها إلى طفلتها. رسمت على وجهها ابتسامة متعبة وقالت برقة:
“روفان حبيبة مامي، كلي يا عمري.”
وبينما كانت تطعمها، كان الألم يزداد في صدرها، قبل معدتها.
************************
في مكان آخر…
استيقظت بعينين متورمتين من أثر حلم كان أجمل من أن يطول، وأقسى من أن ينسى، ابتسامة حزينة مرت على شفتيها وهي تتذكر كيف كانت تحتضن همام داخل الحلم، تتمسك به بقوة كأنها تخشى أن يفلت من بين ذراعيها، كما فعل في الحقيقة.
زفرت تنهيدة حارة، ثم نهضت من فوق سريرها المتهالك الذي يشبه حالها؛ ثابت من الخارج، محطم من الداخل.
خرجت من غرفتها، فاستقبلتها رائحة الرطوبة وجدران متشققة تحمل آثار أيام كانت مختلفة، كان والدها يجلس على أريكة قديمة، ينظر أمامه بشرود مصطنع، رمقته بنفس النظرة التي أصبحت تسكن عينيها منذ تلك اللحظة، لحظة الانكسار الكبرى.
لم تقل شيئًا، دخلت الحمام، وبعد وقت خرجت، ارتدت ملابسها البسيطة، واتجهت نحو الباب.
وقبل أن تفتحه، جاءها صوته، متعالي كما كان دائمًا، وكأن الزمن لم يسقط عنه شيئًا:
“عايز فلوس، وكمان وانتي راجعه من الشغل هاتي معاكي علبتين سجاير.”
أغمضت عينيها لثواني، ثم التفتت إليه بضيق مكتوم وقالت بصوت مختنق:
“مش معايا فلوس، المرتب خلص واحنا لسه فى أول الشهر بسبب السجاير بتاعتك، غاليه اوي، حاول تغير النوع ده، علشان يتبقى فلوس للأكل، أنا مستلفة من اصحابي كلهم، ومحدش راضي يديني فلوس تاني.”
نهض فجأة، وفي لحظة عاد الرجل الذي لا يعترف بالهزيمة، أمسك شعرها بعنف، وصوته يعلو فوق فقر الجدران:
“انتي هتذليني بالقرشين بتوعك، ما أنا يا اما كنت بصرف عليكي بالملايين، عايزة ده يا بابي اجيب عايزة اسافر هنا اسفرك، متنسيش أننا وصلنا للحال ده بسببك، عاملة شبه القطط تاكلي وتنكري.”
لم تصرخ لم تبكي، فقط نظرت إليه بوجع أعمق من الألم الجسدي، وقالت بصوت مرتجف:
“مش كل شويه تقولي الكلمتين دول، أنا كنت باخد حق شغلي معاك من وانا لسه بدرس، ولما كنت بسافر، ده علشان اخلص شغل بره، يعني مكنتش بسافر رفاهية، زي ما بتقول، واللي احنا وصلنا ليه ده انت السبب فيه مش انا، جشعك وطمعك فى الفلوس خلاك كنت هتبعني، وخسرتني الراجل الوحيد اللي دخل قلبي.”
توقفت لحظة، سحبت نفسًا عميقًا، وأخرجته ببطء كأنها تفرغ معه ما تبقى من مقاومة.
“عموما، بلاش نفتح فى القديم، واللي احنا فيه ده اولا واخيرا ده نصيب مقدر ومكتوب، أنا ماشيه وهجبلك اللي انت عايزه وانا راجعه.”
فتحت الباب وخرجت، أغلقته خلفها برفق هذه المرة، وأسندت ظهرها إليه. صدرها يعلو ويهبط بصعوبة، ودموعها تحاول أن تتمرد، لكنها شددت على نفسها.
لقد أخذت عهدًا على نفسها ألا تبكي بعد اليوم.
استنزفت دموعها في ليلة واحدة، يوم رحيله.
هبطت إلى الأسفل، واتجهت إلى موقف الحافلات. وقفت تنتظر وسط الزحام، وجهها شاحب لكن ثابت. وعندما وصل الباص، تدافع الجميع نحوه، وصعدت بصعوبة، وظلت واقفة حتى وصلت محطتها.
نزلت، واتجهت إلى المبنى الذي صار ملاذها الوحيد، ابتسمت للحارس ابتسامة باهتة، ثم دخلت غرفة تبديل الملابس. خلعت ثقل حياتها للحظات، وارتدت الزي الرسمي.
خرجت إلى القاعة الصغيرة، وما إن رآها الأطفال حتى التفوا حولها كأنها شمسهم اليومية.
ابتسمت هذه المرة بصدق، وانحنت قليلًا وهي تقول بسعادة:
“وحشتوني يا حبايب قلبي.”
قالت طفلة صغيرة بشكوى بريئة:
“أبلة عهد عمر ضربني وانا قولتلة مش هكلمك وهشتكي لابلة عهد.”
انخفضت إلى مستواها، ولمست وجنتها بحنان:
“شطوره يا دودي، البنات الحلوة متمدش ايديها على حد، وتشتكي للاكبر منها، وانا هخلي عمر ميقربش منك، يلا روحي ألعبي.”
ركضت الطفلة بضحكة عالية.
رفعت عهد رأسها نحو عمر، ونظرت إليه بعتاب هادئ:
“عمر بتضرب أختك دارين ليه؟ مش احنا قولنا نبقى لطاف مع كل الموجودين، ومنمدش أيدينا على حد.”
قال بمشاغبة طفولية:
“ايوه ضربتها، علشان بت مستفزة، بتاخد الحاجه الحلوة بتاعتي.”
هذه المرة كان صوتها أكثر حزمًا، لكن ظل الحنان حاضرًا:
“عمر لآخر مرة هقولها ليك، متمدش ايدك على حد ولو حد غلس عليك تعالى قولي وانا هتصرف، علشان لو عملت مشاغبة تاني هبلغ الإدارة واخليهم يعملوا استدعاء لولي امرك، يلا روح ألعب.”
ركض وهو يتمتم بضيق، بينما جلست هي تراقب الأطفال وضحكاتهم التي تملأ المكان، كانت تنظر إليهم وكأنها تحتمي ببراءتهم من قسوة عالمها.
تنهدت بوجع صامت.
اقتربت منها ريم وجلست بجوارها، وقالت بتساؤل:
“مالك يا عهد، ايه معصبك كده.”
أزاحت شعرها للخلف وقالت بصوت مختنق:
“أنا تعبت يا ريم، بابا مش حاسس بحاجه، ولسه عايش دور رجل الأعمال عايز فلوس على طول، بيشرب سجاير العلبيتين منها بمرتب الشهر كله، ده غير على طول بيعيرني كان معيشني ازاي، وان انا السبب فى الحال اللي وصلنا ليه، أنا شايلة الشيلة كلها لوحدي، وبقول اهو حاجه اشغل بيها وقتي علشان انسى وجعي واشتياقي لهمام، بس بجد مبقتش قادرة، عارفه انا محتاجه مين دلوقتي؟ محتاجه، محتاجه همام يجي يخدني فى حضنه يقويني ويطمني إن اللي جاي هيكون أحلى، أنا همام وحشني اوي يا ريم.”
نظرت إليها ريم بحزن وقالت بهدوء:
“انسي يا عهد، زمانه نساكي وعايش حياته مع واحدة غيرك، اكيد بعد ما انتي كسرتي هيدور على غيرك يضمد ليه جرحه، عارفه أنه كان غصب عنك بس هو ميعرفش، انتي كسرتي كبرياء راجل، ودول عندهم كرامتهم غاليه عليهم اوي.”
ظلت عهد تنظر أمامها، عيناها ثابتتان لكن داخلهما إعصار، ثم قالت بصوت خافت موجع:
“انتي عارفه اللي يوجع بجد ايه؟ عدم ثقته فى حبي ليه، هو لو كان متأكد أني بحبه بجد، مكانش صدق اللي حصل ده بسهولة، بس هو حبه كان ضعيف اوي لدرجة أنه صدق ومشي من غير ما يتأكد من الحقيقه، انا لما كنت بقوله كده، عيوني كانت بتصرخ بعشقه، بتترجى ميصدقش، يقول مستحيل اصدق انك تعملي كده، انتي بتعشقيني يا عهد، بس للاسف معملش كده واختار البعد وسابني اتعذب، واتكوي بنار حبه، أنا اديته عهد أن انا مش هكون لراجل غيره، وحافظت على الوعد ده، حتى لو هو نساه.”
لم تجد ريم ما تقوله. بعض الجراح لا تداوى بالكلمات.
اكتفت بابتسامة حنونة، ثم نهضتا ليعودا إلى الأطفال، إلى الضحكات التي تخفي خلفها قلوبًا مثقلة.
************************
عند همام…
جلس خلف مكتبه الجلدي العريض، في مكتبه الفخم الذي يعكس نجاحًا صنعه بيده، لكنه لا يعكس سلامًا داخليًا.
الملفات أمامه مرتبة، الأرقام دقيقة، التوقيعات جاهزة، إلا قلبه، كان الشيء الوحيد غير المرتب في حياته.
ظل يحدق في الورق دون أن يقرأ سطرًا واحدًا.
كلمات لانا ما زالت تدور في رأسه كصدى لا يهدأ.
“نفسي أشوف حبي في عيونك.”
أغمض عينيه لحظة.
تأنيب ضمير ثقيل يجلس فوق صدره.
هي لم تبخل عليه بشيء، دعمت، صبرت، شاركته البداية، أنجبت له طفلة أعادت إليه بعض الحياة، لكنه لم يمنحها الشيء الوحيد الذي طلبته، الحب، وقلبه.
قلبه كان يرفض أن ينبض لغيرها، لعهد فقط.
مد يده إلى هاتفه بتردد، كأنه يعرف أن الاتصال هذا سيعيد فتح جرح لم يلتئم، ضغط الرقم وانتظر.
جاءه صوت رجولي مألوف.
تكلم بصوت حاول أن يجعله طبيعيًا، لكنه خرج مختنقًا:
“عامل ايه؟ وامي واختي والعيال اخبارهم ايه؟”
جاءه الرد بترحاب صادق:
“ابن خالتي، وحشتني يا راجل، امك واختك والولاد بخير الحمدالله، انت عامل ايه؟ وبنتك ومراتك عاملين ايه؟”
ارتكز بمرفقيه على المكتب، وخفض صوته:
“كويسين.”
صمت لحظة، لحظة أطول من اللازم.
ثم خرج السؤال الذي حاول أن يمنعه:
“هي عاملة ايه؟”
على الطرف الآخر، ساد صمت قصير، ثم جاء الرد بضيق واضح:
“زي ما هي شغالة فى حضانة الأطفال، وساكنة فى شقة صغيرة فى حارة هي وابوها.”
انقبض قلبه، أغمض عينيه كأن الصورة تشكلت أمامه بوضوح مؤلم، تكلم بصوت مختنق:
“الطمع اخرته وحشه، باعت قلبي علشان الفلوس، وفى الاخر خسروا كل حاجه وهو رماها، لما ملاقش من وراها مصلحة.”
كانت الكلمات تخرج منه غاضبة، لكنها لم تكن موجهة لها وحدها.
كان غاضبًا منها، ومن نفسه، ومن ضعفه أمامها.
زفر زوج أخته بنفاذ صبر:
“انساها يا همام بقى خلاص، انت دلوقتي راجل متجوز ومعاك بنت زي القمر، وبقى عندك حياتك ووضعك أختلف عن الأول بكتير.”
رفع بصره نحو الزجاج أمامه، يرى انعكاس صورته لا المدينة.
رجل ناجح، زوج، أب.
ومع ذلك، مكسور.
تحدث بنبرة موجوعة صادقة:
“مش بأيدي، حاولة انساها ومقدرتش.”
جاءه السؤال مباشرًا:
“لسه بتحبها؟”
تنفس ببطء، وكأنه يغوص داخل نفسه ليبحث عن الإجابة، ثم قال:
“مش عارف، بس كل ما قلبي يحن ليها، عقلي يتدخل ويفؤقني، يصرخ بألم ويقولي: فوق انت نسيت اللي عملته فيك، نسيت كلامها، كسرتها ليك ولكرامتك وكبريائك، أنا مش قادر احدد اللي جوايا ليها ده ايه، حب واشتياق، ولا انتقام لكرامتي، بس كل اللي أعرفه، أنها مسيطرة عليا طول السنين اللي فاتت دي، ومش قادر اشوف حياتي شبه الناس.”
كان صادقًا هذه المرة، صادقًا لدرجة أوجعته.
جاءه صوت زوج أخته أكثر هدوءًا، أكثر حكمة:
“معتقدش أن شعورك ليها ده انتقام، انت لسه بتحبها يا همام، حتى لو اقنعت نفسك بغير كده، سلام يا ابن خالتي.”
انقطع الاتصال.
ظل الهاتف في يده للحظات، ثم أنزله ببطء.
الصمت في المكتب كان ثقيلًا، ثقيلًا كذكرياته.
ابتسم ابتسامة موجوعة، لا تحمل سخرية ولا رضا، فقط اعترافًا داخليًا بأنه لم يتحرر يومًا.
أدار مقعده قليلًا، وترك ظهره يستند إلى الجلد الناعم.
وعاد بعقله إلى أول يوم وطأت قدماه هذه البلد، يوم كان مكسورًا، وحيدًا.
يحمل قلبًا محطمًا، وكبرياءً مجروحًا، ووعدًا لم يفي به أحد.
************************
“الفصل الثامن”
فلاش باك…
في يوم ملبد بالغيوم، كانت السماء كأنها تشاركه انكساره، هبطت طائرة همام على أرض الإمارات، لم يكن الهبوط انتقالًا جغرافيًا فحسب، بل كان سقوطًا داخليًا لرجل ترك خلفه قلبًا لم يندمل جرحه.
نزل من الطائرة بخطوات ثقيلة، كأن الأرض الجديدة لا تعرفه ولا يريد أن يعرفها.
جلس على أحد المقاعد في صالة الوصول، حقيبته إلى جواره، وعيناه تائهتان بين الوجوه المسرعة.
الناس من حوله يمضون إلى وجهاتهم بثقة، أما هو فكان يشعر أنه بلا وجهة.
لم يكن ينتظر الكفيل فقط، كان ينتظر أن تهدأ الفوضى في صدره.
الدموع احتبست في عينيه، تلمع ولا تسقط.
كرامته أبت أن تسمح لها بالانحدار.
كان الجرح طازجًا، والكلمات التي قيلت له قبل سفره ما تزال تصفع ذاكرته بلا رحمة.
وصل الكفيل بعد وقت بدا أطول من العمر ذاته، أخذه إلى السكن المخصص للمغتربين.
غرفة ضيقة، وجوه غريبة، لهجات متعددة، وضجيج لا ينقطع.
حاول أن يتأقلم، أن يندمج، أن يصمت.
لكن ضجيج رأسه كان أعلى من كل شيء.
كل كلمة قالتها له عهد كانت تعاد في داخله آلاف المرات، كأنها تسجيل لا يتوقف.
كان يعمل طوال النهار في أحد المطاعم، يعود مساءً إلى سريره الصلب، يغمض عينيه لا لينام، بل ليهرب.
إلى أن جاءت هي.
كانت لانا، فتاة ذات أصول بلجيكية، تجلس في المطعم ذات مساء.
طلبت شيئًا من النادل، وحين جاءها الطلب مختلفًا تمامًا عما أرادت، بدأت تتحدث بلغتها بانفعال واضح.
تدخل همام، بصمته المعتاد ونبرته المتزنة، احتوى الموقف، صحح الخطأ، ولبى لها ما أرادت دون أن يرفع عينيه إليها طويلًا.
لكنها هي رفعت عينيها إليه.
ومنذ تلك اللحظة، تغير شيء ما في داخلها.
غادرت في ذلك اليوم، غير أنها لم تغادر اهتمامها به.
صارت تتردد على المطعم مرارًا، تطلبه بالاسم.
الجميع لاحظ ذلك، إلا هو.
كان حين يراها ينشغل بطبق هنا، أو طلب هناك.
لا يطيل النظر، لا يبتسم، لا يمنحها شيئًا.
وكأن تجاهله لها كان الوقود الذي أشعل تعلقها أكثر.
وفي أحد الأيام، حين جاء يضع أمامها الطعام، فاجأته بأن أمسكت يده برفق، وقالت بعربية مكسرة:
“همام، ممكن اتكلم شويه معاك.”
نظر إليها باستغراب، وقال بتساؤل:
“انتي بتتكلمي عربي؟”
أومأت برأسها وقالت بتوضيح:
“ايوه مامي مصريه، وبابي بلجيكي، علشان كده بعرف اتكلم عربي شويه.”
أومأ رأسه لها، وتكلم بنبرة جادة:
“تمام وايه المطلوب مني حضرتك؟”
ردت عليه وقالت:
“اقعد اتكلم معاك شويه.”
حرك رأسه بالرفض وقال:
“مش هينفع، هنا أكل عيشي وممنوع اقعد مع الزباين.”
أخرجت كارتًا من حقيبة يدها وأعطته له وقالت:
“اوك، ده الكارت بتاعي، ممكن تكلمني، أنا هسافر النهاردة بليل.”
نظر لها بضيق وقال:
“ربنا يسهل عن اذنك.”
تحرك من أمامها وتركها تنظر إلى أثره بإعجاب لم تحاول إخفاءه.
عاد إلى السكن مساءً، ألقى بالكارت إلى جوار سريره بإهمال، كأنه يلقي احتمالًا لا يريد التفكير فيه.
لم يتصل بها، لم يفكر حتى في ذلك.
وظل الوضع على حاله، حتى تفاجأ بها ذات يوم تجلس أمامه في المطعم.
نظر لها بضيق وقال:
“انتي! وصلتي هنا امتى؟”
إجابته بعتاب وقالت:
“لسه واصلة هنا الصبح، استنيت اتصالك كتير.”
زفر بضيق وتكلم بنبرة غاضبة:
“انتي عايزة مني ايه؟”
نظرت له وتكلمت بهدوء:
“عايزاك تيجي تشتغل عندي فى الشركه، واضح ان دي مش شغلتك.”
رد عليها بغضب وقال:
“ومين قالك أن أنا عايز اشتغل فى شركات؟ أنا مرتاح هنا، وارجوكي ملكيش دعوة بيا، عندك غيري هنا كتير، إنما أنا لا.”
أنهى كلامه وابتعد عنها وتركها.
بقيت تنظر إلى أثره طويلًا، حزن صامت في عينيها، ثم غادرت المكان.
واختفت.
مرت الأيام ثقيلة.
ثم جاء الإعلان الذي لم يكن يتوقعه،
إغلاق المطعم بسبب تراكم الديون.
وجد نفسه فجأة بلا عمل، بلا دخل، وبلا خطة.
طرق أبوابًا كثيرة، ولم تفتح له.
وفي إحدى الليالي، جلس على سريره، يتأمل السقف، حين تذكر الكارت.
بحث عنه بين أشيائه، حتى وجده.
تردد طويلًا، ثم أمسك الهاتف.
أجرى الاتصال، جاءه صوتها أولًا بلغتها، متسائلًا، ثم حين سمعت صوته، تغير كل شيء في نبرتها.
تعالت دقات قلبها بسعادة وقالت:
“همام انا مش مصدقه نفسي.”
تنحنح برجولية وتكلم بأحراج:
“عرض الشغل لسه موجود؟”
لم تغضب من بروده، لم تعاتبه على تأخره، بل أجابت فورًا، وكأنها كانت تنتظر هذا السؤال تحديدًا:
“ايوه طبعا، هعملك الفيزا واخلص اوراقك وهبعتها ليك تيجي على طول.”
تكلم بتوضيح وقال:
“هبعتلك العنوان فين بالظبط.”
ابتسمت بسعادة وقالت:
“مش محتاجه، أنا عارفه انت عايش فين همام.”
توقفت عيناه عند جملتها لحظة.
كان في الأمر ما يثير الاستغراب، لكنه ابتلع سؤاله.
لم يكن يملك رفاهية الشك الآن.
هو يحتاج عملًا. يحتاج مالًا. يحتاج إلى فرصة يثبت بها أنه لم يكسر.
وبالفعل، تمت الإجراءات.
غادر الإمارات هذه المرة لا هاربًا، بل باحثًا عن بداية جديدة.
حين هبطت الطائرة في بلجيكا، لم يشعر همام بالحماس الذي يشعر به المسافرون عادةً وهم يعبرون بوابة جديدة في حياتهم.
كان داخله خليطًا من الحذر والترقب، كأنه يدخل أرضًا لا يعرف هل ستحتويه أم تبتلعه.
الهواء كان مختلفًا، باردًا، رطبًا، يحمل رائحة مطر قديم وحجارة عتيقة.
المطار واسع، أنيق، منظم بصورة تكاد تخنقه؛ كل شيء يسير وفق قواعد واضحة، على عكس الفوضى التي تعيش داخله.
كانت لانا في انتظاره.
لم تكتفي بأن ترسل سائقًا أو موظفًا من الشركة.
