في غياب الأم ج٢

بقلم منى السيد

الفصل الثالث
الكلمة دي رنت في ودني زي جرس إنذار. “أنت لسه ما تعرفش نص الحقيقة”.. بصيت لها، وشفت في عينيها حاجة غريبة، نظرة مش خوف، ولا حتى ندم، دي كانت نظرة استعلاء، كأنها هي اللي ماسكة خيوط اللعبة من البداية. حسيت إن الأكسجين بدأ يخلص في الأوضة، وبصيت لأبوها، لقيته منزل عينه في الأرض، ملامحه كانت بتقول إنه عارف السر ده، وموافق عليه.
قلت بصوت مرتعش: “انطقي.. إيه اللي مخبياه؟ إيه اللي أكبر من إنك رميتي عيالك في الشارع؟”
اتنهدت ببرود، وقعدت على الكرسي كأنها بتستعد لحكاية عادية، مش حكاية هتهد حياة راجل وبيت كان دافي. قالت: “أنت فاكر إن جوازنا كان نصيب وقسمة؟ فاكر إننا اتجوزنا عشان حبنا لبعض؟ أنت طول عمرك كنت طيب يا فلان، طيب زيادة عن اللزوم، وده كان نقطة ضعفك اللي استغليتها.”
حسيت بوجع في صدري، كملت وهي بتبص في سقف الأوضة: “أنا من قبل ما أتجوزك، كان عندي أحلام تانية خالص. كنت عايزة أسافر، كنت عايزة أعيش حياة تانية، بس أهلي جبروني عليك عشان ظروفك كانت مستقرة وقتها. وافقت عشان أهرب من ضغطي في بيت أبويا، بس من أول يوم دخلت فيه بيتك، وأنا حاسة إني في سجن. ولادك؟ ولادك مكانوش جزء من خطتي.. كانوا مجرد واقع اتفرض عليا.”
الكلام نزل عليا زي الصاعقة. كنت مذهول. يعني كل اللي قدمته، كل التضحيات، كل السنين اللي كنت فاكرها حب، كانت بالنسبة لها سجن؟ سألتها وصوتي طالع بالعافية: “والولاد؟ حمزة وتعب حمزة؟ ده كان واقع برضه؟”
ضحكت ضحكة مستفزة وقالت: “حمزة كان أكتر حاجة بتفكرني بفشلي. كل ما أشوفه محتاج رعاية، كنت بحس إني مربوطة في البيت ده أكتر. أنا مكنتش بكرهم، بس كنت بكرهم لأنهم بيحبسوني معاك.”
بصيت لنور، بنتي الكبيرة، لقيتها واقفة جنب الباب، وشها أبيض كالثلج، كانت سامعة كل كلمة. قلبي وجعني عليها أكتر من أي حاجة. هي كبرت وشافت حقيقة أمها قبل أوانها.
السر الحقيقي اللي كانت مخبياه بدأ يتكشف. الموضوع مكنش بس راجل جديد، الموضوع كان “رغبة في التحرر التام”، كانت عايزة تبدأ من الصفر، من غير “شوائب” الماضي، والشوائب دول كانوا إحنا.
قلت لها: “أنتِ شيطانة.. إنتي مش إنسانة طبيعية. أنا كنت بقطع من لحمي عشان أسعدك، كنت بأمن مستقبلك ومستقبل ولادك، وأنتِ كنتِ بتخططي ليوم خروجي من حياتك؟”
قالت ببرود: “أنا كنت صريحة مع نفسي، وده اللي أنت ما قدرتش تعمله. الراجل اللي أنت شفته.. هو مش بس جوازة جديدة، ده كان طريقي الوحيد عشان أخرج من حياتك ومن ديونك ومن كل الهم اللي عشته معاك. هو اللي ساعدني إني أقدر أتخلص من كل حاجة.”
ساعتها فهمت. ديون؟ أي ديون؟ أنا عمري ما كان عليا ديون! سألتها بتعجب: “ديون إيه؟ أنا ما علياش جنيه لحد!”
هنا بدأت الابتسامة الماكرة تظهر على وشها: “أنت ما تعرفش الحقيقة اللي مخبياها عليك من أول يوم يا فلان. الفلوس اللي كنت بتديها لي عشان “تأمين المستقبل”، والفلوس اللي كنت بتشيلها عشان “علاج حمزة”.. أنت كنت فاكر إنها بتتشال؟ أنا كنت ببعتها لأبويا عشان يسدد ديون قديمة عليه، ديون كانت تهددنا بالسجن. أنا كنت ببيع حياتك عشان أنقذ حياة أهلي، وأنت كنت فاكرني الزوجة المخلصة.”
وقعت في الأرض. حسيت إن كل ذكرياتي معها بتتمسح. كل لحظة حنان، كل كلمة حلوة، كانت مجرد تمثيلية عشان أديها الفلوس وأنا مطمن. الفلوس اللي كنت بحوشها من أكلي وشربي، كانت بتروح لأهلها عشان يسدوا ديونهم، وأنا كنت باكل عيش حاف عشان ولادي يعيشوا مستورين.
