جنازة حماتي ج2

جمعة زعق: “تروح فين يا سعاد؟! انتِ مجنونة؟! سيد هناك بين أهله وناسه، لو شافها ممكن يقتلها ولا يرميها للكلاب! الناس هناك الصعيد ما عندهمش ياما ارحميني في الحاجات دي، خصوصاً لما يدروا إنها هانت حرمة الميت وسابت أمهم ج\ثة عشان أكلة!”
بس أنا في اللحظة دي.. ما كانش فارق معايا الموت ولا المهانة. كلمة “الصعيد” رنت في دماغي. قلت لنفسي: “أنا لو قعدت هنا هأموت من القهرة والمذلة كل يوم. سيد لازم يسمعني، لازم أعرف البنات إني مش شيطانة.. أنا كنت غبية، كنت طماعة في اللقمة، بس عمري ما كرهت أمهم ولا تمنيت لها الشر!”
من ورا أخويا جمعة، ومن غير ما سعاد تدري بكل التفاصيل، جمعت شوية الدهب الفاضلين معايا، ونزلت بيهم على محطة مصر. حجزت تذكرة قطر الصعيد المتجه للمنيا.. البلد اللي سيد مولود فيها وأهله كبار العيلة هناك.
طول السكة في القطر، والحديد بيكركع تحت مني، كنت بفتكر كل لحظة. بفتكر ريحة المحشي والكوارع اللي كانت مالية البيت، وبقارنها بريحة التراب والغم اللي عايشة فيه دلوقتي. يا رتني ما طبخت! يا رتني ما أكلت! يا رتني صرخت من أول ما شفتها ناشفة وتلج! كانت اللقمة هتفوت، بس كان بيتي هيفضل مفتوح، وبناتي في حضني، وجوزي راضي عني.
وصلت البلد على أذان الفجر. الشمس كانت بتبدأ تطلع وبتشق الضباب، والبلد ساكتة ومهيبة. نزلت من الميكروباص وأنا لافة الشال على وشي تماماً عشان محدش يعرفني. مشيت في الشوارع الترابية لغاية ما وصلت لبيت عيلة “أبو سيد”.. بيت كبير بباب حديد ضخم وشجرة سدر قدامه.
قعدت على حجر قبالة البيت من بعيد، مستنية أي حركة. جسمي كان بيتكتك من البرد والخوف. بعد ساعة، الباب الحديد اتفتح بصوت صرير يخلع القلب..
خرج “سيد”!
كان لابس جلابية سمرا وشال، بس شكله كان مكسور وعتيق، كأنه كبر عشر سنين في الشهرين دول. ووراه خرجت “شهد” و”جنى” لابسسين أسود في أسود، وماسكين شنط المدارس وطالعين على المدرسة.
قلبي نط من مكانه، وما قدرتش أمسك نفسي! نسيت الخوف ونسيت كلام جمعة ونسيت الصعيد وقوانينه.. قومت من مكاني وبقيت أجري ناحيتهم وأنا بصرخ بصوت مخنوق ودموعي نازلة:
ـ “يا شهد! يا جنى! يا سسسيد! انتظروا عشان خاطر ربنا!”
سيد وقف مكانه زي الصنم، والبنات اتسمروا. لما قربت وشلت الشال عن وشي، شهد رجعت لورا بخوف، وجنى استخبت في ضهر أبوها.