وقفت بنفسها عند بوابة الوصول، عيناها تبحثان عنه بين الوجوه.
وحين وقع بصرها عليه، لم تستطع إخفاء ابتسامتها.
اقتربت منه بخطوات سريعة، ودقات قلبها تسبقها، أوصلته إلى شقة صغيرة مفروشة بعناية.
ليست فاخرة بشكل مبالغ فيه، لكنها نظيفة، دافئة، مرتبة، مختلفة تمامًا عن غرفته القديمة المزدحمة.
وفي صباح أول يوم عمل، حين دخل مبنى الشركة، توقف لحظة عند الباب الزجاجي الواسع.
تصميم حديث، خطوط هندسية حادة، أرضيات لامعة، مكاتب مرتبة بعناية.
مكان يعكس قوة ونفوذ.
شعر للحظة أنه لا ينتمي إلى هذا المشهد، ثم تذكر لماذا جاء.
بدأ العمل، ومنذ اليوم الأول، أثبت أنه ليس مجرد موظف عابر.
كان دقيقًا، ملتزمًا، ينجز ما يطلب منه بأكثر مما هو متوقع.
لا يختلط كثيرًا، لا يمازح، لا يفتح قلبه لأحد.
ولانا، كانت تراقب.
في الاجتماعات، كانت تترك مقعدها الرسمي أحيانًا لتقف جواره بحجة شرح نقطة ما.
تسأله عن رأيه، تستشيره في تفاصيل لا تسأل فيها غيره.
تمر على مكتبه أكثر من مرة يوميًا.
في البداية ظنها مجرد متابعة إدارية.
لكن مع الوقت، أدرك أن الأمر يتجاوز ذلك، نظراتها تطول، صوتها يلين حين تنادي اسمه.
ابتسامتها لا تشبه ابتسامتها لبقية الموظفين، لم يعجبه هذا الإحساس.
لم يرد أن يكون مدينًا لأحد عاطفيًا.
وفي أحد الأيام، بعد انتهاء الدوام، حين كانت الشركة شبه خالية، طلب أن يتحدث معها، وقف أمام مكتبها، نبرته جامدة، وعيناه ثابتتان.
سألها بصراحة عن سبب هذا الاهتمام المختلف، لم تتهرب، لم تبتسم كعادتها.
نظرت إليه طويلًا، وكأنها كانت تنتظر أن يسأل، ثم قالت بنبرة عاشقة صريحة:
“همام، أنا بحبك.”
تجمد للحظة، كأن الكلمة صفعة أعادته سنوات إلى الوراء.
وجه آخر، صوت آخر، وعد قديم يتردد في أذنه.
حرك رأسه بالرفض فورًا، وكأن الاعتراف خطر يجب إبعاده، وتكلم بغضب شديد وقال:
“مستحيل ده يحصل، أنا مبحبكيش ولا بحب حد، ابعدي عني ملكيش دعوه بيا فاهمة.”
لم تتركه ينسحب بهذه السهولة.
مدت يدها تمسك بيده، محاولة تهدئته، وتكلمت بنبرة حنونة:
“اهدا همام، أنا متأكدة رفضك ده بسبب واحدة، الحزن اللي فى عيونك وراه واحده، بس انا غيرها، حبيتك من أول لحظة شوفتك فيها فى المطعم، ماليش أي مصلحه غير أن عايزة اعيش مع راجل بجد شبهك، مش بطلب منك تحبني، بس على الاقل اديني فرصة اغير مفهومك عن الحب.”
عيناه اسودتا بالألم، نظر لها بحزن وتكلم بصوت مختنق:
“هي برضه قالتلي زيك، قالتلي انها بتحبني، قالتلي مش فارق معاها ظروفي، بس طلعت كدابه كانت بتلعب بقلبي وراحت اتجوزت واحد من مستواها علشان الفلوس، كلكم زي بعض.”
اقتربت منه أكثر، أمسكت وجهه بيدها، كأنها تريد أن تخرجه من ذكرياته، وقالت:
“أنا كتير كانوا عايزين يتجوزوني، بس ولا واحد فيهم حبني، كله كان طمعان فى فلوسي وشركتي، الا انت يا همام مختلف، مشوفتش فى عيونك نظرة طمع لا فيا ولا فى فلوسي، انت الوحيد اللى هأمن على نفسي معاك، وزي ما قلتلك، كلنا مش زي بعض، مش بطلب منك تحبني دلوقتي بس على الاقل نتجوز وتحميني من اللي عايزين ياكلوني.”
كانت صريحة، مكشوفة، بلا أقنعة، لكنه لم يستطع، حرك رأسه بالرفض وقال:
“أنا اسف مش هقبل عرضك، معنديش مكان فى حياتي ليكي، ولو على شركتك من بكرة هسيبها ليكي.”
الذعر ظهر في عينيها فورًا، تكلمت سريعًا وقالت بترجي:
“لا لا خلاص، بلاش جواز، وانسى الكلام اللي قلته، بس ارجوك خليك معايا فى الشركه.”
وقف ينظر إليها لحظة طويلة، كانت للمرة الأولى لا تبدو صاحبة شركة قوية، بل فتاة تخاف أن تترك وحدها.
أما هو، فكان يشعر أن القدر يضعه مرة أخرى أمام باب اسمه “حب”، وهو لم يلتئم بعد من آخر مرة طرقه.
نظر لها نظرة مطولة، عميقة، وكأن عينيه تبحثان عن شيء بين ما تراه وما يخشاه داخله.
وجدها تنظر له بتوسل، عينان صادقتان، مليئتان بالأمل والقلق معًا.
أومأ برأسه لها برفق، كما لو كان يقر لها بصمت، ثم ابتعد خطوة، وتركها واقفة في مكانها، غادر إلى منزله.
كانت الليالي بعد ذلك مضطربة.
همام يحاول الابتعاد، يحاول حماية قلبه، الذي لم يلتئم بعد من جراح الماضي، ويحاول أن يترك لانا مساحة لتعيش حياتها دون أن يشعر بالارتباط العاطفي الذي يربطه بها.
أما لانا، فكانت تتسلل إلى قلبه بهدوء، تحاول الاقتراب منه، تصنع الفرص، تبتسم، تتحدث، تلمس تفاصيل يومه، كل ذلك بمحبة صافية، بلا تطفل، بلا ضغط.
وفي يوم مشؤوم، حدث ما لم يكن في الحسبان.
تجمعت مجموعة من المجرمين حول لانا، هجموا عليها بلا رحمة، وأصابوها إصابات خطيرة.
كانت لحظة صادمة، صمت العالم حوله، صمت يخترقه صدى صرخات الألم والهلع.
نقلوها سريعًا إلى المستشفى، حيث بقيت هناك لفترة طويلة، تتلقى العلاج، تواجه الألم، وتكافح من أجل الحياة.
خلال تلك الفترة، أخذ همام على عاتقه مسؤولية الشركة بالكامل.
لم يعد مجرد موظف، بل صار اليد الحامية لكل شيء، لكل موظف، ولكل مشروع.
وكانت لانا تتابع عنه وتثق فيه، ومع إلحاحها المستمر، منحته جميع الصلاحيات لحماية شركتها، لحماية نفسها، ولحماية كل ما يخصها من تهديدات محتملة.
وبينما كان همام يدير العمل بكفاءة صارمة، ظهرت مشكلة أخرى:
إقامته كانت مؤقتة، مرتبطة بعقد محدد وبوجودها المباشر على رأس العمل.
الإجراءات القانونية معقدة، والوضع غير مستقر.
استدعته إلى غرفتها في المستشفى، كانت شاحبة الوجه، لكنها واضحة النظرة، قالت بهدوء حاسم:
“لو اتجوزنا، إقامتك هتكون قانونية وثابتة، ومفيش حد يقدر يضغط عليك أو يخرجك من البلد. وانت تبقى رسميًا شريك معايا قدام الكل.”
لم يكن الحديث عاطفيًا هذه المرة، بل واقعيًا، حل يحسم أزمات متشابكة:
حمايتها من الابتزاز، وتثبيت وضعه القانوني، وضمان استمرار الشركة.
جلس صامتًا طويلًا.
كان يعلم أن القرار سيغير مسار حياته بالكامل.
لكن البديل كان أكثر قسوة، وافق أخيرًا على الزواج منها.
خطوة عملية لضمان الإقامة والاستقرار، خطوة لم يكن قلبه مستعدًا لقبولها بعد.
كانت لانا سعيدة جدًا بموافقته، فرحة كطفلة صغيرة حصلت على حلمها، لكنها سرعان ما اكتشفت حقيقة الأمر.
فبعد الزواج، ابتعد عنها همام.
لم يستطع الاقتراب منها، لم يكن قادرًا على لمسها أو أن يشعر بالارتباط العاطفي الذي تمنته.
لم يكن هذا بسبب قسوة أو رفض، بل لأن قلبه مازال متعلقًا بعهد، بماضيه، بحب لم يغلق فصوله بعد.
مع مرور الوقت، بدأت لانا تتقرب منه، بهدوء، بمحبة صادقة، محاولة أن تكسر جدران قلبه الصلب.
أصبحت أكثر حضورًا، أكثر اهتمامًا، ترافقه، تهتم بتفاصيله، تحاول أن تشارك حياته الصغيرة والكبيرة.
مرت السنوات، وحملت لانا منه، واضطرت للجلوس في المنزل، تعتني بالطفلة الصغيرة، بينما همام يتفرغ لإدارة الأعمال.
لم يكن هناك حب متبادل بعد، لكنها حاولت، حاولت أن تزرع في قلبه شعورًا جديدًا، شعورًا بالراحة والاطمئنان، محاولة أن تجعله يحبها من جديد، من الداخل هذه المرة، لا فقط كواجب أو كالتزام قانوني.
ومع كل تلك المحاولات، ومع كل لمسة حنان، ومع كل كلمة صادقة، بقيت جدران قلبه منيعة، صلبة، لا تسمح لأي شعور أن يتسلل إليه بسهولة.
كانت معركة صامتة، حربًا بين ما يجب وما يريد، بين ما أوجبه الواجب وما يفرضه الحب الحقيقي، بين الماضي الذي يرفض الرحيل والحاضر الذي يطلب الإذن بالدخول.
***********************
بااااك…
عاد من دوامة الذكريات على صوت رنين هاتفه.
ارتجف قلبه للحظة، كأن الماضي رفض أن يتركه يغرق فيه طويلًا.
نظر إلى شاشة الهاتف، الاسم المضيء أمامه كان: لانا.
تجمد للحظة، كم من مرة تجاهل مكالماتها؟
كم من مرة رد ببرودٍ متعمد؟
أخذ نفسًا عميقًا، كمن يستعد لمعركة غير معلنة، ثم ضغط زر الإجابة وقال بصوت جاد:
“ايوه يا لانا.”
لكن الصوت الذي أتاه لم يكن صوتها.
كان صوتًا صغيرًا، مرتجفًا، يختنق بالبكاء، صوت طفلته.
“ألحق مامي، مش بترد عليا.”
في تلك اللحظة، انخلع قلبه من مكانه.
انتفض من مقعده وكأن الأرض اشتعلت تحته، وتكلم بقلق بالغ، صوته لم يعد ثابتًا كما اعتاد:
“اهدي يا حبيبتي، انا جاي حالاً.”
أغلق الخط دون أن ينتظر ردًا، وركض.
لم يشعر بنفسه وهو يهبط الدرج، لم يسمع صوت خطواته، لم ير شيئًا أمامه سوى صورة واحدة:
لانا ملقاة، وابنته تبكي وحدها.
صعد سيارته، أدار المحرك بعجلة، وانطلق بسرعة جنونية.
الإشارات، السيارات، الطرق، كلها كانت مجرد عوائق يجب تجاوزها.
كان قلبه يدق بعنف، وكأن صدره لم يعد يتسع له.
دعاء صامت خرج من بين شفتيه لأول مرة منذ زمن طويل.
حين وصل، لم ينتظر حتى تتوقف السيارة تمامًا.
ترجل بسرعة، واتجه نحو الباب، فتحه بيد مرتعشة.
المشهد الذي رآه لن يمحى من ذاكرته أبدًا.
ابنته تجلس على الأرض، بجوار جسد لانا الملقى بلا حراك، تبكي بخوف شديد.
اقترب منها أولًا، حملها بين ذراعيه، ضمها إلى صدره بقوة حتى تهدأ، كانت ترتجف، ثم نظر إلى لانا.
وجهها شاحب بصورة لم يرها من قبل.
انحنى بجوارها، ربت على وجهها بخفة.
“لانا.”
لم تجب، الدماء كانت تتدفق من بين شفتيها بغزارة، منظر أصابه بالذعر.
نهض بسرعة، اتصل بالإسعاف، صوته متقطع، كلماته تتعثر.
وضع ابنته على المقعد، ثم عاد إليها.
اقترب من لانا، حملها بين ذراعيه، شعر بثقل جسدها بين يديه، وكأن الحياة انسحبت منه.
وضعها على الأريكة، وانحنى فوقها، صوته انكسر لأول مرة أمامها:
“لانا ردي عليا، أنا وبنتك هنموت من القلق عليكي، لانا يا لانا.”
لكن دون جدوى، كانت ساكنة، أكثر مما يجب.
وصلت سيارة الإسعاف أخيرًا.
حملوها بسرعة، تحركت النقالة، الأضواء تومض، الأصوات تتداخل.
قاد هو سيارته خلفهم، وابنته في المقعد الخلفي تبكي بصمت الآن، وكأنها استوعبت أن الأمر أكبر من دموعها.
في المستشفى…
وقف همام وهو يحمل طفلته بين ذراعيه، ينظر إلى باب غرفة الفحص.
كل ثانية تمر كانت كأنها سنوات.
كان يسمع صوت الأجهزة من الداخل، خطوات الممرضين، همسات سريعة بلغتهم.
لم يفهم الكلمات، لكنه فهم التوتر.
ضم ابنته إلى صدره أكثر، كأنه يحتمي بها من المصير الذي يخشاه.
وأخيرًا، خرج الطبيب.
لكن ملامحه لم تكن مطمئنة.
اقترب منه همام بقدم مرتعشة، تكلم بلغتهم، سألهم عن زوجته.
كان قلبه يدعو أن يسمع كلمة واحدة فقط: “بخير”.
لكن الإجابة جاءت كخنجر غرس في صدره بلا رحمة:
“أنا اسف، زوجتك انتقلت إلى الرفيق الأعلى.”
العالم سكت، لا صوت، لا حركة، لا شيء.
حرك رأسه بالرفض ببطء، كأن أذنيه خدعتاه.
نظر إلى ابنته، كانت تحدق فيه بعيون لا تفقه ما يحدث.
ضمها بقوة داخل صدره.
وهبطت دمعة واحدة من عينه.
لم تكن دمعة صراخ، لم تكن دمعة انهيار، كانت دمعة ثقيلة، محملة بأسئلة لم يسألها في وقتها.
محملة بكلمات لم يقلها.
محملة باعتراف لم يمنحه لها يومًا.
لا يعلم إن كانت تلك الدمعة شعورًا بالندم، أم ألم الفقد، أم لأن القدر أعاد المشهد ذاته مرة أخرى، امرأة ترحل وتتركه خلفها، كما فعلت سابقًا عهد.
لكن الفرق هذه المرة، أنها لم تتركه بإرادتها.
**********************
“الفصل التاسع”
مرت عدة شهور على موت لانا.
لم يعد الوقت يقاس بالأيام، بل بثقل المسؤوليات.
البيت الذي كان يمتلئ بصوتها، بخطواتها، بتفاصيلها الصغيرة، صار صامتًا، صمتًا خانقًا.
الجدران كما هي، الأثاث كما هو، صورتها ما زالت معلقة في مكانها، لكن الروح، غادرت.
ابنته تحتاج رعاية واهتمامًا يفوق طاقته أحيانًا.
العمل يتطلب منه تركيزًا صارمًا.
والمنزل، أصبح مقبرة ذكريات.
كان يعود ليلًا مرهقًا، يحمل طفلته النائمة إلى سريرها، يجلس قليلًا في الصالة، ينظر إلى الفراغ المقابل له، وكأنها ستدخل بعد لحظة حاملة فنجان قهوتها، تسأله عن يومه كما كانت تفعل.
لكن لا يأتي أحدًا.
وفي لحظة عابرة، لحظة تعب داخلي لم يحتملها، اتخذ القرار الذي كان يهرب منه منذ سنين، العودة إلى وطنه.
ابنته تحتاج أن تكون بجوار جدتها، بجوار عمتها، وسط عائلة تعرف معنى الاحتواء.
لكنه هو؟ شيء في قلبه كان يصرخ بالرفض.
لم يكن مستعدًا لمواجهة الماضي.
لم يكن مستعدًا لرؤيتها.
لم يكن الوقت مناسبًا ليضعها أمام حقيقة أنه عاد، بعد كل تلك السنوات، وبعد كل ما حدث.
شعور متناقض بين العودة واللا عودة.
بين الهروب والمواجهة.
بين راحته وواجبه تجاه طفلته.
ظل أيامًا يتقلب بين القرار ونقيضه، حتى استقر أخيرًا.
بدأ ينهي أوراقه، يرتب أعماله، يصفي التزاماته.
وبدأ يهيئ ابنته لفكرة العودة إلى موطنها الأساسي، الذي لم تعرفه إلا من خلال حكاياته.
في صباح يوم عاصف، فتح همام عينيه ببطء.
السماء خلف النافذة مغيمة، والرياح تصفع الزجاج.
التفت إلى جواره، كانت روفان نائمة، شعرها مبعثر على الوسادة، أنفاسها هادئة.
ابتسم لها ابتسامة حزينة، تلك الابتسامة التي تحمل حبًا وخوفًا معًا.
مال برأسه وقبل جبينها بحنان، وقال بصوت هامس:
“حبيبت بابي، يلا يا حبيبتي علشان منتأخرش على الطيارة.”
فتحت عينيها ببطء، رمشت قليلًا، ثم ابتسمت ببراءة، وقالت بتساؤل:
“هنلاقي مامي هناك؟ أصلها وحشتني اوي.”
تجمد قلبه، أغلق عينيه لحظة، كأن السؤال طعنة متكررة لم يعتد عليها بعد.
حملها برفق، أجلسها على قدمه، واحتضنها قريبًا من صدره.
وتكلم بصوت مختنق، يحاول أن يكون ثابتًا:
“مامي عند ربنا يا حبيبتي، وبعد عمر طويل ليكي هتروحي عندها، هي دلوقتي شيفاكي وحاسه بيكي، وهي هتفرح اوي لما تروحي عند تيته ام بابي، تشوفك وتشوفيها، لأنها كانت نفسها اوي تقابلها، وانتي بنوتة شطورة وبتسمع الكلام صح؟”
أومأت رأسها بالموافقة، عيناها تلمعان بطفولة لا تعرف ثقل الفقد، وقالت:
“صح يا بابي، وانا مش هزعل مامي مني خالص.”
ابتسم لها بحب، مد يده يداعب شعرها برفق، وقال:
“طيب مش يلا بقى، علشان اجهزك وأجهز نفسي، علشان منتأخرش على الطيارة.”
وقفت سريعًا على السرير، وقفزت بسعادة طفولية لا تشبه حزن الكبار، وقالت:
“هييه هركب الطيارة وهروح مصر.”
ابتسم رغم ألمه، ربما كانت هي الشيء الوحيد الذي يمنحه القدرة على الوقوف.
حملها بين ذراعيه، وذهب بها إلى غرفتها.
بدأ يبدل لها ملابسها بعناية، يختار لها فستانًا مناسبًا، يمشط شعرها بلطف، يثبت المشابك الصغيرة كما كانت تفعل أمها.
توقف لحظة وهو ينظر إلى انعكاسها في المرآة، تشبه لانا في ملامحها كثيرًا.
تركها تلعب قليلًا، وعاد إلى غرفته.
بدل ملابسه، وقف أمام المرآة، نظر إلى وجهه طويلًا.
خطوط التعب صارت أوضح.
وعيناه، لم تعدا كما كانتا.
وقعت عيناه على صورة لانا المعلقة على الحائط.
اقترب منها ببطء، مد يده يلامس إطار الصورة، كأنها المرة الأخيرة، لم يتكلم.
لكن داخله كان يعج بكلمات لم تقل.
مال برأسه قليلًا، ثم استقام.
حمل الحقائب الخاصة بهم، خرج إلى الخارج، وضعها في السيارة.
عاد إلى الداخل مرة أخيرة، نظر حوله، بيت احتضنه في ضعفه، وشهد فقده، وها هو يغادره.
حمل روفان على ذراعه، خرج، وأغلق الباب خلفه.
وضعها على المقعد الخلفي، ربط لها الحزام بنفسه، قبل خدها.
ثم استدار، جلس خلف المقود.
أدار السيارة.
انطلقت بهما نحو المطار.
كان الطريق طويلًا، والعودة أطول.
لم يكن يعلم أن الوطن الذي يهرب إليه الآن، يخبئ له مواجهة لم يحسمها قلبه بعد.
**********************
بمصر…
استيقظت عهد من نومها ودقات قلبها سريعة بشكل غير مفهوم.
لم ترى كابوسًا واضحًا، لكنها استيقظت وكأن شيئًا ما يحدث، أو سيحدث.
اعتدلت على فراشها، أرجعت شعرها للخلف، وزفرت بضيق.
يوم جديد يضاف إلى معاناتها.
أب سيطالبها بمال ليس معها، طلبات لا تنتهي.
وحياة تحملها فوق طاقتها دون رحمة.
أغلقت عينيها لثواني، تستجمع بقايا قوتها، ثم نهضت.
خرجت من غرفتها، فوجدت والدها يجلس كما هو كل صباح، السيجارة بين أصابعه، والدخان يملأ المكان، والفوضى تحيط به من كل جانب.
أغمضت عينيها بألم، ثم قالت بصوت مختنق:
“يا بابا أنا مش لسه منضفه المكان ده امبارح! عندك الطفاية طفي فيها السجاير بتاعتك، أنا برجع من الشغل هلكانة، حرام عليك بقى.”
نظر لها بعدم اكتراث، وألقى السيجارة أرضًا بلا مبالاة، ثم نهض قائلًا بصوت غليظ:
“غوري حضري الفطار، بسرعة.”
نظرت إلى ساعة يدها.
الوقت يداهمها، لكن الرفض ليس خيارًا.
تحركت إلى المطبخ، الأطباق المتسخة مبعثرة في كل مكان، بقايا طعام، ماء راكد في الحوض، ورائحة خانقة.
أغلقت عينيها بنفاد صبر، ثم بدأت تعمل بصمت.
حضرت له الطعام، وضعته أمامه، ثم عادت سريعًا ترتب وتنظف وكأنها في سباق مع الزمن.
بعد أن انتهت، اتجهت إلى غرفتها، بدلت ملابسها بسرعة، أمسكت حقيبتها وخرجت مسرعة.
لكن صوته الغليظ أوقفها عند الباب:
“هاتي فلوس، عايز اشتري سجاير.”
تجمدت لحظة، ثم زفرت بضيق، فتحت حقيبتها، وأخرجت بعض النقود وأعطتها له، وقالت بصوت مختنق:
“حاول تقلل سجاير شوية، انا مبقاش معايا فلوس لكمية بتاعتك دي.”
لم يرد، أنهت كلامها وخرجت، أغلقت الباب خلفها بقوة خفيفة تعكس ما بداخلها، ثم ركضت إلى الأسفل.
نظرت إلى ساعتها، تأخرت.
أوقفت سيارة أجرة، صعدت بسرعة وقالت بترجي:
“بسرعه ارجوك، متأخرة على الشغل.”
انطلقت السيارة بها، وقلبها يخفق بتوتر.
وصلت أخيرًا، دفعت الأجرة، وركضت إلى الداخل.
استقبلها الأطفال بابتساماتهم المشرقة، الابتسامة الوحيدة الصادقة في يومها.
توجهت إلى المديرة، وقالت بأسف:
“أنا اسفه حضرتك، المواصلات زحمة واتأخرت بسببها.”
نظرت لها المديرة بغضب، وقالت بنبرة حازمة:
“انسه عهد دي مش اول مرة تتأخري، وكل مرة تقولي كذبة شكل، وانا الوضع ده مينفعش معايا.”
اتسعت عيناها بصدمة، واقتربت خطوة للأمام:
“أنا اسفه والله أول وآخر مرة مش هتأخر تاني.”
هزت المديرة رأسها بالرفض:
“أنا اسفه، اتفضلي من غير مطرود.”
كلمة واحدة، وقعت عليها كحكم نهائي.
ابتلعت غصة في حلقها، أومأت برأسها، وغادرت المكان بنفس مكسورة.
خرجت إلى الشارع، الناس تمشي من حولها، السيارات تمر، الحياة تسير كأن شيئًا لم يحدث.
لكن عالمها توقف للتو، ظلت تتجول بلا وجهة.
الأفكار تتزاحم في رأسها:
الإيجار، طلبات والدها، الطعام، الكهرباء، من أين ستأتي بالمال؟
حركت رأسها بهستيرية خفيفة، كأنها ترفض التصديق.
جلست على أول مقعد وجدته.
السماء فوقها واسعة، لكنها تشعر بالاختناق، تذكرت همام.
تمنت لو كان معها الآن.
لو كان بجوارها، لخفف عنها، لاحتواها، لقال لها كلمته المعتادة:
“أنا معاكي.”
لكن هو لم يعد جزءًا من حياتها.
رفعت رأسها إلى السماء، دعت ربها بصوت لا يسمع، تطلب مخرجًا، تطلب رحمة، تطلب أي يد تمتد لها.
ظلت هكذا قليلًا، ثم نهضت.
عادت إلى المنزل بخطوات ثقيلة.
فتحت الباب، لم تجد والدها.
الصمت يملأ المكان.
اتجهت إلى غرفتها، أغلقت الباب خلفها، ارتمت على سريرها، وثبتت نظرها في السقف.
من الخارج، هدوء تام، من الداخل، فوضى لا تهدأ.
*************************
بالمساء…
أخيرًا هبطت الطائرة على الأراضي المصرية.
لم يكن الهبوط عاديًا بالنسبة له.
حين لامست عجلات الطائرة أرض المدرج، شعر وكأن شيئًا داخله اصطدم هو الآخر، اصطدام قديم عاد صداه بعد سنوات من الصمت.
فتح باب الطائرة، واندفع هواء دافئ إلى الداخل.
هواء يحمل رائحة تراب يعرفه جيدًا،
رائحة وطن غادره هاربًا.
وقف همام أعلى درج الطائرة، ممسكًا بيد ابنته الصغيرة.
توقف، لم يتحرك فورًا.
نظر أمامه، إلى الأضواء الممتدة، إلى أرض المطار التي شهدت يومًا انكساره.
تذكر اللحظة التي مر من هنا فيها وقلبه ينزف، تذكر كيف كان يمشي يومها بلا روح، تذكر تلك العيون، العيون التي أحبها حد الوجع، ثم رآها، في نظره، تذ..بحه بلا شفقة ولا رحمة.
صوت خلفه أعاده من غرقه.
“لو سمحت.”
أحد الركاب يستأذن ليمر.
أومأ برأسه ببطء، كأن الحركة أثقل مما يجب، وبدأ في النزول.
درجة، ثم أخرى.
يده تمسك يد روفان بإحكام، وكأنها الحبل الوحيد الذي يربطه بالحياة.
وحين وضع قدمه أخيرًا على الأرض، انتفض جسده انتفاضة خفيفة.
لم تكن واضحة لمن حوله، لكنها داخله كانت زلزالًا.
الآن، هو على نفس الأرض التي تسير عليها عهد.
يتنفس نفس الهواء، يفصل بينهما فقط شوارع، وربما قدر يتربص، شعر لوهلة أن قرار العودة كان متسرعًا.
أن قلبه لم يشف كما أقنع نفسه.
أن الماضي لم يدفن، بل كان ينتظره هنا.
صدره أخذ يعلو ويهبط بسرعة جنونية، كأن رئتيه ضاقت فجأة.
ذكريات مرت أمام عينيه في ومضات خاطفة:
ضحكتها، بكاؤها، صمتها الأخير، ثم الفراغ.
كأن ما حدث كان بالأمس.
قبضة صغيرة شدت على أصابعه.
صوت طفولي نقي اخترق عتمته:
“بابي هو احنا هنعيش هنا على طول؟”
التفت إليها، نظر في عينيها طويلًا، بحث فيهما عن شيء يثبته، عن سبب يجعله لا يندم الآن.
أومأ برأسه، وأجبر شفتيه على ابتسامة حزينة.
“ايوه يا حبيبتي، دي بلدي وبلدك. وأحق بينا دلوقتي، أكتر مكان هتلاقي فيه الأمان، هتحسي فيها بحضن مامتك وطبطبت أبوكي، هتحسي إن روحك ردت فيكي طول ما إنتي فيها،
يلا بينا نعمل مفاجأة لتيتة بوصولنا.”
كان يتكلم لها، لكن جزءًا منه كان يتكلم إلى نفسه.
هل سيجد الأمان فعلًا؟
أم سيجد المواجهة التي هرب منها؟
انحنى، حملها بين ذراعيه.
جسدها الصغير استقر فوق صدره،
ودقات قلبها الهادئة اصطدمت بدقاته المضطربة.
تحرك لينهي الإجراءات.
داخل صالة الوصول، كانت الحياة تدور بسرعة:
ضحكات، أحضان، دموع فرح، نداءات متلاحقة.
أما هو، فكان يسير وكأنه يمشي فوق خيط مشدود بين ماضي لم يغلق، ومستقبل لا يعرف ملامحه.
أخذ حقائبه، خرج إلى الخارج.
توقف لحظة عند الباب الزجاجي الكبير قبل أن يعبره.
رأى انعكاس صورته عليه، رجل أقسى مما كان، أهدأ مما ينبغي، وأعمق جرحًا مما يعترف.
تنفس ببطء، ثم عبر.
في تلك اللحظة، دون أن يعلم، كانت في نفس المدينة امرأة تنظر إلى سقف غرفتها وتظن أن حياتها انتهت.
ولا تعلم أن الحياة تستعد أن تعيدها إلى نقطة البداية، لكن بثمن أفدح.
استقل سيارة أجرة، وروفان بجواره تراقب كل شيء بفضول طفولي.
تحركت السيارة ببطء أولًا، ثم اندمجت في الطريق.
الأضواء تمر أمامه، الشوارع التي حفظها عن ظهر قلب تعود إليه، كل زاوية تحمل ذكرى، وكل ذكرى تحمل ألمًا.
قبض يده بقوة، همس داخله صوت قديم:
“مستعد؟”
لم يجب، لأنه يعرف، أن هذه العودة ليست مجرد رجوع إلى وطن.
هذه عودة إلى جرح لم يخاط، إلى حب لم يدفن، إلى مواجهة، ستشعل ما ظن أنه انطفأ.
**************************
وصل همام أسفل بناية شقيقته.
أوقف السيارة، ولم يترجل فورًا.
رفع رأسه ينظر إلى الشرفات القديمة، الحديد المشغول الذي تغير لونه، الغسيل المعلق، صوت التلفاز المرتفع من أحد الجيران، كل شيء كما هو، وكأن السنوات التي غابها لم تكن.
لكن هو، لم يعد كما كان، تعالت دقات قلبه بوضوح.
يده ما زالت ممسكة بأكرة السيارة، متيبسة.
نظر إلى روفان الجالسة بجواره، تراقب المكان بفضول طفولي.