بصيت لأبوها، اللي كان ساكت تماماً، وفهمت إن المؤامرة كانت عائلية من الدرجة الأولى. هما كانوا بيستغلوني، ولما حسوا إني بدأت أفوق، أو لما لقت الراجل التاني اللي “أغنى”، قرروا يرموني أنا والعيال زي كيس الزبالة.
قمت وقفت، مسحت دموعي، وحسيت بقوة غريبة جوايا. قوة الانتقام؟ لا، قوة “البداية الجديدة”. بصيت لها وقالت: “خلاص، أنا عرفت الحقيقة. وعرفت إنتي مين. دلوقتي، ماليش غير طلب واحد.”
استغربت وقالت: “طلب إيه؟”
قلت: “ورقة الطلاق، بكل التنازلات. مش عايز منك حاجة، ولا عايز أعرف طريقك. بس فيه حاجة واحدة، الولاد مش هيشوفوا وشك تاني، ولا هيسمعوا اسمك. أنا هبدأ معاهم حياة جديدة، حياة مفيهاش “أسرار” ولا “كذب”.”
بصت لأبوها، لقته بيهز راسه بالموافقة، كان عايز يخلص مني بأي تمن. قالت: “موافق، هبعتلك الورقة البيت. بس انسانا، اعتبرنا ممتنا بالنسبة لك.”
خرجت من بيتهم، وأنا حاسس إن الحمل اللي كان على كتافي اتشال. اه، قلبي مكسور، وأحلامي اتحطمت، بس عرفت الحقيقة. الحقيقة بتوجع، بس بتريح.
في الطريق، نور مسكت إيدي، وقالتلي بصوت واطي: “بابا، أنا مش عايزة ماما تاني. أنا عايزة أعيش معاك، وأنا هساعدك في حمزة، وهنذاكر سوا، وهنكون أحسن عيلة في الدنيا.”
حضنتها، ونزلت دموعي أخيراً. الدموع دي ما كانتش ضعف، كانت غسيل لروحي. دخلت البيت، لقيت حمزة نايم في سريره، شكله ملاك مش فاهم أي حاجة من اللي بتحصل.
قفلت باب شقتي، وحسيت إني قفلت باب حياتي القديمة. من اللحظة دي، مفيش “منى”، مفيش “أهلها”، مفيش “أسرار”. فيه بس “أنا” و”ولادي”.
بكره الصبح، هبدأ أدور على شغل تاني، وهبني حياتنا من جديد. الحياة مش بتنتهي عند خيانة، الحياة بتبدأ لما نعرف الحقيقة ونقرر نكمل.
لكن.. قبل ما أنام، كان فيه سؤال لسه بيطاردني. الراجل اللي هي هتتجوزه ده، هل يعرف الحقيقة؟ هل يعرف إنها ست باعت ولادها وخدعت جوزها سنين عشان ديون أهلها؟ هل هو كمان ضحية جديدة بيتم استدراجها في فخ مشابه؟
فكرت إني لازم أعمل حاجة. مش عشان أرجعها، بس عشان أحذر الراجل ده. مفيش إنسان يستحق يعيش في كذبة زي اللي أنا عشتها. لكن.. هل ده دوري؟ ولا كفاية عليا اللي شفته؟
أخدت القلم والورقة، وبدأت أكتب كل حاجة، كل تفصيلة، كل كذبة. وقررت إن الورقة دي هتكون رسالة.. رسالة مش لها، بس لكل حد ممكن يقع في طريقها.
القصة لسه ما انتهتش، بس الفصل اللي جاي هيكون بداية “حياتي أنا”، بعيداً عن ألاعيبهم. قفلت النور، ولقيت في عيني نور جديد، نور الأمل اللي بيطلع بعد عتمة الليل الطويل.
الفصل الأخير
عدت شهور، وبدأت حياتي مع ولادي تاخد شكل جديد. نور بقت سندي في البيت، وحمزة حالته بتتحسن بفضل الله واهتمامي بيه. الصدمة خفت، والوجع بقى مجرد ذكرى بعيدة. عرفت إن الراجل اللي كانت هتتجوزه سابها بمجرد ما عرف الحقيقة من الرسالة اللي بعتها له، وطلعت هي خسرانة كل حاجة.
وقفت قدام المراية، بصيت لنفسي، شوفت راجل كبر بسرعة، بس عرف يلم شتات بيته. مش ندمان على أي تضحية عملتها، لأنها كانت لولادي. مابقاش يفرق معايا هي فين، ولا بتعمل إيه، كأنها كانت صفحة في كتاب واتقطعت.
النهاردة، ولادي بيضحكوا، البيت دافي بيهم، وده عندي بالدنيا كلها. اتعلمت إن العيلة مش بالأسماء والأوراق، العيلة باللي بيشيلك وقت الشدة. خرجت من المحنة دي بدرس كبير: الحقيقة وإن كانت مُرة، فهي النور اللي بيوريك الطريق الحقيقي وسط الضلمة. أنا دلوقتي أب.. وأنا الأم.. وأنا الأمان اللي ولادي محتاجينه، والحمد لله، بدأت حياتي من جديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *