الظلم ظلمات ج1
رومانى مكرم

انفتحت الأبواب فجأة. خرجت حماتي وهي تلف شالها حول كتفيها، وخلفها أخوات زوجي البنات، وضرتها وهي تحمل طفلها الرضيع الذي بدأ بالبكاء. نظروا إليّ بذهول وخوف. صاحت حماتي بصوت غاضب ومكتوم: “إيه الجنان ده يا بت؟ واكل بصلة وعاملة لعلعة في نص الليل ليه؟ لمي نفسك واطلعي شقتك!”.
اقتربتُ منها، وعيني تتطاير منهما شرارات الانتقام والندم، وقلت وعيني في عينها: “مش هلم نفسي يا حماتي.. إنتِ أول واحدة حفرتي قبرها بلسانك.. فاكرة ‘الأرض البائرة’؟ أهو ربنا هيوريكي البوار في صحتك وفي عيالك! إنتِ اللي قهرتيها، وبناتك سقفوا ليكي، والهانم الجديدة كانت بتتدلع على وجعها!”.
تقدمت إحدى أخوات زوجي وقالت بغضب: “جرى لك إيه يا ليلى؟ ماتت وفوقنا منها، إحنا مالنا؟ هو إحنا اللي وقفنا قلبها؟ ده يومها!”.
ضحكتُ بضحكة هستيرية عالية ترددت في أرجاء البيوت المجاورة: “يومها؟ إحنا اللي عجلنا بيومها.. إحنا اللي كنا بنموتها كل يوم مية مرة.. أنا روحت بلغت الشرطة عننا كلنا.. وعن نفسي أولكم.. والكل لازم يعرف حقيقتكم في البلد.. هخليكم تمشوا ووشكم في الأرض زي ما كانت منال ماشية!”.
تغيرت ملامح حماتي من الغضب إلى الرعب. التفتت إلى بناتها وقالت بارتعاش: “البت دي اتجننت.. دي هتفضحنا وسط الخلق وتجيب لينا العار والقال والقيل.. اربطوها واطلعوا بيها فوق قبل ما حد من الجيران يسمع!”.
لكنني كنت أسرع منهم. جريتُ نحو الباب الخارجي للبيت، وفتحتُه على مصراعيه وخرجتُ إلى الشارع المظلم. وقفتُ في منتصف الحارة، وبدأتُ أنادي على الجيران بأسمائهم، وأصيح بملء صوتي: “يا ناس يا هوووه.. بيت الحج علام فيه قتلة!.. ماتت منال مقهورة.. ظلمناها وعيرناها بقلة الخلفة لحد ما ماتت!”.
بدأت الأنوار تضاء في البيوت المجاورة، وأطلت الرؤوس من الشبابيك. خرجت حماتي وبناتها يجرين خلفي، وحاولن الإمساك بي وسحبي إلى الداخل، وهن يقلن للجيران باعتذار مرعوب: “معلش يا جماعة.. ليلى عقلها فوت من ساعة موت سلفتها.. تعبانة ونفسيتها تعبت.. أدخلوا جوه!”.
كنت أقاومهن، أظافري تغرس في لحمهم، وأنا أصرخ: “والله ما مجنونة! هما اللي قتلوها.. هما وضرتها.. متصدقوهمش!”.
في تلك اللحظة، جاء زوجي وزوج منال مسرعين بعد أن سموا الضجة في الشارع. دفعني زوجي بغضب داخل البيت وأغلق الباب الكبير خلفنا. التفت إليّ وعيناه حمراوان من الغيظ، ورفع يده وضربني قلمًا قويًا على وجهي سقطتُ بسببه على الأرض.