المدللة ٢
بقلم الكاتبة إكرام يوسف

الفصل الثانى والعشرون ( والاخير )
***************************
رأه وهو يخرج بسيارته من جراج الشركة , وظل ينظر إلى هاتفه كأنه ينتظر من يحادثه , وبالفعل رن الهاتف ليرد بلهفة :
– ايوة ياشيرى , لسة ماشى دلوقتى
– خلاص تمام يا تامر هو هيروح النادى زى ما قالى
– تمام , يلا سلام دلوقتى
– متنساش لما تخلص تبلغنى
– اوكى
أغلق الهاتف وترجل سريعا من سيارته ليدخل بدوره إلى الشركة
أما هى فإتجهت إلى غرفة بوسى لتراها تقف أمام المرآة وهى تحكم ذلك الشال الذى صبغ باللون الوردى على رأسها ليضفى حمرة على وجهها زادتها جمالاً بالرغم من حزنها
رأتها كالزهرة الذابلة , تنظر إلى نفسها بالمرآة بوجه واجم , قالت بقلق :
– لو قلقانة يا بوسى بلاش نروح ؟
لترد بإصرار وتصميم :
– لا , لازم نروح يا شيرى
ثم ظهرت الدموع متلألأة بعينيها , تتوق للهطول , وهى تتابع بألم :
– حاسة انى بخونه
فإحتضنها شيرى وهى تقول :
– متكبريش الموضوع يا بوسى انتى بتعملى كدة عشانه
– لو كان عارف انى هروح اقابله مكانش هيوافق
– مهو انا كمان وتامر مش موافقين , لكن انتى اللى مصممة
مسحت عبراتها وهى تقول وقد تمكن التصميم منها :
– لازم نروح مفيش حل قودامى غير كدة
رتبت شيرى على كتفها وهى تقول :
– متقلقيش , انا مش هسيبك , وهفضل معاكى
**************************************
كانت تنظر بتلك المرآة الصغيرة بيدها وهى تضع بعض من مساحيق التبرج , عندما إتسعت إبتسامتها لرؤيته يقف أمامها بإبتسامته الخلابة
فألقت ما بيدها أمامها على المكتب , وذهبت ناحيته ولفت ذراعيها حول عنقه , وهى تقول بتغنج :
– كنت لسة هكلمك دلوقتى ونتقابل يا حبيبى , معقول بقيت بتحس بيا لدرجادى يا تامر ؟
فقال وهو يخرج من جيبه قارورة صغيرة دون أن تشعر :
– اكيد طبعاً يا حياتى
ثم لم يلبث قليلاً حتى إحتواها بأحد ذراعيه وبيده الأخرة وجه ذلك الرذاذ الذى يخرج من القارورة الصغيرة تجاه أنفها , حتى لانت جميع أطرافها وأسبلت جفونها مستسلمة لرائحة ذلك المخدر
حملها ووسدها تلك الأريكة التى توجد بأحد أركان الغرفة , ثم أسرع بغلق باب غرفتها عليهما جيداً , حتى لا يأتى أى متطفل ليكشف أمره
وإتجه إلى باب غرفة ياسر الموجود بغرفتها , بحركات سريعة بدأ عمليات البحث فى كل الأدراج والرفوف , يبحث عن ضالته كأسد جائع يبحث عن ما يطفئ لهيب معدته المتأوهة جوعاً
***************************************
ضغطت على يدها برفق تبثها الطمئنينة , فبادلتها بنظرة ودودة وهى تقول:
– انا مش قلقانة منه , انا عارفة ان ربنا معانا ومش خايفة
– يارب تامر يخلص بسرعة وقعدتنا معاه متطولش
– ان شاء الله هيلاقى العقود وهنمشى من هنا مبسوطين , انا واثقة من كدة
فابتسمت لها شيرى وهما يعبران بوابة النادى ليكملوا ما إتفقوا على فعله
كان ينفث دخان لفافة من التبغ فى الهواء بتململ , عندما رآهم يمران أمامه , لم يستطع الصبر أكثر من ذلك , قام وإتجه ناحيتهم وبأعين معلقة ببوسى , وجه حديثة لشيرى قائلاً :
– ازيك يا شيرى عاملة اية ؟
لتبتسم له شيرى وهى تقول :
– اهلا , ازيك يا ياسر , عامل اية ؟
– الحمد لله
فتشير بيدها تجاه من كانت تقف بجانبها قائلة :
– بوسى صاحبتى
فمد يده ليصافحها , وهو يقول :
– اهلا وسهلا يا بوسى
فانتقلت ببصرها من وجهه إلى يده الممدودة تجاهها , لتشعر أنها ممدودة تجاة رقبتها لتخنقها
لم تستطع لمس يده , إبتلعت غصتها وهى تقول هرباً منه :
– انا هروح الحمام يا شيرى , وهرجعلك على هنا
لتنظر شيرى بعينها بقلق , وهى تومئ برأسها فى إيجاب
وتفر كنسمة هواء شاردة فى يوم حار من أيام الصيف , جاءت للحظة لتبهج القلب , ثم غادرت لتترك فى القلب حسرة عليها
نظر ياسر بأسى إلى شيرى , ثم قال :
– هى مالها ؟ في اية ؟
لترد شيرى مطمئنة :
– مفيش حاجة متقلقش , هى بس كانت متضايقة وانا خرجتها من البيت بالعافية
فزفر بضيق فى الهواء , ثم قال :
– لسة برده زعلانة عليه ؟
– يعنى ؟ دة دورك بقى تنسيهولها
أماء برأسه وهو ينظر أمامه فى وجوم , حتى رجعت الإبتسامة لتزين ثغره مرة أخرى عند عودتها , فقالت شيرى :
– تعالوا ندخل نعد فى الكافيه نشرب حاجة , اصلى عطشانة اوى
فيتوجهوا جميعاً إلى ذلك المكان وكل منهم يحمل نظرات تقول أسرار للأخر
شيرى فى محاولة للإطمئنان علي بوسى , بوسى فى محاولة لسبر أغوار ذلك الذى أطاح بزوجها داجل جدران السجن , ياسر فى محاولة لبث شوقه لفاتنته ومن غرق فى غرامها حتى الثمالة
**********************************
إبتسم بأريحية وهو يتنهد قائلاً :
– أخيراً
كان ينظر بسعادة بتلك الأوراق بيده , ثم حاول أن يعيد كل شئ مكانه , حتى لا يعلم أى أحد بالأمر
وخرج يحمل ضالته بيده , ليرى ياسمينا مازالت متوسدة الأريكة وتغط فى نوم عميق
فخرج سريعاً من جدران تلك البناية ليركب سيارته , وينظر للأوراق بجانبه بسعادة وهو يقودها
**************************************
كانت تشعر أن الدقائق أصبحت دهور , الوقت لا يمر فى جلسته المقيتة , مضطرة أن تتحمل سهام نظراته التى تخترقها بجرأة , وإبتسامته المسمومة , وحديثة الثقيل على قلبها
كان قلبها يشعر أنه يختنق , كانت تشعر أن الهواء تلوث ويجب ألا تتنفسه
إستطاعت أخذ جرعة من هواء المكان حينما رن هاتف شيرى , فنظرت لها نظرة تعنيها , وإستئذنت لتقف على بعد خطوات لترد على هاتفها
تابعتها بوسى بنظراتها , وأخذت تتابع خلجات وجهها لتستنبط منها ما تتلقاه فى الهاتف
ولكن ذلك المتطفل إخترق تفكيرها وهو يقول بإبتسامته التى لم تغادر وجهه منذ أن إلتقيا :
– كنتى بتحبيه ؟
سؤاله إخترق قلبها قبل عقلها , كانت تكره تدخله فى شئونها الخاصة وبالرغم من ذلك ردت بلباقة وبإبتسامة رسمتها عنوة فوق شفتيها :
– اكيد
فتابع بإهتمام :
– ودلوقتى ؟
نجدتها صديقتها من الإجابة عندما أشارت لها بطرف عينها وهى تقول موجهة حديثها لياسر :
– معلش يا ياسر , لازم نمشى
رد بإستغراب :
– خير , فى حاجة حصلت ؟
– لا بس فى حاجة مهمة ولازم نمشى
تفاجأ بما حدث وكاد الغيظ يطحنه وهو يجلس مكانه يتابعهما وهما يهما بالرحيل
قال بلهفة موجهاً حديثه إلى بوسى :
– لازم اشوفك تانى عشان نكمل كلامنا
ردت بسعادة لسذاجته , ولتخلصها من جلسته :
– أكيد
ظل يتابعهما وهما يرحلا , وهو لا يعلم لماذا تلعب به شيرى بهذه الطريقة؟ لابد أنها تقصد إذلاله , وترد له ما فعله بها
خبط بغل على الطاولة أمامه كأنه يصفعها على وجهها لما فعلته , جمع أشياءه , وإستدعى النادل بإشارة من يده , ودفع الحساب وغادر بما يحمله من أحزان
******************************
شعرت بلمسة لطيفة على وجهها , فتحت عيناها بإبتسامة , لتجفل حين وجدته أمامها , ثم قال وهو يتجه إلى غرفته :
– اية اللى نيمك هنا يا يسمينا ؟ لو تعبانة ممكن تروحى تستريحى شوية
تفاجأت من هذا الوضع الذى وجدت نفسها عليه , وتذكرت تامر وما فعله بها , قامت بلهفة إلى هاتفها , لتجده وقد أرسل لها رسالة , فابتسم ثغرها عندما قرأت محتواها ( كان نفسى اشوف شكلك وانتى نايمة , زى القمر حتى وانتى نايمة , بحبك )
فتمتمت بسعادة :
– مجنون
********************************
قالت بسعادة إفتقدتها منذ غياب القمر عن سماءها :
– انا متشكرة اوى يا تامر , الحمد لله
– احنا كدة خلاص خلصنا مهمتنا , انتى لازم تسلمى التسجيل والعقود للمحامى وان شاء الله حسام هيرجع البيت فى اقرب وقت
فتقول وقد إغرورقت عيناها بالدموع :
– الحمد لله
فتحتضنها المربية وهى تقول بسعادة :
– الحمد لله يا حبيبتى , ربنا يرجعهولنا بالسلامة
فتقول شيرى :
– ليه بس الدموع يا بوسى , يلا روحى كلمى المحامى فورا وخليه يجى عشان ياخد الأدلة اللى هتثبت ان حسام برئ
– حالا هتصل به
**********************************
كان يجلس على الأريكة يتابع التلفاز بتململ , وهو يتجرع الخمر حتى يحاول أن ينسى ما تفعله به شيرى , فمنذ أخر مرة كان معها هى وبوسى , لا ترد على مكالماته الهاتفية
كاد أن يجن , وهو لا يعلم أين ومتى سيلتقى بها مرة أخرى ؟
كم اشتاق لرؤياها , لنبع حنانه يحويها , لنبض شريانه وهى فى أحضانه , لطعم حروف الحب متشابكة باسمها , لخلايا جسده تذوب فيها , لواقع رسمه فى خياله , لصورة تجمعهم بحبه الذى خُلق لأجلها
أخرجه من أحزانه صوت جرس الباب المزعج , أحداً يطرق على الباب بشدة كأنما سوف تنطبق السماء على الأرض
تقلصت خلجات وجهه لشعوره بألم فى رأسه إثر تلك الضوضاء , أخذ يحاول القيام من مكانه , ومشى بخطوات حاول أن تكون ثابتة حتى وصل إلى الباب ليفتحه , فتفاجأ برؤيته لهذا الكم من الرجال يرتدون زى الشرطة , إلا واحداً الذى تحدث بدوره قائلاً بصوت جاد :
– حضرتك الأستاذ ياسر الشامى
حدق بهم بعينيه وقد شعر أنه إستفاق مما كان فيه :
– ايوة أنا
– معايا أمر بالقبض عليك
شعر وكأن دلواً من الماء البارد قد سكب فوق رأسه من هول الصدمة , إبتلع غصته , ثم قال :
– ليه ؟
– اتفضل معانا حضرتك وانت هتعرف كل حاجة
********************************
غمر قلبها الراحة والطمئنينة وهى تنام بجانب مربيتها , كانت لازالت قلقة من ما سوف يحدث بعد ذلك , ولكن هناك ما هدئ من روعها , فهناك أدلة تثبت إدانة ياسر , وقد زُج به داخل جدران السجن , وسوف يخرج زوجها منه قريباً
سوف تصطع شمس حياتها مجدداً لتنير أيامها , وتتفتح زهور بستانها , وتهل نسمات الهواء العليل لتطفئ لهيب شوقها , وتغرد العصافير على أشجارها لتسكن أنين قلبها , وتتوقف أنهار دموعها , لترتوى عيناها برؤيته , وتنهل من نهر حنانه
