مكتب جوزي

في اللحظة دي.. فيه حاجة جوايا اتكسرت، واتبدلت ببرود مرعب.
بصيت لمي وقلت لها: “لأ.. متلغيش الطلاق دلوقتي. طالما الوثيقة دي شغالة والطلاق قائم.. يبقى الورث ده بتاعي لوحدي تماماً ومحدش يقدر يلمس منه قرش ولا يعتبره مال مشترك.”
مي فهمت اللعبة في ثانية وابتسمت. تركة طنط كاميليا مكنتش مجرد فلوس سايبة في البنوك.. دي كانت فيها 58% من أسهم شركة “العقاد”.. الشركة اللي طارق شغال فيها كرئيس تنفيذي وبيتنك بيها على خلق الله! طارق قعد سنين يتريق على شغلي ويقول عليه “جمعيات خيرية ولعب عيال”، وهو مايعرفش إن طنط كاميليا كانت ممرناني ومفهماني إزاي أقرأ كل التقارير المالية وميزانيات الشركة ومحاضر مجلس الإدارة!
طبقت رسالته الرومانسية المزيفة وحطيتها تحت قبالة الطلاق المزورة، وبصيت لمي وقلت لها ببرود:
”سيبيه يفكر إن حيلته دخلت عليا وإنه كسب المعركة.. وبعدها على طول، اطلبي اجتماع طارئ للجمعية العمومية والمساهمين.”على مدار الست أيام اللي بعدهم، تصرفت بالظبط زي ما طارق متوقع. كنت بعمل الفطار، وبسأله عن اجتماعاته، وبسمعه بالصبر وهو بيشتكي إن مجلس إدارة “العقاد” مش مقدّر عبقريته. حتى ما لاحظش إني قلعت دبلة الجواز! كان مشغول زيادة عن اللزوم وهو بيبتسم لرسائل ندى اللي بتجيله على الموبايل.
بالليل، وبعد ما كان بينام، كنت بقعاد أنا ومي في مكتبة طنط كاميليا نشتغل. أوراق التركة كشفت إن أرباح شركة “العقاد” كانت ممتازة، بس طارق كان مَسَرّب مليون و800 ألف دولار لحساب شركة استشارات اسمها “فانتاج استراتيجي”. ندى كانت متأسس الشغلة دي من 11 شهر واستخدمت عنوان أختها! والتقارير المالية أثبتت إن حسابات الفنادق، والمجوهرات، ومقدم الشقة الفخمة، كلهم كانوا متغطيين تحت بند “تطوير علاقات العملاء”!
الطلاق المزور ده مكنش مجرد هروب طايش.. ده كان جزء من خطة مترتبة صح.
طارق كان مستني مكافأة أداء ضخمة بعد صفقة الاستحواذ القادمة لشركة العقاد. ولما ينهي جوازنا في السر قبل ما الفلوس دي تنزل، كان فاكر إنه يقدر يحتفظ بالمكافأة لنفسه، ويهرّب فلوس الشركة عن طريق شركة ندى الوهمية، ويسيبلي أنا الكفاف أو الشوية اللي يقرر يفصح عنهم! وكان عايش معايا عادي في البيت عشان ما أشكش في حاجة ولا أدور وراه لحد ما الصفقة تتم.
”ده قدم إقرار رسمي تحت القسم إنه بذل كل جهده عشان يوصل لعنوانك وملاقكيش!” مي قالتها وهي بتوريني صور لينا وإحنا بنحضر حفل خير في مستشفى في نفس الفترة اللي المفروض كان بيدور عليا فيها! وقالت: “دي إدانة صريحة وتزوير في أوراق رسمية قدام المحكمة.”
كنت حاسة بإهانة وكسرة نفس مش طبيعية.. بس الإهانة دي ممكن تتحول لانضباط وقوة لما توظفيها صح.
وبصفتي مالكة أغلبية الأسهم الجديدة في شركة “العقاد”، مضيت على قرار رسمي بتعيين نفسي في مجلس الإدارة. وانضم ليا تلاتة من أعضاء المجلس المستقلين بعد ما مي عرضت عليهم نتيجة المراجعة المالية. جمدنا صفقة الاستحواذ فوراً، وتحفظنا على السيرفرات والإيميلات، وأجرنا مكتب محاسبة جنائي. وبلغنا شركة التأمين والمستشار القانوني الخارجي للشركة، عشان متكونش قدام طارق أي فرصة يمسح فيها أي دليل.
ندى بدأت تزيد فيها وتتساهل.. بعتتلي رسالة من تليفون طارق بتقول: متستنينيش على العشا.. فيه اجتماع مجلس إدارة طارئ.
طبعاً مكنش فيه أي عشا ولا اجتماع.. التحريات والمسؤولين اللي أجرناهم صوروا طارق وندى وهما داخلين الشقة اللي اتشرت بفلوس شركة “فانتاج”.
تاني يوم الصبح، طارق أخيراً لاحظ إيدي الفاضية، وقال: “هي فين دبلتك؟”
رديت ببرود: “بتقيّم في المحل.”
وشه اتشد وقال: “ليه؟”
”كنت حابة أعرِف قيمتها الحقيقية كام بالظبط.”
لثانية واحدة، شفت الخوف بيمر في عينيه.. بس غروره رجع بسرعة. باس دماغي وقال: “إنتي بتقلقي زيادة عن اللزوم يا ندى.”
الساعة عشره بالليل، سكرتير مجلس الإدارة سلم إخطار باجتماع طارئ لمجلس الإدارة يوم الجمعة. طارق اقتحم المطبخ وهو بيطوّح الجواب في الهواء.
قال بعصبية: “أسهم كاميليا اتنقلت! فيه مستثمر مجهول بيحاول يحط إيده على شركتي!”
سألته: “شركتك إنت؟”
ضرب بكتفه على الرخامة وقال: “أنا اللي بنيتها! واللّي ورث الأسهم دي هيعرف إن الملكية مش معناها السيطرة والإدارة!”
بصيت في عينيه بثبات وقلتله: “أعتقد لازم تلبس البدلة الكحلي يوم الجمعة.”
ضحك بصوت عالي، وهو فاكر إني لسه الزوجة المطيعة المغفلة اللي هو مسحها من حياته خلاص.
صباح يوم الجمعة، دخلت المقر الرئيسي لشركة “العقاد” من الباب الخاص بأعضاء مجلس الإدارة. مي كانت ماشية جنبي ومقاسكة ملف الطلاق المزور، والتقرير المالي، وقرار تعييني كرئيسة لمجلس الإدارة. ورا أبواب غرفة الاجتماعات المقفولة، كان طارق واقف بيتكلم مع ندى في السر وبيقولها إن على الضهر، المستثمر المجهول ده هيكون بPlatform وتحت رجليه بيترجاه عشان يعمل معاه صفقة.
وفي اللحظة دي.. الأبواب اتفتحت.أول ما أبواب القاعة اتفتحت، السكوت طَبّ على المكان فجأة.
طارق كان واقف في صدر الأوضة وهو ماسك القلم ومستعد يبدأ معركته، ضحكته الواثقة اختفت في ثانية لما شافني داخلة. عينيه اتسعت من الصدمة، وبص لـ مي، وبعدين بصلي أنا ورجع بص للملف المجلد بالجلد اللي في إيدي.