ابتلع غصته، وقال بصوت مختنق حاول أن يجعله ثابتًا:
“ده بيت عمتك، وتيته عايشة معاها هنا، اوعي تتكبري على أهلك يا حبيبتي، الفلوس بتروح وتيجي، إنما دول العزوة اللي بجد، من غيرهم هتكوني فقيرة أصل وسند، فهمتي يا بنتي؟”
أومأت برأسها ببراءة لا تدرك عمق كلماته.
مد يده يداعب شعرها، ثم نزل من السيارة وأمسك بيدها وصعدا الدرج.
كل درجة كانت تثقل صدره أكثر.
وقف أمام الباب، تردد لحظة، ثم طرقه، فتح الباب سريعًا.
ابنة شقيقته وقفت أمامه، كبرت كثيرًا.
نظر إليها بعينين امتلأتا شوقًا وقال:
“وحشتيني يا قلب خالك، بقيتي عروسة زي القمر.”
ارتمت داخل أحضانه دون تردد:
“خالو همام أنا مش مصدقة نفسي!”
ضحك بخفة وهو يقبل رأسها:
“ايه يا بت الحلاوة دي؟”
في الداخل، جاء صوت سميحة:
“مين اللي على الباب يا بت؟”
أفسحت الفتاة الطريق.
تحرك همام ببطء إلى الداخل، خطواته ثقيلة، كأنه يعبر زمنًا لا مجرد باب.
ثم، رآها، والدته، كانت جالسة في مكانها المعتاد.
شعرها ازداد بياضًا، وجهها نحف، لكن عينيها، كما هما.
تجمدت في مكانها، تجمعت الدموع في عينيها، وكأنها تخشى أن تغمضهما فيختفي.
تحرك خطوة، ثم أخرى.
تكلمت بشفاه مرتعشة:
“ه همام؟”
لم ينتظر أكثر، ارتمى داخل أحضانها كطفل عاد بعد ضياع طويل.
تمسك بها بقوة، استنشق رائحتها التي اشتاق إليها حد الألم.
لأول مرة منذ سنوات، شعر أنه عايش فعلًا.
استوعبت أنه حقيقي بين ذراعيها.
ضمته بقوة، تقبل وجهه، رأسه، كتفيه، والدموع تتسابق على وجنتيها:
“الحمد لله يا رب، مديت في عمري لحد ما شوفته واخده في حضني من تاني، وحشتني يا ضي عيوني، آه يا ابني كنت خايفة ربنا يسترد أمانته قبل ما أشوفك.”
أمسك يدها، قبلها بحب وقال بنبرة حنونة:
“وحشتيني أوي يا أم همام، وحشني حضنك وريحتك، ربنا يخليكي ليا وميحرمنيش منك يا رب.”
جلس بجوارها، وما زالت محتفظة به بين ذراعيها كأنها تخشى أن يغيب مرة أخرى.
أشار بأصابعه لابنته وقال بابتسامة خافتة:
“الحضن ده دلوقتي هيروح لحد تاني.”
حمل روفان، ووضعها على ساق والدته:
“روفان بنتي يا أمي.”
تعلقت أنظار الجميع بها.
أنفاس حليمة تعالت، ابنة ابنها بين يديها، نعمة لم تتوقعها.
احتضنتها بقوة، ودموعها تنساب:
“ما شاء الله، بنتك جميلة أوي يا همام، ربنا يحميها ويحرسها.”
ثم رفعت نظرها إليه.
رأت الحزن المختبئ خلف ابتسامته.
قالت بصوت حنون مكسور:
“ربنا يرحمها يا حبيبي، ويعوض شبابها في الجنة.”
تنهد بوجع عميق، كأن الكلمات كانت تنتظر أن تخرج:
“أنا قصرت كتير أوي معاها يا أمي، مقدرتش أديها الحب اللي تستحقه،
آخر حاجة قالتها ليا، نفسي أشوف حبي في عيونك.”
سكت المكان، أشارت حليمة لأولاد سميحة:
“خدوا بنت خالكم وادخلوا أوضتكم يا ولاد.”
قبلت الطفلة وقالت:
“روحي يا حبيبتي، أولاد عمتك معاكي متخافيش.”
نظرت روفان إلى أبيها، أومأ لها، فذهبت.
حين اختفى صوتهم، عاد الصمت.
نظرت حليمة إلى ابنها بعين تعرفه أكثر مما يعرف نفسه:
“لسه بتحبها يا ابني بعد السنين دي كلها؟”
سؤال بسيط، لكن وقعه ثقيل.
نظر بعيدًا، ثم قال بصوت مختنق:
“مش قادر أحدد مشاعري ليها ايه،
بس كل اللي أعرفه إن جرح قلبي لسه بينزف من جوه، لسه فاكر صوتها وهي بتهني، كلامها اللي كسرني،
الخاتم الألماظ في صوابعها، فاكر كل حاجة، كأنها امبارح.”
أمسكت يده، ضغطت عليها بحنان أم تخاف على ابنها من نفسه:
“انسى يا ابني، انت دلوقتي أب، بلاش تظلم بنتك زي ما ظلمت مراتك، خلي وقتك لبنتك، عوضها عن غياب أمها،
اللي انت بتفكر فيها، زمانها دلوقتي اتجوزت وعايشة مع جوزها ونسيتك.”
ارتسمت ابتسامة حزينة على شفتيه.
“متجوزتش يا أمي، سابها لما أبوها خسر فلوسه وكل حاجة راحت.”
رفعت حاجبيها بصدمة:
“انت كنت متابع أخبارها يا همام؟”
زاغ ببصره، توتر خفيف في نبرته:
“لا، عرفت صدفة، من واحد صاحبي.”
هزت رأسها ببطء، بعين لا تخدع:
“انت بتكدب عليا يا همام، ودي أول مرة تعملها معايا، انساها، وركز مع بنتك.”
استقام بجسده ببطء، وكأن الحركة نفسها أصبحت ثقيلة فوق كتفيه، ثم نطق بصوت مختنق بالكلمات التي بدت وكأنها تنتزع من صدره انتزاعًا:
“أنا همشي بقى، وهسيبك هنا بس الكام يوم دول لحد ما ألاقي فيلا هخدكم كلكم تعيشوا معايا فيها.”
رفعت سميحة رأسها إليه فورًا، وقد ارتسم القلق الصريح في عينيها، وكأن مجرد فكرة رحيله الآن بدت غير مقبولة لديها، قالت بسرعة:
“هتمشي تروح فين؟ انت هتقعد معانا هنا، هدخل اجهزلك اوضة ميار تقعد فيها انت وبنتك.”
اقترب منها خطوة وربت على كتفها برفق، تلك الربتة التي تحمل امتنانًا أكثر مما تحمل رفضًا، بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة، يكسوها حزن خفي، تحدث بنبرة حاول أن يجعلها عادية:
“لا معلش يا سميحه، أنا هروح اقعد فى الشقه القديمة.”
لم يعجبها رده، فانعقد حاجباها فورًا، وقالت بلهجة رفض واضحة:
“مينفعش يا حبيبي الشقه هناك كلها تراب، دي مقفولة من يوم ما سافرت.”
أومأ برأسه بتفهم، وكأنه كان يتوقع اعتراضها منذ البداية، ثم أجاب بهدوء:
“عارف، هنام فيها كده النهاردة وبكرة هجيب حد ينضفها.”
في تلك اللحظة حاولت حليمة أن تنهض من مكانها، متكئة على ذراع المقعد، وقالت بنبرة مليئة بالحرص:
“اصبر يا ابني هاجي معاك.”
لكن همام حرك رأسه سريعًا بالرفض، وكأن الفكرة نفسها أثقلت قلبه أكثر، ثم قال بلطف:
“لا خليكي انتي هنا وانا هشوف فيلا فى أسرع وقت وهنبقى مع بعض على طول، بس دلوقتي هتتبهدلي فى التراب.”
بعدها رفع صوته قليلًا وهو ينادي ابنته لتأتي معه، لكن سميحة سبقت اللحظة وقالت مطمئنة:
“سيبها يا همام تنام مع لمار وميار، متخافش عليها.”
التفت همام بعينيه نحو ابنته، وتوقفت نظرته عند ملامحها الصغيرة لثواني أطول مما ينبغي، وكأن قلبه يتردد بين أن يأخذها معه أو يتركها هنا حيث الدفء. ثم سألها بنبرة يغلفها حنان واضح:
“تخليكي معاهم ولا تيجي معايا يا حبيبتي؟”
لم تتردد الطفلة لحظة، بل ردت عليه بحماس طفولي صادق:
“لا هقعد معاهم يا بابي أنا حبيتهم اوي.”
ارتسمت على وجهه ابتسامة حقيقية هذه المرة، ابتسامة أب رأى الراحة في عيني طفلته. انحنى قليلًا وقبل رأسها بحنان، ثم استقام واتجه نحو الباب بخطوات هادئة.
وقبل أن يخرج، ألقى نظرة أخيرة خلفه.
كان المشهد بسيطًا، ضحكات الأطفال تتعالى في الداخل، وصوت سميحة وهي تتحدث معهم بحنان، ودفء عائلي افتقده منذ سنوات طويلة.
توقف قلبه للحظة، وكأن جزءًا منه تمنى لو استطاع البقاء.
لكن شيئًا داخله لم يسمح بذلك.
فتح الباب وغادر.
وبعد وقت…
توقفت السيارة أخيرًا أمام البناية القديمة.
ترجل منها ببطء، ورفع عينيه نحو الشقة التي لم يطأها منذ سنوات. بدا المكان كما تركه تمامًا، صامتًا، ساكنًا، وكأنه ينتظر عودته.
أخرج المفاتيح من جيبه، وبقي لحظة ينظر إليها قبل أن يفتح الباب.
انفتح الباب بصوت خافت، ودخل.
كان يقف داخل الشقة القديمة.
سكون ثقيل يملأ المكان، وغبار خفيف يستقر فوق الأثاث كطبقة من الذكريات المنسية. لم يتحرك في البداية، بل وقف في منتصف الصالة ينظر حوله ببطء، وكأن كل زاوية هنا تحمل جزءًا من ماضي حاول طويلًا الهروب منه.
تقدمت خطواته ببطء، وعيناه تتنقلان بين الجدران التي حفظت تفاصيل أيام لم تعد موجودة.
تذكر عندما أتت معه عهد.
تذكر كلماتها، ضحكاتها التي كانت تملأ المكان بالحياة، مزاحها الذي كان يسرق منه كل ضيق، وأخيرًا، عهدها.