*********************************
فجأة فقد حريته , بعد أن خططت ودبر لكل شئ , وقرب على وضع مشهد النهاية , إلا أن إرادة الله كانت أقوى منه
إعتقد أنه إمتلك خيوط الأمر بيده , ظن أنه يقدر على تحريك الأمور كيفما يشاء
غاب عن عقله ملك السموات والأرض , ومدبر الأمور كلها
ظن أنه ملك كل شئ بيده , حتى إنفرط من بين أصابعه كحبات الماء
كان يشعر بأن الدنيا سوف تفتح أبوابها له ليملك كل ما تمنى كما إعتاد طوال عمره , ولكنها فجأة صُبغت باللون الأسود , أظلمت كسماء بلا قمر أو نجوم
كان يجلس فى الأرض يضم ركبتيه إلى صدره ويدفن رأسه داخلها يكتر الألم والندم على ما إقترف من أخطاء
وها قد نفذ عدل الله فى الأرض ليمنحه جزاءه كما منحه عمراً يسعى فى الأرض وينتقى الخبيث منه ليلطخ به نفسه قبل من حوله
إنتبه على صوت من يجلس بجانبه , وهو يهمس فى أذنه :
– نورت السجن يا ياسر يا شامى
ليصعك عندما يسمع نبرة هذا الصوت الذى يعلمه جيداً , فينظر له فى دهشة , ليبتلع غصته فى صمت , فيستطرد صاحب الصوت مرة أخرى قائلاً بنبرة أكثر حدة :
– كنت فاكر الدنيا سايبة وهتنفد بلعبتك القذرة
ليرد ياسر بسرعة :
– انا معملتش حاجة , انت اللى عملت يا حسام , العربية تبع شركتك والسواق اللى نقل البضاعة بيشتغل عندك
ليرد من كان يجلس بجانبه من الجهة الأخرى :
– بس انا اعترفت بكل حاجة وبرأت الاستاذ حسام
ليشعر ياسر بالصدمات تلو الأخرى , فينظر فى إتجاه الصوت , ليجد متولى يجلس بجانبه , فيقول بنبرة متهدجة إثر صدمته :
– يعنى انتو الاتنين اتفقتوا عليا ؟ بس مش مشكلة برده مفيش دليل إدانة ضدى
فيقول حسام وقد إستقام ليقف من مكانه , وقال وهو ينظر أمامه :
– أظن بكرة قودام النيابة هتقدر تعرف إذا كانوا قدروا يثبتوا التهمة عليك او لا ؟
ساد الصمت بين ثلاثتهم , كلٌ ذهب إلى دنياه من الأفكار , تُرى ماذا سوف يحدث غداً ؟ وكيف سيكون مصير كلاً منهم ؟
************************************
مرت الشهور ما بين تحقيقات النيابة ومحاكمات وإستئناف , ليزداد قلق بوسى وتوترها ولكنها كانت على يقين أن الله سوف ينجى حسام من السجن , وجود المربية بجانبها ساندها لتظل واقفة على أرض ثابتة , ولا تترك نفسها لأوهام الشيطان
أما حسام فكان يعد الأيام والليالى لكى يرجع إلى حبيبته التى إفتقدها كثيراً
صُدم متولى كثيراً عندما علم أن عقوبته لن تكون كما خدعه ياسر ثلاث سنوات فقط , فقد قال له المحامى الذى كلفه منصور بالدفاع عنه بناءاًعلى أمر من حسام , أن عقوبته سوف تكون أكثر من ذلك وسوف يبذل أقصى ما فى وسعه لتقليلها
جعلته الصدمة يعلم حجم ما إقترفه من ذنب فى حق أولاده قبل نفسه , فقد ترك لهم أموالاً ونسى أن يترك لهم سقف يحميهم من وحشة الأيام , لقد فقدوا والدهم الذى يحمل لهم معنى الأمن والأمان
أما ياسر فقد أيقن أنه سقط فى بحور من الألم متلاطمة الأمواج , تصفعه كل موجة منهم على وجهه , صفعات يستميت من ألمها , تفقده وعيه , وتغطس به داخل دوامة الندم التى لا نجاة منها ولا مفر
*********************************
جاء ذلك اليوم الذى أستقبله جميعهم كيوم فاصل فى حياتهم , كانت القلوب تنتفض داخل الصدور , حُشرت أنفاسهم , حينما سمع جميع الحضور ذلك الصوت الجهورى يصيح ليملئ صداه جميع أركان القاعة :
– محكمة
لترتكز جميع العيون على وجه ذلك الرجل الجالس يتوسط بطلته المهيبة المنصة , ترتقب خلجاته , تنتظر كلماته التى سوف ينطقها لتحدد مستقبلهم
قال وهو ينظر بالورقة أمامه :
– بسم الله الرحمن الرحيم
بعد الإطلاع على الأدلة المقدمة لنيابة جنايات القاهرة
قررت المحكمة
الحكم على المتهم ” ياسر محمد كمال الشامى ”
والمتهم ” متولى حسن أحمد عباس ”
بالسجن المأبد لكلٍ منهما
وبراءة المتهم ” حسام مجدى محمد نور الدين ” من التهمة المنسوبة إليه , وذلك لعدم كفاية الأدلة
تغيرت ملامح الوجوه لتأخذ أشكالاً مختلفة , وجوه حزينة باكية , نادمة على ما إقترفت , ووجوه سعيدة مهللة فرحة بالنجاة والخلاص
إغرورقت عيناها بالدموع وهى تنظر له وهو خلف تلك القضبان الحديدية , وإبتسامة رضا تنير وجهها
فبادلها هو بنظرة حنان وإشتياق وهو يبتسم
مدت يدها لتتلامس أيديهم من خلال ذلك الحائل الذى يفصل بينهم , فى صمت لم يشعر به غيرهم فى ظل تلك الضوضاء التى تملئ القاعة
عيون تنطق بالكثير , قلوب تنبض باشتياق , حنين أيدى مرتعشة تتعانق بلهفة محبين
نزعهم من عالمهم صوت ذلك الشرطى , وهو يأمر حسام بالتحرك , فك بسطوته تشابك أصابعهم , لكن أنظارهم ظلت متشابكة , حتى غاب عن عينها
********************************
ساعات مرت كالسنين , إنتظار مميت , يجلس خارج مكتب الضابط حتى ينهوا إجراءات الإفراج عنه ويخرج إلى حضن زوجته ومن ملكت قلبه وعقله
إبتسم وهو يفتح يده وهو ينظر إلى تلك الورقة المطوية , التى وضعتها بيده بوسى , فتحها وقرأها للمرة التى لا يعرف عددها
لتجرى عيناه على حروف كلماتها :
لن أسمح لك بتركى
فلتنسى نفسك معى
لن أكسِر قلبك أبداً
لن أخُن عهدك أبداً
سأظل بحضنك دوماً
لا تنسى أنى قطة متقلبة المزاج
وسبيلى إلى قلبك فيه شئ من الدلال
فيطويها مرة أخرى وهو لازال على إبتسامته , فيسمع صوت الشرطى وهو يصيح باسمه ليدخل إلى الغرفة هو والمحامى لينهى أوراق الإفراج ويخرج للدنيا , للحياة , لبوسى
كانت تنتظر بلهفة وهى فى قمة توترها , عيناها ثابتة على بوابة السجن ترتقب خروجه بقلب ينتفض
طل عليها أخيراً , نوره أضاء قلبها , لتظهر السعادة على وجهها
كانوا جميعاً بانتظاره , ترجلت هى على مهل من السيارة وقدماها لا تكاد أن تحملها فى حين كان يسلم هو على والدته والمربية وعيناه عليها , إقترب منها وعيناه تبتسم لها قبل ثغره إحتضن يديها بين كفيه وهو يقول بهمس :
– وحشتينى اوى
لترد بإرتجافة سرت فى جسدها كله :
– حمد الله على السلامة
فيستقلوا جميعهم فى السيارة ويتجهوا إلى المنزل
أخيراً فى المنزل , فقد نسى طعم الراحة , أخذ حماماً دافئاً كان بحاجة إليه
خرج منه ليجد بوسى ترتب له الفراش , نظر بعينيها طويلاً وهو يقبل يديها , ثم ترك نفسه يغوص بين ذراعيها , أغمض عينيه فى حضنها
إمتعص وجهها قليلاً وأبعدت نفسها عنه وهى تقول بوجه خالى من أى تعبير :
– هطلقنى بعد ما اولد بجد زى ما قلتلى ؟
وضع يده على بطنها التى أصبحت متكورة , وهو يقول بابتسامة مشاكسة :
– والله لسة هفكر
ليخذها بحضنه مجدداً , وهو يقول :
– متخافيش يا مجنونة , هو فى حد برده يقدر يعيش من غير ما يتنفس ؟ أهو انتى بقى الهوا اللى انا بتنفسه
قال كلماته الأخيرة وهو ينظر بعينها
كادت أن تبتسم , لكن وجهها تقلصت ملامحه مرة أخرى , ضيق ما بين عينيه وهو يحاول أن يعلم ما أغضبها , ولكنه قبل أن ينطق بحروف سؤاله , أفزعته هى بصرخة لم تستطع كتمها
ليتملكه الذهول والفزع وهو يقول :
– مالك يا حبيبتى ؟ فيه اية ؟
لترد وهى تضغط بيدها على يده :
– مش قادرة يا حسام عندى ألم فظيع من الصبح , بس خلاص مش قادرة استحمله
– يعنى اية ؟ مش فاهم , انتى هتولدى ؟
لتباغته بصرخة أخرى , ثم تقول :
– مش عارفة , صحى مامتك ودادة واتصل بالدكتورة
ليرد وهو يهرع خارج الغرفة :
– حاضر يا حبيبتى
***********************************
هلت بنورها إلى الدنيا , لتجعل من يراها يشعر بالسعادة , تلك الطفلة الجميلة التى توجت زيجتهم
نظر حسام بوجه زوجته النائمة على فراشها بالمشفى وهو يقول بسعادة :
– زى القمر زى امها بالظبط
لتبتسم بوهن وهى تنظر لطفلتها النائمة بجانبها , فيباغتها بلمسة حانية على شعرها وهو يقول :
– عايزة تسميها اية ؟
– رحمة
– جميل اوى يا حبيبتى
لتبتسم وهى تقول بتأثر :
– دى الرحمة اللى ربنا خلقها جوايا عشان تقرب ما بينا
فيميل برأسه مقبلاً جبينها , ثم يقول :
– ربنا يخليكو ليا
فتقول والدته :
– ربنا يسعدكم يابنى
ليبتسموا لها , فتقول المربية وهى تلاعب الطفلة بيدها بسعادة :
– تتربى فى عزكم يا ولاد
*****************************
كانت تلعب بشعرها الأشعث , الذى صبغ بلون الشمس من كثرة إلتقاءها به , فى ذلك الشارع الضيق , ترسم خطوطاً بعصا تحملها بيدها , تحفر على رمل الطريق أحلاماً تعيشها فى خيالها البرئ فقط
عندما إنتبهت لشئ جعلها تلقى ما بيدها وتبتسم بسعادة , فيبادلها حسام الإبتسام وهو ينحنى قليلاً ويفتح لها ذراعيه بابتسامته الجذابة
لتجرى نحوه وهى ترفع ذراعيها ليحملها وهى تقول :
– عمو حسام , وحشتنى أوى
ليحملها بين ذراعيه , لتقول بوسى من وراءه وهى تصتنع الحزن :
– هو بس اللى وحشك يا سهيلة ؟
لترد وهى محتضنة حسام :
– وانتى كمان وحشتينى أوى أوى
لترد عليها بوسى :
– ماشى يا بكاشة , ممكن بقى ندخل جوة نسلم على ماما وأخواتك
فيدخلوا ثلاثتهم إلى منزل متولى , فمنذ خروج حسام من السجن وهو يداوم على زيارتهم هو وبوسى , ويقضى جميع إحتياجتهم
********************************
كانت تدثر الطفلة فى فراشها , عندما شعرت بيد حسام تسحبها إلى الخارج , ليهمس بأذنها :
– وحشتينى يا قطتى , اية من ساعة ما رحمة اتولدت وانا مش عارف اتلم عليكى خالص
لترد بابتسامة خجولة :
– وانت كمان وحشتنى اوى
فيعدل من وضع خصلة من شعرها نزلت على وجهها وهو يقترب منها ليقبلها , فتنتفض عندما تسمع صراخ طفلتها وقد إستيقظت مجدداً من النوم
ليبتسم وهو يقودها إلى غرفة الصغيرة ويظلا بجانبها وهما يشعران بفضل الله عليهم , أن جعل حياتهم مليئة بالسعادة
تمت بحمد الله.
بقلم إكرام يوسف.