ذلك الوعد الذي نطقته بثقة، حين قالت إنها ستبقى معه مهما حدث.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة، ابتسامة لا تحمل فرحًا بقدر ما تحمل مرارة عميقة. ثم تمتم بصوت خافت مثقل بالخذلان:
“كلها وعود كدابه اسمها عهد ومتعرفش حاجه عنه.”
خرجت من صدره تنهيدة حارة، كأنها محاولة فاشلة لإفراغ شيء عالق داخله منذ سنوات.
بعدها اتجه بخطوات بطيئة نحو غرفته، باحثًا فقط عن بعض الراحة، أو ربما عن هدنة قصيرة من أفكاره التي لا تهدأ.
************************
“الفصل العاشر”
مرت عدة أسابيع ثقيلة، كأن الأيام قررت أن تثقل على صدر عهد أكثر مع كل صباح جديد، لم يعد الليل يمنحها راحة، ولا النهار يحمل لها أملاً. كل شيء في حياتها صار باهتًا، مثل قلبها الذي أنهكته الخيبات.
استيقظت عهد من نومها على ألم مبرح في شعرها، كأن أحدهم اقتلعه من جذوره، فتحت عينيها بفزع لتجد والدها ممسكًا بخصلات شعرها بقوة، وعيناه تقدحان غضبًا. كان وجهه قريبًا منها إلى حد مخيف، وأنفاسه الحادة تضرب وجهها بينما يصرخ بصوت غليظ:
“انتي هتفضلي نايمة كده يا روح امك، أنا عايز سجاير وعايز فلوس.”
تأوهت بألم وهي تحاول أن تخفف قبضته عن شعرها، وشعرت بأن رأسها يكاد ينفصل من شدة الشد، صرخت بصوت متألم وقد امتلأت عيناها بالدموع:
“اعمل ايه طيب ما أنا كل يوم بنزل ادور على شغل ومش لاقيه، رجلي ورمت من كتر المشي.”
نظر إليها ببرود خالي من أي شفقة، ثم قال بلهجة قاسية لا تحمل ذرة نخوة:
“معرفش، اتصرفي حتى لو هتشتغلي خدامة فى البيوت.”
سقطت الكلمة عليها كأنها دلو ماء بارد أُلقى فوق رأسها فجأة، للحظة شعرت أن قلبها توقف عن النبض، حركت رأسها ببطء وهي تنظر إليه بعدم تصديق، كأنها تنتظر أن يخبرها أنه يمزح، ثم قالت بصوت مرتجف:
“انت بتقول ايه يا بابا؟ عايز بنتك تشتغل خدامة فى البيوت علشان تجيب ليك حق السجاير؟”
أومأ برأسه ببرود، وكأن الأمر عادي تمامًا، ثم تكلم بنبرة غاضبة:
“ايوه فيها ايه، الشغل مش عيب ولا حرام.”
تجمعت سنوات من الغضب داخل صدرها دفعة واحدة، وانفجرت كلماتها أخيرًا بعد صمت طويل، صرخت به بغضب مكبوت، وكأنها تفرغ مرارة سنين كاملة:
“قول لنفسك، دلوقتي عرفت أن الشغل مش عيب؟ عرفت أن الفقر مش وصمة عار، عرفت أن كلنا بشر؟ طيب مدام شايف كده، روح انت دور على شغل وأشتغلة، على الأقل سهل تلاقي حارس امن ولا أي حاجه، بدل الذل والمرمطة اللي بشوفها كل يوم علشان الاقي شغل ومش بلاقي.”
لم يحتمل كلماتها، ارتفعت يده سريعًا، وفي لحظة هبطت صفعة قوية على وجهها جعلت رأسها يميل إلى الجانب. دوى الصوت داخل الغرفة، وشعرت بحرارة الصفعة تحرق خدها بينما قال بغضب مشتعل:
“اخرسي، عايزاني أنا انزل اشتغل حارس امن؟! وبعدين، انتي مبتعمليش عمل بطولي، ما أنا صرفت عليكي كتير لما كان معايا فلوس، انتي بتردي ليا دين قديم عليكي.”
رفعت يدها ببطء إلى خدها الذي اشتعل ألمًا، وعيناها تنظران إليه بعدم تصديق، كانت الكلمات تتزاحم في حلقها، لكنها ابتلعتها بصعوبة، فهي تعلم جيدًا أن أي رد آخر سيشعل غضبه أكثر ويجعل الأمور أسوأ.
حركت رأسها بصمت مستسلم، ثم قالت بصوت مختنق يكاد ينكسر:
“تمام يا بابا أنا اسفه، هقوم اغير هدومي وانزل ادور على شغل، وانا راجعه هتصرف واجبلك علبة سجاير.”
ابتعد عنها قليلًا وكأن الأمر انتهى بالنسبة له، ثم قال بلهجة آمرة:
“قومي الاول حضري الفطار.”
خرج من الغرفة تاركًا خلفه صمتًا ثقيلًا، ظلت عهد تنظر إلى الباب الذي أغلقه خلفه، وعيناها تمتلئان بكره وغضب مكتومين، للحظة شعرت أن قلبها يختنق داخل صدرها، لكنها أجبرت نفسها على النهوض.
تحركت نحو المطبخ ببطء، وأعدت الطعام بصمت تام، وكأنها آلة تؤدي ما يطلب منها بلا روح، بعد أن انتهت، عادت إلى غرفتها الصغيرة.
جلست على السرير، وضمت قدميها إلى صدرها، وأسندت رأسها عليهما. بقيت تحدق في الفراغ أمامها طويلًا، وعيناها ممتلئتان بدموع متجمدة ترفض السقوط.
كانت لا تعلم ماذا تفعل، ولا إلى أين تمضي حياتها.
لكن شيئًا واحدًا فقط كان واضحًا داخل قلبها.
احتياجها الشديد إلى همام.
بمجرد أن مر اسمه في خاطرها، هربت دمعة متمردة من عينيها دون إذن، مسحتها بسرعة بعصبية، ثم هزت رأسها برفض قاطع وقالت بعناد:
“لا، مش هسمح لدموعي تنزل مهما حصل.”
وفي تلك اللحظة أعلن هاتفها عن وجود اتصال، نظرت إليه بتعب، لتجد اسم صديقتها ريم يضيء الشاشة. تنهدت بوجع قبل أن تجيب بصوت مختنق:
“عاملة ايه يا ريم؟”
أجابتها ريم بصوت هادئ:
“الحمدالله يا حبيبتي، طمنيني عليكي عاملة ايه؟”
تنهدت عهد بوجع واضح، وكأن الكلمات تخرج من صدر مثقل بالهموم، وقالت بصوت مختنق:
“هكون عاملة ايه يا ريم؟ الدنيا ملطشة معايا اوي، مش لاقيه شغل نهائي، وبابا كل يوم يمد ايده عليا، علشان عايز سجاير و فلوس، والراجل صاحب الشقة كل يوم والتاني يجي يوقف لينا على الايجار عايزه، والبيت مافيش فيه أكل، مش عارفة اعمل ايه يا ريم تعبت والله.”
لم تتركها ريم تكمل انهيارها، بل قالت بسرعة وكأنها تحمل لها طوق نجاة:
“بنت حلال ربنا بيحبك، عندي ليكي شغل.”
رفعت عهد رأسها فجأة، وكأن بصيص أمل صغير أضاء داخل الظلام، قالت بسرعة ولهفة:
“بجد يا ريم، هاتي العنوان بسرعه.”
تنحنحت ريم قليلًا بتوتر قبل أن تقول:
“طيب مش تعرفي ايه هي الشغلانه الاول.”
تنهدت عهد بوجع وقالت باستسلام:
“مش فارقة يا ريم، أي حاجه هشتغالها.”
أجابت ريم موضحة:
“فيه بنت راجل غني اوي، مامتها متوفيه، كانت اجنبيه، باباها جابها هنا، بس عمر، انتي عارفه مشاغب ازاي، قعد كل شوية يضربها ويغلس عليها وهي البنت بسكوتاية اوي ورقيقه، وشكل باباها بيخاف عليها اوي، وفى البيت مافيش معاها غير جدتها ست كبيره، المديرة اقترحت عليه يجيب ليها بيبي سيتر، تهتم بيها اكتر فى البيت، وتبقى ملازماها فى كل مكان، وافق على كلامها وطلب منها واحده تكون أمينة، أنا بقى اول ما سمعت الكلام ده قولتله عندي واحده امينه جدا والأطفال بتحبها على طول، وطلب أنه يقابلك.”
ساد الصمت للحظة، شعرت عهد أن القدر يسخر منها مرة أخرى، ابتسمت بسخرية مريرة وقالت:
“جايه فى وقتها، لسه قايلي كده، اشتغلي خدامة فى البيوت.”
ردت ريم بسرعة محاولة طمأنتها:
“لا لا، مسمهاش خدامة، ده غني اوي، واكيد جايب ناس تانيه لبيته، انتي مشوفتيش شكله ولا شكل عربيته ولا الحرس اللي بيجوا مع بنته كل يوم، انتي هتهتمي بالبنت بس، زي ما كنتي بتعملي هنا مع الاطفال، وانتي اصلا بتحبي الاطفال اوي وهما بيحبوكي، كفايه انك هتترحمي من ابوكي وضربه فيكي وهتبقى عايشه مع البنت على طول، لانه عايزها بدوام كامل.”
زفرت عهد بضيق وقالت بعد تردد:
“سبيني افكر يا ريم، قرار زي ده صعب عليا شوية، فى الحضانه أنا كنت مدرسة لاطفال كتير، بس بيبي سيتر يعنى هكون خدامة لطفلة واحدة، مهما كانت المسميات.”
أجابت ريم بتفهم:
“ماشي يا عهد، فكري بس متتأخريش عليا، علشان الراجل طالب يقابلك.”
أغلقت المكالمة بعدها، وعادت الغرفة إلى صمتها الثقيل.
نظرت عهد أمامها طويلًا، وابتسامة ساخرة ارتسمت على شفتيها، ثم قالت بصوت خافت وكأنها تخاطب الدنيا نفسها:
“ناوية تخديني على فين تاني يا دنيا؟ مشبعتيش ذل وكسر فيا؟”
وبقيت على وضعها، تحدق في الفراغ بصمت تام، بينما الدموع داخل عينيها تأبى الهطول، كأنها سجينة داخل قفص زجاجي لا يسمح لها بالسقوط.
************************
داخل فيلا فخمة يطغى عليها الذوق الراقي، هبط همام من أعلى الدرج بخطوات ثابتة، كان جسده عريضًا، وملامحه جادة حازمة توحي بالهيبة. اتجه نحو طاولة الطعام، فانحنى قليلًا يقبل رأس والدته، ثم حمل ابنته الصغيرة وأجلسها على ساقه، وقبل وجنتها بحب وهو يقول:
“صباح الخير يا أمي، صباح الورد يا روفا.”
ابتسمت حليمة ابتسامة حنونة وقالت:
“صباح النور يا حبيبي.”
أما روفان فعبست بوجهها الصغير وقالت بتذمر طفولي:
“أنا زعلانة منك ومخصماك يا بابي.”
ابتسم على تذمرها وسألها بحنان:
“حبيبة بابي زعلانة منه ليه بس؟ أنا مقدرش على زعلك يا أحلى روفا.”
قالت بضيق وهي تعقد حاجبيها:
“علشان إنت قولت هتخرجني ونروح الملاهي، وضحكت عليا! على طول في الشغل وسايبني لوحدي.”
ضمها إليه وقبل رأسها بحب، ثم قال بنبرة معتذرة:
“أنا آسف يا روح بابي، بس غصب عني والله، تأسيس الشركة الجديدة واخد كل وقتي. بس أوعدك أول ما أخلص من افتتاحها، هزهقك خروجات.”
عقدت ذراعيها الصغيرتين على صدرها بتذمر طفولي وقالت:
“هفضل مخصماك ومش هكلمك غير لما تخرجني.”
تدخلت حليمة بنبرة حنونة قائلة:
“روفا قلب تيته، بلاش تتعبي بابا، هو غصب عنه مشغول.”
نزلت روفان من على ساقه وقفزت إلى الأرض، ثم قالت بصوت مكسور:
“أنا عايزة مامي، هي على طول كانت بتاخدني الملاهي، أنا عايزة مامي.”
أنهت كلماتها ببكاء وركضت مسرعة نحو غرفتها.
تابعها همام بنظرة حزينة، ثم قال بصوت مختنق:
“لانا كانت شايلة كتير أوي عني يا أمي، كانت تربية روفان عليها، كانت مسؤولة عنها في كل حاجة.”
ربتت حليمة على يده بحنان وقالت:
“معلش يا حبيبي، الأطفال كلها كده، معندهاش دراية بالضغوط ولا الشغل. عايزين لعب وخروج بس، ودي تبقى مهمة الأم أكتر من الأب، علشان كده مكنتش حاسس بكل ده لما كانت مراتك عايشة. سيبها بس، وأنا هطيب خاطرها بكلمتين.”
زفر همام بضيق وقال:
“مش كانت سميحة جات عاشت معانا هنا هي وجوزها وعيالها؟ كانت ساعدتني شوية في تربيتها.”
أجابته موضحة:
“ما أنت عارف جوزها يا همام، ابن خالتك نفسه عزيزة، مرضاش ييجي معانا هنا وقال مش هيسيب شقته ملكه في بيت أهله ويقعد عند حد.”
حرك رأسه بنفاد صبر وقال:
“دماغه ناشفة وعايزة كسرها، حتى في الشغل، مش راضي ياخد زيادة عن الموظفين، بيقولي ياخد زيهم، ونفصل في الشغل موضوع القرابة ده.”
ابتسمت حليمة بسعادة وقالت:
“ربنا يبارك فيه، جدع وراجل وطيب. شالني فوق راسه من يوم ما سيبتني عنده وسافرت.”
استقام همام بجسده وربت على كتفها قائلاً:
“هروح أنا بقى علشان متأخرش. وانتي يا أمي، معلش شوفي روفان وطيبي خاطرها.”
أومأت برأسها وقالت:
“ماشي يا حبيبي، روح، ربنا يوسع رزقك ويفتحلك الأبواب المقفولة يا رب.”
قبل رأسها بابتسامة حنونة، ثم خرج من الفيلا.
فتح السائق باب السيارة الخلفي له، لكن همام هز رأسه قائلاً بهدوء:
“لا، أنا اللي هسوق العربية، روح أنت في العربية التانية.”
جلس خلف المقود، وأدار المحرك، ثم انطلقت السيارة متجهة به نحو مقر شركته الجديدة.
**********************
داخل الشركة…
جلس همام خلف مكتبه بضيق، ينظر من خلال الحائط الزجاجي إلى الخارج، ثم قال بصوت غاضب:
“أنا هتجنن يا فؤاد، يعني كان لازم تسيب الشغل؟ أنا وديت روفان هناك علشان تشوفنا وأحرق قلبها وأكسرها، بس للأسف اتفاجئت إنها سابته.”
زفر فؤاد، زوج أخته، بنفاد صبر وقال:
“انساها بقى يا همام، يمكن دي إشارة من ربنا ليك علشان تشيلها من دماغك. ركز في حياتك وفي بنتك، دول أهم دلوقتي.”
حرك همام رأسه بالرفض، وقال بصوت غاضب يحمل وعدًا خفيًا:
“مش هرتاح غير لما أكسرها زي ما كسرتني يا فؤاد، عايز أشوف نظرتها وهي فقيرة وأنا وصلت للي وصلته، توريني بقى الخاتم الألماظ اللي كانت فرحانة بيه نفعها بإيه؟ اللي سابتني علشانه فين دلوقتي؟ لازم أعمل كده علشان قلبي يرتاح وجرحه يلم، وساعتها بس أقدر أشوف حياتي.”
ابتسم فؤاد بسخرية وقال بتهكم:
“بتحلم يا همام، إنت لما تشوفها قلبك هيوجعك أكتر، والألم هيتجدد جواك كأنه لسه دلوقتي، نظرتها هتفتح باب جديد جواك يا همام، وابقى قول ابن خالتي قالها: راحتك في قربها، مش بعدها.”
أنهى كلامه، ثم استدار وخرج من المكتب تاركًا همام وحده.
ظل همام ينظر إلى أثره بضيق، ثم تحولت نظراته إلى غضب مشتعل، وقال بتوعد:
“بكرة تشوف بعينك وأنا بكسرها، وبرد كرامتي يا فؤاد.”
***********************
في المساء…
انشغلت عهد في تنظيف المطبخ الصغير، تحرك يداها بسرعة وهي تفرك الأواني المتراكمة وكأنها تحاول أن تفرغ فيها كل ما يعتمل داخل صدرها من ضيق، كانت ملابسها مبللة ومتسخة ببقايا الماء والمنظفات، وخصلات شعرها التصقت بوجهها من شدة الإرهاق.
وفجأة قطع الصمت صوت طرقات متتالية على باب الشقة.
توقفت يدها في الهواء، ونظرت نحو الباب بقلق، مسحت كفيها سريعًا في طرف ملابسها المبللة، ثم خرجت من المطبخ بخطوات مترددة، ازداد الطرق قوة، فابتلعت ريقها ومدت يدها لتفتح الباب.
ما إن فتحته حتى اتسعت عيناها قليلًا عندما رأت عم حسن، صاحب الشقة، يقف أمامها بملامح متجهمة.
حاولت أن ترسم ابتسامة متوترة على شفتيها وقالت بخجل:
“ع عم حسن! اتفضل.”
نظر لها بضيق وتكلم بنبرة غاضبة:
“اللي انتوا بتعملوا ده ميرضيش ربنا، ده تالت شهر متدفعوش الايجار، أنا مش فاتحها جمعية خيريه، مليش فيه اذا كنتي سيبتي الشغل ولا لا، معاكي لآخر الاسبوع يا تجيبي الفلوس كلها المتأخرة عليكي، يا تفضي الشقه وتسلميها.”
شعرت عهد وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميها، تشبثت بطرف الباب وكأنها تبحث عن شيء يسندها، ثم تكلمت بترجي وصوت مختنق:
“طيب اديني بس وقت ادور على شغل، وانا والله اول ما اشتغل هجبلك فلوسك كلها، اسبوع قليل اوي يا عم حسن.”
هز رأسه بضيق وكأن أعذارها لم تعد تعني له شيئًا، ثم تكلم بصوت غاضب وأشار بأصابعه بتحذير:
“أنا اديتك وقت بما فيه الكفايه وكل مرة تقولي كده ومش بتنفذي كلامك، اخر كلام اللي قلته ليكي يا عهد ولو منفذتهوش كمان اسبوع هجيب الشرطة ترميكم بره.”
أنهى كلامه وتحرك من أمامها بخطوات غاضبة، تاركًا خلفه صمتًا ثقيلاً.
ظلت عهد واقفة مكانها لثواني، تنظر إلى أثره وكأنها لم تستوعب بعد ما حدث، كانت دقات قلبها تضرب صدرها بعنف، وأنفاسها تخرج متقطعة.
أغلقت الباب ببطء، ثم استدارت نحو الداخل.
وقع بصرها على والدها الجالس في الصالة، يشعل سيجارته بهدوء وكأن شيئًا لم يحدث، وكأن الكلمات التي سمعاها منذ لحظات لا تعني له شيئًا.
تصلب وجهها قليلًا.
حركت رأسها في رفض صامت لواقع فرض عليها قسرًا، واقع لم تختره لكنها تدفع ثمنه كل يوم.
اتجهت إلى غرفتها بخطوات ثقيلة، ثم جلست على طرف السرير. أرجعت شعرها إلى الخلف وأمسكته بقوة بين أصابعها، تضغط عليه وكأنها تفرغ فيه غضبها وعجزها معًا.
تذكرت فجأة حديث صديقتها ريم.
تسللت الفكرة إلى عقلها من جديد، كأنها باب تحاول تجاهله لكنه يصر على أن يفتح.
نظرت إلى الهاتف الموضوع بجوارها بتوتر.
عقلها يجبرها على الموافقة بعرض ريم، أما قلبها، فكان يرفض تلك الطريقة المهينة بكل ما فيه من قوة.
ظلت للحظات طويلة تحدق في الهاتف، وكأنها تنتظر معجزة تنقذها من القرار.
لكن لا معجزات تأتي للفقراء.
أغمضت عينيها لثانية، ثم زفرت ببطء وكأنها تبتلع مرارة كاملة دفعة واحدة.
وأخيرًا، حسمت الأمر.
مدت يدها وأمسكت الهاتف، ضغطت على الرقم الذي تحفظه عن ظهر قلب، وانتظرت.
رن الهاتف مرات قليلة قبل أن يأتيها صوت ريم من الطرف الآخر.
فتحت عهد فمها بصعوبة، ثم تكلمت بصوت منكسر وقالت:
“أنا موافقة، حددي ميعاد معاه.”
لم تنتظر ردًا، أغلقت الخط فورًا، وألقت الهاتف بجوارها على السرير.
ثم رفعت رأسها ببطء ونظرت أمامها بنظرات قاسية، نظرات فتاة أعلنت حربها الصامتة على الدنيا كلها،
لتبقى واقفة وحدها في المعركة، بقوتها المعتادة التي لم يعرفها أحد.
***********************

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *