#الفصل_الثامن.. اضطر بالجلوس لجوارها بعدما جلست "روجينا" بالخلف جوار إحدى رفيقاتها، جلس على مضضٍ وكأن هناك أشواك تنهش جسده، كان يتوقع أن تستغل الفرصة للحديث معه أو الإعتذار منه، أو على الأقل تريه بشتى الطرق إنها لا تطيق الجلوس لجواره مثلما لم يرغب هو، ولكن ما حدث جعل "بدر" في دهشةٍ وحيرة، فكانت "رؤى" تستند برأسها على نافذة الباص الضخم، تتابع المارة بنظراتٍ ساهمة متصلبة، وكأنها بعالم منعزل لا بشر به ولا شيء غير الخذلان، تحول السخط الذي بداخله تجاهها لذهولٍ من حالتها الغريبة، شعر وكأنها ليست ذاتها الفتاة التي حطمت قلبه منذ سنتين! ترى ماذا حدث لها لتفقد بهجتها وابتسامتها التي لم تغادر وجهها أبداً، إنقلب الأمر برمته من الكراهية للحيرة فباتت أعينه تراقبها طوال الطريق للإسكندرية وهي بغفلة حتى عن ملاحظة ذلك. ********* بشقة "يحيى". وقف الجميع أمام غرفة النوم بإنتظار خروج الطبيبة التي ما أن انتهت من فحصها وإعطائها الأدوية المناسبة، خرجت فهرع"أحمد" إليها ليتساءل بلهفةٍ: _خير يا دكتورة، "ماسة" مالها؟ تجاهلته الطبيبة ثم دنت حتى إقتربت من "يحيى"، فقالت بتعصبٍ شديد: _أستاذ"يحيى" أنا من البداية شرحتلك حالة "ماسة" الحرجة، وقولتلك إنك هتتعامل معاها كطفلة مش كزوجة، وأنا كنت سعيدة جداً إنك بدأت تستوعب ده لكن باللي عملته النهاردة فأنت رجعتنا لنقطة الصفر.. وقطعت روشتة الدواء ثم قدمتها لآسر لتغادر على الفور، انتقلت نظرات "أحمد" المحتقنة تجاه "يحيى" الذي تنسدل دمعاته في صمتٍ تام، فقطع المسافة فيما بينهما ليجذبه من تلباب قميصه الابيض، صارخاً به بقسوةٍ: _أنت عملت أيه؟ إهتز جسد "يحيى" بعنفٍ تجاه دفعة "أحمد" له، فشدد من قبضته المحاطة بجلد رقبته وهو يصيح به: _وصلت بك الوقاحة لكده، أنت دمرت كل حاجة عملناها. تدخل "آسر" على الفور ليحيل بينهما، فقال بحزمٍ: _خلاص يا "أحمد" اللي حصل حصل. لم ينصاع إليه وحاول أن يمسكه من جديدٍ، وهي يصرخ باندفاعٍ: _أبقى قابلني لو عرفت تحل اللي أنت عملته. وقف "آسر" مقابله، ليصده للخلف وقد إرتفعت نبرته بعصبيةٍ شديدة: _ما قولتلك خلاص هو واحد من الشارع وغلط معاها ده جوزها، فووق. انتقلت نظراته إليه ثم قال بإلمٍ: _وأنت شايف حالتها تسمح بكده! بصرامةٍ أجابه: _قولتلك خلاص إقفل الموضوع. _في أيه، صوتكم عالي ليه كده؟ كلمات لاهثة خرجت من "عبد الرحمن" الذي أتى ككل صباح فهرول للأعلى حينما استمع لصوت شجارهم الصاخب، وفور رؤيته دفع "آسر"،" أحمد" بيديه تجاهه وهو يشير إليه: _خده تحت يا "عبد الرحمن". لم يستوعب ماذا يحدث بينهما، ولكنه تفهم بحاجة آسر لإبعاده بذاك الوقت، فجذبه للأسفل عنوة، فأغلق"آسر" الباب ثم دنى ليجلس قريباً منه، طافته نظراته قبل أن يسأله بهدوءٍ: _أيه اللي حصل يا "يحيى" وليه عملت كده؟ رفع عينيه الحمراء من أثر كبته لدموعه المتحجرة فترة طويلة، ليخرج صوته الشاحب كحال قلبه: _غصب عني والله يا "آسر" أنا معرفش عملت كده إزاي؟ ، يمكن مقدرتش أسيطر على نفسي بسبب اللي بنت ال*** عملته. ضيق عينيه وهو يتساءل بدهشةٍ: _عملت أيه؟ أخذ "يحيى" بقص ما حدث على مسمع "آسر" الذي تفهم ما دفعه لفعل ذلك، فقال بغضبٍ: _بلغ أخوها بوساختها لو معرفش يربيها يقعده جانبه. قال بحزنٍ شديد: _والدتها ممكن تروح فيها لو عرفت حاجة زي كده، أنا كفايا عليا إني طردتها من المكتب وخلاص. رد عليه "آسر" قائلاً: _معتقدش إن البت دي هتسيبك في حالك يا "بحيى"، لازم تعملها وقفة وحاجز قبل ما تفكر تأذيك تاني. شرد بحديثه المتعلق بها، ولم يفق الا على صوت" إلهام" الباكي: _"ماسة" فاقت بتصرخ وبتعيط وأنا مش عارفة أعملها أيه يا أستاذ "يحيى". ابتلع تلك الغصة المؤلمة التي عصفت برئتيه فور سماعه لما قالت، فإنتقلت نظرات لآسر الذي حثه على النهوض قائلاً: _حاول تاني تقرب منها، هتواجه شوية متاعب بس أنا متأكد إنك هتقدر تقربها منك تاني. أومأ برأسه بهزة خافتة، ثم تحرك تجاه غرفتها يقدم قدم ويؤخر الأخرى حتى ولج للداخل.. ************ بالأسفل.. فتح"عبد الرحمن" باب الشقة ثم دفعه للداخل بحدةٍ من عدم استجابته إليه: _اللي بتعمله ده غلط يا "أحمد"، معرفش أيه اللي حصل بينكم بس مهما كان مينفعش تتكلم بالأسلوب ده مع"يحيى". رفض"أحمد" دخول الشقة ثم صاح بعنفوانٍ: _ما أنت متعرفش هو عمل أيه؟ رد عليه بعقلانيةٍ: _ومش عايز أعرف، بالعقل والتفاهم الأمور هتتصلح لكن مش بالخناق وعلو الصوت يا أحمد. خرجت "تالين" على صوتهم المرتفع، فدنت منهما، تتساءل في حيرةٍ: _في أيه، بتتخانقوا ولا أيه؟ ظهرت فاتنة القلب من أمامه، فارتج ثباته أمامها، تباً لتلك الأعين التي هوست التطلع لها، وبالرغم من مراقبته بكل شاردة وورادة تخص تعابير وجهها الا أن شروده لم يمكنه من سماع حوارها المتبادل مع "أحمد" الذي يؤكد لها بأن الأمور على ما يرام، لمحته "تالين" فتسللت تلك الربكة الخافتة لدقات قلبها فتوترت نظراتها تجاهه، ثمة شيئاً بداخلها يشعر بالرضا من نظرات إعجابه، إلى أن أفاق لنفسه فقال وهو يتهرب من مرمى بصرها: _يلا يا "أحمد" غير هدومك عشان ننزل المصنع. إنصاع له أخيراً، فتركهما وولج للشقة فترك بابها مفتوحاً، وحينما أختلت الطرقة الفاصلة بين الشقتين بهما إرتبكت فشددت على أصابعها بتوترٍ، بحث عن كلمات مناسبة يفتتح بها الحوار بينهما فبدا كالأبله حينما قال: _عاملة أيه؟ أجابته على إستحياء: _بخير الحمد لله.. وأضافت بخجلٍ: _وأنت كويس. هز رأسه بابتسامةٍ ساحرة، فأومأت برآسها ثم أشارت على باب الشقة وهي تدنو منه بتعثرٍ: _هشوف "حور" فين.. عن إذنك. راق له خجلها وذاك التشتت الذي طغى عليها، فأشار لها بثباتٍ، ببطءٍ شديد أغلقت الباب وكأنها بحيرة من أمرها بأن تغلقه والأخر مازال بالخارج أو تتركه مفتوحاً، فالحالة التي تستحوذ عليها مذرية للغاية، أغلقته ومازالت تسأل ذاتها هل تصرفها صحيح أما ماذا؟ حتى عقلها استحضر ردودها عليه ليؤنبها على حمقاتها بالرد المختصر، ولكن عادت لتشير بعدم مبالاة مصطنعة: _الله وأنا هصحبه يعني قالي عاملة أيه قولتله كويسة وإنتهينا! وتوجهت للمطبخ لتتسع ابتسامتها وهي تتأمل السفرة العامرة من أطيب وألذ الطعام وخاصة كعك البرتقال الشهي الذي يميز "حور"، فانتهت الأخيرة من وضع القهوة على السبرتاية الذهبية، لتردد براحةٍ: _كده كله تمام. اقتحم صوت"تالين" المطبخ حينما تساءلت بذهولٍ: _أيه الجمال ده كله يا "حور"؟ ارتسمت بسمة مشرقة لا تفارق شفتيها الوردية: _بنت حلال كنت لسه هدخل أصحيكِ، يلا اقعدي إفطري عما أصحي"تسنيم".. ضيقت عينيها باستغرابٍ: _تسنيم مين؟ اجابتها وهي تدنو من باب البراد لتخرج زجاجة من المياه: _دي صحبتي وبايتة معايا من امبارح، فرصة اعرفكم على بعض ده أنا قرفها بيكي وبالكلام عنك. قالت وهي تتذوق قطعة من الكعك: _ياريت.. وبالفعل تركتها وولجت لغرفتها، فوجدت" تسنيم" ترتدي حجابها أمام المرآة وتستعد للخروج، فحملت حقيبتها سريعاً ثم قالت بإصرارٍ: _مفيش خروج من غير فطار يا هانم. عقدت "تسنيم" الحجاب حول رأسها جيداً ثم قالت بضجرٍ: _يا بنتي قولتلك ماليش نفس ليه مش بتصدقي، أنا يدوب أجري ألحق الشغل. ثم أبعدتها عن طريقها لتجذب الحذاء، فقالت "حور" بغضب: _قولي اللي تحبيه بس بالنهاية هعمل اللي أنا عايزاه.. فتحت باب الغرفة ثم جذبت الحقيبة من يدها لتشير لها باستعطاف: _مرة تانية عشان متأخرش بالله عليكي يا "حور". تركت الحقيبة فحملتها"تسنيم" وإتجهت سريعاً لباب الشقة قبل أن تتمكن من إيقافها مجدداً، فإتبعتها لتجذب اسدالها المعلق جوار الباب ثم خرجت لتوقفها على الدرج، فعاتبتها بحزنٍ: _أنتي بجد هيجيلك قلب تمشي وتزعليني! استدارت تجاهها ثم قالت: _غصب عني والله هتتعوض مرة تانية، لازم أنزل عشان ألحق المواصلات والا كده هتأخر خالص عن الشغل يرضيكي أترافد من أول إسبوع كده! _هتترفدي على التأخير ومديرك لسه مرحش! ابتلعت ريقها بتوترٍ وهي ترفع عينيها لأعلى الدرج، لتجد "آسر" يقف من أمامها، ومع كل درجة كان يهبطها للأسفل كاد بها قلبها أن يتوقف أكثر من مرةٍ وخاصة حينما أصبح مقابلهما، فشكت له "حور" قائلة: _إتكلم أنت يا آسر لحسن أنا ريقي نشف معاها.. سلطت عينيه البندقية عليها، ليبتسم رغم جدية حديثه الصارم: _مفيش حد بيدخل بيت من بيوت كبير الدهاشنة وبيخرج من غير ما واجبه يكون كامل يا "تسنيم". يا الله، سماع نبرته تردد صوتها زرع الخجل برعشة جسدها الغريبة، بللت شفتيها بلعابها وهي تجاهد بالثبات من أمامهما، فليس ذاك فصل الشتاء القارص ببرودته لترتعش هكذا، فما تلك البرودة التي تضرب أطرافها عكس تلك الحرارة التي تمزق وجنتها، رفعت عينيها تجاهه فوجدته مازال يستكمل حديثه مبتسماً: _متقلقيش مش هرفدك على سبب تافه زي ده الا لو ناوية على تقيل؟ نفت برأسها عدة اشارات جعلت ابتسامته تتسع حتى برزت أسنانه البيضاء على مظهرها الطفولي، تعجبت"حور" من الحالة الغريبة التي تسيطر على صديقتها وتراها هي لأول مرة، ولكنها تغاضت عن ذلك بوجود آسر، فانتبهت له حينما قال: _نازلة الجامعة النهاردة يا حور؟ اجابته بتذكرٍ: _أيوه ربع ساعه ونازلة إن شاء الله. اومأ برأسه ثم هبط الدرج ليستكمل حديثه الحازم: _نص ساعة وانزلوا هوصلك للجامعة ونطلع على المصنع. ثم استدار تجاهها ليشدد عليها بصرامةٍ وعينيه تقصد تسنيم: _متنزلش من غير أكل، سامعة. جذبتها من معصمها بالقوة وهي تشير له: _عنيا يا عمهم، هنأكل وننزل هوا. منحها ابتسامة صغيرة قبل أن يستكمل الدرج تاركاً الف علامة استفهام تطوف بتلك الشاردة برجولته ووسامته الشرقية. ******** حينما يتعلق الطفل بشخصٍ ويراه بأفضل صورة ومن ثم تتمزق من أمامه ليراه بشكلٍ لم يعهده من قبل، يتحول الحب بداخله لشعلةٍ من الكره والخوف من محاكاته، وها قد استحوذ هذا الشبح على "ماسة"، فحينما رأته يدلف لغرفتها تجمد جسدها على الفراش، حتى صرخات استغاثتها تحجرت على لسانها، فدثت وجهها بين قدميها المتكورة على جسدها وأخذت تراقبه برهبةٍ وخوف لا مثيل له، يعز عليه رؤيتها هكذا؛ ولكنه لم يتوقف فمضى قدماً حتى صار قريباً منها، فجاهد لرسم بسمة آمنة علها تتسلل لأعماقها مثلما كانت تفعل كل مرة، ثم أجلى صوته ليردد: _" ماسة" مش عايزة تشوفي أنا جبتلك أيه؟ قال كلمته وهو يخرج من جيب جاكيته شوكولا من النوع الذي تعشقه، حدجته بنظرة جافة،فحتى ما يحمله لم يعنيها كثيراً، تحررت تلك الدموع المحتسبة فرغم إنه ترعرع ببيئة أعز قوانينها بأن دمعة الرجل لا يراها عزيز، ولكنها أعز العزيز على قلبه، ماسته الثمينة كاد بأن يحطمها بيديه هو، دمعاته تساقطت لتحرر ما يشعر به بداخله، فصارع حتى الرمق الأخير فتحررت أحباله الصوتية أخيراً: _ "يحيى" غلطته كبيرة أنتي لازم تسامحيه وهو مش هيعمل كده تاني.. كلماته لم تسكن جفاء النظرات، ليتها البلسم لشفائها أو ترياق تتمكن من تجاوز ما تمر به، أخذ خطوة جريئة وإقترب منها أكثر ثم سمح لذاته بملامسة وجهها، ارتعبت وتحرر صوت بكائها الخافت، حتى جسدها انتفض بعنفٍ بين يديه، تراجع "يحيى" للخلف على الفور، وأخذ يراقب تشنج جسدها ورهبتها بوجوده، لم يحتمل أن يتابع حالتها تلك، فأسرع بالخروج ليردد بخذلان لمن تقف أمامه: _خليكي جنبها يا "إلهام" متسبهاش. _اللي تؤمر بيه يا بشمهندس. قالت كلماتها ثم ولجت للغرفة لتغلق الباب من خلفها، لتختفي من أمام أعينه خلف الباب الموصود وكأنها إشارة لبعد مؤقت سيحتم لفتح طريق ربما به صلاح ولكن لابد من وجود عقبة ستعرقل ساقيه! ********* رفضت "روجينا" الصعود لنيل قسط من الراحة مثلما فعل الجميع، وصممت على الجلوس أمام المياه التي تتلاطم أمواجها في سباقٍ عاصف لملامسة الشاطئ، تمددت على المقاعد المريحة أمام المياه والفرحة تزين وجهها، فهمست بصوتٍ منخفض: _وأخيراً حققت حلمي أني أقعد قدام البحر وأزور كل حتة في اسكندرية. وأخرجت هاتفها سريعاً لتلتقط عدد من الصور السلفي لنفسها أمام المياه، توقف إصبعها عن الضغط على زر التصوير حينما لمحت بهاتفها إنعكاس ذاك الشاب الذي يسبح بمهارةٍ أسفل المياه، دقيقة تليها الأخرى حتى أصبح قريباً من الرمال، فاستقام بقامة جسده الرياضي، ومن ثم خلع القناع الذي يحجب عينيه الرمادية عن المياه، تدلى فكيها السفلي وهي تتأمله بإنبهارٍ، يقال إن إمتلكت المرأة سحراً تتباهي به ولكن الرجل سحقاً لما يتمكن من فعله حينما يتملكه الغرور والثقة الزائدة من نفسه، هكذا ضرب "أيان" عصفوره الذي يراقبه من بعيدٍ بالخفاء، يبتسم خفية مما ينوي لفعله حينما يطبق يديه عليه سيكون هو بنفسه سجان العصفور الأخرق!.. #الفصل_التاسع.... طوال يوم عملها المرهق لم يشغلها سوى معاملة"آسر" الراقية، لوهلةٍ تساءلت هل يوجد رجل شهم كما ظنت بأن لا يوجد سوى أبيها، غيمت عينيها بالدموع حينما رأت شبحاً من أشباح الماضي التعيس كاد بأن يخيم عليها، فزفرت الهواء العالق برئتيها على مهلٍ حتى لا تفقد السيطرة على أعصابها المتوترة، ومن ثم حملت "تسنيم" الحاسوب لتتجه لمكتب "آسر" المجاور لها، طرقت بابه وولجت حينما استمعت لآذن الدخول فوجد أحد السكرتارية بالداخل، فأغلقت الحاسوب الصغير ثم ضمته لصدرها ووقفت تتابع حديثهما بصمتٍ وترقب، فما كان من "آسر" الا أن قال بضيقٍ: _مهو بالنظام ده مفيش حاجة هتمشي صح، وأنا حالياً الفترة الجاية مضطر انزل البلد أكتر من مرة بالأسبوع لو رجعت لقيت الأمور بالشكل ده مش عارف هقدر أسيطر على كل ده ولا لا.. ومشط الغرفة بعينيه حتى وقعت على من تقف على قرب منه لتكن هدايته بطريقه الضال، فقال بعد تفكير: _لقيتها. ثم أشار لها بأن تقترب، ليسألها بجديةٍ: _"تسنيم" أنتي بتنزلي البلد كل أسبوع صح؟ باستحياءٍ لسماع اسمها منه للمرة التي تناست عددها، أجابت: _أيوه بنزل كل أخر أسبوع وبرجع على السبت أو الأحد حسب الجامعة. ابتسم وهو يشير بيديه لمن يقف جواره: _اتحلت يا "مصطفى" ، "تسنيم" هتبقى حلقة التواصل بينا، كل أخر الأسبوع تظبط الملفات والحسابات وتبعتهم معاها وأنا هوقعهم وأبعتهم. ابتسم السكرتير ثم قال باستحسانٍ: _حلو أوي الكلام ده وبكده مش هيكون في شغل واقف لرجوعك. وحمل الملفات ثم اتجه للخروج، فانتبه "آسر" لنظراتها المرتبكة تجاهه، فرفع يديه إليها مما زادها توتراً، فوزعت نظراتها بين عينيه ويديه الممدودة، إلى أن استوعب اشارته للاب الذي تحمله، فبللت شفتيها بلعابها وهي تضعه بين يديه بارتباكٍ، فتح "آسر" الحاسوب وهو يشمله بنظرةٍ متفحصة، فهز رأسه وهو يردد بصوتٍ منخفض؛ ولكنه مسموع: _براڤو.. فهمتي الشغل كله بسرعة أهو. ردت في تلعثم: _بحاول.. أغلق الحاسوب وهو يجيبها بابتسامةٍ مرحة: _لو المحاولات هتجيب نتائج مبهرة كده استمري. ثم رفع عينيه تجاهها ليشير لها بهدوءٍ حازم: _اقعدي يا "تسنيم".. عايزك.. ابتلعت ريقها بتوترٍ وهي تتطلع للمقعد من أمامه، جلست وهي تترقب ما سيقول بعدما التهى بهاتف المكتب لتستمع لصوته الرجولي يكسر قاعة الصمت وهو يتحدث للهاتف: _هات عصير وقهوة يا ابني. وأغلق الهاتف ثم سلط نظراته عليها ليبدأ بالحديث المختار بعنايةٍ: _أنا إختارتلك أنتي توصليلي الملفات عشان تكون فرصة ليكي إنك تكوني جنب والدك ووالدتك بالبلد وخصوصاً إني عارف ظروف مرضه. ابتسمت بفرحةٍ لتفكيره بهذا الشطر بالتحديد، فأجلت أحبالها، قائلة: _شكراً لحضرتك بجد. وكأنه لم يستمع لكلماتها من الاساس، فكانت حدقتيه شاردة بها إلى أن كرر البوح بما يعتريه من سؤال محير، فقال: _أيه اللي بيخليكِ تتنكري وأنتي نازلة الغيط، أنا شايف أن اللي بتعمليه عمل عظيم، نازلة بتساعدي والدك اللي ملهوش غيرك! رغم احساسها بالحرج للحديث عن تلك النقطة بالتحديد الا أنها قالت: _حضرتك أكتر واحد عارف يا أستاذ"آسر" أن في ناس عندنا بالبلد قاعدة للكلام عن غيرها وبس، وأنا كنت بحاول أرضي والدي أن محدش يتكلم عليا وفي نفس الوقت أرضي نفسي إني مسبهوش بالظروف دي فرضيت باللبس ده لو هيحميني من القيل والقال. ابتسم وهو يتمعن بكل حرف نطقته، فتحرك لسانه ناطقاً: _الناس دي موجودة بكل مكان يا "تسنيم" مش بس عندنا، بس لو فكروا صح هيلاقوا أن شرف ليهم أن النماذج المشرفة دي تكون واحدة منهم. تسللت الحمرة لتستحوذ على وجهها الأبيض، فنهضت عن المقعد ثم جذبت الحاسوب لتشير له بتوترٍ: _طيب، هروح أنا بقا عشان ألحق أخلص قبل ما أمشي. ودعها بابتسامةٍ لم تفارق وجهه يوماً حينما يرآها، تلك الابتسامة التي تعد ميثاق للقاء مجدداّ، وكأنها تجدد الأمل بعودة اللقاء، تاركة شرفة القلب موربة لتدفقها من جديد.. *********** إعتاد كل يوم الذهاب لعمله مبكراً؛ ولأول مرة يخالف عاداته فظل حبيس غرفته، الغرفة التي كانت تتراقص طرباً حينما تخطوها، طرح "يحيى" رأسه على مقدمة المقعد الخشبي وعينيه متعلقة بباب غرفته تارة وبفراشه تارة أخرى، يتذكر تلك الليلة بوضوحٍ وزاد وجعه أضعافاً حينما تذكر البشارة السعيدة منذ عامين، وجد ذاته غافل على فراشه، ووجدها تقترب منه على أطراف أصابعها، ومن ثم انحنت لتعبث بخصلات شعره وهي تهمس بحبٍ: _"يحيى" قووم كل ده نوم، يلا في حاجة لازم تعرفها وحالا. عبث بعينيه وهو يجيبها بنومٍ: _بعدين يا "ماسة"، النهاردة يوم اجازتي سبيني أنام براحتي. ابتسمت بخبثٍ: _ده مش هيحصل يا حبيبي، لأن أنت ملكي في يوم الأجازة ده.. رفع جفن عينيه الثقيل وهو يمنحها نظرة عابثة،ساخرة: _يعني مينفعش أخطف ساعة وأبقى ملكك بعدها! هزت رأسها بنفيٍ وهي تجيبه بدلالٍ: _ No. زفر بضيقٍ ثم جلس باستقامةٍ على الفراش، وهو يردد باستسلامٍ: _مفهاش نوم أنا عارف، تحت أمرك يا حبيبتي.. طلباتك اللي بتكوميها ليوم الجمعة الحيلة. ابتسمت"ماسة" ثم نهضت لتشير له بيدها على الغرفة: _لا متقلقش مفيش طلبات كتير، في حاجة أنا مخبياها بالأوضة والمفروض انك هتلاقيها وهتفرح بيها. كبت غضبه بصعوبةٍ، ثم قال: _طيب مينفعش تطلعيها وأنا هتفاجئ وهفرح برضه. دفعته بغيظٍ: _وبعدين بقا يا "يحيى"، الله! حدجها بنظرةٍ جافة وهو يتحرك بآليةٍ تامة، يبحث بالخزانة ومن ثم الادراج، فجلس على الأريكة وهو يشير لها بنومٍ: _مفيش حاجة، هبقى أدور بعدين. جذبته"ماسة" بغضبٍ ثم دفعته ليجلس على مقعد مكتبه الصغير بجانب الغرفة، ومن ثم فتحت الدرج العالق من أمامه ليجد علبة مغلفة، أخرجها "يحيى" وهو يتفحصها بدهشةٍ: _أيه ده؟ قالت بتعصبٍ: _افتحها وشوف بنفسك. أزاح الغطاء الذي يفصله عنه ليجد زوج من الأحذية الصغيرة، عبث بحاجبيه وهو يسألها بسخطٍ: _ده أيه! ، متهزريش وتقوليلي إن ده ليا ده ميدخلش في صابع رجلي الصغير يا روحي! نظراتها الجادة المسلطة عليه جعلته يفكر بشكلٍ جادي، اتنقلت نظراته لبطنها وقد بدت الأمور تكون أكثر وضوحاً، لمعت عينيه بفرحة وعدم استيعاب عظيم فتساءل بجديةٍ: _بجد يا "ماسة"! ، أنتي آآ... حامل؟ أومأت برأسها بابتسامة جعلت وجهها منيراً كالبدر، تعالت ضحكاته وهو يحتضنها بقوةٍ وسعادة، سعادة تركت أثر لطيف على وجهه الهائم بتلك الذكرى الصغيرة، لتترك له ألم يختلج صدره وزوج حذاء بين يديه وضعه يحيى بالدرج ثم أغلقه وهو يحاول ان يتخطى تذكره لتلك الفرحة التي قلبت لغم لا يقوى حتى تلك اللحظة بتخطيه! ********* بالصعيد.. رؤية غروب الشمس بهذا الوقت بات عشقها، فإعتادت أن تخطو بباحة منزلها لتأمله، عقدت"راوية" الحجاب جيداً حينما دفعه الهواء برفقٍ فخشيت أن يكشف عن شعرها الطويل المخبئ بعنايةٍ من خلفه، انتبهت لصوت صهيل الخيل بجوارها فاستدارت باحثة عنه وكأنها تعلم جيداً أين ستجده؟ تمعنت بالتطلع لذاك الفارس الذي يعتلي ظهر جواده بثباتٍ وثقة، فعلى الرغم من أن كبر السن قد شق الطريق على معالمه الا أنه مازال يحتفظ ببعض الخصال، هبط "فهد" من أعلاه ثم إقترب منها ليقطع حديث الصمت فيما بينهما حينما قال: _واقفة كدليه؟ ردت عليه بابتسامةٍ صغيرة: _حسيت اني مخنوقة فخرجت أتهوى شوية. خلع جلبابه الخارجي والعمة التي تقيده، ومن ثم قدمهم للخادم الذي يقف لجواره، فأشار بيديه لتتبعه، تمشوا سوياً وسط الزرع الأخضر الذي يحيط بالمنزل من جميع الإتجاهات وكأنهم عشاق مراهقين، فما أن وصلوا لأريكة صغيرة موضوعة بأحد الزوايا حتى جلست "راوية" تاركة الصمت يضع معالمه إلى أن قطعته حينما قالت بشرودٍ: _تفتكر يا فهد لو أنا مكننش عملت كده باليوم ده كان أيه اللي هيحصل؟ منحها نظرة مشتتة لعدم تمكنه من فهم ما تقصده، فقالت بإيضاحٍ: _كنت هتكمل في جوازتك؟ تبدلت قسمات وجهه للحدة، ثم قال: _وأيه لزمتها السيرة دي يا بنت الناس، ما خلاص اللي فات اتدفن! ابتسمت وهي ترد عليه: _اللي فات مش بيتنسى يا "فهد" بنفتكره وبيبقى ذكرى وأنا بقا مش قادرة أنسى اليوم ده أبداً لأن بسببه الكل محملني ذنب العداوة اللي بينك وبين المغازية. وبحزنٍ أضافت: _بس أنا ميهمنيش حد.، تعادي الدنيا كلها على أني أشوفك مع واحدة غيري، إنشالله يبقى بينك وبين الناس كلها طار. ضحك حتى برزت أسنانه، ثم قال: _وده اللي حوصل، عشان تتأكدي إن أهم حاجة عندي أنتي وبس يا "راوية".. وأمسك يدها فالتفتت يساراً ويميناً وهي تهمس بخجلٍ: _" فهد" إحنا تحت بطل حركاتك دي.. قرب وجهه منها وهو يهمس بخبثٍ: _لما تبطلي أنتي كمان حلاوتك الزايدة دي ابقى أفكر بالموضوع. ابتسمت بفرحةٍ واستسلمت ليديه التي تحتضن يدها، لا تعلم ما الذي دفعها بفتح أبواب الماضي بذاك الوقت بالتحديد علها تشعر بأن ابنتها هي من ستدفع الثمن باهظاً لما فعلته والدتها منذ٢٥ عاماً. ************** وأخيراً انتهت ساعات دوامها، فنهضت ترتب حقيبتها الصغيرة لتغادر قبل أن يغلق باب السكن من جديد، وضعت "تسنيم" ما يخصها بداخل الحقيبة الجلدية الصغيرة، فانتبهت لهاتفها الصغير يعود للرنين مرة أخرى، رفعته لتعبث بأزراره القديم ثم رفعته على أذنيها قائلة بفتورٍ: _أيوه يا ماما، بابا كويس ولا في أيه؟ أتاها صوتها يطمنها على والدها، ثم تابعت برغبتها بالإتصال بها لتخبرها بأن خالها وزوجته وأولاده أتوا اليوم بزيارةٍ للبلد ومثلما اعتادوا سيكونوا باستقبالهم أسبوعاً كاملاً، فقدت "تسنيم" النطق للحظات وهي تحاول باستيعابٍ ما استمعت إليه، فخذلتها قدميها عن حملها فأستقر جلوسها على المقعد القابع خلفها، شعرت بذات اللحظة بأن سوط الماضي يجلدها بقوةٍ، كل ذكرى ربطتها بهذا الدنيء جلدتها بقوةٍ لتجعل جلدها ملتهب وكأنها تلقت الضربة فعلياً، أغلقت الهاتف بأصابع مرتعشة، وصدرها يعلو ويهبط بانفعالٍ، مجرد تذكر ذاك الشطر الخفي تعيقها الآلآم.. انهى عمله هو الأخر، فخرج ليهبط لسيارته، كاد باجتياز الطرقة المطولة أمام مكتبه، ولكنه توقف حينما لمحها بالخارج، تجلس على مكتبها شاردة للغاية، إقترب منها "آسر" رافعاً حاجبيه بدهشةٍ: _أنتِ لسه هنا؟! لم تنتبه له ولا لما يقول، فعاد ليرفع صوته مجدداً: _"تسنيم"! انتبهت له، فنهضت وهي تتساءل بتوترٍ ملحوظ: _بتقول حاجة يا بشمهندس! قال باستغرابٍ: _أنتي مش معايا خالص، في حاجة ولا أيه؟ بارتباكٍ قالت: _لا آآ.. أنا كنت بحضر حاجتي ونازلة. وحملت الحقيبة ثم توجهت بالمغادرة، لتتوقف خطاها حينما ارتفع صوته الرجولي منادياً: _"تسنيم". توقفت عن المضي قدماً ثم عادت لتقف أمامه، فأشار بعينيه على الهاتف الموضوع على سطح مكتبها، التقطته وهي ترسم بسمة مرتبكة لم تنجح بإقناعه بأنها على ما يرام، غادرت ومازال شبحها يلتهم عينيه، طيفها مازال يلازمه، بداخله شيئاً يؤكد له بأن لها بقلبه شيئاً! *********** ابتلع الظلام الضوء بجوفه، ليظل ضوئه المرصع هو القائد لتلك الليلة الحاسمة، فانسدل بضوئه الأبيض على أمواج البحر المظلم ومن أمامه جلست "رؤى" تتأمله بأعين قاتمة تعكس ما يدور بداخلها، شرودها طال لدقائق ومن ثم امتد لساعة كاملة، لم تشعر بها من يراقبها من الأعلى، الفتاة التي يشعلها النشاط والحماس منطفئة كالرماد الباقي من جمرات الشعلة الموقدة، عادت لتشغل تفكير "بدر" من جديد؛ ولكن تلك المرة مما أصابها، لم يشعر بقدميه التي سلكت الدرج الجانبي حتى بات قريباً منها، يقف لجوارها وبالرغم من ذلك لم تشعر به، فاض به الصمت والترقب فجذبها من معصمها لتقف أمامه فانتفضت بفزعٍ وخاصة حينما صرخ بها باندفاعٍ: _أنتي أيه حكايتك بالظبط، من ساعة ما رجعتي وأنتي ساكتة مش بتتكلمي، فيكِ أيه؟ نظراتها وألف آه مما تحمله بين دمعاتها اللامعة بأعينها البندقية، صوتها الذي كان يبغضه تمنى سماعه ليتأكد فقط بأنها على قيد الحياة، فحتى الآن مازالت تتطلع له بصمتٍ، أخفضت "رؤى" نظراتها الياكية لتتعلق بذراعيه المتمسكة بمعصمها بقوةٍ، انتبه "بدر" لذاته وابعد يديه عنها ليسألها بحدةٍ: _أيه اللي حصلك خسرتي لسانك ولا اتقطع؟ ببسمةٍ تحمل ألم كون بأكمله قالت: _لا خسرت الأهم منه. منحها نظرة مهتمة، فاردفت بانكسارٍ: _خسرت نفسي. وتركته وكادت بالرحيل، فجذبها لتقف أمامه مجدداً ليخبرها باستهزاءٍ ساخر: _ومتأثرة ليه انك خسرتيها مش دي كانت رغبتك، أنك تسلمي نفسك لأول شخص تحبيه! كلماته اللازعة عمقت من جرحها، حاولت التراجع للخلف، الابتعاد عنه وعن ما يفيضه من ألم تحاول العيش قليلاً بدونه، ولكنه حاصرها كلما حاولت الرحيل أو الهرب، فعاد ليسمعها أبشع ما تتغاضاه: _الغريب انك متأثرة جداً، هو مش ده عندكم شيء عادي ولا أنا غلطان؟ انهمرت دموعها، فرددت بصوتٍ مذبوح: _سيب أيدي. رفض تركها وتعمد الضغط على جرحها بأوسع ما امتلكه فقال: _لما أفهم انتي مالك بالظبط، شايفك مكسورة وضعيفة ها الانسان اللي كفئتيه بنفسك طلع ما يستاهلش ولا أيه؟! انهمرت الدموع من عينيها فحاولت دفعه بكل ما امتلكته من قوة وهي تصرخ به: _قولتلك سبني. ظل متمسك بمعصمها كلما حاولت التحرر، ليستكمل حديثه: _قولتلك مهما حاولتي تتشبهي بينا عمرك ما هتكوني واحدة مننا.. حدقت به لدقائق قبل أن تخبره بثباتٍ رغم انهيار دمعاتها: _مش عايزة أكون واحدة منكم، فخور أوي بنفسك وبثقافتكم الشرقية اللي أنا كنت ضحيتها، ممكن يكون تفكيري كان غلط لكن لما فوقت فوقت بعد فوات الاوان.. محاولته لفهم ما ترميه على مسمعه مؤلم أكثر مما قد يخيل له، تحررت اصابعه رويداً رويداً حتى صارت حرة طليقة، أما هو فوقف محله يحاول محاربة عقله الذي خمن معاني كلماته، هل من المعقول أنها تعرضت لحادثة إغت\صاب مثلما اوحت كلماتها أم انه طعم جديد لتوقعه في شباكها! ********* الرغبة بالإنتقام عجلت الهدف ليحصل على مبتغاه سريعاً، لذا أنهى"أيان" اتصاله ليختتمه بقوله الآمر: _النهاردة تنفذي. لمعت حدقتيه بشرارة مخيفة وهو ينهي مكالماته الهامة مع "تقى" ثم خرج لشرفة غرفته يراقب البحر الساكن خلسة، وكأنه سيشهد على خطته التي ستستهدف عصب عائلة "الدهاشنة"، وبالفعل شرعت بالتنفيذ فأرسلت رسالة نصية لروجينا تحثها على الهبوط لليخت القريب من الشاطئ لحاجتها للحديث معها سريعاً، نهضت"روجينا" عن فراشها وهي تبرطم بضيقٍ: _موضوع أيه ده اللي عايزني فيه وش الفجر ده! وبحثت عن حذائها لتلتقطه من أسفل فراشها ثم جذبت حجابها لترتديه بنومٍ، ومن ثم ألقت نظرة متفحصة على السرير المجاور لها لتتأكد من أن "رؤى" يغلبها النعاس، ثم جذبت مئزرها لترتديه على ثيابها، هبطت للأسفل حتى وقفت أمام المياه تراقب اليخوت بحيرةٍ، حتى اهتدت نظراتها على يختٍ قريب من الشاطئ، يحمل نفس المواصفات التي القتها على مسمعها، لم تفكر "روجينا" كثيراً وصعدت على متنه ثم بدأت برحلة البحث عنها.. أما بالاسفل، وقفت "تقى" جوار "كريم" لتشير له بابتسامةٍ خبيثة: _قولتلك هقدر اقنعها انها تديك فرصة وأديك شوفت بنفسك أهو. أجابها بفرحةٍ: _لسه بحاول استوعب، هروح اتكلم معاها وأقنعها تديني فرصة، أنا بحبها أوي. كاد بأن يغادر فأمسكت "تقى" يديه ثم قدمت له زجاجة المياه وهي تستطرد بمكر: _هتسمعك، اشرب بس كده وافهمني. التقط زجاجة المياه وإرتشف منها والأخرى تراقبه بابتسامة مكر بعدما تجرع ما وضعته من أدوية ذكورية، لتبدأ بالحديث الماكر: _هو أنا لو مش واثقة انك بتحبها كنت ساعدتك، المهم أنت متحاولش تخليها تنزل من اليخت من غير ما تقولها كل اللي عندك، فاهم. أشار لها بتأكيدٍ، ثم أسرع لليخت، ليشغل محركه ويتجه به لقاع البحر حتى يضمن محاصرتها لتستمع لما يود قوله.. بحثت "روجينا" عنها بالأسفل، ففزعت حينما شعرت بحركة اليخت، فأسرعت للأعلى وهي تنادي بغضبٍ: _"تقى" انتي فين الله؟! تراجعت للخلف بخوفٍ شديد حينما رأته يقف أمامها يقود اليخت لمسافة بعيدة عن الشاطئ، لعقت شفتيها وهي تردد بتوترٍ: _"كريم"أنت بتعمل أيه هنا؟! أوقف اليخت بمنتصف المياه ثم اقترب منها وهو يردد بهدوءٍ مخادع: _دي الطريقة الوحيدة اللي هتسمعيني بيها يا "روجينا"، أرجوكي ادينا فرصة نتكلم ونسمع بعض صدقيني أنا بحبك أوي. ارتعش جسدها خوفاً مما يهاجمها بتلك اللحظة بالتحديد ومع ذلك بدت قوية متماسكة وهي تردد بحزمٍ: _مفيش بينا اللي أسمعه يا"كريم" من فضلك ارجع بينا الشط حالاً، أنا أكيد ركبت اليخت الغلط، لو سمحت رجعني. مسك يدها وهو يترجاها: _"روجينا" اسمعيني أنا استحق فرصة، مستعد أسافر الصعيد لابوكي واطلبك منه بس أنتي توافقي. جذبت يدها زهي تصرخ به: _وأنا مبحبكش ومخطوبة لابن عمي وفرحي أخر الشهر أنت مجنون ولا أيه! عاونته الحبوب على استحضار شيطان رغباته بتلك اللحظة، فلم يرى سواه، سيطرت عليه طاقة شر لا مثيل لها، فجذبها اليه وهو يردد بفحيحٍ مخيف: _لو مش هتبقي ليا مش هتبقي لغيري. رددت بخوفٍ: _يعني أيه؟! إجابة سؤالها طرحت مع محاولته الصريحة بالاعتداء عليها، صرخت حتى يستمع لصوتها أحداً ولكن من الذي سيقدم العون لها بقاع البحر وبذاك الوقت، ابتلعت ريقها الجاف وهي تحاول أن تتفاداه، فركضت للأسفل سريعاً ثم أغلقت باب الغرفة السفلية، وهي تحاول البحث عن هاتف أو ما يمكن استخدامه حتى تنجو بذاتها، شهقت رعباً حينما وجدته يحاول كسر الباب الذي بدى لها هاش للغاية، لن يصمد مطولاً أمام ركلته، فصرخت ببكاءٍ: _كفايا بقا حرام عليك. انكسر أخر أمالها حينما تحطم باب الغرفة فوجدته يدنو منها، أمسك "كريم" بها ثم حرر حجابها محاولاً خلع ملابسها، فنجحت يدها بالوصول للمزهرية الموضوعة على الكومود لتصيبه برأسه باصابةٍ بالغة ومن ثم ركضت لسطح اليخت مجدداً لتصرخ بصوت مرتفع: _الحقووني، حد يلحقني. لم يستمع لصياحها أحداً ورغم تأكدها من ذلك الا أنها لم تستسلم وحاولت أكثر من مرةٍ عل أحداً يستجيب لها، استغل انشغالها بالصياح وانقض عليها، ليقيد حركتها ومن ثم دفعها أرضاً ليهاجمها من جديدٍ، بكت "روجينا" وحاولت بكافة السبل الدفاع عن نفسها؛ ولكنه كان يفوقها بقوته الجسمانية، فحاولت خدش وجهه بأظافرها، وصرخت ألماً حينما هوى بصفعاتٍ متتالية على وجهها جعلت رأسها يدور، وأخر ما رأته أمامها هذا الشاب الذي رأته امس، يحيل بينها وبين هذا الوغد، رأته يكيل له اللكمات القاتلة، فحاولت النهوض بالاستناد على حافة اليخت فخانتها يدها لتستقر بأحضان المياه الباردة، تواجه الموت وتحاربه بكل ما امتلكته من رغبة بالنجاة! ******* كاد عقله بالتوقف عن التفكير في أمرها، مازال يرفض سفرها الغير مبرر دون أن تعلمه بذلك، خرج "أحمد" لشرفته يستمتع بالهواء النقي بعد آذان الفجر، فتسلل لمسمعه صوت عذب يرتل القرآن الكريم ببراعةٍ، أنصت إليه واتبع مصدره فوجد "حور" تجلس بشرفة غرفتها المجاورة لشرفته، ترتدي اسدالها الأسود وبين يدها المصحف الشريف تقرأه بصوتٍ مسموع، لا يعلم لما أختار التخبئ ومراقبتها، ليجدها بعد أن انتهت من واردها تحمل الكتب لتذاكر لاختباراتها، استوقفته تلك الفتاة بخصالها الطيبة، تمنى بتلك اللحظة لو كانت هي من ستصبح زوجته، لطالما كان الصديق الوفي لروجينا؛ ولكن الآن بات الامر مختلف فأصبح لا يعلم ما الذي تريده حتى الصداقة بينهما لم تصبح كسابق عهدها. انتبه "أحمد" من غفلته ليجدها تقف أمامه لا يفصلهما سوى السور الفاصل بين الشقتين، وتسأله بدهشةٍ: _"أحمد" أيه اللي مصحيك دلوقتي! بلل شفتيه بلعابه وهو يحاول التحكم بانفعالاته، فقال: _نفس سؤالي، أيه اللي مقعدك بالجو ده! ردت عليه بابتسامةٍ أشرقت وجهها: _عندي إمتحان وبذاكر وأنت؟ عبث بخصلات شعره الطويل بحيرةٍ مما سيجيبها، فقال بوجومٍ عابث: _مفيش حسيت نفسي مخنوق فقولت أطلع أشم هوا. بلهفةٍ واضحة تساءلت: _مخنوق من أيه؟ راق له لهفتها وتعجب لذلك، ولكنه تماسك بقوله المتزن: _مش عارف يمكن لأن أخوكِ عملها وسابني وسافر. ضحكت وهي تجيبه ساخرة: _أنت فيها ما تسافرله وأهو بالمرة تكون جنب "روجينا" وتقضوا وقت لطيف. اكفهرت معالمه حينما ذكرتها، فقال بضيقٍ: _وهي كانت مهتمية بأمري عشان أسافرلها، دي حتى مهتمتش تعرفني بسفرها وأتفاجئت بيه من برة.. شعرت بضيقه الشديد، فقالت بابتسامةٍ هادئة: _لا والله أكيد كانت فاكرة تقولك بس تلاقيها نست ما أنت عارفها عندها زهايمر. قال بجفاء: _ممكن. ثم أشار لها كمحاولة للتهرب من الحديث عما يضايقه: _أنا هدخل أريح شوية قبل ما أنزل المصنع وأنتي ادخلي ذكري جوه الجو برد. ابتسمت وهي تشير له بالنفي: _لا موعدكش لو دخلت جوه على السرير هنام، هنا الهوا هيفوقني وهيخليني أركز أكتر. بابتسامةٍ ساحرة قال: _ربنا يعينك. وتركها وولج للداخل، فبقيت محلها عينيها ساهمة بباب شرفته، ليت هذا الحب الأعمى يبصر بداخل قلوبهما ليريهم كم خفق القلب خلسة للاخر! عادت "حور" لمقعدها، لتحاول بائسة التركيز بمذكراتها مجدداً، فمرت الدقائق وهي تدون ملاحظاتها وفجأة وجدت ذاتها تدون بالقلم إسمه على احدى الصفح البيضاء ومن جواره تضع اسمها، مجرد رؤيتها لأسمائهما جوار بعضهما البعض نبت بداخلها ارتباك عظيم وكأنه يقف لجوارها ويتأمل ما تفعله، وازدداد الامر سوءاً حينما انطلق صوته يغرد: _"حور". رفعت رأسها مقابل شرفته، فما أن رأته حتى سقطت الكتب والأقلام أرضاً من فرط ارتباكها، فضحك وهو يردف: _أيه يا بنتي شوفتي شبح ده أنا إنسان عادي! بصعوبةٍ رسمت ابتسامة وهي تجيبه بتخبطٍ: _لا أنا بس كنت مركزة بالمذاكرة ومخدتش بالي انك واقف! أومأ برأسه ثم رفع الصينية التي يحملها ليناولها لها، التقطتها منه بتلقائية دون ان تعي ما تحمله، فتساءلت بذهولٍ: _ده أيه؟ حك طرف انفه بتوتر، ثم قال بثباتٍ جاهد التحلي به: _كنت بعمل لنفسي فطار خفيف كده وكوبية قهوة فقولت أعملك معايا. ابتسمت وهي تردد على استحياءٍ: _الف شكر يا "أحمد"، أنا فعلاً كنت جعانه ومكسلة أقوم أعمل حاجة. رد عليها مازحاً: _حاولي تشبعي من الرومي واللنشون بقا لاني مبعرفش أعمل غيرهم.. وأشار بيديه بمرحٍ: _ومتخديش عليها ها، تشيدي حيلك كده قوام قوام عشان لما تخلصي امتحانات تعمليلنا رز معمر وشوية ورق عنب من اللي بتعمليهم دول. بسعادةٍ كبيرة أجابته: _بس كده عيوني، أمتحن بس وهظبطكم. ابتسم وهو يضيف بجديةٍ: _ربنا يوفقك.. ثم تراجع للخلف ليشير لها على باب الشرفة: _طب هسيبك بقا عشان تركزي. هزت رأسها بإيماءة خفيفة ثم عادت لتجلس على المقعد وهي تحتضن الصينية بفرحةٍ تكسو قلبها قبل شفتيها! ********* _أنا مش منبه عليكي يا"ماسة" تخفي من السفر الكتير عشان اللي في بطنك، انتي بتستغلي اني مسافر برة مصر ومش واقفلك بالمرصاد يعني ولا أيه؟! _يا يحيى افهمني لازم اسافر القاهرة عشان الامتحانات قربت ولازم أنقل شوية محاضرات فايتني.. _قولتلك الف مرة متكلمنيش وانتي بتسوقي، لما توصلي كلميني.. _مهو انا مش بلحق اكلمك من يوم ما سافرت وانت مش بتفضلي أصلاً معرفش ليه عمي "فهد" بعتك وأنا على وش ولادة المفروض كان يبعت "عبد الرحمن" زي ما بيعمل. _والدته تعبانه المرادي مش هيقدر يسيبها، يلا اقفلي نتكلم بعدين. ترنح لمسمعه صوت شهقاتها ومن ثم صوت صراخها وهي تصيح بألمٍ: _"يحيـــــــــــــــــــى".. تمزق قلبه حينما سمع من بعدها صوت حطام السيارة ليفقد من بعدها الاتصال نهائياً.. افاق من نومه وهو يردد بفزعٍ: _"مــــــــــاسة"! مرر يديه على عرقه النابض على جبينه، ومن ثم جذب كوب المياه الموضوع على الكومود من جواره ليبلل ريقه الجاف، الحلم بذاك الحادث المؤلم اصبح يلاحقه كاللعنة، فلا يكفيه ما عاناه بتلك الفترة التي فقد بها ابنه وزوجته لا بل تعانده الذكريات لتعهده بتذكره كلما عصف به الألم! ********* حركت رأسها الثقيل بصعوبةٍ لليسار تارة ولليمين تارة أخرى، أخر ما تذكرته المياه الباردة التي ابتلعت جسدها، وضعت "روجينا" يدها على جبينها تتحسس الصداع المؤلم الذي يهاجمها، فجاهدت ذاتها بفتح عينيها، لتستقر بجلستها، انتفضت حينما وجدت ذاتها على فراش بغرفةٍ وبدون حجابها، حتى ملابسها لم تكن ذاتها التي ارتدتها بالامس، الافكار التي رسمتها بمخيلاتها بتلك اللحظة كانت كفيلة بجعلها تفعل ما فعلته حينما جذبت الس\كين الموضوع على طبق الفاكهة القريب من الطاولةٍ، ثم فتحت باب الغرفة وخرجت تبحث عن هذا الحقير الذي نبت بداخلها الرغبة بقتله بالحال، شل جسدها باكمله حينما قيدها أحداً من الخلف فكادت بالصراخ لتجد من يهمس له بصوته الرجولي: _اهدي. ومن ثم عاد نفس الصوت ليهمس: _سيبي الس\كينة وانا هبعد. هزت رأسها باستسلامٍ فأبعدت الس\كين عن يدها ليحررها، ابتعدت عنه ثم استدارت لتجد أمامها نفس الشاب الذي رأته ينقذها على متن اليخت، رأته يقف أمامها، لم يكن بأوسع مخيلاتها بإنه نفسه "أيان المغازي"! #الفصل_العاشر.. أبعدها "أيان" عنه تدريجياً، فأصبحت مقابله تستكشف بعينيها المكان ومن ثم حررت عقدة لسانها بصعوبةٍ، لتتساءل بخوفٍ: _أنا فين وأنت مين؟! منحها نظرة صامتة طالت بتأملها ومن ثم قال بصوتٍ أخشونت نبرته: _أنا اللي أنقذتك من السافل اللي كان بيتهاجم عليكي في عرض البحر. رفعت يدها على جبهتها تقاوم صداع الرأس الذي كاد بأن يقتلها وهي تهمس بألمٍ: _أنا أخر حاجة كنت فكراها وأنا بقع بالمية وآآ.. بدت مشوشة كثيراً، فقطع توترها حينما استكمل قائلاً: _أنا اللي أنقذتك من الموت ورجعتك على الاوتيل. سحبت نظراتها عنه ثم سلطتها على الملابس التي ترتديها ليتملكها الشك، فقال "أيان" بهدوءٍ مخادع: _متقلقيش، طلبت بنت من الروم سيرفس وهي اللي غيرتلك هدومك. ابتسامة تسللت لشفتيها وهي تردد بصوتٍ خافت اتبعه دمعات لا تتوقف: _الحمد لله... ومن ثم اتجهت نظراتها إليه، لتردد بإمتنان كبير: _مش عارفة أشكرك ازاي على اللي عملته معايا. تعمق بالتطلع إليها قبل أن يخبرها بثباتٍ: _مفيش داعي أنك تشكريني بس أبقي خلي بالك بعد كده من الإنسان ده. بدموعٍ تدفقت على وجنتها قالت: _أنا كنت راحة أقابل صديقة ليا والظاهر أتلخبطت باليخت بس الحمد لله ربنا بعتك ليا بالوقت المناسب. أخفى ابتسامة الشر النابعة على وجهه، ومن ثم أخرج كارت صغير من جيب بنطاله الرمادي، ليقدمه لها، حملته وهي تقرأ إسمه ببهجة عارمة تهاجمها، ثم تطلعت له بعدم فهم فقال: _ده رقمي لو حبيتي تقدمي بلاغ ضد الكلب ده مستعد أساعدك بشهادتي. أجابتها بارتباكٍ: _لا بلاغ لا، انت متعرفش لو أهلي عرفوا اللي حصل ممكن يعملوا أيه فيه! سألها بثباتٍ مخادع: _وده المطلوب ولا أنتي عايزاه ينفد بعملته؟ هزت رأسها نافية ثم قالت بتوضيحٍ: _مش بالظبط بس بابا ممكن يمنعني إني أنزل القاهرة تاني وأنا مش عايزة ده يحصل. وجحظت عينيها بصدمةٍ وهي تردد: _يا خبر أنا فضلت هنا طول الليل زمان ابن عمي قالب الدنيا عليا. وأسرعت تجاه باب الغرفة ثم عادت خطوتين للخلف حينما تذكرت بقائها بدون الحجاب، احمر وجهها خجلاً من وقوفها أمامه طوال تلك المدة بدون حجابها، بحثت بالغرفة بعينيها عما يمكن استبداله بالحجاب، فوجدت مفرش خفيف موضوع على حافة المقعد القريب منها فجذبته ومن ثم عقدته حول شعرها الطويل ومن ثم ودعته بنظرةٍ ممتنة قبل أن تغادر الغرفة سريعاً، تبدلت ابتسامته الصغيرة لملامح متصلبة، ليهمس بصوتٍ يحف بالشر: _كان قدامي فرصتين أنتقم منك لما شوفت بنتك بتغرق قدام عيني ساعدتها لأن الموت مش هدفي ولا انتقامي يا فهد، والفرصة التانية لما كانت قدامي وكنت أقدر ألوث شرفك بإيدي وهيحصل فعلاً بس برغبتها هي، في فرق بين العشق والاغت\صاب وده هتعرفه لما هدفي يتحقق!. واتسعت ابتسامته الماكرة وكأنها تتشكل بعهد الانتقام القاتل! ********** خرج "يحيى" من غرفته سريعاً يبحث عنها بلهفة، سكنت نظراته وأحاطتها الراحة حينما رأها تجلس بالخارج وتشاهد البرنامج الكرتوني المفضل لها على التلفاز، استند بجسده على الحائط وهو يتابعها بحزنٍ، انتبهت "ماسة" لوجوده لجوارها فانتفضت بجلستها بذعرٍ ثم كادت بالنهوض لتترك الأريكة، أسرع "يحيى" تجاهها ثم ركع على ركبتيه ليخرج صوته المختنق: _"ماسة" عشان خاطري سامحيني، أنا مقصدتش، مش عايز منك غير فرصة واحدة بس أصلح بيها اللي عملته. بدت غير مستوعبة لما يقوله، فاستجمع شتاته ليبدأ بالحديث العقلاني عما يوجهه لها فقال: _طب أيه رأيك منزلش الشغل النهاردة وننزل الملاهي مع بعض زي ما اتعودنا! ضحكت عينيها حتى وإن كانت تحارب خوفها، فتمسك بالأمل ليعود بإستكمال حديثه: _وهجبلك كل اللعب اللي عايزاها. خرج صوتها المرتعش بخوف: _ولو جيت معاك مش هتعمل كده تاني! تمزق قلبه فكادت دمعاته بأن تنفلت، ليجيبها بألمٍ غزى صوته المحطم: _لا يا روحي مش هعمل كده أبداً أوعدك. وفتح يديه لها، ليشير لها بالإقتراب وقلبه يخفق خوفاً من أن تبتعد عنه من جديد، لحظات انتظرها بقلب يعلو نبضاته بتخوفٍ وإرتباك، فأخفضت قدميها عن الأريكة ومن ثم تمايلت بجسدها الهزيل لتضع يدها بعد محاولات مترددة بين يديه، عادت الحياة باسمة إليه من جديد، فاحتضنها بقوةٍ وهو يردد بفرحةٍ تختلجها الدموع: _حبيبتي! ... والله ما هعمل أي حاجة تضايقك تاني.. ابتسمت بطفولية ومن ثم رفعت يدها لتشدد من احتضانه، فعاد الهواء لينعش رئتيه من جديدٍ، فابتعدت عنه وهي تردد بابتسامةٍ واسعة: _هخلي "إلهام" تلبسني الفستان الجديد وتكوي شعري. أومأ برأسه ثم نهض عن الأرض ليشير لها بابتسامة تنبع بعشقها: _وأنا هلبس عشان ننزل بسرعة. تعلقت عينيه بها وهي تهرول بعيداً عنه، والفرحة تغزو عينيه الدمعتين، بعد أن فقد الأمل بعودتها إليه مجدداً، ها قد منحه القدر فرصة لا تعوض! ************* وقفت على بعد من غرفتها، تراقب غرفة ابن عمها المجاورة لغرفتها، ومن ثم هرولت لتطرق على باب الغرفة طرقات متتالية، فما أن فتحت "رؤى" الباب حتى هرولت "روجينا" للداخل لتغلق الباب من خلفها قبل أن يلمحها "بدر"، خلعت"روجينا" الحجاب ثم جلست على الفراش تلتقط أنفاسها التي كادت بالتوقف من خوفها الشديد، فأسرعت "رؤى" اليها لتتساءل في لهفة وقلق: _انتي كنتي فين من امبارح يا "روجينا" أنا دورت عليكي في كل مكان وكنت هموت من القلق عليكي حتى موبيلك سايباه هنا، واترعبت أقول لبدر حاجة. التقطت انفاسها بصوتٍ مسموع وهي تخبرها: _الحمدلله انك مقولتهولش حاجة. تجاهلت ما قالته ثم سألتها باهتمامٍ: _إنتي روحتي فين؟! بحزنٍ شديد قالت: _أنا ربنا نجدني يا "رؤى".. كلماتها المبهمة جعلتها تعود بسؤالها بعدم استيعاب: _أيه اللي حصل! تملكتها الدموع وهي تقص لها: _" كريم" زميلي اللي كلمتك عنه قبل كده، اتهجم عليا امبارح ولولا شاب ربنا بعته ليا أنقذني من تحت أيده كان زماني وقعت في كارثة مفيش مخرج منها. برقت بعينيها وهي تتساءل في هلعٍ: _وأنتي كويسة؟! علمت ما تقصده بتلميحاتها فقالت: _ملحقش يعمل حاجة، الشاب ده أنقذني مرتين، مرة من الحقير اللي اسمه "كريم" ده والمرة التانية لما وقعت في المياة. وبهيام أضافت: _أنا معرفتش أشكره كويس على اللي عمله معايا، كل اللي فكرت فيه اني أرجع بسرعة قبل ما "بدر" يأخد باله إني مش موجودة، أنتي عارفة لو عرف حاجة زي كده ممكن يعمل أيه؟! احتضنتها "رؤى" بجسد مرتجف وهي تردد بارتباكٍ عصف بها: _مش مهم كل ده المهم انك بخير الحمد لله ربنا بيحبك عشان كده بعتلك اللي ينجدك. ومن ثم ابعدتها عنها، لتحاوط وجنتها بأصبعيها وهي تستكمل بدمعات غزت وجهها الأبيض: _أنتي متعرفيش أد أيه الاحساس ده صعب إنك تعيشه، أصعب من الموت بمراحل وميعرفهوش غير اللي عاشه وإختبره. منحتها "روجينا" نظرة شك أنهتها بسؤالها الصريح: _أنتي فيكِ أيه يا "رؤى" من يوم ما رجعتي مصر وأنتي مش طبيعية، حتى طريقتك وكلامك! ابتعدت عنها ومن ثم جلست على الفراش، لتبكي بصمتٍ مما أكد للأخرى صدق حدسها، فاتبعتها لتجلس جوارها ومن ثم قالت بخوفٍ: _في أيه؟! خرجت عن صمتها أخيراً لتبوح عما يضيق بصدرها: _أنا اتعرضت لنفس اللي انتي واجهتيه يا "روجينا" بس الفرق بينا إنك لقيتي اللي يساعدك لكن أنا لأ. جحظت عينيها في صدمة، فلطمت وجهها وهي تهمس بعدم استيعاب: _يا نهار أسود، أيه اللي بتقوليه ده، ازاي وأمته وفين؟! ردت عليها بدموعٍ تدفقت لتفيق الآلآم بداخلها: _كنت بحاول أنسى الإنسان اللي حبيته ففقدت نفسي.. ورفعت وجهها مقابلها وهي توضح لها بانكسارٍ: _عيشتي في أمريكا أثرت عليا وغصب عني اندمجت بعادتهم وبقيت زيهم، لدرجة إني بقيت متقبلة إن فقدان العذرية مع الشخص اللي بحبه مش شرط يكون بعقد جواز.. وتطلعت لها وهي تسترسل بحرجٍ: _ولما حبيت وجيت أعمل كده الإنسان اللي حبيته رفضني ورفض تفكيري ده، حسيت وقتها إنه بنى آدم متخلف وراجعي.. أجابتها بسخطٍ: _متخلف وراجعي! .. ده راجل بجد وحبك بجد وأكيد كان هيصونك! أغلقت عينيها بإلمٍ وكأنها تحارب تلك الغصة المؤلمة التي هاجمتها لتو، ومن ثم استطردت لتفيض بما يعيقها: _لما رجعت كنت عايزة أنتقم من اللي عمله بس مكنتش أعرف إني بنتقم من نفسي، إحساس انعدام الثقة برفضه ليا خلاني زي المجنونة اللي عايزة تسلم نفسها لأي حد لمجرد إنها تأكد لنفسها إنها جميلة ومرغوب فيها! صعقت مما استمعت اليه ومع ذلك تماسكت وهي تسألها بإهتمامٍ: _وبعدين؟ التقطت نفس عميق قبل أن تجيبها: _قابلت شاب من مصر وبيدرس معانا بنفس الجامعة، كان معجب بيا وأنا حسيتها فرصة أحاول بيها أنسى اللي حبيته وخروجة في التانية طلب مني أروحله حفلة عيد ميلاده، وفعلاً روحت وكان هناك عدد بسيط من أصدقائه ونصهم كانوا من نيويورك، قدملي مشروب ولما شربته حسيت بجسمي بيتخدر، ومحستش بأي حاجة بعدها غير وهو بياخدني أوضته اللي كان فيها اتنين من أصحابه، وأنا مصدومه ومش قادرة حتى اني أصرخ، والغريبة بقا انه مش شايف نفسه عمل حاجة لأنه متأكد إن الشرف عند الامريكان مش شيء مهم زي مانا كنت فاهمه، حسيت ان ربنا بيعاقبني على طريقة تفكيري وعلى خسارتي الكبيرة للشخص اللي حبيته، أنا من اللحظة دي يا روجينا فقدت نفسي وحياتي بقت بتضيق عليا، إحساس الإنكسار بشع وأنا انكسرت أكتر من مرة وفوقت بس متأخر. خيم الحزن على وجه "روجينا"، فكلماتها غزت قلبها بسهام قاتلة، فكيف للمرأة أن لا تشعر بألم إمرأة مثلها، احتضنتها وهي تردد بصوتٍ باكي: _وخبيتي عليا كل ده يا"رؤى" ، أنا كان قلبي حاسس إن أنتي فيكِ حاجة مش مظبوطة ودلوقتي اتاكدت.. شددت الأخرى من احتضنها لتترك العنان لشهقات دمعاتها المكبوتة بالإنفلات، بكت بصوتٍ مرتفع كاد بأن يذبح "روجينا" التي حاولت بكافة الطرق تهدئتها، فأبعدتها عنها وهي تزيح دموعها ثم قالت بحزنٍ: _ليه سكتي عن حقك مرفعتيش ق\ضية عليه ليه وبهدلتي الدنيا؟ ابتسمت ساخرةٍ: _مش دي كانت رغبتي من الأول، يمكن ربنا عمل كده علشان أحس باللي كنت ناوية أعمله بنفسي، وأعرف قيمة الشخص اللي ضيعته من إيدي بمنتهى السهولة. تطلعت لها مطولاً، ثم سألتها بتريثٍ: _مين الشخص ده؟ ابتلعت ريقها بتوترٍ وكأنها لا تملك الجرءة الكافية لإجابتها، ومع ذلك أصرت "روجينا" بسؤالها من جديد: _مين يا "رؤى"؟ أطبقت على شفتيها وهي تجاهد بنطق اسمه، وحينما استسلمت قالت بانهزامٍ: _" بدر". ذهلت للغاية، ورددت بصدمةٍ: _"بدر"!!... أنتي بتهزري صح؟ ردت عليها بضيقٍ: _تفتكري هيجيلي نفس أهزر وأنا بتكلم عن موضوع زي ده! قالت مسرعة: _مقصدش يا حبيبتي بس "بدر" طبعه صعب وأنتي أكيد عارفة ده كويس، إزاي قدرتي تقوليله كده! عبست بنظراتها الحزينة وهي تجيبها: _معرفش، قولتلك كنت متأثرة بعادتهم وأنا لا شكلهم ولا زيهم. استوقفتها ذاتها للحظات، وكأنها تخطو على نفس منهجها حينما كانت تلحق خطى صديقة السوء "تقى"، تذكرت كم إنخلع قلبها حينما ازاح هذا الحقير حجابها الذي حاولت الاخرى اقناعها بالتخلي عنه، فحينما غاب عنها شعرت وكأنها عارية، ربما لأنها لا تشبههم، لا تعلم لما عاد حديث"حور" ليلمع بعقلها بتلك اللحظة عن صاحبة السوء، ومن ثم تم الغزو على عقلها بتذكرها لذاك الشاب الوسيم الذي سلب مفتاح قلبها المغلق، ليعلقه بين يديه، ليعيد من أمامها ملامح وجهه الرجولي الذي احتفظت بها لنفسها، وخاصة إسمه الذي بات مميزاً لها باللحظة التي قرأته عينيها! *********** كان عليه العودة للبلد قبلهما لأموراً هامة متعلقة بأمور مزارع الفواكه التابعة إليهم، فأوصى السكرتير الخاص به بإرسال الملفات اللازمة بصحبةٍ تسنيم التي تستعد للسفر بالغد، فذهبت للمصنع لتحصل على الأوراق اللازمة لتحضرها بالحقيبة الصغيرة التي وضعها "آسر" على سطح مكتبه، اضطرت للبقاء بمكتبه لفترة طويلة حتى ترتب ما ستحتاج إليه حينما تأتي بالغد، وبتلك الحجة بقيت لوقت طويل بداخل مكتبه، لا تعلم ما الذي يصيب جسدها كلما لامست غرض يخصه، جتى قلمه المعلق من أمامها! مقعده يشعرها بحنان غريب وكأنه هو من يحتضنها برفقٍ، إحساس الأمان والدفء الغريب الذي استأنست به بداخل غرفة مكتبه جعلتها تشعر بأن هناك ما يربطها به، فربما أصبحت تحبه، لا هل هذا العشق الذي يتنقل على لسان قيس وليلى؟.. أم روميو وجوليت؟! ********* ولجت "حور" للمصعد ثم كادت بأن تغلق بابه لتستعد بالصعود لشقة الفتيات، فاوقفه "أحمد" ومن ثم ولج للداخل، فرسمت الابتسامة على وجهه وهو يردد بحماسٍ: _"حور".. عملتي أيه في الامتحان؟ ابتسمت حينما رأته يقف أمامها ، فتلعثمت بقول: _الحمد لله الامتحان كان سهل وكل اللي ذكرته لقيته. تعالت ضحكاته وهو يخبرها بغرورٍ: _دي بركات الأكل اللي عملته والقهوة اللي خليتك تركزي كده. قالت بمرحٍ: _شكله كده، وتقديراً للي عملته هطلع أغير هدومي وأعملك أحلى طاجن ورق عنب باللحمة. ضحك وهو يشير لها: _كده هصحى اعملك فطار وقهوة كل يوم. قالت بمرح: _خلاص أنت عليك الفطار وأنا الغدا. فتح باب المصعد بعدما توقف، وهو يجيبها: _معنديش مانع مدام هناكل اكلة ترم العضم. استدارت تجاهه قبل ان تدس مفتاحها بالباب، لتخبره على استحياء: _قولي بس على الغدا اللي تحبه وأنا عيوني ليك يا "أحمد" والله. انخطف قلبه مع تردديها لأسمه بصوتها الرقيق، منحها ابتسامة مصطنعة قبل ان يدلف لشقته المقابلة لها، فجلس على أقرب مقعد وكل تفكيره مركز بها، وبكل ما يخصها، حتى صوتها وارتدائها لخمار فضفاض، ببساطةٍ لم يترك شاردة وواردة تخصها الا وفكر بها عن دون قصد وكأن قلبه اصبح متصل بها هي على غير عادته! *********** بعدما ذهبت لغرفته باحثة عنها، علمت من خدمة الغرف بأنه يجلس بالأسفل، فبحثت عنه بعينيها حتى اهتدت بمحله، لتجده يجلس بطلته الخاطفة للانفاس ويرتشف من كوب العصير الموضوع من أمامه بثباتٍ يفتك بقلبها الضعيف، ارتبكت "روجينا" وأخذت تعدل من حجابها ومن ثم يزداد عقلها تشتت بالتفكير عما ستبدأ بقوله، ارتسمت ابتسامة خبيثة على وجهه وهو يتابع انعكاس صورتها بالمرآة من أمامه، ومازال لا يمنحها اهتماماً يجلس باتزانٍ وثقة تجعله مرغوب به، يعلم كيف يستغل وسامته وثقته بذاته في الفتك بقلوبهن، وكأنه كان على ثقة بأنها من ستتأخذ الخطوة الاولى، وجدها تقترب منه حتى أصبحت بمرمى بصره، فابتسمت وهي تردد على استحياء: _كنت بدور عليك. وضع "أيان" كوب العصير من يديه وهو يردد بثباتٍ: _عني انا؟ ، ليه خير! عبثت بأصابع يدها بارتباكٍ وخاصة حينما قال: _قررتي تقدمي بلاغ ولا أيه؟ ارتبكت "روجينا" للغاية وكأنه اكتشف حجتها للقاء به مجدداً، فقالت بتوترٍ: _لا بس كنت حابة أشكرك اتاني مرة على اللي عملته معايا.. عن أذنك. وكادت بالمغادرة، فنهض "أيان" ليقف أمامها ومن ثم قال وهو يسبل بنظراته بعينيه الرمادية الفتاكة: _طيب الشكر بيبقى بالجفاء ده! كسى وجهها لون احمر قاتم، فبللت شفتيها بلعابها وهي تتساءل بعدم فهم: _إزاي! قال بنظرة ماكرة تعمقت بالتتطلع لعينيها: _أقصد انك على الاقل تشربي معايا حاجة. تنفست بارتياح لفهم مقصده، فأشار بيديه على المقعد المجاور له، فجلست وهي تراقبه باهتمامٍ وقلبها يتراقص طرباً لقربها منه، لا تعلم كيف اعجبت به سريعاً هكذا، على الرغم من إنها ترتدي دبلة تخص رجلاً غيره، بقت نظراته الثاقبة مسلطة عليها، الى ان قاطع الصمت بينهما بصوته الرجولي الخشن: _تحبي تشربي أيه؟ أجابته بعد تفكير: _عصير برتقان.. أومأ براسه ثم رفع إصابعيه للنادل الذي اتى مسرعاً ليردد باحترام: _تحت أمرك يا "أيان" باشا. أخبره بمطلبه ليغادر سريعاً، فقالت "روجينا" بتخمينٍ: _واضح انها مش اول مرة ليك بالفندق هنا؟! ابتسم وهو يجيبها: _أغلب الصفقات اللي بتممها مع العملاء بتكون هنا، شغلي متنقل بين القاهرة وإسكندرية والصعيد. بكل اهتمام تساءلت: _ليه بتشتغل أيه؟ منحها نظرة مطولة قبل أن يجيبها: _رجل أعمال وتجارتي الاساسية مصانع للأعلاف.. نظراتها كمنت بالأعجاب تجاه هذا الشخص الذي حمل صفات مشتركة من فتى أحلامها، وضع النادل العصير من امامها فأشار لها "أيان" بتناوله، فارتشفت منه بضع قطرات ليعم الصمت من جديد، ليكسره هو حينما تساءل: _طمنيني ابن عمك زعقلك او قالك حاجة على بياتك بره؟ قالت وهي تطلع له: _لا الحمد لله معرفش. رفع حاجبيه وهو يخبرها بهدوءٍ: _طب كويس. ابتسمت بارتباكٍ وهي تحارب للنهوض والمغادرة وبداخلها رغبة بالبقاء معه لوقتٍ أطول، وبالنهاية انتصرت فنهضت وهي تخبره بارتباكٍ: _أنا لازم امشي... عن أذنك.. نهض ليقف من أمامها ثم قال بصوتٍ جعله متلهف: _طب مش هشوفك تاني، انا حتى معرفش اسمك ايه؟ خطفتها السعادة وهي تخبره بابتسامة رقيقة: _"روجينا"... اسمي "روجينا". قال بهمس ساحر: _اسمك جميل. اخفت ابتسامتها بصعوبةٍ وهي تغادر من أمام نظراته الساهمة، فما أن اختفت من امامه حتى عاد وجهه ليتصلب بحدةٍ من جديدٍ... ********** ما أن وصل للبلد حتى هرع لجواده الذي اشتاق إليه، فمرر"آسر" يديه على جسده الأبيض ليحني رأسه للأرض اشتياق له، ابتسم "آسر" وهو يداعبه ثم قال: _أكتر حاجة بتوحشني بالمكان ده أنت يا "همام"، بس ببقى عارف اني مهما ابعد واطول هرجع ألقيك مستنيني.. صهل الخيل كتعبير عن حبه الشديد اليه، فابتسم" آسر"وهو يخبره بمشاكسة: _أممم، شكلي موحشتكش أد ما مهجة وحشتك، انت خبيث وماكر بس ماشي هجبهالك. وخرج "آسر" ليجذب المهرة "مهجة" ومن ثم ربطها جواره فبدى الاخير سعيداً للغاية، راقبهما "آسر" عن بعد وقد هامت به الذكريات وحنت إليها، فشعر بأن قلبه يحواطه برودة وجفاء لوحدة رؤياها، وكأنه يستأنس باحتضان نظراته لها... زفر وهو يردد بصوت منخفض ساخر: _شكلي أنا كمان مشتاق للقرب زيك! ********* ملت بالجلوس أمام البحر لساعاتٍ مطولة، فصعدت للغرفة حتى ترتاح قليلاً، كادت "رؤى" بتخطي الطرقة الفاصلة بين غرفتها وغرفة "بدر" فتفاجئت ببابها يفتح ومن ثم بذراعٍ قوي يجذبها للداخل، لينغلق الباب من خلفها، ابتلعت ريقها بصعوبة حينما كمم فمها ليصبح مقابلها، يحدجها بنظرةٍ مخيفة، ثم أبعد يديه عنها وهو يردد بلهجةٍ حازمة: _مش هتخرجي من هنا غير لما تجاوبيني على كل أسئلتي.. فاهمة؟. #الفصل_الحادي_عشر.. صرخاتها احتبست خلف لائحة يديه التي يضغط بها على شفتيها، حدقتيها استوعبت من يقف أمامها فهدأت حدتها تدريجياً، وجدته يغلق باب غرفته ثم انتصب بوقفته مقابلها ليردد بشرارةٍ اكتسحت معالمه: _مش هتخرجي من هنا غير لما أعرف مالك بالظبط.. فاهمه؟ وأزاح يديه عن شفتيها على مهلٍ، فالتقطت "رؤى" أنفاسها الثقيلة بصوتٍ مسموع، ودمعاتها اسُتحضرت بتلك اللحظة، فأجلت صوتها المتقطع: _وهتفرق في أيه.. وتركته وكادت بفتح الباب لتغادر، فجذبها لتقف أمامه بعنوةٍ لتنفلت كلماته الحادة من بين اصطكاك أسنانه: _كلامنا مخلصش. رفعت عينيها البائسة تجاهه، ثم قالت بإنكسار: _خلص من زمان يا "بدر" ، وختامه في كلمتين اتنين إن ربنا انتقملك مني فمش هتحتاج إنك تنتقم من تاني. تمزق قلبه من كلماتها التي تحمل ألم استطاع إن يلمسه بصوتها، ومع ذاك بدى صلباً لا تهزه ما تقول، فقال بتريثٍ: _معرفتش اللي حصلك برضه!.. متهربيش من إجابتي. ومنحها نظرة متفحصة قبل ان يضيف ساخراً: _أيه لقيتي الشخص اللي يستحق عذريتك ومطلعش اد المسؤولية! أغلقت عينيها بقوةٍ تحتمل كلماتها التي ذبحت فؤادها قبل أن تنهال منها، فتمزقت أوردتها من فرط كبتها للدموع التي قررت البوح له عما يشعل هذا الجسد الضعيف، دموعها الصادقة طرقت أبواب قلبه بكل ما تحمله بقوةٍ، لتنهزم من أمامه، شفتيها المتحجرة تخلت عن بعضها لتخبره بوجعٍ: _في فرق لما تحب شخص وتبقى عايزه باردتك وفرق تاني لما تكون مجبور وعاجز حتى إنك تصرخ وتستنجد بحد يخلصك من كلاب استباحت لحمك وعرضك حتى بعد ما أخدوا اللي عايزينه أنت برضه عاجز إنك تصرخ وتتكلم عن اللي حصلك لاني بالنهاية كانت دي طريقة تفكيري اللي المفروض بتتماشى مع البلد اللي اتربيت فيها. تحررت يديه المتمسكة بها، وانفرجت شفتيه بصدمةٍ وهو يتابع ما تقوله بعدم استيعاب، رفعت "رؤى" يديها لتزيح دموعها التي الهبت وجهها الأبيض، لتضيف بحزنٍ: _الغريبة إنهم بيفكروا أن الموضوع ده عادي لكن انا بعد اللي حصلي محستش بده... وبدأت بشرح ما خاضته، قائلة: _حسيت إني انتهيت ومبقاش ليا كيان، فقدت نفسي اللي ملقتهاش لحد دلوقتي يا "بدر".. وسقطت أرضاً أسفل قدميه تبكي بانهيارٍ، لتشير بأصبعيها تجاه صدرها وهي تستكمل بصوتها الموجع: _حتى قلبي قتلته الف مرة لما ضيعتك من ايدي... وبابتسامةٍ جاهدت لرسمها استرسلت: _بس أنا أستاهل كل ده، ده عقاب ربنا ليا عن الاستهتار اللي كنت فيه، عقاب عن الصح اللي كنت ببقى عرفاه وبحلله بحكم البلد اللي عيشت فيها،عقاب عن حاجات كتيرة أوي وأولهم اللي عملته مع الإنسان الوحيد اللي حبيته وحبني بدون ما يستنى مني مقابل أو شيء. واخفت وجهها بيديها معاً وهي تصرخ بصوتٍ مزق جسدها كالأبر التي تخترقه: _أيوه أنا أستاهل كل ده. أيا قلب أين قسوة قلبك التي رجوته بالتحلي بها؟! .. إذاً ما الذي حدث لك الآن واليوم هو انتصارك العظيم ممن أستباح أوجاعك وسرق النوم من أعينك؟! ... ما الذي حدث الآن؟ .. لماذا يزداد الألم أكثر من ذي قبل؟، تراجع" بدر" للخلف خطوة ومن ثم استدار ليخفي تلك الدمعة اللعينة من مرمي بصرها، فكلما أجبر قدميه عن الابتعاد أستوقفته دمعاتها وصراخها المتقطع، تباً لذاك الحب الذي يستضعفه رغم قوة بنيته، استدار بوجهه تجاهها وهو يقاوم رغبته بالابتعاد والرحيل، وبين الاقتراب أسقط عقله بتلك الحرب الدامية، وانحنى!.. أجل انحنى لأجلها... انحنى وقد الزمه عقله بضرورةٍ الوقوف ورفع رأسه بكبرياءٍ لم يختاره ذاك العاشق الذي تمرد قلبه بما يخبئه لها من حبٍ، الا يكفيها ما نالته من قسوة العقاب الأثم؟! توقفت عن البكاء بصدمةٍ حينما شعرت بأصابعه تبعد خصلات شعرها الأصفر عن وجهها، فرفعت رأسها المستند على ذراعيها لتجده أمامها، يطالعه بنظرات تلمع بدموع الألم الذي رأته بارزاً في نظراته، عادت أصابعه لتلامس وجهها،فأبعد الدموع عنه وكأنه يرفض رؤيتها بتلك الحالة التي تصيبه في مقتل رويداً رويداً، وزعت نظراتها بين عينيه ويديه التي تمسح دموعها ومن ثم منحته نظرة تحمل سؤال ورجاء خافت بأن يضمها لصدره فربما يترمم الجرح النازف بداخلها، تخشى ان تتعلق به فيتركها خائبة الامل ويبعدها عنه مجدداً، منحها ما هو الأجمل بالموافقة حينما جذبها لداخل حصنه المنيع، يحتضنها بداخله، فتسللت نبضات قلبه المختبئة خلف صدره إلى أذنيها التي تستند على صدره القاسي، فارتعش جسدها من لوعة عشقها له، وكأنها احتضنتها الفرحة لتعيق بينها وبين الحزن والألم بسد منيع، ما كان سراً يؤلمها الاحتفاظ به بمفردها ها أصبح أحداً يشاركها به ويربت على ظهرها بحنانٍ ليخبرها بأنه لا بأس، مر الأمر... يربت عليها ويخبرها بأنها على ما يرام الآن، انفطرت دموعها وشهقاتها الخافتة فاهتز جسدها من فرط البكاء بين احضانها، كأنها تشاركه ما مرت به من أوجاعٍ وهو يستقبل ما تلقيه بصدرٍ رحب، وكلما شعر بترنح جسدها شدد من احتضانه، ليخرج صوته الرخيم: _يارتني كنت جانبك مكنتش هسمح لمخلوق يمس شعرة منك . تعلقت بقميصه الأبيض الذي احتفظ بدمعاتها وهي تردد بصوتٍ هامس: _أنا السبب يا "بدر".. انا اللي عملت كده في نفسي... آآ.... آنا السبب.. وانهت كلماتها ليترنح رأسها الثقيل للخلف، ففزع حينما رأها فقدت الوعي، لطم وجنتها بهدوءٍ وهو يناديها: _" رؤى"! الصمت والسكون تغلب عليها فجعلها كالج\ثة التي فارقت الحياة، انكمشت ملامحه بذعرٍ فانحنى ليضع يديه من أسفلها ليحملها سريعاً لفراشه ومن ثم أسرع للسراحة ليجذب عطره الخاص ومن ثم نثر منه على لائحة يديه ليقربها من انفها وهو يؤمرها بحدةٍ: _فووقي يا "رؤى"، إفتحي عيونك. هزت رأسها للجهة الأخرى وكأنها تشعر بالتقزز من رائحة هذا البرفنيوم الذي يساعدها على افاقة وعيها في حين أنها اختارت الهروب من مواجهته، وكلما استدار بوجهها للجهة الاخرى اسرع بيديه خلفها حتى فتحت عينيها الثقيلة لتقابل نظراتها المتلهفة للإطمئنان عليها، فحاولت الاستناد بلائحة يدها على الفراش لتستقيم بجلستها، فكادت بأن يختل توازنها ليساندها" بدر" حتى جلست بالطريقة التي أرحتها، فجذب كأس المياه المسكوب ثم قدمه لها قائلاً بثباتٍ عجيب: _اشربي. تناولته منه ثم ارتشفت بضع قطرات وأعادته اليها فوضعه على الكومود، ثم تطلع لها قبل ان يردد بغضبٍ متخفي بصوته الهادئ: _هو مين؟ ... أنا أعرفه؟ جزت على شفتيها السفلية بأسنانها حينما تذكرت هذا الأرعن ثم قالت بدموعٍ سبقتها بالحديث: _معرفش كل اللي أعرفه إنه اسمه "مروان" ومن مصر كان بيدرس عندنا، هو صديق "مارثا" صاحبتي وهي اللي عرفتني عليه وكنا بنتقابل كلنا في مكان عام.. ومسحت دموعها وهي تسترسل: _هو كان بيحاول يتقرب مني وانا اديته الفرصة بس مكنتش متوقعة إنه يعمل فيا كده.. وبكت بحرقةٍ حينما تذكرت هذا اليوم المشؤم، فقال بحزنٍ: _ليه عملتي في نفسك كده يا "رؤى"؟ نهضت عن الفراش لتقف مقابله وهي تطلع له بصدمة من سؤاله الذي يفترض به معرفة الاجابة، فخرج صوتها متقطع كحالها: _كنت بحاول أنساك ومعرفتش. ومسحت دمعاتها وهي تبتسم بإلمٍ: _لو كان في امل بسيط إني أرجع واعتذرلك وأحاول أرجع علاقتنا زي الاول فالأمل ده انتهى بعد اللي حصلي يا" بدر".. واخفضت عينيها أرضاً ثم اسرعت بالخروج من أمامه، فأغلقت الباب من خلفها لتعود لغرفتها محطمة القلب وإن كان فؤادها قد داوه حضنه الدافئ.. *********** اسندت جسدها العلوي على سور الشرفة، ويدها تعبث بخصلات شعرها القصير بعض الشيء بابتسامةٍ حالمة به، حديثه القليل ومظهره الرجولي أفتك بها، تلاشت تلك الابتسامة حينما لمحت عينيها الدبلة التي ترتديها بأصبع يدها، فاستوقفتها اللحظة لتعاتبها بأنها تعتبر على ذمة رجل أخر، أنبت "روجينا" نفسها ألف مرة على السماح لنفسها بالتفكير لغيره، فهمست بصوتٍ مختنق بالدموع: _أيه اللي أنا بعمله ده واحد وأتقذني من الموت وشكرته خلاص الموضوع انتهى، ليه شاغلة نفسي بالتفكير فيه كل ده. وأبعدت تلك الخصلة المتمردة على عينيها بغضبٍ فشعرت بأنها مشتتة وبحاجة لأن تهتدي لضالتها، لذا أسرعت لهاتفها فجذبته لتضغط على زر الاتصال الخاص به، ورفعته بلهفةٍ لسماع صوته عل قلبها يهتدي على من ينبغي عليها حبه عوضاً عن هذا الغريب الذي اقتحم اساورها العالية.. انزعج من نومه على صوت هاتفه، فقربه إليه ليتسلل الضيق لمعالمه حينما رأى اسمها، فتح "أحمد" الهاتف وهو يجيبها بجفاءٍ: _خير، أيه اللي فكرك بيا؟ اتاه ردها الحاد: _وأنت اللي بتسأل يعني! قال بابتسامةٍ ساخرة: _مش لما أعرف خطيبتي فين أبقى أسأل، انتي مش واخدة بالك من تصرفاتك يا "روجينا" ولا أيه؟! _تصرفاتي!!، أنا عملت أيه عشان تكلمني باسلوبك ده؟! سحب الغطاء عن جسده ثم نهض ليجلس على المقعد القريب منه وهو يجيبها بتعصبٍ شديد: _انتي مش شايفة نفسك غلط لما تسافري كده من غير ما تعرفيني وأدرى من "بدر" انك مسافرة اسكندرية! قالت باستغرابٍ: _وأخد اذنك ليه ما أنا استأذنت من أخويا ووافق، انت عايز تتحكم فيا من دلوقتي يا "أحمد".. طعنته كلماتها، فقال: _لا لسه ممتلكتش الحق اللي يخليني اتحكم فيكي ولكن على الاقل أعرف انتي راحة فين وبتعملي أيه، عموماً استمتعي برحلتك ونتكلم لما ترجعي يا بنت عمي. واغلق الهاتف وهو يحاول ابتلاع كلماتها الحادة، يشعر بأنه لم يعد يملك المقدرة على استكمال تلك العلاقة المخادعة، ولكنه مجبور على ذلك فكيف سيفعل ذلك بابنة عمه بعد خطوبة دامت لاكثر من ثلاثة أعوام، أفاق"أحمد" من شروده المطول على صوت رنين باب الشقة، فنهض ليفتح الباب فتفاجئ بها تقف من أمامه باسدال الصلاة الذي يزيدها جمالاً وحشمة، أشارت له "حور" بضيقٍ: _أنت فين يا "احمد" الاكل برد وانا برن عليك الجرس من الصبح مش بترد! أجابها بابتسامة عابثة: _راحت عليا نومة في الوقت الغلط، اوعي تكونوا مكملتوش حسابي. أجابته سريعاً: _لا طبعاً أنا شلتلك اكلك. وأشارت له على باب الشقة قائلة: _يالا تعالى.. اتبعها بعدما أغلق الباب، فولج من بعدها ليردد بمرحٍ وهو يتأمل السفرة: _ده الحبايب كلهم هنا أهو.. التهم "عبد الرحمن" قطعة الدجاج من أمامه وهو يجيبه بمزحٍ: _حد يفوت أكلة من إيد "حور"! جاهد لرسم ابتسامة مخادعة ليخفي بها غيرته الغامضة، فوزعت انظاره لماسة التي تجلس جوار" يحيى" يطعمها بيديه ويا للعجب تتناول طعامها بقبولٍ تام له، فإقترب "أحمد" منهما وهو يشير ليحيى بعدم فهم، فابتسم وهو يجيبه بكلماتٍ مبهمة لماشة؛ ولكن تفهمها أحمد ومن حوله: _"حور" صممت مننزلش الا لما نتغدى، بس أحنا هناكل كل الاكل ده وننزل الملاهي زي ما اتفقنا صح يا "ماسة"؟ أجابته بحماسٍ وفرحة: _ ومش هنأخد"طارق" الوحش معانا، صح يا "يحيى"؟ تعالت ضحكات الجميع، ليجيبها"يحيى" وهو يمسح حبات الارز على جانبي شفتيها: _صح يا روح "يحيى"، يلا خلصي أكلك بسرعة قبل ما ينزل ويشوفنا. التهمت قطعة الدجاج بيديه بسرعةٍ وهي تشير له بانصياعٍ، فاتسعت ابتسامة" أحمد" الذي أومأ برأسه ليحيى وهو يخبره: _الحمد لله إنها تخطت المرحلة دي. بادله الابتسامة ثم انشغل بها، فنادته "حور" مجدداً: _انت لسه واقف يا "احمد" اقعد. جلس على المقعد التي أشارت اليه، ثم جذب أحد الأطباق وكاد بأن يضع قطعة من الدجاج وقطعة من المعكرونة، فأسرعت اليه "حور" لتجذب الطبق من أمامه ثم وضعت الطاجن الذي يغطيه السلوفان قائلة بسخريةٍ: _انت نسيت الاتفاق ولا ايه؟ حرر السلوفان وهو يردد بعدم تصديق: _أيه ده لحقتي تعملي ورق العنب بالسرعة دي.. وضعت "تالين" السلطة من يدها على الطاولة وهي تجيبه بدلاً عنها: _هي راضية تقعد من ساعتها ولا حتى تخليني أساعدها، دي من ساعة ما رجعت من الامتحان وهي مطلعتش من المطبخ.. قال "عبد الرحمن" وهو يلوك طعامه بتلذذٍ: _لا بس بصراحة تسلم ايدها الأكل مالوش حل. ابتسمت بفرحةٍ: _الف هنا. ثم اتنقلت نظراتها المتلهفة اليه، لسماع رأيه هو الأخر، فغمس "احمد" الشوكة في أحدى لفات ورق العنب الشهي وتذوقها ومن ثم رفع وجهه مقابلها ليشير برأسه بابتسامة عذباء، سعدت للغاية بما أخبرتها بها عينيه، فانتبهت "حور" لمراقبة "تالين" لها، فشعرت وكأنها ترتكب ذنب أو جرماً ما، فالهت ذاتها بتناول الطعام ومن ثم أسرعت بلم الاطباق حينما انتهوا جميعاً من تناوله، فأستأذن "يحيى" بالإنصراف، واصطحب "ماسة" لسيارته، أما "عبد الرحمن" فجلس جوار "أحمد" بالصالون بانتظار الشاي الذي وعدتهم "تالين" بإعداده.. ********* بالمطبخ.. تهربت "حور" من نظرات "تالين" المحاصرة لها، فاشغلت ذاتها بتنظيف الأطباق، وتركتها تحضر الشاي، وضعت "تالين" ملعقة من السكر في كل كوب وانتظرت الشاي حتى ينضج، فقالت "حور" بلهفةٍ: _"احمد" بيحب الشاي يكون فيه معلقتين سكر مش واحدة.. تخلت "تالين" عن صمتها، قائلة بشكٍ: _أنتي مركزة مع كل حاجة بيحبها أحمد بطريقة مش معقولة يا حور! تلاشت ابتسامتها وتطلعت لها بارتباكٍ شديد، فقالت بتلعثمٍ واضح: _لا بس عملته الشاي مع بدر ويحيى اكتر من مرة فأكيد عارفة كل واحد منهم بيشرب بكام معلقة سكر! رفعت يدها على كتفيها بحنانٍ، ثم قالت بابتسامةٍ هادئة: _يا حبيبتي أنا مقصدش حاجة، لاني عارفة إن مستحيل يكون في بينكم حاجة خصوصاً إن احمد مرتبط بروجينا من سنين وفرحهم بعد شهرين، أنا بس بحذرك عشان تخدي بالك ممكن "روجينا" تفهم اهتمامك ده غلط وأنتي نيتك صافية ومش بدماغك حاجة. شعرت بأن هناك سوط حاد يجلدها بقوةٍ، فتماسكت وهي تجيبها ببسمةٍ تتعلق بها بتشبث: _عارفة، وأنتي على فكرة بتتكلمي صح. ثم أشارت لها كمحاولة للتهرب من ذاك الألم الطاعن لروحها قبل أن يلمس قلبها العاشق: _الحقي الشاي غلي. واغلقت "حور" النيران ثم حملت البراد وسكبت منه بالأكواب، لتصفن بكلماتها من جديدٍ، حتى انها لم تنتبه للكوب الذي إمتلأ لأخره بالشاي الساخن، فصرخت بها تالين، فمن غفلتها تركت البراد لتمسك الكوب فسقط على قدميها ليهتز جسدها بقوةٍ من شدة الألم فأهتز الكوب الذي تحمله ليتساقط على يدها، فتعالت صرخاتها المتوجعة، ومن خلفها "تالين" التي تحاول ابعاد الاسدال عن قدميها حتى لا يلتصق بجلدها المحروق، هرول "عبد الرحمن" للداخل و"احمد" الذي تساءل بفزعٍ: _في أيه؟ اجابته "تالين" ببكاءٍ: _البراد حرق أيدها ورجليها. دون عقل أو تفكير فيما سيظنه من حوله، هرع إليها ليجد الجروح بالغة للغاية، لم يتردد لحظة واحدة وحملها ليدلف بها للحمام المجاور للمطبخ، فوضع الماء على يدها ومن ثم جذب الدش المتنقل ليسقطه على قدميها، فتعلقت بجاكيت بذلته الأسود وهي تبكي بألمٍ، لم يتحمل رؤيتها هكذا فقال: _لازم نروح المستشفى، الحرق مش عادي. قالت بصوتٍ مرتعش: _لا بلاش مستشفى بالله عليك.. أنا خايفة. أجابها "عبد الرحمن" من خلفها بحزمٍ: _مينفعش يا "حور" ده حرق مش لعب عيال.. وأشار لاحمد بجديةٍ: _هاتها يا "أحمد" عما أجيب العربية تحت العمارة. أومأ برأسه وحملها بخفةٍ من جديد فأسرعت "تالين" لتفتح الباب اليه، ثم صرخت به قائلة بدموع: _استنى يا "احمد" لما اغير هدومي وأجي معاكم. اشار لها وهو يتخطى الدرج: _خليكي هنا وانا هبقى اطمنك بالتليفون. واستكمل خطاه السريع للاسفل، فوضعها بالمقعد برفقٍ وحذر، ثم صعد جوار "عبد الرحمن" وعينيه لم تتركها لحظة واحدة.. ********* كلما يزحف القطار من بلدتها يتمزق قلبها ارباً وكأنها تقترب من حتفها، أغلقت "تسنيم" عينيها المتورمة من أثر عدم النوم وهي تحاول التقاط انفاسها على مهلٍ، تخشى رؤية خالها البغيض مجدداً، تمقت صلة القرابة التي تحتمها على قبوله بالاجبار، مازالت تلك الرجفة القاسية تكتسح جسدها حينما تتذكره فكيف إذا رأته؟! عادت تلك الذكرى لتهيم عليها من جديد تذكرت حينما ولجت لغرفة والدتها وقالت تلك الفتاة البالغة من العمر خمسة عشر عاماً: _ماما كنت عايزة أقولك على حاجة ومش عارفة أقولك ازاي؟ انتبهت الأم لصغيرتها، فكفت عن ترتيب الفراش ثم وقفت مقابلها لتبدأ بتخمنياتها: _قولي يا "تسنيم" في أيه... اوعي تكوني وقعتي فلوس الدرس زي الشهر اللي فات انتي عارفة ان ابوكي مبعتلناش فلوس الشهر ده! أشارت بإصبعها الصغير: _لا يا ماما مش كده. قالت الاخيرة: _امال في أيه؟ أجابتها بخوفٍ من ردة فعلها: _خالو يا ماما بيبصلي بصات وحشة اوي، وكل ما يشوفني يحضني ويمشي ايده على جسمي بطريقة وحشة. التهبت عين الأم، لتلكزها بذراعيها بقوةٍ وبتعصبٍ شديد قالت: _اخرسي قطع لسانك عيلة منحطة ومشوفتيش تربية، خالك ده هو اللي مربيكي وبيعتبرك زي بنته، عيب تتكلمي عنه كده، بيحضنك زيك زي مريم بنته.. ودفعتها على الفراش وهي تصرخ بها بشراسةٍ: _ بطلي هبل واوعي تقولي الكلام ده لابوكي لما يتصل تولعي النار بينهم، خالك ده هو اللي فتحلنا بيته لما ابوكي سافر ومتخلاش عننا عيب عليكي تتكلمي عنه كده. وتركتها وغادرت الغرفة لتنهمر الدموع على وجنت الصغيرة، والآن تنتقل الدموع على وجنة تلك الشابة البالغة من العمر الثانية والعشرون عاماً، انقبض قلب "تسنيم" حينما توقف القطار، فهبطت واتجهت لمنزلها ومع كل خطوة تخطوها يرتحف قلبها خوفاً من رؤياه، وحينما وصلت للمنزل حمدت الله كثيراً حينما اخبرتها زوجة خالها بأنه بالخارج وسيعود بعد قليل، فاستأذنت من والدتها بالذهاب لوالدها لتساعده بعمل الحقول بعدما علمت بأنه ذهب منذ ساعة ولم يعد، أبدلت ثيابها لجلباب رجالي أسود ثم احكمت الشال الابيض لتخفي ملامحها واتجهت سريعاً للحقول، لا تعلم بأن من منحها تفكير معاكس عن طبيعة الرجال ستلقاه الآن وربما يكون المسكن لذاك الوجع الغائر!. ********** بمنزل كبير الدهاشنة. انتهى "آسر" من تبديل ثيابه، ثم أغلق الخزانة ليصفف شعره بعنايةٍ، انتبه لانعكاس صورة والدته بالمرآة، فاستدار وهو يردد بابتسامة مشرقة: _ست الكل اللي وحشاني. وضعت "راوية" القدح الذي يحمل البخور على الكومود، ومن ثم اقتربت منه لتخبره بضيقٍ مصطنع: _ست الكل أيه بقا، انت من ساعة ما جيت وأنت مقضيها بالاسطبل ودلوقتي غيرت هدومك ونازل مفيش وقت ليا أصلاً.. ترك ما بيديه وهرع اليها، لينحنى على ركبتيه ومن ثم طبع قبلة على كف يدها وهو يردد بمكرٍ: _أنا لو علسا والله ما عايز اتنقل من جنبك بس هعمل أيه جوزك اللي ساعة ما بيشوف خلقتي بيمشورني هنا وهناك وعلى يدك أهو ملحقتش اريح شوية باعتني الغيط اتطمن الامور ماشية ازاي.. نجح بتبديل ضيقها لعطف وتودد حينما قالت بحنوٍ: _معلش يا روح قلبي هو برضه مش بيثق في حد غير فيك، وبعدين أنت ابنه الوحيد هيعتمد على مين غيرك؟ ابتسم وهو يحتضنها: _وانا متقبل ده وأخدمه بعيوني، بس لازم ست الكل تديني عذر ولا أيه؟ تعالت ضحكات "راوية" لتحتضنه وهي تردد بعدم استيعاب: _انت مكار وخبيث.. أجابها بغمزةٍ من عينيه الساحرة: _بس بحبك ولا أيه.. _بتعمل أيه عنديك يا واد أنت، أني مش بعتك الغيط تشوف مصالحنا واجف عندك تتمرع وتحب في أمك من غير ما تستحي. سلطت الاعين على من يقف أمام باب الغرفة يشير لهما بعصاه الانبوسية بضيقٍ شديد، ابتعد "آسر" عنها وهو يهمس بخبثٍ: _نسيت أن الحاج بيغير فكريني او حذريني أقفل الباب مثلاً! تعالت ضحكات "راوية" حتى أحمر وجهها، فنهضت عن المقعد ثم اقتربت من "فهد" قائلة بحنقٍ: _وبعدين معاك يا "فهد" انت مش هتبطل طريقة كلامك دي. تجاهل حديثها، ثم لكز بعصاه صدر آسر ليخبره بغيظٍ: _هم بقولك، روح شوف حالنا. كبت ضحكاته بصعوبةٍ ورفع يديه يخبره: _تحت أمرك يا كبيرنا... اعتبرني مشيت.. وتخطاه ليهبط على الدرج الضخم الذي يتوسط الثرايا فلحقت به "راوية" لتناديه ومن ثم حذرته بتذكر تعليماتها: _الأبيض خد بالك. تطلع لقميصه ومن ثم رفع صوته لتستمع له: _متقلقيش حفظت القواعد الابيض أحطه في عنيا من جوه عشان غسيله بيهري القلب من بره. تعالت ضحكاتها حينما قلد لهجتها، فاستدارت لتغادر فوجدت "فهد" يقف من أمامها بنظراتٍ لا توحي بالخير، اقتربت منه وتفحصت الطريق قبل ان عدل من جلبابه الكحلي ومن ثم ارتفعت يدها لعمته البيضاء فعدلتها، وأنحنت بجسدها تحتضنه وهي تردد بهمسٍ: _انت اللي في القلب والروح. ابتسم "فهد" وضمها اليه ليجيبها بصوتٍ منخفض: _واثق من ده بس برضه متزديش في محبتك لابنك وبنتك اعدلي بينا، اتفقنا؟ ازدادت ضحكاتها وهي تجيبه بصعوبةٍ بالحديث: _نفسي حد من الصعيد يسمع كبيرهم ويشوفوه وهو غيرن من ولاده! وتركته وهبطت للاسفل لتشير له: _هنزل أشوف ورانا أيه أحسن ما الحاجة "هنية" تعلقني جنب "نادين". التصقت بها نظراته وكأنها تحرس عشقه الوفي الذي طال لسنواتٍ ومازال يستمر حتى أن تودعه الروح وتفارق جسده، فاكمل طريقه هو الاخر للمندارة الخارجية. ********** تلقت"حور" عناية طبية، فتم تضميد جرح قدميها ويدها، فوضع الطبيب المحاليل الطبية بذراعها السليم ثم أخبر "عبد الرحمن" و"أحمد"بأنها ستتمكن من المغادرة فور انتهاء المحلول، فولج "أحمد" للداخل، ثم جلس على المقعد القريب منها، وقال باهتمامٍ: _طمنيني يا "حور" عاملة أيه دلوقتي؟ ابتسمت وهي تجيبه بامتنانٍ: _الحمد لله، الوجع خف بالمرهم اللي الدكتور حطه. اومأ برأسه وهو يردد برضا: _الحمد لله. سألته بانزعاج: _هنمشي أمته بقا، بقالنا هنا ساعتين. قال بهدوءٍ: _لما المحلول يخلص هنمشي، متقلقيش. هزت رأسها ومن ثم تعلقت أعينها بباب الغرفة الذي فتحه "عبد الرحمن" فولج الاخير ليخبرها بابتسامةٍ مرحة: _أيه يا حور حسدناكي ولا أيه؟ ابتسمت وهي تخبره: _حد بيهرب من اللي مكتوبله يا "عبد الرحمن"، الحمد لله على كل شيء. _الحمد لله، المهم انك تاخدي بالك من نفسك بعد كده.. أنا هنزل أجيب عصير وأجي. وتركهما وغادر، فشعر"أحمد" بانزعاج "حور" من حجابها، لم يفهم ببدء الأمر ما يزعجها فانتبه بأنها تحاول اخفاء خصلات شعرها الظاهرة من أسفل حجابها الغير منظم، فتحاول بيدها الملفوفة بالشاش ان تخفيه واليد الاخرى المحلول مدثوث بعروقها، انتقلت نظراتها للحائل الزجاجي فوجدت الطبيب على وشك الدلوف، كسر احمد حاجز صمته ونهض ليقترب منها ومن ثم أخفى خصلات شعرها الحريري الذي استطاع أن يلامسه بيديه، فاخفاه خلف الحجاب وهو يردد: _خليني أساعدك. انتهى مما يفعله وعينيه هائمة بعينيها، فلعق شفتيه وهو يتراجع لمقعده بارتباكٍ، حتى هي خفق قلبها بسرعةٍ جعلتها تستشعر بأنها ركضت لالف ميل دون أن تلتقط انفاسها، انتبهت لحالتها الغريبة حينما قال الطبيب:. _المحلول خلص، تقدروا تروحوا بس الاهم انها تواظب على العلاج والمرهم اللي كتبتوا. صافحه احمد وهو يخبرها بابتسامة عملية: _الف شكر يا دكتور. ومن ثم قدم يديه لها ثم قال: _يلا يا "حور". وزعت نظراتها بينه وبين يديه ومن ثم قدمتله يدها بحرجٍ شديد، فهي غير قادرة على الإتكاء على قدميها بالفعل هي بحاجة للمساعدة، هبطت عن الفراش ببطءٍ فحينما استندت على قدميها صرخت ألم، فرفعها أحمد سريعاً عن الأرض ثم قال: _الدكتور قالك متحمليش عليها. وجدها تقرب يدها السليمة من رقبته بارتباكٍ، وكأنها لا تريد وضعها فتحرك بها ليجدها تلف يدها حول رقبته، هبط بها للاسفل وعينيه لا ترى سواها، وحينما وصل للاسفل لم بجد السيارة باستقباله كما كان متوقع، فردد بضيقٍ: _راح فين ده؟ ثم قال: _" حور" موبيلي في جيب الجاكت حاولي تسحبيه. احمر وجهها خجلاً وهي تقرب يدها من جيب جاكيته، فجذبته ومن ثم رفعته له، فاخبرها الرقم السري لتفتحه، اندهشت معالمها حينما رأته يضع صورة تجمعه بروجينا منذ الصغر لا تعلم لما شعرت بالحزن بتلك اللحظة ولكنها تناست عمداً ما رأته واجرت اتصالاً بعبد الرحمن كما طلب منها، فخرج من المشفى ليحضر السيارة ولذاك الوقت أبى أحمد أن يتركها تقف على الارض لحينما يأتي عبد الرحمن بل ظل يحملها حتى وضعها بالسيارة وعاد بها للمنزل. *********** وقف "يحيى" يتابعها بضحكة أنارت وجهه المنطفئ، وهي تتأرجح على ذاك الحصان الذي يدور يساراً ويميناً، وتتناول غزل البنات الذي تحمله بين يدها، ابتسامته تتسع أكثر فأكثر كلما ضحكت هي، وفجأة انكمشت ملامحه حينما وجدها تضع يدها على رأسها وكأنها ستفقد وعيها، فأسرع اليها ليساعدها على الهبوط من الارجيحة وهو يتساءل بخوفٍ: _مالك يا حبيبتي؟ كادت "ماسة" بأن تجيبه ولكن التقيأ اوقفها عن الحديث، افرغت ما بجوفها ومازال يحيى يتمسك بها لينبع بداخله خوفاً لا مثيل له من الشكوك التي هاجمته بتلك اللحظة حيال أمر حملها!! ********** مر بسيارته على حقل العم "فضل"، فرقصت ملامح وجهه فرحاً حينما رآها، حتى وإن كانت تتنكر بما ترتديه؛ يعرفها قلبه جيداً، ركن" آسر"سيارته على قربٍ منهما ومن ثم هبط، فقال وعينيه تتابع من تحاول قطف الحشائش من الأرض: _أزيك يا عم "فضل"، عامل أيه؟ انتبه العجوز اليه، فقال بفرحةٍ: _بشمنهدس" آسر".. منور البلد كلتها. ابتسم وهو يجيبه: _منورة بأهلها يا راجل يا طيب، طمني رجلك بقت كويسة ولا أيه؟ قال بحمد: _أهو أحسن من الاول الحمد لله.. _تستاهل الحمد. واستدار برأسه تجاهها ثم قال بثباتٍ: _ازيك يا ريس؟ تهجمت معالمها وإن كانت سرت باحتفاظه بسرها أمام والدها، فأشارت برأسها، فأقترب آسر منها ثم جذب منها السيف الغليظ الذي يستعمله الفلاح لجني الحشائش، ثم قال وهو يشير لها بعينيه: _عنك يا ريس.. رفع عم فضل صوته البعيد عنهما: _ميصحش يا بشمهندس ده أحنا اللي نخدمك برموش عنينا.. أشمر عن ساعديه وانحنى يجني الحشائش وهو يجيبه: _عيب يا عم فضل، انا مش ابنك ولا أيه؟ لم يجد العم فضل الكلمات المناسبة التي قد تشكره على كرمه السخي، عمل "آسر" بنشاطٍ وكانت تسنيم تحاول مساعدته بأن تجمع ما يجنيه وتضعه على العربة، فانحنى للخلف ليراقب العم قبل ان يهمس لها: _هو عم فضل ميعرفش انك بتشتغلي معايا ولا ايه؟ اجابته وهي تراقب والدها هي الاخرى: _لا، بابا ميعرفش اني بشتغل أرجوك يا بشمهندس آسر متقولوش حاجة.. رفع حاجبه وهو يردد بذهولٍ: _أقول أيه بس هو أنا أعرفك يا ريس؟! ابتسمت "تسنيم" وهي توزع نظراتها بينه وبين والدها، فغمز لها "آسر" وهو يستكمل عمله، انتهى من عمله سريعاً ليضع أخر حزمة من الحشائش على العربة، فاقتربت منه بالحزمة التي تحملها، فالتقطتها آسر منها، تعجب للغاية حينما شعر برجفة جسدها وقتما تلامست يديه بيدها دون قصد منه ولكنه لم يشغل تفكيره فوضع الحزمة من يديه على العربة فوجدها تهمس له بحذرٍ: _مش عارفة أشكرك ازاي بجد تعبتك معايا. تفحص بنظراته عم فضل المشغول بتجهيز الفرس، ثم همس لها: _لا ده دين وهترديه. جحظت عينيها في ذهولٍ ، فاسترسل موضحاً وهو يشير على قميصه: _القميص اتوسخ ولو الحاجة شافتني هتقتلني وتقتل عم "فضل" الراجل الطيب ده، وطبعاً ده ميخلصكيش فكده كده انتي هتيجي بالملفات العصر هخبي القميص وتعيدي تجدديه قبل ما الحاجة تشم خبر، موافقة يا بنت الحلال؟ كبتت ضحكاتها بصعوبةٍ خشية من أن يستمع والدها لها، ثم قالت بصعوبةٍ: _لا ميخلصنيش... حاضر. منحها ابتسامة صافية قبل ان يشير لعم فضل بيديه قائلاً: _لو عوزت حاجة ابقى كلمني يا عم فضل.. قال بوجهاً بشوش: _منحرمش منك يا ابني. والتفت تجاهها ثم غمز نفس غمزته المعتادة وهو يقول: _مش عايز حاجة يا ريس.. كبتت ضحكاتها وهي تشير له بالنفي، فغادر لسيارته ثم صعد للمقعد ليتحرك بسيارته وعينيه متعلقة بالمرآة التي تختم صورتها من خلفه، وكلما تقدم بالسيارة استودع انعكاسها الذي يتباعد رويداً رويداً حتى اختفى وكان لإختفائه ألم موجع لقلبه ومشاعره! #الفصل_الثاني_عشر.. عادت لمنزلها هائمة بهذا الآسر الذي استولى على عصابةٍ تفكيرها، وتربع بداخل قلبها، فتارة ترتسم على شفتيها ابتسامة تداعبها بخلسةٍ وتارة أخرى تنفض تفكيرها وتحاول الهاء عينيها بتأمل الخضرة مبدعة الجمال المنثورة على الجانبين أثناء تحرك العربة بين الحقول والمزارع بطريق عودتها للمنزل، وليتها تمكنت من السيطرة فمازالت كلماته المرحة تضحكها بين الحين والآخر، حتى أصبحت تتساءل عن كناية شخصيته الغامضة بالنسبة إليها؟!. هل هو هذا الشخص الحازم المتفاني في عمله؟... أم هو ذاك الشخص الذي يمتلك قلبٍ أبيض وروح من ذهب تتبع تلك الإبتسامة التي لا تفارقه أينما كان؟.. بالطبع هو مختلف كلياً عما قد تظن به أنها تعلمه.. أفاقت "تسنيم" من غفلتها الشاردة بالآسر الوسيم على صوت توقف العربة، فإنخفضت عنها ثم عاونت والدها على اخلاء العربة من الحشائش ومن ثم صعدت للأعلى لتغتسل ومن ثم تذهب لثرايا "فزاع الدهشان" لتنجز عملها، توقفت قدميها عن متابعة الصعود، حينما نادتها والدتها التي تقطن بالدور الأسفل الخاص بالطهي وإستقبال الضيوف عوضاً عن الأعلى الخاص بغرف النوم، وتابعت بندائها وهي تضيف بحنقٍ: _كده يا بت تطلعي من غير ما تسلمي على خالك! ارتعشت اطرافها وهي تواجه ما هو أسوء من الموت، بالاستدارة للخلف لرؤية ملامحه التي قد تسوء حالتها الغير مستقرة، ومع ذلك ضغطت على شفتيها السفلية واستدارت وهي تردد بابتسامةٍ مصطنعة: _أهلاً يا خالو... نورت. لوى فمه الغليظ وهو يعدل أطراف شاربه الكبير، مشيراً بإصبعيه لشقيقته بحزنٍ مصطنع: _شايفة بنتك مش مستعنية تيجي تسلم على خالها، لا بصراحة عرفتي تربي.. التهبت عين وولدتها بغضبٍ لا وصف له، فصاحت بها بعصبية شديدة: _ما تنزلي يا بت هنا وتسلمي على خالك، أيه المياعة دي.. انقبض قلبها وهي تستمع لكلمات والدتها القاسية، فإن كانت لا تعلم ما الذي تواجهه ابنتها او ربما لم يستعب عقلها الطبيعي ما أخبرتها به سابقاً فهي بنهايةٍ الامر تمتلك الف عذر، ومع كل خطوة خطتها "تسنيم" تجاهه وكأنها تجني الشوك بين يدها فتدلى ليلامس بطن قدميها حتى انتهى بها الحال امامه، فمدت يدها المرتجفة من امامه وهي تبتسم بوجعٍ: _ازيك يا خالي.. احتضنها بصورةٍ مفاجئة ومن ثم مرر يدها على ظهرها وكأنه يحتضنها بشوقٍ، وبأنفاسٍ كريهة ردد: _وحشتيني يا بنت الغالية.. ابتعدت عنه "تسنيم" وهي ترتجف دون توقف، فمنحها نظرة دانيئة جابت كل أنحاء جسدها وهو يردد بشهوانيةٍ مريضة: _كبرتي وبقيتي عروسة وعايزة الجواز اهو. تعالت ضحكات والدتها وهي تجيبه بحنان: _أيوه امال ايه وهنلاقي مين أحسن من خالها اللي يسلمها لجوزها وبيت عدالها.. انتقلت نظرات "تسنيم" الغاضبة تجاهها ومن ثم قالت بصوتٍ يحبس الدموع: _ويسلمني هو ليه وأبويا عايش.. ربنا يديه طولة العمر ويباركلنا فيه. ولم تترك المجال لسماع اللازع منهما، فصعدت للأعلى سريعاً وما أن ولجت لغرفتها حتى أغلقتها بالمفتاح لتسقط من خلفه باكية، منكسرة، محطمة الفؤاد... عادت تلك الحالة الشنيعة تهاجمها من جديد، فينخر البرد عظامها وكأنها في فصل الشتاء وليس الخريف، دقائق مضت عليها قاسية وهي تحاول بها استجماع شجعاتها للسيطرة عما يحاربها ولكن ماذا بيدها وهو أقوى منها ومن طاقتها الضيئلة بالمحاربة؟!. ******** توقفت سيارة "يحيى" أمام العمارة، فهبط ومن ثم فتح باب السيارة، ليجذبها برفقٍ، حملت "ماسة" الألعاب بفرحةٍ ثم لحقت به فما أن ولج بها للداخل، حتى وجد "إلهام" بانتظاره كما أخبرها هاتفياً، أشار لها "يحيى" قائلاً: _خدي "ماسة" وخليها ترتاح وأنا هطمن على "حور" وهجي وراكم. أومأت الأخيرة برأسها ثم جذبتها للأعلى، فقصد "يحيى" الشقة الخاصة بالفتيات، طرق عدة مرات، ففتح "عبد الرحمن" الباب، ثم قال: _لحقت... ادخل. ولج وهو يتمتم بغيظٍ: _يعني هعرف اللي حصل ومش هرجع! اتبعه، ثم أشار له على غرفة الضيافة، فوجد "أحمد" بالداخل هو الأخير، فقال: _طمنوني "حور" عاملة أيه دلوقتي؟ رد عليه "أحمد" بحزنٍ: _أحسن... بترتاح جوا في أوضتها فسبناها على راحتها وخصوصاً لأن الجرح في رجليها. تفهم "يحيى" الوضع، فتغاضى عن فكرته بالدخول للإطمئنان عليها، فتساءل باهتمامٍ: _هي جوه لوحدها، مفيش حد معاها؟ أجابه "عبد الرحمن" بهيام مع نطق حروف إسمها: _"تالين" جوه معاها. أومأ "يحيى" برأسه ثم عاد الصمت ليختزل معالمه من جديدٍ، والأخير يراقبه بتمعنٍ ولدقائق طالت لتكسر بسؤاله: _أنت كويس؟ ، حصل حاجه ولا أيه؟ اتجهت نظرات "أحمد" تجاهه ليستكشف الأمر فور سماع عبد الرحمن، ابتلع "يحيى" ريقه بارتباكٍ من أن تسوء العلاقة بينه وبين أحمد مجدداً بعد سماع الشكوك التي تراوده وبالأخير يظل مجرد شك، فمن الممكن أن يكون أصابها دور برد عادي لذا كان حريصاً حينما أجابه: _مفيش، الواحد حزين بس على "حور" طول عمرها جدعة وبتخدمنا من غير ما نطلب منها ده. أجابه "عبد الرحمن" بتأييدٍ: _ومن سمعك كلنا زعلانين عشانها بس الحمد لله الدكتور طمنا وقالنا الجرح مش عميق يعني أسبوع أو إتنين وهتبقى زي الفل. هز رأسه وهو يردد: _ إن شاء الله. ********" الخروج من هذا المنزل الذي أصبح يسكنه هذا البغيض بات من أسمى أمنياتها، ولحسن حظها بأنها لم تخفي عن والدتها أمر عملها بمصنع عائلة "الدهاشنة" فبات أمر خروجها من المنزل أمراً عادياً، وأخيراً بعد طريقها الطويل وصلت أمام البوابة الضخمة التي تحمل لقبهم باعتزاز وكأنه شيئاً ثمين، لعقت شفتيها بلعابها بارتباكٍ، ومن ثم فتحت البوابة لتدلف للداخل، غمرها الاسترخاء وهي تتأمل المساحات الخضراء التي تحد هذا المنزل الضخم، الذي على الرغم من ثراء أهله الا أنه مازال من الطراز القديم، وكأن أهله يسعدون بقدم طرازه كتذكار بأعمدة عائلة "الدهاشنة" وأصولها التي تمتد للجد الأكبر ليليه الابن ومن ثم "فزاع الدهشان" وصولاً لفهد ولاحقاً بالآسر.. راق لها تمسكهم بالطراز القديم كثيراً، فقد رسمت صورة معاكسة لما ستجده بالداخل، ظنت بأنها ستجد فلة أو قصراً يميل لطراز البندر، انتبهت "تسنيم" لذاتها الشاردة، فاستكملت طريقها للأعلى، حتى طرقت الجرس العالق على الحائط الجانبي وانتظرت قليلاً حتى فتحت أحدى الخادمات حيث كانت كبيرة بالعمر ويبدو عليها الوقار، فتساءلت باستغرابٍ لرؤية تلك الفتاة للمرة الأولى، فعلى الرغم من الصداقة القوية التي تجمعها بحور الا أنها لم تفكر بزيارتها يوماً بمنزلها: _أجدر أساعدك في حاجه يابتي؟ أجلت صوتها قائلة بارتباكٍ: _أنا من قسم المحاسبة الخاص بالمصانع وعندي معاد مع بشمهندس "آسر".. أومأت الخادمة برأسها عدة مرات، وهي تجيب بتذكرٍ لما قاله: _آيوه ايوه يا الف مرحب بيكي يا حبيتي، اتفضلي عما أدي البشمهندس خبر. اتبعتها على استحياء فأشارت لها على غرفة بالأسفل، ففطنت بأنها غرفة المكتب، لم تتردد كثيراً وفتحت بابها ثم ولجت للداخل، لتختار الجلوس على المقعد المقابل للباب الذي تركته مفتوحاً على مصراعيه، انتبهت"تسنيم" لامرأة فاتنة الجمال، على ما يبدو بالعقد الرابع من عمرها، تدلف من الباب الخارجي من المنزل وعلى ما يبدو عليها الإرهاق الشديد مما تحمله من أكياس ثقيلة، فرفعت صوتها تنادي: _"نعمة" أنتي فين، تعالي خدي مني.. لم تجيبها الخادمة فكانت بالأعلى تنادي "آسر" لم تتردد "تسنيم" في مساعدة أحداً عاجز يحتاج لها، فأسرعت تجاهها لتحمل الأكياس التي كادت بالتساقط أرضاً، رفعت "رواية" رأسها لتشكر من عاونها فانكمشت معالمها بذهولٍ من تلك الفتاة الجميلة، ابتسمت "تسنيم" من تعجبها الشديد ثم قالت: _أنا "تسنيم" بنت عم "فضل" وبشتغل في قسم المحاسبة اللي تبع بشمهندس "آسر". ارتسمت بسمة رقيقة على وجه"راوية" فقالت بترحابٍ: _يا أهلاً وسهلاً بيكِ يا حبيبتي.. ثم وضعت الأكياس التي تحملها على الأريكة، لتجذب الأغراض من يدها قائلة بحرجٍ: _طب والله فيكِ الخير، عنك دول تقال أنا خلاص شلت الأكياس من إيدي. تراجعت بجسدها للخلف وهي تجيبها بتصميمٍ: _لا مش تقيلة خالص، قوليلي بس أحطهم فين وأنا مع حضرتك. اتسعت ابتسامتها، فأشارت بيدها على الرواق البعيد عنهما: _طيب مدام مصممة المطبخ من هنا وأنا وراكي أهو. منحتها ابتسامة صغيرة ثم اتجهت بالاتجاه الذي أشارت لها عليه، فحملت "رواية" باقي الأغراض ثم لحقت بها بالطرقة الطويلة، حتى وصلوا سوياً للمطبخ، فوضعت الأغراض من يدها على الطاولة لتصيح بضيقٍ شديد لمن تقفن أمامها: _أيه يا جماعة بنادي من الصبح أنتوا نايمين على ودانكم ولا أيه؟ نهضت "ريم" عن الأرض، لتجفف يدها من بقايا صلصة الأرز المحشي الذي تعده بذاتها، ثم أسرعت لتحمل الاغراض من يدهما وهي تبرر لها بلهفةٍ: _والله يا حبيبتي ما سمعتك، معلشي. استدارت "نادين" تجاهها بيدها المتسخة بالصابون، لتخبرها بسخريةٍ: _ورحمة الرغوة الطاهرة دي مسمعناكي يا غالية.. تعالت الضحكات فيما بينهما، حتى "تسنيم" ابتسمت هي الاخرى وهي تتايع حوارهما بمحبةٍ، سُلطت انظار "نادين" تجاهها، فتساءلت بدهشةٍ: _مين المزة الجامدة دي؟ وضعت "تسنيم" الأكياس من يدها بحرجٍ من تعريفها عن كناياتها لأكثر من مرتين، فعرفتهم بها "رواية" بالنيابة عنها، تبادلت "نادين" السلام الحارق معها، أما "ريم" فقالت بابتسامةٍ هادئة: _كان ودي أسلم عليكي يا حببتي بس زي مانتي شايفة اكده ملبوخة بالمحشي والوكل لازمن يبقى جاهز قبل المغرب.. بتذكر أضافت "رواية": _يا خبر هو انتوا لسه مخلصتوش؟ أجابتها"نواره" وهي تدنو من المطبخ: _أنا أهو خلصت المعمر والفراخ شويتها برة بالفرن.. قالت "ريم": _لا انا لسالي شوية، بس في أمل الحلتين اللي على النار قربوا يستوا.. اضافت" نواره": _طب اني هجهز العصاير قبل ما الضيوف يوصلوا.. اقتربت "تسنيم" من ريم ومن ثم انحنت لتجلس مقابلها ثم شرعت بمساعدتها، فقالت الاخيرة باعتراضٍ: _بتعملي ايه يا بتي ميصحش. ردت عليها بابتسامة لطيفة: _حضرتك زي والدتي ولو اتحطت بالموقف ده اكيد هساعدها وبعدين انا بستنى البشمهندس لما بنزل هسيبك تكملي وهخرج. ابتسمت ريم باعجابٍ شديد: _شكلك بنت أصول يا بنتي والله. قالت "رواية" بثناء: _ومش هتبقى بنت اصول ليه وهي بنت عم "فضل" الراجل الطيب اللي العيبة مبطلعش منه. ثم أضافت قائلة وهي تهم بالخروج: _ هطلع أغير هدومي وأجي أساعدكم. وبالفعل اتجهت للأعلى، فرددت"نادين" بتعبٍ: _ربنا هيتوب علينا أمته بقا من الاكل اللي يكفي 100فرد ده، كل يوم ناس داخلة وناس طالعة.. اجابتها "نواره" بعتاب: _ربنا يجعل بيت الكبير عامر بالخير دايماً، تعب الوقفة والطبيخ بيروح لما الناس تاكل وتنبسط. تابعت "تسنيم" الحوار المتبادل فيما بينهما باعجابٍ شديد، فشعرت بألفة عجيبة وهي تستمع لحديثهما، شعرت بالدفء والحنان والحب الذي ينتقل فيما بينهما، شعرت لوهلة وإنها تجلس بين أفراد عائلتها، الابتسامة لم تفارق وجهها.. هبط "آسر" للأسفل، فإتجه لغرفة مكتبه، فانكمشت ملامح وجهه حينما لم يجد سوى حقيبتها، فاستدار ليتساءل باستغرابٍ: _هي فين يا "نعمة"؟ قالت وهي تتفحص الغرفة بدهشةٍ: _كانت هنا يا بشمهندس والله. خرج من الغرفة باحثاً عنها، فاستمع لصوت الضحكات المرتفع القادم من الرواق، سلكه" آسر"حتى وصل للمطبخ، فوجدها تجلس جوار "ريم" تعاونها باعداد الطعام والابتسامة ترتسم على وجهها برقةٍ سلبت زمام تركيزه، فتسلل لمسمعه صوت "نادين" المتساءل: _بتعمل أيه هنا يا آسورة. انتبهوا جميعاً اليه، فانتصب بوقفته ثم قال بجديةٍ يحاول الإتسام بها: _هنقضي الشغل في المطبخ ولا أيه؟ ، لو كده تمام أنا معنديش مشكلة بس معتقدش الكرنب وورق العنب هينجز الأوراق اللي مستانية توقيع دي! ضحكت "ريم" ثم قالت: _والله حبناها اوي، ما شاء الله عسولة وبنت ناس. منحتها "تسنيم" ابتسامة ممتنة، ثم نهضت لتغسل يدها جيداً ومن ثم وقفت مقابل هذا الهائم الذي تناسي كونه يحجب الباب بجسده، عبث أصابعها بفستانها الأسود الطويل بتوترٍ، التمسه من نظرات عينيها، فانتبه لوقفته ليتنحى جانباً مشيراً لها بالمرور، أسرعت بتخطيه لتتجه للخارج، فسلكت منعطف خاطئ من فرط ارتباكها، التقطت اذنيها صوته الرخيم الذي أسيل أغورها، وهو يناديها: _"تسنيم". وقفت محلها ثم استدارت لتقابله بوجهها الأحمر من فرط خجلها، فأشار بيديه على الباب الذي تكاد على تخطيه، عقدت حاجبيها بعدم فهم، فقال بابتسامةٍ صغيرة: _من هنا. تطلعت لما يشير اليه، فازداد ارتباكها وتوترها أضعافاً، اتبعته لغرفة مكتبه فما أن ولجوا سوياً حتى أغلق الباب من خلفهما، فتوقفت عن الخطى ثم قالت بخوفٍ شعر به "آسر" بوضوحٍ: _حضرتك قفلت الباب ليه، سيبه مفتوح أفضل. لثاني مرة يرى الخوف يدمس عينيها لسببٍ ظنه عادياً بالنسبة لفتاة وشاب يجمعهما غرفة واحدة، ومع ذلك فتح الباب على مصرعيه مجدداً وهو يردد بهدوءٍ: _أنا بس كنت حابب اننا نركز لأن هنا ناس داخلة وناس طالعه.. أومأت برأسها بتفهمٍ، فأشار لها بالجلوس، جلست وهي تراقبه بدهشةٍ حينما رفض الجلوس على المقعد الأساسي لمكتبه وفضل الجلوس أمامها، حاولت أن تشغل ذاتها بفتح الحقيبة وهي تعدل حجابها بارتباكٍ، أخرجت الملفات جميعاً فكادت بعضها بالسقوط أرضاً، فنهض سريعاً لينتشلها منها مردداً بهمسٍ: _حاسبي. قربه منها جعل جسدها يرتجف بصورةٍ غير طبيعية، فجذبت الملفات التي يساندها بيديه ليشعر بتلك الرجفة الغريبة، فوضعتهما فوق الطاولة الصغيرة التي تفصلها عنه، عاد "آسر" للجلوس محله وهو يتطلع لها باستغرابٍ، قدمت له أول ملف، فشغل ذاته بقراءته قبل أن يوقعه، وأحياناً كان يراجع على الحسابات من أمامه.. طرقت "نعمة" على الباب، ثم تقدمت منهما لتضع صينية العصير على سطح المكتب وقبل أن تغادر أغلقت الباب من خلفها كما اعتادت الدخول لأي غرفة من غرف المنزل، انقبض قلب "تسنيم" بشكلٍ مبالغ به، فوزعت نظراتها بين الباب تارة والعصير الموضوع من أمامها تارة أخرى، كان يراقبها من أسفل الملف الموضوع من أمامه، فنهض ليشير له بتهذبٍ: _أيه رأيك نقعد برة في الحديقة جنب الاسطبل وبالمرة أعرفك على "همام" و"مهجة". كانت تعلم بأنه اقترح ذلك للخوف الذي يستحوذ عليها وراق لها موقفه الرجولي كثيراً، فأعادت الملفات للحقيبة مجدداً، بينما حمل "آسر" العصير ليرافقها للخارج، فسألته باستغرابٍ: _مين "همام" و"مهجة"دول؟ ابتسم وهو يردد: _لما نوصل هقولك. أشارت له برأسها بهدوءٍ ثم اتبعته للخارج، فوقفت على مسافة بعيدة عنه، تراقبه وهو يضع الطاولة المستديرة جوار الاسطبل ويعاونه أحد العمالين بالثرايا، فوضع الكراسي ثم أشار لها بالاقتراب، اقتربت منه ووضعت الحقيبة عليها فأشار بيديه على الفرس الاصيل من جواره، لتتبعه لهجة فخر واعتزاز: _ده يا ستي "همام" واللي جنبه دي "مهجة".. تعلقت انظارها بهما فأحبتهما كثيراً، مررت يدها على جسد الفرس الأبيض وهي تتساءل بترددٍ: _شكلك بتحب الخيل. قال بشغفٍ: _جداً، وبالأخص"همام". وقال كلماته وهو يمرر يديه على جسده، ثم تابع بقول: _مامته ماتت وهي بتولده وكان ضعيف جداً بس أنا كنت جنبه ومسبتوش غير لما بقا زي ما أنتي شايفة. ربما لم تستمع لنص حديثه، فكانت شاردة به وهو يتحدث إليها، تمنت لو بقي العمر بأكمله يتحدث وهي تستمع إليه هكذا، باتت لا تعلم ما الذي يصيب قلبها بوجوده، بالرغم من نفورها من صنف الرجال جميعاً، ثمة شيئاً بداخلها يخبرها بأنه ليس مثلهما، بل منفرد وإختلافه تكتشفه يوماً عن يوم، صفقها صوته الذي ارتفع حينما ردد: _" تسنيـــــــــم" تمتمت بشرودٍ: _هاا.. ابتسم ساخراً: _ها أيه بناديكي من بدري.. تعالي يلا نخلص الملفات اللي حمضت دي. ابتسمت واتبعته لتجلس مقابله فشرعوا بالعمل سوياً.. ********** انتشل يديه من بين يدها وهو يردد بتعصبٍ شديد: _خبر أيه يا "رواية" ساحبة بقرة وراكي وأيه كل الرسايل اللي على التليفون دي! كبتت ضحكاتها وهي تشير له بالصمت قائلة بحماسٍ: _ما انت مش هتطلع معايا غير كده والموضوع مهم ومستعجل. تطلع للشرفة ثم قال ساخراً: _والموضوع المهم هيتقال إهنه! هزت رأسها بدلالٍ ومن ثم أشارت بيدها على الحدائق وبالأخص المكان المجاور للاسطبل، فتطلع "فهد" تجاه ما تشير، فوجد ابنه يجلس جوار فتاة ما ويتابع عدد من الأوراق الموضوعة من أمامه، فقال بعدم فهم: _أبص على أيه، ولدك وبيشتغل أيه اللي يشد في كده؟! لوت شفتيها بتذمرٍ: _بالذمة بصتك دي قدرت تحلل الموقف، أنت طول عمرك مش مدي لنفسك فرصة تتمعن وتتفحص الامور. ابتسم وهو يداعبها بالحديث المرن: _طب قوليلي انتي شايفة أيه؟ هام هو بها وهامت هي بما تراه على متن مترات منها: _شايفة نظرات اعجاب في عين ابنك، وإن يكن مش حب بس على الاقل البنت مناسبة ليه يا "فهد" لما تتكلم معاها هترتحلها جداً. ترك التطلع بها ثم تساءل بجدية: _هو انتي تعرفيها؟ كبتت ابتسامته من التحليل القاتم التي ستستمع له عقب ما ستتفوه به، فقالت: _آه. منحها نظرة شك فقالت بتوضيحٍ: _لسه متعرفة عليها من شوية، بت زي العسل يا فهد جمال وأدب ده كفايا انها بنت عم "فضل". اتنقلت نظرات" فهد" تجاههم ثم قال بعد صمت وتفكير: _أنا معنديش مانع بس ابنك جاهز للخطوة دي؟... يمكن ميكنش بيفكر بيها بالشكل ده من الاساس.. ابتسمت بفرحةٍ حينما تابع الحديث معها بلهجتها، فيزداد عشقها له أضعافاً حتى ولو أصبحت على عتبة الموت، انتبهت من غفلتها وهي تخبره: _متقلقش هتكلم معاه وهعرف اللي في قلبه بالظبط. منحها ابتسامة مهلكة، ومن ثم طبع قبلة صغيرة على جبينها ليهمس بحبٍ: _طيب يا حبيبتي اتكلمي معاه ولو كده هدخله انا ونشوف هنعمل أيه!. أومأت برأسها بفرحةٍ لمسها "فهد" الذي ابتعد ليتجه للمندارة، فتابعها وهي تتطلع لآسر بفرحة وتمنى، فابتسم رغماً عنه وهو يهمس بصوتٍ لا يسمعه سواه هو: _يارب يفرحك دايماً يا نور جلبي. ********** انتهت "تسنيم" من عملها، فنهضت ثم جمعت الملفات بحقيبتها، قائلة بابتسامةٍ صغيرة: _كده كل الورق تمام، عن أذن حضرتك. وكادت بتخطيه، فأسرعت "رواية" بالاقتراب منها ثم قالت بحزمٍ: _على فين ان شاء الله؟ ... أنتي مش هتخطي خطوة بره البيت ده من غير ما تتغدي معانا. كادت بأن تعترض سريعاً، فوجهت "رواية" حديثها لابنها قائلة بغضبٍ: _من أمته وضيوفنا بيمشوا من غير الواجب يا "آسر".. رفع كتفيه وهو يردد بقلة حيلة: _معاها معتقدش، منك ليها أوكي. لم تستعب ما قاله، ولكنها لم تبالي بل جذبتها للداخل عنوة، فقالت تسنيم: _والله ما هقدر أنا أكلت قبل ما أجي. قالت بصرامةٍ: _مفيش حد بيدخل هنا وبيخرج كده، وبعدين يا ستي لمتنا هتفتح نفسك مش كده ولا أيه يا آسر. رغم تعجبه لمعاملة والدته المميزة لها الا انه قال: _صح... اللمة بتجوع إساليني أنا. وجدت ذاتها تنخضع اليها، فلحقت بهما للداخل على استحياءٍ فلا مجال للهروب من عند وضع طرفيه أمام فرد من الدهاشنة. ****** شعرت بإختناق صدرها، فلم تعد تجد ما يخفف عنها، أو يجرف تفكيرها بعيداً عن هذا الرجل الغامض الذي ظهر لها من العدم، فتمكن مما فشل معشوق طفولنها من فعله، لم تعد تعلم ما الذي يتوجب عليها فعله، فلم تعد تملك التحكم بعقلها الذي يفكر به كل دقيقة، وكلما حاولت تشتت ذهنها بالتفكير بخطيبها تعود للتفكير به من جديدٍ، جلست"روجينا" على الرمال المترسلة على مياه البحر، تتأمل الأمواج الثائرة من أمامها وكأنها تحاربها او تذكرها بأن ما تفكر به لن يحدث أبداً، وكأن هناك مصباح لتحقيق الأمنيات، او ربما حورية تتدلل بين صفحات البحر فاستمعت لدموع تلك الفتاة البائسة، الحائرة، فمنحتها تحقيق لامنيتها، وها قد أتي صوته الرجولي العميق من خلفها يردد: _مش قولنا نبعد عن اليخوت والبحر، ناوية تنخطفي تاني ولا أيه؟ فتحت عينيها على مصرعيها ثم التفتت للخلف لتجده يقف مقابلها بطالته التي لم تفشل يوماً بالسيطرة عليها، نهضت عن الرمال وهي تردد بابتسامةٍ مشتتة: _انت! وضع "أيان" يديه بجيوب بنطاله القصير، ومن ثم اقترب وهو يردد: _أيوه أنا.. ثم منحها نظرة أربكتها قبل أن يستطرد: _اتعودي انك هتشوفيني كل ما هتتهوري وتركبي يخت غلط او تفكري تقربي من المياة. ابتسمت على دعبته اللطيفة وإن كانت تحمل معنى مبطن بقلقه عليها، ربما يشعرها بأنها تعني له، انتبهت لذاتها الهائمة به كالبلهاء، فلعقت شفتيها بارتباكٍ، ساد الصمت ليقطعه "أيان" حينما قال بخبثٍ: _شكلك مش مرتاحة لوجودي، أشوفك بعدين. وكاد بالمغادرة، فركضت لتجتاز طريقه وهي تردد بلهفةٍ: _لا بالعكس أنا فرحت إنك هنا. توقف عن المضي قدماً ثم تطلع لها فوجدها تغلق عينيها باحراجٍ شديد ومن ثم سمحت لذاتها بالجلوس أرضاً، ثم أخذت تردد بتشتت: _أنا مش عارفة مالي بجد، من ساعة ما شوفتك وأنا متلخبطة.. والتقطت نفس طويل قبل أن تتابع بضيقٍ: _بحاول أخرجك من دماغي مش عارفة، ومستغربة لاني مشفتكش غير كام مرة. ورفعت عينيها اللامعة بالدموع تجاهه وهي تشير بأصبعها تجاهه: _أنا مخطوبة وهتجوز كمان شهرين والمفروض اني بحب خطيبي، طب ليه بفكر فيك دايماً. ابتسم "أيان" وهو يتابعها بمكرٍ وعدم تصديق لنجاحه السريع بخطته التي لم تكلفه عناءٍ، انخفض لمستواها ثم عاونها على الوقوف، ليمنحها نظرة واثقة، كسرها بعد دقيقة من الصمت حينما قال: _هتصدقيني لو قولتلك اني لما شوفتك حسيت بشيء غريب. ورفع شفتيه بعدم اكتثار: _يعني واحدة بتتعرض لاعتداء وساعدتها، واتعرضت للموت قدام عيوني وجايز لو نزلت المية وراها بوقت زي ده مكنتش أطلع حي وبالرغم من كده خاطرت بحياتي وانا معرفش ايه اللي ممكن يربطني بيها. ثم ابتسم بمكرٍ: _بس ده ميمنعش انك طلعتي جميلة. ابتسمت "روجينا" ثم قالت: _أنا مش فاهمه انت عايز تقول ايه؟ اعتلت معالمه الجدية وهو يردد بثباتٍ مخيف: _اللي قصده بكلامي أن القدر بيلعب لعبته احياناً، أوقات بنقابل أشخاص وبيختلط علينا الاعجاب بالحب، وأحياناً بينفرض علينا كره أشخاص من قبل حتى ما بنشوفهم، يمكن لو اتقابلوا في ظروف تانية غير دي كان ممكن يكون في أمل ان الحياة ما بينهم تبقى طبيعية.. شتتها كلماته الغامضة، فودعها بابتسامة خبيثة وهو يشير لها بيديه: _الجو برد، أشوفك بعدين. وتركها ملبكة فيما قاله وغادر والابتسامة تتسع وجهه المنتصر! ******** تناولت الطعام في جو من الالفة، وسط نساء الدهاشنة، ارتحت للحديث برفقة "رواية" وريم، وأحبت "نادين" بمرحها الذي يصنع البهجة، ودت لو جلست معهن العمر بأكمله، الى أن حان وقت الرحيل، هبطت "تسنيم" من الأعلى لتغادر فانخطف لونها وتشنجت قدميها عن المضي قدماً حينما رأت أمامها صورة معلقة تحمل أخر شخص توقعت رؤياه!! تلك الفتاة الهزيلة تحمل بقلبها ضغينة من الاسرار والمتاهات التي جعلتها أسيرة مقيدة، وهاجسها كره الرجال حد الموت، فلم تواجه بشاعة رجل واحد بل نخر القدر عظامها لتكون الشاهدة الوحيدة على وقعة ستهز أرجاء منزل كبير الدهاشنة فماذا اذا اصبحت منهما؟ والسؤال المهم هل ستتمكن بالبوح بالسر المرتبط بصاحب تلك الصورة، لم تكن الاجابات الكافية لمثل تلك الاسئلة اللعينة فسقطت أرضاً بباحة منزل الكبير "فزاع الدهشان" فاقدة للوعي ولتلك الحقيقة البشعة!!.. #الفصل_الثالث_عشر.. لأول مرة يشعر بالتشتت هكذا، تائه هو بصحراءٍ قاحلة لا يأويها مطر ولا قطرة مياه، يصفع بها ذاته ويعنفها ما بين عتاب ورحمة بما تعرضت له تلك الفتاة، بات قلبه رحيماً بها بعدما كان ناقماً عليها، لا يعلم كم ظل حبيس غرفته منذ أخر لقاء جمعه بها، فبمعرفته الحقيقة تلاقى ضربة عصفت برأسه وقلبه، فتح"بدر" عينيه على مهلٍ وهو يتأمل الحائط الصغير المجاور لباب غرفته، فعاد المشهد ليتجسد أمامه للمرة الثلاثون، عاد ليرى دموعها ويتذكر صراخها وبكائها، لم يحتمل ذاك الالم الغادر الذي يتغلب عليه دون أي شفقة منه على حاله، نهض عن فراشه ومن ثم جذب قميصه ليرتديه على عجلةٍ، ليتجه لغرفتها، ضم يديه معاً ليقربهما من الباب بترددٍ، فالوقت وإن لم يكن متأخر كثيراً ولكنه لا يصح لها الطرق على بابها ليلاً، تراجع عما يهاجمه وكاد بالعودة لغرفته، فتوقف محله بذهولٍ حينما وجد "روجينا" أمامه، انخطف لونها وبات جسدها كالثليج حينما رأته ومع ذلك حافظت على ثباتها، وتقدمت للغرفة، وقف مقابلها وهو يتساءل بحدةٍ: _كنتِ فين لحد دلوقتي؟ ابتلعت ريقها بتوترٍ قبل أن تجيبه: _كنت آآ... قطعت كلماتها حينما فُتح باب غرفتها، لتظهر "رؤى" من أمامهم ثم اقتحمت حديثهما قائلة بخبثٍ: _ها يا "روجينا" اتطمنتي عليها؟ تطلعت لها بعدم فهم، فاستكملت الاخرى حديثها مشددة على كلماتها الاخيرة: _"تقى" بقت كويسة ولا لسه تعبانه؟ استوعبت "روجينا" ما تحاول "رؤى" فعله، فقالت باستيعابٍ: _آه.. الحمد لله بقت أحسن، اخدت ادويتها ونامت.. أومأت برأسها وهي تشير لها: _طب الحمد لله، ادخلي يالا. اتبعتها للداخل و"بدر"يشيعها بنظرةٍ تناست حوارهما وتعمقت ببقبق عينيها الحزين، ود لو ظل عمراً بأكمله يتأملها، ود لو حصل على فرصة الحديث معها على انفرادٍ، يكفي أن يكن على علم بأنه سيحظى بفرصٍ ليصلح خطأ القدر القاسي! ************ فتحت جفنها الثقيل بصعوبةٍ، بعدما شعرت برائحة برفنيوم قوي يعيد ادراكها الحسي، فتحت "تسنيم" عينيها على مهلٍ وهي تحارب ذاك الألم القاتل الذي يحارب رأسها، أخر ما تتذكره رؤياها لصورة تضم رجلين احداهما يخصه ذكريات سيئة تحتفظ بها لنفسها هي، ظنت للحظة أن الماضي يعود للخلف ادارجاً فعاد هذا الرجل ليتجسد من أمامها، شعرت به يقترب ويقترب، فنهضت مرتعبة مما رأته، تلهث من فرط أنفاسها المتقطعة، وجدت من يحتضنها وصوتها الحنون يردد: _اسم الله عليكي يا بنتي.. ابتعدت عنها وهي تتفحص وجهها بخوفٍ، فهدأت حينما وجدت "رواية" جوارها ومن الجهة الأخرى "ريم" و"نادين"، استقامت بجلستها بحرجٍ مما أصابها، فقالت وهي تهم بارتداء حذائها: _انا آسفة قلقتكم عليا، أنا مش عارفة أيه اللي حصلي يمكن من السفر وضغط اليوم.. وقفت "ريم" قبالتها ثم قالت بعتابٍ: _بتتأسفي على أيه يابتي، ده بيتك وانتي زي بناتنا بالظبط، ارتاحي ولما تبقي كويسة ابقى قومي. ردت عليها بابتسامةٍ صغيرة: _عارفة والله بس انا لازم ارجع البيت لحسن ماما زمانها قلقانه عليا أوي. قالت "رواية" بتفهم: _خلاص يا حبيبتي احنا مش هنضغط عليكي بس على الاقل عم "صابر" يوصلك ونعمة تبقى معاكي عشان نطمن اكتر.. اتسعت ابتسامة "تسنيم" وهي تتأمل تلك المرأة الحنونة، فأجلت صوتها قائلة: _كنت حاسة إن والدتي جنبي طول الوقت، ولما فتحت عيوني ولقيتك مستغربتش انتي بجد طيبة وأنا حبيتك أوي.. احتضنتها "رواية" وهي تردد بفرحةٍ: _وأنا والله يا حبيبتي ارتاحتلك جداً. منحتها ابتسامة صافية، قبل أن تتبع "نعمة" التي سترافقها للمنزل، وقبل أن تغادر الغرفة استدارت لتمنحهم نظرة ممتنة قبل أن تضيف: _شكراً ليكم على اليوم الجميل ده، عمره بجد ما هيتعوض بالنسبالي. يكفي الابتسامات الصادقة التي رأتها على وجوههم، فأمسكت يد نعمة لتستند عليها، مروا من الرواق الطويل، ومن ثم اقتربوا من الدرج، وبالأخص المحل الذي فقدت به وعيها، جاهدت "تسنيم" برفع رأسها تجاه تلك الصورة مجدداً، ولكنها لم تستطيع، فاهتز جسدها بعنفٍ شعرت به نعمة فقالت بقلقٍ: _أنتي كويسة يا حبيبتي، لو لسه تعبانه أدخلي ريحي. قالت وعينيها مازالت مسلطة على الصورة: _لا أنا كويسة. ثم تساءلت بثباتٍ جاهدت للتحلي به: _هو مين اللي في الصورة ده؟ ليتها كانت تحوي شخصاً واحد لما وضعت بتلك الحيرة التي وضعتها به نعمة حينما قالت: _ده "وهدان" بيه أبو كبيرنا الله يرحمه ، واللي حداه يبقى ابن عمه "مهران" بيه. ودت لو سألتها أياً منهما والد "فهد الدهشان" ولكنها خشيت أن يفضح أمر اهتمامها بمعرفة أدق التفاصيل الخاصة بهما، فاتبعتها للأسفل وعقلها وذهنها متعلق بتلك الصورة البشعة التي لن تنساها مهما مرت الأعوام، انتبهت من غفلتها على السيارة السوداء المصفوفة أمام البوابة الخارجية، فاتبعت "نعمة" ثم كادت بالصعود ولكنها توقفت حينما استمعت لصوت تطرب آذنيها لسماعه، فبات المحبب والمقرب إليها، حينما نادها قائلاً: _"تسنيم".. أنتي كويسة؟ استدارت للخلف فوجدته يقف مقابلها، الخوف والإهتمام يسود حدقتي عينيه، ود لو تمكن من البقاء بالغرفة لحين إستعادتها للوعي، ولكن هنا العادات والتقاليد تضع الف حاجز أخلاقي لا يتعداه كبيراً ولا صغيراً، النظرات كانت تتحدث لبعضها البعض رغم دهشة السائق والخادمة من صمتهما، فقررت "تسنيم" قطعه حينما قالت بارتباكٍ: _الحمد لله بقيت أحسن.. ثم قالت بحرجٍ: _آسفة اني قلقتكم عليا. قال بلهفةٍ: _المهم انك بقيتي بخير، ممكن نطلب الدكتورة لو لسه حاسة نفسك تعبانة. نفت اقتراحه بلطفٍ: _لا مالوش داعي انا فعلاً بقيت كويسة. ثم تحملت على يد نعمة قائلة بإبتسامةٍ صغيرة: _عن إذن حضرتك.. وصعدت للسيارة وعينيها مازالت تودعه بنظرات تخطفها بين الحين والآخر، غادرت السيارة وبقى هو من خلفها يتأملها حتى اختفت من أمامه، فاستدار ليعود للمنزل فتفاجئ بأبيه يقف بالشرفة العلوية للمنزل ويراقبه بنظراتٍ خبيثة، اتبعتها اشارة له بالصعود بالحال.. ********* كالتائه هو لم يعد يعلم ماذا يريد قلبه؟ ، شغل تفكيره قلقه الزائد عليها، نعم هي بالنهاية ابنة عمه ولكنه يشعر بأن ما بداخله ليس مجرد خوف طبيعي، هناك أمراً يتجاهله عمداً، ربما يخشى التفكير به، فكيف سيفعلها وهي لا تحل له! من المفترض به أن يفكر بمن ستكون قسمتها به، ولكنه في كل مرة يجد نفسه يفكر بها هي.. "حور" اسمها يتردد بأعماق قلبه وكأنه يعرفها جيداً، ليت قلبه يستوعب بأنه ليس من المنطقي الوقوع في حب فتاة أخرى غير خطيبته، خرج "أحمد" لشرفته عل الهواء النقي يزيل همومه، فردد بصوتٍ مهموم: _لا مستحيل أكون بحبها! ******** صعد "آسر" للأعلى، ثم طرق باب الغرفة فولج حينما استمع إذن الدخول، أغلق الباب من خلفه واقترب من "فهد" ثم قال: _خير يا كبيرنا. تطلع له بنظرةٍ ثاقبة،طوفته من رأسه حتى أخمص قدميه، والاخر يترقب سماع ما سيقول، فطوى صوته الرخيم صفحات الصمت حينما قال: _تعالى اهنه وأقف جدامي. انصاع له "آسر" وإقترب حتى أصبح قبالته، يتمعن له باهتمامٍ أحاط به فور رؤية جديته الصارمة، درس "فهد" عين ابنه جيداً قبل أن يطرح سؤاله الذي حصد على اجابته من قبل أن يخبره به، فقال: _قولي بقا أيه حكايتك مع الموظفة دي. بلل شفتيه بلعابه وهو يجيبه: _حكاية أيه يابوي! ابتسامة صغيرة ظهرت على جانبي شفتيه قبل أن يردد: _فاكر أبوك اهبل إياك! رد سريعاً: _العفو... أنا بس مش عارف أيه اللي وصل لحضرتك. طالت بتأمله وملامحه ثابتة دون ان تفشي شيئاً، ففاجئه حينما رفع يديه على كتفيه ليخبره بحنانٍ: _أني مبنصبلكش محكمة يا ولدي، الموضوع وما فيه إني عايز أفرح بيك أني وأمك، وبصريح العبارة اكده البت عاجبه أمك وشكلها كده عجباك أنت كمان. ابتسم وهو يجيبه بمكرٍ: _من نحية عجباني فهي عجباني، يعني حلوة ومحترمة وبنت ناس...لكن الموضوع موصلش للحب والكلام ده،يمكن اعجاب بالبداية لاني على اقتناع تام أن الحب بيجي من العشرة بين الزوجين زيك كده أنت ووالدتي. أنصت "فهد" لتحليله بنظرةٍ فخر كونه نجح في زرع بعض السمات الطيبة بابنه الوحيد ومن ثم قال بصرامةٍ: _السبوع الجاي هنروح نطلبها من أبوها. رفع حاجبيه باستنكارٍ: _بالسرعة دي!. خلع العمة التي تضيق برأسه بعد يوماً جاد، ثم قال بحزمٍ دون أن يتطلع له: _روح نام عشان ورانا مشاغل كتير بكره. علم بأنه تلاقى الكلمة الاخيرة فلم يعد يملك الحق للحديث بذاك الامر، فابتسم بفرحةٍ لذاك النبأ العظيم.. ********** اشتاق كلاً منهن لتلك الجلسة السرية التي تعد حدث هام للحديث عما مضى من حياتهن وصحبتهن التي دامت لأكثر من ثلاثون عاماً، فقالت "نادين" بمرحٍ: _أنا مش خايفة من اني اكبر بالسن، الخوف لما تلاقي العيال داخلة عليكي ويقولولك عايزين نتجوز وهب دب تلاقي عيل سقيل بيقولك تيتا كده يبقى كبرنا رسمي نصبي فهمي. تعالت ضحكات "رواية" و"ريم" على تفكيرها الأحمق، فقالت "ريم": _مفيش فايدة فيكي والله عمرك ما هتتغيري، أني مش عارفة ربنا صبر"سليم" عليكي المدة دي كلتها ازاي.. لم تفهم مغزى كلماتها الا حينما استرسلت "نواره" ما بدأته "ريم": _أه والله معكي حق، أني قولت سليم اكيد هيعملها وهيتجوز عليها بس باينه واقع لشوشته. لكزتها بغضبٍ فتعالت الضحكات فيما بينهما، فقالت بسخريةٍ: _يقدر يعملها كنت قتلته.. وبغرورٍ مرح قالت: _انتي متعرفيش يا صعيدية منك ليها القاهروية تقدر تعمل ايه واديكم شوفتوا اللي حصل مع فهد ورواية زمان، وازاي اتراجع على اخر لحظة وكسر كلام كبار البلد كلها عشان"رواية". فور تذكر هذا الحادث المسجل بتاريخ الدهاشنة، تطلعوا جميعاً بابتسامة حالمة لرواية التي بادلتهن الابتسامة حينما تذكرت ذاك اليوم الذي لا ينسى، اضافت" ريم" بجدية: _الحمد لله ان فهد فاق، ولولا برضه ان عمي مهران اتجوز البنت مكنش الموضوع هيتحل بين العيلتين ولا كان اتضح ان اللي قتل عمي "وهدان" الله يرحمه يبقى من المغازيه مش من عيلة البنت دي. رددت نواره بحزنٍ: _ربنا جبر بخاطرها واهي عايشه معاه الوقتي مرتاحة ومعاها واد وبت،اللي شافته كان صعب جوزها الاولني يموت بعد الفرح بشهور وجوازتها التانيه تتفشكل وتتجوز راجل كبير اد ابوها.. ردت عليها ريم: _مهي لو مكنتش اتجوزته يا نواره كان اهل البلد مبطلوش في سيرتها واللي استغربته ان فهد مفكرش بالنقطة دي. ثم تطلعت لرواية وابتسمت وهي تستطرد: _مهمهوش غير حبيبة الجلب. اصطبغ وجه "رواية" بحمرة الخجل، من حديثهما الذي يعيد ذكريات حبها من جديد، فخشيت ان يفضحها خجلها فيجعلها كالمرهقة من أمامهم، لذا استأذنت وتوجهت لجناحها فما أن ولجت للداخل حتى خرجت لشرفتها، واختارت الجلوس على أقرب اريكة لترفرف بذكريات الماضي الحالم... ## _أنا مش مجبرة أفضل هنا أنت سامع ولا لا! قالت كلماتها المتعصبة وهي تضع ثيابها بحقيبة السفر الكبيرة، ثم عادت لتجذب متعلقاتها الشخصية، فأتى من خلفها ليلقي بالحقيبة أرضا وهو يصيح بعصبيةٍ تامة: _يوووه احنا اتكلمنا بالموضوع ده كام مرة يا رواية حاولي تفهمي وتقدري الوضع اللي انا فيه ؟ ابتسامة منكسرة ارتمست على وجهها المتورم من أثر البكاء، اتبعها صوت موجوع: _أنا فعلاً مش فاهمه ولا عايزة أفهم، اخرج من هنا يا فهد، انزل لعروستك وسيبني لحالي. جذبها من مرفقها ثم قربها اليه وهو يردد بصدمةٍ: _حالك!!... أنا حالك، راح فين حبك ليا؟ ، كنتي دايماً بتقوليلي انك هتفضلي جنبي وعمرك ما هتتخلي عني ودلوقتي عايزة تسيبني يا رواية؟ انهمرت الدموع التي احتجزتها اطول وقت تمكنت منه، فرفعت عينيها تجاهه ثم قالت بوجعٍ شق صدره: _طول عمري وانا جنبك ومعاك يا فهد، بس المرادي لا، مش هقدر أكون جنبك وأنت بتسن الس\كينة وبتدبحني بدم بارد، آسفة مش هقدر أساندك وانت بتدوس على قلبي وبتكسر كل حاجة حلوة اتولدت جوايا ليك.. قرب يديه ليحتضن وجهها، فأزاح دمعاتها بيديه معاً، فتحررت أحباله الصوتية الغليظة: _أنا بكسر قلبي قبل ما بكسرك يا رواية، صدقيني أنا مجبور أعمل كده، الست دي انا كنت السبب في موت جوزها وانتي عارفة الناس هنا مبترحمش. صرخت به بصوتٍ متقطع: _ومفيش عوض ليها غير انك تتجوزها! اغلق عينيه بقوةٍ يجاهد بها بالتحلي بثباته ومن ثم قال بصلابةٍ: _الكلام معتش له لازمة يا رواية الفرح النهاردة والمأذون تحت! انسدلت دمعاتها دون توقف مع سماع اخر كلماته، فتمسكت بيديه التي تحتضن يدها ثم رددت ببكاءٍ: _لسه في فرصة يا فهد، أنا مقدرش أعيش من غيرك ولا أتخيلك مع واحدة غيري، انا عارفة انك بتحبني بس انت لازم تثبتلي ده، تعالى ناخد آسر وروجينا ونمشي من هنا.. سحب يديه المحتضنة لوجهها وهو يطالعها بصدمةٍ: _أهرب يعني!!..انتي متخيلة اللي بتقوليه يا رواية، شايفاني عيل بيغلط ويهرب من غلطه! .... عايزاني اصغر جدي وكبار العيلة؟ اطبقت على معصمها بغلٍ، ففاض بها الصمت لتصرخ بصوتها المذبوح: _لا انزل واتجوز وافرح بس خليك متأكد ان بمجرد ما توقع على القسيمة هتكون بكده خسرتني انا وعيالك يا فهد.. وجذبت الحقيبة الملقاة ارضاً ومن ثم اعادت وضع الملابس امام عينيه ثم غادرت لغرفة ابنائها، فما ان ولجت للداخل حتى سمحت لذاتها بالانهيار حينما استمعت لخطوات قدميه التي تهبط الدرج، ففتحت ذراعيها لمن يراقبها بخوفٍ، فهرع الصغار الى حضنها، لتهمس روجينا بطفوليةٍ: _بتعيطي ليه يا ماما، بابا زعلك صح؟ ابعدتها عنها بحنانٍ ثم عبثت بخصلات شعرها الحريري وهي تردد بانكسار: _لا يا روحي انا زعلانه لان بابا مشغول ومش هيعرف يسافر معانا. ضيق آسر عينيه بضيقٍ: _وهو احنا لازم نسافر يا ماما؟ انفلتت دمعاتها فاحتضنت الصغير وهي تردد بوجعٍ يعصف بصدرها: _ايوه يا حبيبي. ثم مسحت دمعاتها وابعدتهما عنها، لتشير لهما بابتسامة مصطنعة: _يلا عشان منتاخرش. وحملت الصغيرة ثم تمسكت بيديه ليغادر المنزل سوياً، وكلاً من به لا يملك الجرأة لإيقافها، خرجت للحديقة الامامية واتبعت طريقها نحو الخروج بقلبٍ متصلب يأبي الابتعاد عن معشوقه حتى وإن عاش بعيداً ولكن تحت سقف منزل واحد، توقفت عن المضي قدماً حينما وجدت ذاتها تمر من أمام المخيم الذي يضم المأذون والرجال، فوجدته يجلس على الطاولة من جواره، تعلقت أعينها به مطولاً وكأنها تبحث بتلك الأعين عن الإنسان الذي عشقته بجنون، تعلم بأن تلك المنطقة باتت محظورة بذاك الزفاف لانها تخص الرجال فقط، ولكن لا طريق للخروج سواه، تعلقت اعين الجميع بها وعلى ما بدى لهما بانها تغادر زوجها في ليلة زفافه اعتراضاً عليه، كانت خطوة جريئة لم تمتلكها البعض في مثل ذاك المجتمع الذي يجبر النساء على العيش لأجل تربية الابناء، فأغلبهن يرضى بالذل والمهانة لاجل الصغار وبعضهن يقبلن بالزوجة الثانية في سبيل الحفاظ على الزواج الغير متكامل من الاساس! أطبقت "رواية" أصابعها على يد آسر ومن ثم استكملت طريقها للخارج، وكأن بخطاها الذي يبتعد عنه رويداً رويداً كان كالسوط الذي جلد روحه قبل ان يوقظ قلبه الذي يئن لاجل كل قطرة تسقط من عينيها، ترك القلم الذي كاد بأن يدمر به حياته ليسقط من يديه، ومن ثم ابعد الطاولة لينهض بكل عزم وهو يردد بصوتٍ وصل لمسمعها رغم ابتعادها عنه: _الجوازة دي مستحيل هتم واللي يحصل يحصل. تصنمت محلها، فحاولت انعاش رئتيها بالهواء ثم قرصت ذاتها وكأنها تحاول إن تثبت لذاتها بانها لا تتوهم، فاستدارت لتجده يقف وسط الرجال وهو يستكمل حديثه بشجاعة: _انا ممكن اكون السبب في اللي هي فيه بس انا مقصدتش اقتل جوزها، وكمان ميرضيش ربنا اني عشان ارجعلها حياتها اقوم اخرب بيتي بايدي! واستكمل بصرامةٍ: _انا ممكت اعوضها بالفلوس او أي حاجة بعيد عن اني اتجوزها وادمر عيلتي، ده اخر كلام عندي. اغلقت عينيها بقوةٍ وهي تستمع اخر كلماته، فابتسمت براحةٍ بعد عناء حاولت به أن توصله لتلك المرحلة وها قد تخطاها، لم تجد اي شيء تفعله بذاك الوقت الا الاقتراب منه مثلما كان يقترب منها، فاحتضنته دون أن تعبئ بعدد الرجال من حولها، احتضنته وشهقات بكائها مزقت القلوب من حولها، لم تعد قادرة على الصمود أكثر من ذلك، فالحرب التي خاصتها فتكت بقلبها وطاقتها، فهمست جوار اذنيه ببكاءٍ يحمل نبرة توسل من الاعين التي تتربص بها : _خدني من هنا يا "فهد". لم يتردد ثانية واحدة، فحملها وصعد بها لمنزلها مرة اخرى ومن خلفه اتبعه آسر وروجينا، وعلمت بعد ذلك بأن عمه" مهران" تزوج بتلك الفتاة وقد انتهت العداوة التي كادت بأن تتعمق بين العائلتين لتصبح أكثر حدة بينهما وبين المغازية لسببٍ لا يعلمه الكثير! ******** وأخيراً حظيت ببعض الراحة بعدما أنهت والدتها تحقيقاتها حول تأخرها بثرايا "الدهاشنة"، هي الآن بمفردها تسترجع تلك الذكرى المؤلمة التي باتت متعلقة بطفولتها، أغلقت"تسنيم" جفن عينيها بقوةٍ وهي تردد بصوتٍ شاحب من بين شهقات بكائها الحارق: _معقول الشيطان ده يبقى جد "آسر"!.. ## منذ طفولتها اعتادت الذهاب مع والدها إلى الحقول، كانت ترافقه أينما ذهب، ارتباطها به جعلها تشعر بالآمان الذي فقدته، كانت تلك الصغيرة تعتاد على مداعبة والدها الدائمة لها وأخرهما لعبة الاختباء التي كانت وسيلتهما للترفيه، فتلك المرة أرادت"تسنيم" أن لا يتغلب عليها والدها ويجدها بسهولة مثلما يفعل كل مرة، فركضت بعيداً عن الحقول بمسافةٍ كبيرة، ثم اختارت مكان قريب من تلك البحيرة البعيدة عن الحقول، فاختبأت خلف أحد فروع الأشجار الضخمة ثم كبتت أنفاسها بيدها لتضمن الا يصل أييها اليها، وأخذت تراقب الطريق بلهفةٍ وحماس، فزع جسد الصغيرة حينما استمعت لصوت صرخات مكبوتة ومن ثم ضوضاء مخيفة تأتي من الإتجاه المعاكس لها، فاستدارت تجاه ذلك الحقل القريب من تلك البحيرة تتفحص باهتمامٍ مصدر هذا الصوت الغريب، جحظت عين الصغيرة في صدمةٍ حقيقية حينما وجدت امرأة ملقاة أرضاً، ويدها وقدميها مقيدان بحبلٍ غليظ للغاية، ومن خلفها رجل ملامحه محفوظة بذاكرتها لتلك اللحظة، كان يحاول تقيد فمها بقطعة من القماشٍ، وبالفعل تمكن من ذلك، رأته تسنيم يجذبها من خصلات شعرها الأسود كسواد الليل الحالك ثم اخذ يتحدث اليها بغضبٍ بدى على معالم وجهه المقبضة، استغاثت تلك السيدة به بأن يدعها وشأنها، فانتفض جسد تسنيم حينما رأته يجرد تلك المرأة من ثيابها ومن ثم اعتدى عليها بوحشية تامة. طفلة لا يتعدى عمرها الحادية عشر، تتعرض لمحاولات اعتداء من خالها والآن ترى بعينيها اغت\صاب وحشي لإمرأة عاجزة لا حول لها ولا قوة، وكأن العالم القاسي يشعرها بأن تلك المعاملة هي المعتادة بين النساء، ارتجف جسدها الصغير بعنفٍ ويدها تشدد من كبت صرخاتها وبكائها خشية من أن تصدر أي صوتاً قد يعرضها لنفس مصير تلك المرأة الغامضة، نصف ساعة مرت عليها كالنيران التي تنهش قلبها الصغير قبل أن تتمكن من جسدها، رأت ذاك الشيطان بعدما فرغ من أمر تلك المرأة يعقد حجابها الذي دنسه حول رقبتها ثم ازداد من ضغطه عليها حتى استكانت حركتها فأصبحت هادئة لا تعافر ولا تتوسل للنجاة، ليته اكتفى بذلك، بل جرها بقسوةٍ ليلقي بها بتلك البحيرة، ثم مضى بطريقه وكأن شيئاً لم يكن! تاركاً من خلفه أعين تلك الصغيرة التي اختتم الحادث ذكرياتها فجعلها تعيش اسوء طفولة، بل اصطحبها لتظل تعذب حتى الآن.. عادت من ذكرياتها بدموعٍ تلمع بحدقتيها الخضراء، وكأن بتذكارها لما حدث بتلك الليلة دفعها لعيشها من جديد، لا تعرف من تلك المرأة ولكن من المؤكد بأن أهلها حالهما لا يقل عن حالها، فالجميع ضحايا لذلك الشيطان الذي خيل لها بأنه "وهدان الدهشان"! *********** الجميع يصرخ ويبكي بشكلٍ جعل هذا الصغير الذي لا يتعدى الخامسة عشر مفزوع يحارب فكرة الخروج لمشاهدة ما يحدث بالخارج، وبعد دقائق من المحاربة انتصر فضوله فخرج يتسلل ليتأمل ما يحدث بالخارج، تصلبت معالمه وجحظت عينيه المتورمة من أثر البكاء اشتياقاً لوالدته المتغيبة منذ الصباح ليجدها الآن ملقاة أرضاً ج\ثة هامدة، ملابسها متمزقة تظهر جسدها بشكلٍ مقبض، حجابها الذي خرجت به بالصباح معقود حول عنقها، والمياه تتساقط منها بغزارة بعدما انتشل احد المزراعين جثمانها من البحيرة.... نهض من نومه مفزوعاً، العرق يتصبب من جسده بغزارة وكأنه كان بسباق حاد، ترك الفراش وهم الاقتراب من البراد الصغير الموضوع لجواره، جذب الزجاجة الباردة ومن ثم تجرع نصفها والقى نصفها الاخر على وجهه، ثم القاها ارضاً وهو يردد بصوت كفحيح الأفاعي السامة: _نهايتك ونهاية الدهاشنة كلها قربت يا"فهد"، هانت وشرفك هيبقى تحت رجلي...... تحت رجل" أيان المغازي"........ #الفصل_الرابع_عشر... غاب الظلام عن هذا الليل الذي طالت أحداثه، وسطعت شمس يوماً جديد يصطحب أشعتها بين يديه لتشرق بضيائها المعتاد، فنسخت من خيوطها نقطة التقاء مع أمواج البحر الزرقاء في منظر تقشعر له الأبدان، فراقبها من يتمدد على المقعد المسطح من أمامه بأعينٍ قاتمة خالية من الحياة، يصعب ذاك المنظر النابض بالنشاط والحيوية أن يمس عتمة قلبه بشيءٍ، وكأنه كان ينتظر الصباح ليتمكن من الاتصال بها، فجذب هاتفه ومن ثم مرر اتصالاً هاتفياً يجمعه بها، دقيقة وأتاه صوتها المتوتر حينما قالت باستغرابٍ: _"أيان"! بسمة مغترة تسللت على شفتيه الغليظة، ومن ثم تمرد صوته المحتبس ليجيبها بخبثٍ: _مستغربتش إنك محتفظة برقمي على موبيلك. غاب عنه صوتها وكأنه لمس حالة الإرتباك التي ابتلعتها، فصمت هو الأخير لقليل من الوقت وعاد ليسترسل قائلاً: _أنا على البلاچ.. هستانكي. وأغلق الهاتف دون أن يستمع لردها على إقتراحه المقدم، ثم اقترب ليقف أمام المياه واضعاً كلتا يديه بجيوب سرواله القصير، ليتأمل المياه الساكنة بنظراتٍ شاردة تسرد له بعض الكلمات التي كانت تختصه بها خالته حتى لا ينسى الماضي. «وهدان الدهشان هو اللي إغتصب أمك وقتلها...» «تارنا منتهاش بموته تارنا مع عيلة الدهاشنة كلتها لازمن يدوقوا الذل والعار اللي هما كان السبب فيه، دهرهم لازمن ينكسر العمر كله ..».. _"أيان"! نادته "روجينا" أكثر من مرةٍ وهو ساكن لا يجيبها، فاقتربت منه ثم قربت يدها من ذراعيه بترددٍ لتناديه بارتباكٍ: _"أيان". سلطت نظراته عليها لدقيقة كاملة، استطاع بها رؤية ذاك الإرتباك النابض بين حدقتها، كان من الممتع له أن يرى حبها الأهوج يرفرف كرأية الاستسلام بعينيها، خرج عن صمته المطول بتأملها حينما قال وعينيه تتعمق بالتطلع لعينيها: _النهاردة أخر يوم في رحلتك وأكيد مش هنقدر نشوف بعض تاني. تلألأت الدموع بعينيها، فاستكمل بنظرةٍ جريئة تغلغلت لأعماقها: _ممكن يكون اللي حصل معاكِ غريب بس بالنسبالي لا، الحب مش بالعشرة ولا بفترة تعارف، الحب نظرة وبعدها دقة قلب مضطربة بتهمس لصاحبها إن في شيء غريب بيجمعه بالشخص ده أو هيجمعه بيه.. ورفع يديه ليضعها على خديها وهي تتابعه بصدمةٍ وعدم استيعاب: _اللي انتي حسيتي بيه نحيتي ده حب يا روجينا، بس للأسف مش ممكن يستمر لأن العلاقة دي مستحيل تكمل. وتركها ثم ابتعد عنها، متخذ وجهة الرحيل، فركضت خلفه وهي تتساءل بعدم فهم: _ليه مش ممكن يكمل، أنا ممكن أسيب خطيبي.. توقف عن المضي قدماً ثم استدار ليمنحها ابتسامة ساخرة، اتبعها قوله الصادم: _اللي بينا صعب بالدرجة اللي تخلي مستحيل حد يقبل بالعلاقة اللي ممكن تجمعنا. رفعت حاجبيها وهي تتساءل بدهشةٍ: _أنت تقصد أيه؟ أطال التطلع لها، ثم شدد على كل كلمة تخرج على لسانه: _أنا إسمي "أيان المغازي" يا روجينا، يعني من عيلة المغازية إن مكنتش أساسها وعمودها.. قالت بتشتتٍ: _وفيها أيه؟ كان متفاجئ بعدم معرفتها بما يخص عائلته، ولكن هذا لن يخمد نيران ثورته المشتعلة، عليه أن يخطو تلك الخطوة التي رسمها بخطته ليضمن نجاح ما يود فعله، فقال بغموضٍ: _إسألي حد من عيلتك أيه اللي بين "الدهاشنة" و"المغازية". وتركها وغادر ولكن تلك المرة لم يستدير للخلف، شعرت بأن هناك أمراً كارثي يضم العائلتين، فانهمرت الدمعات على وجنتها، جلست "روجينا" على أقرب مقعد قريب منها وهي تحاول استيعاب تلك الصدمات التي تتعرض لها، من سيصدق ما تمر به؟ اي عاقل هذا الذي قد يؤمن بما تعتقده هي، أتت الى هنا برحلة ترفهية لتلتقي بهذا الشخص الغامض، الذي استولى على قلبها منذ أول لقاء في حين أنها مضت أعوام بجوار "أحمد" صديق طفولتها ومن المفترض بأنه سيصبح زوجها لذا كان عليها ان تحبه هو بدل عن هذا الذي مر بحياتها كظهور ضيوف الشرف بعمل مكتمل أبطاله، ولكنها تجد ذاتها منجذبة اليه بشكلٍ لم تجد له تفسيراً أو تجده منطقي! ********* شعرت بيديه اللعينة تلامس جسدها بتماديٍ، كادت بالصراخ ولكن فمها مقيد بإحكامٍ، فتحت "تسنيم" عينيها بفزعٍ وهي تجذب الغطاء على جسدها ومن ثم طوفت بنظراتها المرتعبة الغرفة، بحثت بكل إنشن بها فما أن تأكدت بأنها مجرد أوهام تهاجمها التقطت انفاسها الثقيلة بصورةٍ مسموعة، فلم تستطيع بتلك اللحظة أن توقف دموعها التي هبطت كشلال جف من فرط أحزانه، فجذبت هاتفها لتبحث عن رقم رفيقتها وما ان استمعت لصوتها حتى رددت ببكاءٍ: _"حور"..أنا مش قادرة أفضل هنا معاه في بيت واحد. أجابتها رفيقتها بحزنٍ: _متضغطيش على نفسك يا "تسنيم"، إتحججي بالمذكرة والامتحانات وانزلي القاهرة في أقرب وقت. بدى لها بأن صوتها متغير على غير عادتها، فتساءلت بقلقٍ: _ماله صوتك، أنتي فيكي أيه؟ ابتسمت وهي تعلم بأنها ستكشف أمرها مهما حاولت ان تصطنع صوتها المصطنع، فقالت: _مفيش والله يا حبيبتي، أنا بس غصب عني وقعت الشاي السخن عليا بس الحمد لله مفيش غير رجلي وايدي اللي اتحرقت وحرق بسيط وهيروح مع الادوية ان شاء الله.. هلع قلبها لسماع ما قالته، فصرخت بها بعتابٍ: _كل ده حصل معاكي ومتقوليليش! =يا تسنيم الموضوع بسيط وبعدين كفايا الضغط النفسي اللي انتي فيه. _أنا مش عايزة اسمع مبرر ممكن يعصبني اكتر، أنا هسافرلك النهاردة بإذن الله.. وأغلقت الهاتف سريعاً ومن ثم نهضت، لتجذب حقيبتها ثم اعدتها، ولجت والدتها بتلك اللحظة لتخبرها بصوتها المرتفع: _يا تسنيم بنادي عليكي من الصبح يا بنتي، يالا الفطار جاهز. انعقد حاجبيها بذهولٍ حينما رأته تعد حقيبتها، فقالت باستغرابٍ: _أنتي بتعملي أيه؟! حملت بعض الثياب ثم وضعتها بالحقيبة وهي تجيبها: _لازم انزل القاهرة حالا. اقتربت منها ثم قالت بصدمةٍ: _انتي لحقتي! ، وبعدين لسه على امتحاناتك اسبوع بحاله! قالت والدموع تسبقها: _" حور" الشاي وقع عليها وحرق ايدها ورجلها لازم انزل عشان اطمن عليها.. لطمت على صدرها بفزعٍ: _يا خبر، لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم... ثم استرسلت بسؤالها المتلهف: _ طب طمنيني يا بنتي هي عاملة ايه الوقتي. قالت وهي تغلق حقيبتها الصغيرة: _معرفش يا ماما لما هروح هبقى أطمنك بالتليفون. أجابتها بتفهمٍ: _ماشي يا حبيبتي، ومتقلقيش عليها ان شاء الله هتبقى كويسة. تعلم جيداً ماذا تعنى حور بالنسبة لابنتها، الصداقة التي استمرت لثمانية عشر عاماً تجعل من حولها يكن لهما احتراماً وتفهم لمشاعر الخوف والقلق لكلاً منهن، ارتدت "تسنيم" ثيابها ثم جلست على المقعد وهي تتحدث لذاتها بتوترٍ: _طب المفروض دلوقتي أعرف بشمنهدس آسر أني نازلة القاهرة ولا أعمل أيه؟!.. ثم عادت لتردد: _مهو أكيد لازم يعرف عشان يتابع شغله بنفسه أو جايز يكون عايز يبعت معايا حاجة لمصطفى السكرتير، اعمل ايه بس يا ربي! لم تجد حل يخرجها من تفكيرها العميق سوى الذهاب إليه لتخبره بأمر رحيلها، ولتكن صادقة مع نفسها كان هناك شيئاً بداخلها يشجعها على قرار الذهاب لتتمكن من رؤيته، فبرؤياه تشعر بأمان تفتقده حتى وهي وسط عائلتها والأغرب بأنها باتت تؤمن بذلك! ******** كان من الصعب أن تظل معه بغرفته كسابق، وهو يعلم ذلك جيداً ولم يشعر بالضجر لذلك، يكفي انها تقبلت وجوده لجوارها من جديد، وبالرغم من ذلك شدد "يحيى" بتعليماته على "الهام" بمراقبة "ماسة" جيداً، فما يساور شكوكه جعله يفارق النوم طوال الليل حتى الصباح، خرج "يحيى" من غرفته ثم طرق على غرفتها ففتحت الخادمة، لتواجه صوته المضطرب: _"ماسة"كويسة؟ إن تكن تشعر بالغرابة لإهتمامه الزائد بحالتها ولكنها أجابته باحترامٍ: _كويسة، بحضرلها الحمام وخارجة. أومأ برأسه بتفهمٍ، ثم عاد ليجلس بالخارج ينتظرها، دقائق محدودة واستمع لدقات قدميها السريعة تقترب منه، فسلطت نظراته تجاه تلك الفاتنة التي تقترب منه بفستانها الأزرق الطويل، وخصلات شعرها التي تتدلى من خلفها بإنسيابٍ، للحظة ظنها زوجته التي فقدها منذ أعوام ولكن حينما هزت رأسها وهي تحدثه بطفولة جعلته يعد لأرض واقعه سريعاً: _هنخرج تاني يا "يحيى"؟ ابتسم وهو يمسك يدها ليخطو بها تجاه الطاولة التي تضم طعام الفطور والعصائر الطبيعية، ثم جاوبها ويديه تلامس تلك الخصلة المتمردة على عينيها: _لا يا روح قلب يحيى، أنا لازم انزل المصنع النهاردة لكن بكره إن شاء الله هنخرج. أدلت شفتيها السفلية بحزنٍ، ومن ثم رددت باستياءٍ: _وعد؟ قال بتأكيدٍ: _وعد يا روحي، يالا بقا إفطري عشان تاخدي أدويتك. هزت رأسها باستسلام ومن ثم التقطت الخبز لتغمسه بالعسل الابيض كما تعشقه، لتتذوقه بابتسامةٍ هادئة، جعلت الراحة تتسلل لأعماقه فذهبت شكوكه للجحيم، وبات الامر منطقي بالنسبة اليه فإن ما حدث لها من دوار وتقيء كان عائد للأرجيحة التي صعدت لمتنها. ******** رائحة الشاي الساخن عبقت المنزل لتناشد ذاك الصباح النشيط، وخاصة على الطاولة العتيقة المطولة، جلست العائلة تتناول الطعام بجوٍ من الس\كينة والهدوء، حرصت"رواية" على اعداد كوب القهوة لزوجها ومن ثم جلست على مقربةٍ منه لتستكمل طعامها، فسألها "عمر" وهو يبحث بين الوجوه باستغرابٍ: _أمال فين "آسر"؟ ردت عليه بضيقٍ شديد: _بالاسطبل، مش بيتحرك من هناك خالص يا"عمر" ومفيش فايدة من الكلام معاه. تدخل "فهد" بالحديث قائلاً: _همليه يقعد مكان مهو حابب ده مضيقك في أيه؟ استدارت تجاهه ثم قالت بعدم تصديق لسؤاله الذي بدى لها غريباً: _مضايقني طبعاً، مهو أغلب وقته بعيد عني حتى لما يجي هنا مستكتر يقعد معايا. ابتسم "سليم" وهو يخبرها: _كلتها أيام وكلهم هتلاقيهم اهنه يا مرت أخوي. همست بحنين: _يارب يعدوا بسرعة نفسي أشوف "روجينا" وحشتني اوي.. قطع الحديث المتبادل بينهما صوت "نادين" الباكي، وهي تهم بالهبوط للاسفل مسرعة حتى كادت أن تتعثر، وصوتها يرتفع بندائه: _"سليـــــــم". انقبض قلبه وهو يراها بتلك الحالة التي بدت صدمة للجميع الذي اعتاد رؤية الابتسامة لا تفارق وجهها، نهض "سليم" عن الطاولة ثم أسرع بالاقتراب منها متسائلا بلهفةٍ: _في أيه يا نادين؟ قالت والدموع تلاحق صوتها المذبذب: _انا لازم انزل القاهرة حالا، الشاي وقع على ايد حور وحرقها.. أمسك بيدها وهو يهدء من روعها قائلاً: _يحيى طمني وقالي اصابة بسيطة متقلقيش نفسك. هزت رأسها بالرفض وهي تردد بإصرار: _انا لازم اشوفها واطمن عليها بنفسي مش هستنى لأخر الاسبوع لما تيجي.. ربتت "ريم" على ظهرها وهي تخبرها بحزنٍ: _طب اهدي بس يا نادين، لو كانت حاجة كبيرة لا سمح الله كان زمان أحمد أو بدر اتصل وقالنا، هتلاقي الموضوع بسيط. هزت رأسها بانفعالٍ، فنهض "فهد" عن الطاولة ثم قال بثباتٍ: _خد مرتك وانزل مصر يا "سليم"، مش هترتاح غير لما تطمن عليها.. أومأ برأسه ثم دفعها برفقٍ لتمضي معه للأعلى ليستعد كلاً منهما للسفر، فاقتربت" رواية" منه ثم قالت: _هنزل معاهم يا "فهد" عشان اطمن على روجينا ورؤى وريناد.. أجابها بصوتٍ منخفض بعض الشيء: _روجينا ورؤى بسكندرية تبع جامعتها.. عقدت حاجبيها باستغرابٍ: _وأنا معرفش ليه! حدجها بنظرةٍ مطولة أنهاها ساخراً: _والله أسألي بنتك.. وتركها وصعد للأعلى والأخرى تقف محلها يكاد الحزن يقتلها، مازالت تعاقبها بالابتعاد عنها، فحينما تراسلها لا تجيبها أبداً، تخفت رواية عن الاعين حتى لا يرى أحداً دمعاتها، ولكنها لم تشعر بنواره التي تلاحقها، حتى أصبحوا منفردين بالغرفة، فقالت بحزنٍ: _مالك يا "رواية" انتي كمان؟ وكأنها كانت بحاجة للحديث، فقالت بانكسارٍ: _مش عارفة بنتي لسه بتعاقبني على أيه يا "نواره" ، هو أيه واجب الأم غير أنها تشوف المناسب لمصلحة بنتها، ومصلحتها كانت بجوازها من أحمد. حينما تحدثت رواية عن ذاك الموضوع السري المرتبط بينهما، أغلقت نواره الباب سريعاً حتى لا يستمع اليهما احداً ومن ثم جلست جوارها على الاريكةٍ الخشبية، فربتت على فخذيها وهي تردد بحكمةٍ: _مغلطتيش يخيتي اللي عملتيه عين العقل، لو كان أبوها درى باللي هتقوله كانت هتبقى حريقة، وبعدين اني مستغربة ايه اللي غيرها اكده، ما طول عمرهم بيحبوا بعض وعلى طول سوا فجأة اكده تقول مش عايزاه! هزت رأسها باستياء هي الاخرى وهي تخبرها: _حقيقي مش عارفة انا بقالي ٨شهور بحاول أخليها تقتنع والغريبة كل ما الفرح بيقرب معاده بتصمم اكتر. تساءلت نواره باهتمامٍ: _طب محاولتيش تسأليها عن السبب اللي مخليها عايزة تسيبه. ردت على الفور: _سألتها ولو كنت لقيت منها سبب مقنع كنت هتكلم مع فهد وهوقف الجوازة دي، بس اللي قالته سبب تافه انها عايزة تتجوز واحد من القاهرة لانها بتكره العيشة في الصعيد. ضيقت عينيها بغضبٍ: _ماله الصعيد أهلها وناسها.. منحتها نظرة بائسة قبل أن تردد: _هو أنا بأخد رأيك في اللي قالته يا نواره!.. اشفقت على حالتها، فربتت بيدها على ظهرها وهي تردف بحنان: _متزعليش يا رواية، يمكن عيشتها وسط اهل البندر خلتها تتعود عليهم، و أن كانت حابة القعدة هناك نخلي احمد ياخدها معاه هناك زي ما يحيى ولدي عمل. ثبتت تفكيرها بأكمله على تلك النقطة فوجدت ذاتها تائهة ضائعة، لا تعلم إن كانت نقطة البقاء بالصعيد او القاهرة هو ما يهم ابنتها فعلاً أم انها مجرد حجة تتحجج بها لتبتعد عنه، وخاصة بأن أحمد وباقي الشباب ينتقلون بين القاهرة والصعيد، فبات الأمر محيراً بالنسبة لها وكأنها عادت لنفس النقطة من جديد.. ********* وصلت "تسنيم" أمام البوابة الخارجية ومن ثم ولجت للداخل، مرت من جوار الثرايا، فكادت بأن تصعد على الدرج لتنتبه للصوت الرجولي الخشن القادم من الخلف، مردداً: _يا أهلاً بيكِ يا بنتي، نورتي الدنيا كلتها. استدارت للخلف ببطءٍ، فوجدت "فهد" يجلس على أريكة خشبية موضوعة وسط الحشائش الخضراء ومن جواره عدة أرئك يتوسطها طاولة صغيرة دائرية الشكل، موضوع عليها عدد من المشروبات الساخنة، اقتربت منه على استحياء ثم قالت بخجل: _منور بكبيره وأهل بيته. بدت له لابقة باختيار كلماتها ونال هذا إعجابه كثيراً، فقطع نظراته الثابتة كالسهم الذي يعلم الطريق لمستقره حينما قال باتزانٍ: _عايزة ولدي؟ اربكتها كلمته كثيراً وإن كانت منطقية بعض الشيء لعملها المرتبط به، ولكن رغماً عنها توردت وجنتها، فأومأت برأسها وهي تتابع بارتباكٍ: _أيوه لازم أبلغه حاجة ضروري. شبح ابتسامة ارتسمت على طرفي شفتيه، فدارت عينيه على "نعمة" التي تحمل المياه وتقترب لتضعها على الطاولة، كان من الممكن ان يجعلها تستدعي "آسر" ولكن تعمق تفكيره وضعه بمنطقة حيادية، فقال بمكرٍ مختبئ خلف ثبات نبرته: _بالاسطبل، انتي مش غريبة البيت بيتك.. وأشار لها على الإتجاه الصحيح للاسطبل، بللت شفتيها بلعابها وهي توزع نظراتها بين الاتجاه المشار اليه وبينه، ومن ثم رسمت ابتسامة صغيرة قبل ان تردد بحرجٍ: _عن إذن حضرتك. قال وهو يتابعها تبتعد بخبثٍ يشمل لهجته: _إذنك معاكِ يا بنتي. ابتعدت عنه رويداً رويداً وهي تبحث بعينيها حائرة بتلك المساحات الشاسعة، فحينما ذهبت معه للاسطبل سلكوا باب جانبي من مكتبه فما هي الا مسافة صغيرة حتى وصلوا إليه، وهي الآن تخطو بين مساحات كبيرة للغاية لا تعرف طريق قد يودي بها اليه، استمعت لصوت صهيل خيل قادم من الاتجاه الذي تسلكه فتأكدت بأن وجهتها صحيحة، فوجدت من أمامها مساحة شاسعة تحفها سرداب من الخشب ليصنع مساحة خاصة للخيل، رفعت صوتها وهي تتفحص المكان باحثة عنه: _بشمهندس "آسر". لم يأتيها رده وكيف سيستمع لها وهو بمكانٍ ضخم كهذا، لم تجد تسنيم حلول بديلة الا ولوجها للداخل، ففتحت الباب القصير المنحدر على جنبي السرداب ومن ثم ولجت تقدم قدماً وتؤخر الأخرى بخوفٍ من منظر الخيول المريب بالنسبة إليها أو لأي فتاة قد يرهبها رؤية قط أو فأر فماذا اذا وجدت ذاتها محاصرة بعدد من الخيل الاصيل، ربما لو رأت خيل واحد لا بأس فهي بالطبع تتعامل معه من على بعدٍ تاركة باقي المهام لوالدها، توقفت عن الخطى حينما لمحت فرس صغير على ما يبدو بأنه حديث الولادة، لونه أبيض كبياض الثلج وجبهته ينقرها اللون البني، أعجبت بيها للغاية، فلم تستطيع الا تقترب منها وتلامس جلدها الناعم، فتحت تسنيم الباب الصغير الذي يفصل الفرس الصغير عن باقي الاسطبل ومن ثم مررت يدها على جلده بابتسامةٍ حنونه، راق لها هذا الفرس كثيراً وخاصة بأنه مسالم، ارتعب قلبها فجأة حينما استمعت لصهيل قوي غاضب يأتي من خلفها، ففور ان استدارت وجدت الخيل الذي يلقبه آسر ب" همام" يرفع قدميه تجاهها غضباً، تراجعت للخلف بخوفٍ وهي تحاول أن تتفاداه ولكنه كان يتبعها، ومازال يرفع قدميه عن الارض بحركاتٍ مندفعة عنيفة، رفعت يديها معاً لتحمي وجهها وهي تصرخ بفزعٍ وحينما استمعت لصوته رفعتهما لتجده يقف أمامه ويتمسك بقدميه ومن ثم دفعه للخلف وهو يصيح بها بانفعالٍ: _همام اهدى! تراجع الفرس للخلف قليلاً وكأنه شعر بالأمان على ابنه الصغير لوجود فارسه، فعاد ليقف جوار فرسته الجامحة "مهجة" وهو بتأمل صغيره عن بعدٍ، أسرع "آسر" تجاه "تسنيم" ومن ثم عاونها على الوقوف وهو يتساءل بلهفةٍ: _انتي كويسة؟ أومأت برأسها عدة مرات وعينيها تتابع "همام" بخوفٍ، والأخر يتابعها بنظراتٍ حائرة لا يعرف كيف أتت الى هنا ولكنه سعيد لرؤياها مجدداً، انتبهت تسنيم لنظرات آسر لها وليديه التي مازالت تتمسك بها خشية من أن تسقط من جديدٍ، فتراجعت للخلف وهي تعدل حقيبتها الصغيرة بخجلٍ، ومن ثم قالت بتوترٍ: _انا آسفة جداً مكنتش اعرف انه هيضايق كده، آآ... آنا كنت جاية عشان اقول لحضرتك اني لازم انزل القاهرة فلو حابب تبعت حاجة تبع الشغل معايا، او على الاقل تبقى عارف بسفري فآآ... وأنا داخلة شوفت "فهد" بيه وهو اللي دلني على الاسطبل وانا بدور على حضرتك شوفت الحصان الجميل ده فبعتذر على اللي حصل.. حديثها المرتبك كان غير مرتب، يعكس ما تشعر به من حرجٍ وتوتر، نعم فهم من مغزى حديثها مهمة أبيه الماكرة ولكنه احب ذلك كثيراً، تحرر لسانه ناطقاً باتزانٍ: _محصلش اي حاجة لكل ده، ممكن تهدي بس وتاخدي نفسك وبعدين نكمل كلامنا. رسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها، فرأته يخرج من السرداب الصغير، فقالت بفزعٍ: _حضرتك رايح فين؟ ابتسم على خوفها البادي على وجهها قبل ان يتبع صوتها، فأشار لها: _هجيب كرسين وأجي متقلقيش همام مش ممكن يهاجمك تاني، كده عرف انك تخصيني. وتركها وغادر وقلبها يخفق باضطراب من أخر جملته، وإن كانت أسرتها قبل أن تأسر قلبها وروحها، صفنت به وهو يقترب منها حامل المقعدين ومن ثم وضعهما جوار الخيل الصغير لتتمكن هي من رؤياه بعدما صرحت بإعجابها به، أشار لها بالجلوس، فجلست على استحياء ومن ثم حرر لجام الصغير ليدفعه برفقٍ ليقترب منها، فوزعت نظراتها بينه وبين همام بخوفٍ، فتعالت ضحكاته الرجولية وهو يتابع بقوله الشبه حازم: _قولتلك متخافيش! رفعت يدها ومازالت نظراتها تحوم بين همام ومهجة، فوجدتهما هدئين متقبلين لوجودها برفقة "آسر"، فمررت يدها على جسد الصغير بفرحةٍ غمرتها، ومن ثم قالت بإعجابٍ شديد: _ما شاء الله جميل اوي. تعمق بالتطلع لها قبل أن يخرج صوته الرخيم: _إختاريله أسم بقا. نظرة مرتبكة تقابلت مع نظراته الفاتنة بجمالها، فازدرت ريقها وهي تجيبه بارتباكٍ: _مش عارفة بصراحة. قال ومازالت نظراته متعلقة بها: _حاولي. سحبت نظراتها المتعلقة به ومن ثم تأملت الصغير وهي تردد بابتسامة صغيرة: _ممكن برق.. ابتسم وهو يردد: _مش هيكون اسمه غير كده. اصطبغ وجهها بلون حبات الكرز، وهي تتطلع له بتوترٍ، فنهضت وهي تعدل حقيبتها ثم قالت: _همشي بقا عشان معاد القطر. تساءل باستغراب: _مش المفروض انك هتسافري بعد يومين؟ اجابته وعينيها منشغلة بتأمل حقيبتها كمحاولة من التهرب من لقاء عينيه: _أيوه، بس لازم أسافر عشان أطمن على حور. أومأ برأسه بتفهمٍ ثم قال: _طب استني لحظة، هجيب من والدي الملف اللي كان بيوقعه عشان توصليه لبشمهندس يحيى. هزت رأسها بهدوءٍ ثم وقفت تنتظر عودته جوار ذاك الفرس الصغير الذي سيشهد على قصة عشق ستهز أرجاء الصعيد، قصة ستتحدى عادات وتقاليد الرجل الشرقي ذو العرق الصعيدي، وربما لتوضح للعالم بأن الصعايدة ليس كما يقال عنهم بل هم أصل النُبل والرجولة! ******** وصل "يحيى" للمصنع ومن ثم اتجه لغرفة مكتبه، وحينما دلف للداخل انكمشت معالمه بعدم تصديق لما يرأه او ربما عقله لم يستطيع تفسير من انها تتملك كل تلك الجرءة لتقف أمامه من جديد بعد ما ارتكبته من ذنبٍ فاضح لا غفران له! ********* عاد "آسر" حاملاً الملف المنشود ثم قدمه لها، فحملته وتوجهت للخروج بعدما ودعته بابتسامةٍ صغيرة، تحمل مغزى يخترق قلبه من دون سابق انذار، تشتت أفكاره التي تخطر له بتلك اللحظة، فلحق بها وقبل أن تصل للبوابة الخارجية اوقفها منادياً: _"تسنيم". استدارت لتقابله وهي تتساءل بدهشةٍ: _نسيت حاجة يا بشمهندس؟. مرر يديه على رقبته وكأنما يحجب تلك الكلمات التي تكاد على التحرر ولكنه فشل بذلك، فقال: _خلي بالك من نفسك. بقت تتطلع له للحظات لا تعلم بماذا ستجيبه؟ ، وذاك فكر اخر هاجمها أيحل له قول ذلك لها لانه رب عملها او لا يحل له؟ ، لطالما كانت جافة بالتعامل مع صنف الرجال جميعاً حتى مع اساتذة الجامعة وغيرهما، ولكنه حالة خاصة وفريدة بالنسبة لها، حالة لا تجد لها تفسيراً منطقي له او لما يحدث لها، بللت شفتيها الجافة بلعابها وهي تجيبه بتوترٍ: _حاضر، عن إذن حضرتك. وتركته وغادرت بقلبٍ يكاد يتوقف من فرط الارتباك، فتوقفت مرة اخرى حينما وجدت نادين تقترب منها، فسألتها بلهفةٍ: _انتي كنتي عارفة باللي حصل مع حور ومقولتليش؟ قالت بحزنٍ وهي تتأمل تلك السيارة التي تقترب منهن: _لا والله يا طنط انا لسه عارفة من شوية وهسافرلها حالا. انسدلت دموعها بتأثرٍ، فربتت تسنيم بحنانٍ على كتفيها: _متخافيش ان شاء الله هتبقى كويسة، انا راحلها وهبقى اطمن حضرتك بالموبيل. ردت عليها مسرعةٍ: _انا كمان راحلها. ثم استرسلت حديثها وهي تشير على السيارة التي توقفت أمامهما: _تعالي معانا في العربية بدل ما طريقنا واحد. قالت بحرجٍ: _لا مفيش داعي أنا هسافر بالقطر كمان ساعة بإذن الله، وكمان شنطتي لسه بالبيت. بإصرارٍ قالت: _وتركبي قطر ليه واحنا نازلين القاهرة ورايحين نفس المشوار، ثم ان دي مش حجة هنخلي عادل السواق يطلع على بيتك الاول نجيب شنطتك ونمشي، اركبي يالا. أخبرتها بابتسامةٍ صغيرة: _حاضر.. وبالفعل صعدت تسنيم للخلف جوار نادين، وبقى سليم بالامام جوار السائق الذي تحرك بهما على الفور، وآسر كما هو يودعها بنظراتها امام تلك البوابة الضخمة التي تفصله عن الداخل وحينما استدار عائداً تفاجئ بمن يقف أمامه يحدجه بنظراتٍ قاتمة، وعصاه الانبوسية تحتك بالارض بقسوةٍ وكأنه يود بها أن تمنحه عقوبة يعلمها جيداً فابتسم وهو يقترب منه بخبثٍ! *********** بأحد منازل كبار الصعيد، وبالاخص بمنزل تابع لكبار "الدهاشنة"، دلف ذاك الخادم المتنكر بعمامته البيضاء التي تخفي ملامحه، وهو يتلفت من خلفه بخوفٍ من أن يرأه أحداً، ويا ويلته إن رأه أحداً من المغازية بالتحديد، فبالتأكيد سينقطع رأسه حينما ستشهد خيانته لثرايا"أيان المغازي"، فما ان رأه حارس البيت حتى سمح له بالمرور كالمعتاد لزيارته المتخفية، ومن ثم اتبع الخادمة التي ادخلته مكتب رب هذا المنزل، لتضع له الشهي من المؤكلات والمشروبات كما شدد عليها سيدها، فأكل بنهمٍ وهو يراقب باب المكتب، فما أن ولج صاحب المنزل حتى نهض عن مقعده وهو يردد باحترامٍ وخوف بآنٍ واحد: _" مهران" بيه!... آآ... أني جبتلك معلومات المرادي تستحق الحلاوة، والمرادي الضربة هتكون لفهد نفسه!.. #الفصل_الخامس_عشر... انسحب طابع الهدوء الذي يكسو عينيه ليحل محله عاصفة غائرة من غضبٍ فتك بحدقتيه السوداء، فتحررت أحباله الصوتية لتنم عن صوتٍ لا يقل غضبٍ عن جحيم عينيه: _ليكِ عين تيجي هنا!! تجاهلت "يمنى" عصبيته الزائدة ثم قالت ببرود: _يحيى أنا مرتكبتش ذنب أنا حبيتك! ازدحمت شحنة الغيظ بداخله لما تمتلكه من عدم استيعاب لما فعلته، فخطى ليبدو قريباً منها ومن ثم ردد باستحقارٍ: _مش مستغرب البجاحة اللي عندك، مهو المسلسل التركي اللي عملتيه سبق ودخل عليا مرة بس مش هيدخل عليا تاني.. ازاحت الحقيبة العالقة بذراعيها ثم اقتربت المسافة المتبقية لتشير له باستياءٍ: _حبي ليك مش مسلسل يا يحيى، وبعدين انا مش عارفة انت ليه رافضني بالشكل ده وانت متجوز واحدة مجنونة لا هتقدر تفهمك ولا تفهم احتياجاتك.. ثم رفعت يدها تداعب أزرر قميصه الأبيض ظناً منها انها تغريه: _ثم اني مطلبتش منك تطلقها، لو اتجوزنا جوازنا هيكون في السر.. شهقت فزعاً حينما انهالت يديه بصفعةٍ قوية على وجهها، ومن ثم لف خصلات شعرها حول معصمه، صارخاً بعصبيةٍ بالغة: _واضح ان الذوق مش بيمشي مع امثالك، أنا بقى هوريكي الرد المناسب.. بالبداية لم تفهم ما يقصده بكلماته المبهمة الا حينما فتح باب المكتب ليلقي بها بالخارج أمام الموظفين جميعاً، فعلت لهجته وهو يحذرها بصوت مسموع للجميع: _المكان ده لو دخلتيه تاني هكسرلك رجلك، أنا مش عارف أنا ازاي مكشفتش وساختك دي طول الفترة اللي فاتت بس معلش ملحوقة. وأشار بيديه لرجال أمن المصنع مردداً بحزمٍ: _أرموا الزبالة دي بره.. انصاعوا اليه فجذبوها للخارج عنوة، وسط صرخاتها وهمساتها الحاقدة، لم تتوقع ردة فعله الصارمة تلك، فلم تحتمل اهانته لها وسط حشد هائل من الموظفين، فخرجت تتوعد له ولمن فازت بقلبه تلك السنوات حتى تأثيرها لم يدعه وشأنه حينما باتت مختلة!. ************ وقف "آسر" جواره يتابع حركة الأشجار من حوله بهدوءٍ شديد، فطال صمتهما الى أن قطعه "فهد" حينما قال: _إوعاك يا ولدي تكون بتدور على طريقة تنسى بيها حبك القديم فتكون دي ملجأك صدقني هتظلم نفسك قبل ما تظلمها. لاحت على شفتيه ابتسامة ساخرة، فأجاب والده بثباتٍ: _أنا محبتش قبل كده.. تطلع اليه بنظرةٍ قاتمة، فاستطرد موضحاً: _حضرتك أكتر واحد فهمني، وعارف أني نسيت "ماسة" في اليوم اللي اتجوزت فيه يحيى ومبقتش اقدر أشوفها غير زي "روجينا" و"حور". أشرق وجهه بابتسامةٍ صغيرة، فرفع يديه على كتفيه وهو يخبره بفخرٍ: _عارف يا ولدي، بس حبيت أتاكد بنفسي قبل ما ندخل بيوت الناس. ثم تابع بقوله الصارم المصطنع: _أني بساعدك من بعيد لبعيد عشان تعرف غلوتك عندي بس. اتسعت ابتسامة"آسر" حينما صرح الكبير بذاته عن قصده الصريح بارسال "تسنيم" للاسطبل حتى يضمن انفراده بها لدقائق معدودة، كاد بأن يشكره على ما فعل ولكنه تفاجئ بمن تقترب منهما حاملة لأكواب العصير،وتسترق السمع اليهما، وحينما فشلت بسماع شيء، زمجرت بغيظ: _سكتوا ليه ما تكملوا كلامكم ولا بتتكلموا في حاجه مش عايزني اسمعها! تطلع آسر لوالده بمكرٍ ومن ثم قال بلهجته الصعيدية: _مخبرش تقصدي أيه ياما، بس أبوي خابر، عن اذنكم .. وغادر سريعاً من أمامهما، فوقفت "رواية" مقابله لتعيد سؤالها من جديد: _ابنك هرب ومفضلش غيرك، قولي بتتكلموا عن أيه يا فهد؟ استقام بوقفته وهو يتناول الكوب من يدها ليرتشفه بتلذذٍ، قائلاً بتسليةٍ: _في أسرار بين الأب وإبنه لازمن تفضل بينتهم ومتخرجش أبداً.. منحته نظرة مغتاظة وهي تمتم بغضب: _كده يا "فهد"، طب هات بقا مفيش عصير.. ووضعت الكوب على الصينية مجدداً ثم كادت بالمغادرة، فجذبه منها ثم قال من وسط ضحكاته الرجولية: _مفيش فايدة فيكِ ولا في عنادك. كادت بسحب الكوب مرة أخرى، فرفعه عالياً ثم أشار بعينيه الماكرة: _هقولك بس مش اهنه.. واتجه بها لغرفتهما بابتسامةٍ نصر لنجاح جزء من مخططه بسحبها بعيداً ليقضوا وقتاً سوياً بعيداً عن صخب المنزل الذي لا ينتهي.. ************ طال طريق العودة من الاسكندرية للقاهرة، ومازالت كلماته تلاحقها كالوحش الذي يستنزف فريسته، عصفت رأسها بسؤاله الغامض، فبحثت عن اجابة ترضى فضولها حول المتعلق بالعائلتين، كادت بأن تسأل "بدر" الغافل على نافذة الباص البارد ولكنها خشيت ان يعلم بأمرها وربما ان ضغط عليها سيعلم بعلاقتها الخفية بأيان، اهتدت "روجينا" لاجابة متوقعة بأن ربما يجمعهما ثأر مثلما يسود بين أغلب عائلات الصعيد ولكن عليها التأكد وبداخلها تتمنى أن يكون الامر هين حتى لا تفترق عن ذاك الغامض الذي سلبها قلبها قبل عقلها... أما هناك على الجانب الأخر القريب عنها، كانت نظراتها تتعلق بمعالم وجهه القاسي، تستغل غفلته القصيرة لتشبع عينيها بالتطلع اليه، تعافر تلك الدمعات الخائنة التي تود فضحها، فالا يكفيها ما تشعر به من حرجٍ بعدما فصحت لبدر بما حدث معها بأميركا، نعم كانت قد اقسمت بأن هذا السر سيدفن معها ولكنها مازالت حتى تلك اللحظة تعاني وجع تلك الذكرى المفجعة التي قد تعد هينة وفخر لفتاة تعيش بأحضان امريكا المتطورة بعاداتها التي تشبه العهر، ولكن لفتاة مثل "رؤى" تنكر اصولها العربية يكون ذاك الوجع متسلسل حتى الرمق الاخير من روحها البائسة!... توقف الاتوبيس اخيراً أمام العمارة، لتنادي أحدى المشرفات على "روجينا" لتخبرها بأنها وصلت لوجهتها، فهبطت هي ورؤى للاسفل ومن خلفهما "بدر" الذي حمل الحقائب على كتفيه ومن ثم اتبعهما، كادوا بالصعود للاعلى ولكن استوقفهم صوت مألوف إليهما، فاستداروا تجاه الجهة الاخرى من الطريق فوجدوا "نادين" تلوح لهما من نافذة السيارة التي تقترب من مدخل العمارة ليهبط منها أبيه ووالدته وتسنيم، أسرع "بدر" اليه ليندث بأحضانه بشوقٍ: _أبوي.. لف "سليم" ذراعيه حول ابنه بابتسامة حنونة ثم ردد بفرحة: _اتوحشتني اوي يا ولدي، طمني عليك وعلى اختك.. ابتعد عنه وهو يجيبه بابتسامة هادئة: _الحمد لله بخير، انتوا اللي عاملين ايه؟ أجابه سريعاً: _كلنا بخير.. دفعته نادين برفقٍ، لتحتضن ابنها، ومن ثم ابتعدت عنه لتردد بحزنٍ: _مالك كده يا ابني خسيت النص وحالك عدم كده... انت مش بتاكل ولا ايه؟ تعالت ضحكاته لسماعه كلماتها المعتادة، فقال بمرحٍ: _ازاي بقا، ده الشيف حور نازلة علينا بالطواجن ليل نهار! انكمشت تعابيرها حزناً: _قلبي واكلني عليها... يلا نطلع نطمن عليها الاول. أومأ برأسه لها فاستدارت لتشير لمن خلفها قائلة: _يلا نطلع احنا يا تسنيم وهما هيجبوا الشنط وهيجوا ورانا.. هبطت من السيارة وهي تخبرها على استحياءٍ: _انا هسيب شنطتي تحت لما اطلع اطمن على حور الاول وبعد كده هركب تاكسي واروح السكن.. وقف "سليم" مقابلها لتشير لها بصرامة: _سكن أيه اللي هتروحيه، انتي هتقغدي اهنه مع الحريم.. كادت بمقاطعته، فرفع حاجبيه بحزمٍ انهى به النقاش المحتد فيما بينهما: _الكلام اللي بقوله مفيش بعديه نقاش، انتي اهنه في ضيافتنا.. قالت بخجلٍ: _انا والله ما قصدي اكسر كلام حضرتك بس انا مش عايزة أسببلكم ازعاج.. لفت "نادين" يدها حولها، ثم قالت: _سيبك من الكلام اللي هيزعلنا ده، انتي مش عايزة تكوني جنب حور ولا ايه؟ قالت بكل تأكيد: _طبعاً. حستها على اتابعها للاعلى قائلة: _طيب يلا.. ************ بشقة الفتيات.. بعض الآلام الظاهرة على تعابيرٍ الوجه هينة أمام وجع القلب الذي يئن بصمتٍ، يئن بسكونٍ خشية من أن يستمع إليه أحداً، فربما أن علم أحداً ما يوجعه لإنقلب الأمر لعتابٍ قاسي، هكذا كان ينزف قلب "حور" في صمتٍ تام، قرب "أحمد" منها بتلك اللحظة العصيبة جعلها تتمنى وجوده لجوارها دائماً، تتمناه حبيباً وزوجاً، ولكن ذاك الحلم ليس تمتلك حتى الحق به، انتبهت من غفلتها القصيرة على صوتٍ قرع باب غرفتها، فلم تكن سوى "تالين" تحمل الطعام إليها، وبعض المشروبات الساخنة، ولجت والابتسامة مرسومة على وجهها، لتقدم لها الكوب قائلة: _ طمنيني أخبارك أيه النهاردة؟ .. أجابتها بصوتٍ واهن: _الحمد لله بخير.. ثم تناولت الكوب منها، لتردف بضيقٍ: _أنا حاسة أني عاملة جراحة خطيرة وانتي بتقومي بالواجب معايا، مش كده يا بنتي هزيد ٢٠كيلو! لوت فمها بتهكمٍ: _يعني لا كده عاجب ولا كده عاجب، انتي مينفعكيش الدلع على فكرة. ابتسمت وهي تجيبها: _انا عايزة اقوم أعمل أي حاجه لنفسي المهم أقف على رجلي.. قطع حديثهما رنين الباب، فأشارت لها تالين ساخرة: _هفتح الباب وأجي نكمل حوارنا. وتركتها وتوجهت للخارج.. *********** دث المفتاح بباب شقته ثم ولج ليجلس على اقرب مقعد ويديه تحك مقدمة رأسه بألمٍ شديد، انتبه "يحيى" لسماع خطوات تقترب منه، ليجد "إلهام" المربية أمامه تخبره باهتمامٍ شديد: _بشمهندس يحيى كان في حاجه عايزة ابلغها لحضرتك. أزاح يديه عن رأسه ثم قال بمللٍ: _حاجة أيه! أجابته على الفور: _مدام "ماسة" من بعد ما حضرتك نزلت الصبح وهي بترجع و تعبانه .. تطلع لها بصدمةٍ، فقال بصعوبةٍ وهو يحاول ابتلاع ريقه: _طب هي فين؟ أجابته بهدوءٍ: _اديتها مسكن ونايمة... صمت قليلاً وكأنه يصارع ما يهاجمه من أفكار سودوية قد يكون نهايتها غير محسومة بالمرة، ثم قال: _لبسيها عشان هننزل للدكتور. أشارت له بانصياعٍ ثم تخفت من أمام عينيه لتتركه بدوامته المميتة.. ********* ما أن خلت الغرفة من أبيها ووالدتها بعدما اتطمئنوا عليها حتى همست لرفيقتها بلهفةٍ: _خالك مسافرش برضه.. بمجرد ذكرها له، جعل جسد "تسنيم" يهتز بعنفٍ وكأنه عاد ليلامسها من جديد، فازدردت ريقها بصعوبةٍ بالغة ثم قالت: _لا بس انا مكنتش هقعد معاه في بيت واحد تاني.. ربتت حور بتفهم على ذراعيها: _أحسن، عشان متديش لنفسك فرصة تفتكري اللي فات.. انهمرت دمعة خائنة على وجهها، فازاحتها سريعاً ثم قالت بصوتٍ مختتق: _مين قالك اني نسيته يا حور، أنا مبعرفش انام وكل ما بفتكر اللي كان بيعمله فيا ببقى عايزة اقتله بايدي.. شاركتها البكاء الصامت ثم قالت بتأثرٍ: _حسبي الله ونعم الوكيل فيه، ربنا ينتقم منه ويشوفه في بناته عشان يحس بوجعك.. استوقفتها بضيقٍ: _لا بناته ملهمش ذنب.. انقطع الحديث بينهما حينما ولجت "رؤى" للداخل لتطمىن عليها، فجلست لجوارها تتساءل عن حالها بينما انغمست تسنيم بارتشاف كأسها الموجع من جديد.. ********* سحبتها "روجينا" داخل غرفتها ثم اغلقت الباب، فقالت "نادين" بحيرةٍ: _أيه المهم اللي مخليني سبت الطبيخ وجيت معاكي اوضتك يا ست روجين؟ رسمت ابتسامة مصطنعة وهي تجيبها بارتباك: _وحشاني يا نودي الله، وبعدين انتي جاية من اخر الدنيا عشان تقفي تطبخي! ابتسمت وهي تجيبها: _مش بطبخ بعمل اكل خفيف كده للعشا عشان حور تاخد ادويتها.. هزت رأسها ثم قالت: _اقعدي انتي بس معاها وانا هرتب الشنط وهطلع انا وتالين هنظبط الدنيا.. احتضنتها وهي تردد بمرح: _طول عمرك جدعة يا بت.. بادلتها الابتسامة وهي تتدعي التهائها بترتيب ما بحقيبتها بداخل الخزانة، فقالت بمكرٍ: _قوليلي يا نودي، هو انتي تعرفي حد في بلادنا من المغازية؟ ضيقت عينيها باستغرابٍ: _بتسألي ليه؟ ابعدت خصلات شعرها خلف اذنيها ثم قالت بتوتر: _لا مفيش اصلي مصاحبة بنت من عيلة المغازية بس لما عرفت انا بنت مين بعدت عني فاستغربت يعني!.. احتدت نبرتها وهي تحذرها: _وانتي كمان ابعدي عنها هي مش أحسن منك... تسائلت بخبث: _ليه ابعد عنها؟ ، مهو أنا مش فاهمه تصرفها ده سببه ايه؟ اجابتها نادين بهدوء: _بصي يا بنتي انا معرفش الحكاية بالتفصيل بس اللي أعرفه أن اللي بين الدهاشنة والمغازية سيل دم، وهما اللي قتلوا جدك "وهدان" الله يرحمه وحرقوا ارضينا وممتلكاتنا.. فزعت لما استمعت اليها، فتسائلت بصدمة: _قتلوه!! ، طب كل ده ليه؟ قالت بضيقٍ شديد: _بيقولوا انهم اتبلوا على جدك واتهموه إنه اتعدى على مرات كبير المغازية وقتلها.. انقطع مجرى تنفسها لسماع العائق بين العائلتين، فقالت بارتباك' _طب ليه محاولوش يعرفوا الحقيقة! قالت باندفاع شدبد: _لانهم مش عايزين يصدقوا غير كده، حجة يقضوا بيها علينا عشان البلد ميكنلهاش كبير غير واحد بس وطبعاً يكون منهم هما.. صفنت بكلماتها التي قبضت روحها وزهقت قلبها المئن، فبعد سماع تلك الحقائق البشعة ليس هناك أمل ولو ضئيل بتقبل أحداً ما تكنه بداخلها لفرد من افراد المغازية وخاصة حينما تعلم بكنايته!! *********** طرق على باب الغرفة مرتين متتاليتن ومن ثم حينما استمع لاذن الدخول، ولج أحمد للداخل، فاحنى رأسه أرضاً حينما وجد "تسنبم" بالداخل، فاقترب من الفراش ليتساءل وأعينه لا تفارق الأرض: _عاملة ايه النهاردة يا حور أحسن؟ استمعت لصوته بأنفاسٍ تختلج لسماع المزيد، وبصوتٍ ثقيل قالت: _الحمد لله يا أحمد، تسلم على سؤالك.. رفع عينيه مقابلها ليضع الحقيبة الصغيرة من يديه على الكومود الصغير ثم قال: _انا جبت المرهم اللي مكناش لقينه واحد صاحبي جبهولي شحن من برة.. تسللت الفرحة لوجهها، فاهتمامه بها يروق لها كثيراً، فحررت أحبالها المتوقفة لسماعه قائلة: _مش عارفة اشكرك على اللي عملته معايا ازاي! منح لعينيه نظرة أخرى وهو يجيبها: _مفيش تعب ولا حاجة، المهم ربنا يقومك بالسلامة.. ثم تطلع تجاه تسنيم ليستطرد: _عن اذنكم. أومات براسها بهزة بسيطة ومن ثم عادت لتراقب حور التي تتأمل رحيله باعين متلهفة تترجى بقائه في صمت، فما ان تطلعت لرفيقتها حتى قالت الاخيرة بشكٍ: _لا انا لازم اعرف حكايتك أيه بالظبط؟ ********* الظلام يخيم على الغرفة التي ملأها السكون، ومن بين ذاك العاصف والهائم صوت حركة خفيفة تسودها، فما كان سوى صوت دوار المقعد الذي يدور بحركةٍ ثابتة مخيفة، ليتوقف عن الحركة حينما استمع لصوت الهاتف المترقب، فتسللت الضحكة الخبيثة على وجه سيده الذي يعتلي جسد المقعد الاسود، وخاصة حينما لمع الهاتف باسمها، ليهمس من خلفه بفحيحه المخيف: _بتسبقيني دايماً بخطوة!!.. #الفصل_السادس_عشر.. رنين الهاتف صنع له موسيقى خاصة تطرب خطته الذي صنفها عبقرية لسرعة تحقيق رغباته دون عناء، تجاهل "أيان" أول مكالمة صادرة من هاتفه قصداً ثم جذب هاتفه حينما دق للمرة الثانية، رفعه لآذنيه ببطءٍ شديد ليستمع لصوتها الذي بات مألوف اليه، فردد بلهجته الثابتة: _اكتشفتي اللي بين العيلتين بسرعة كبيرة أنا نفسي متوقعتهاش.. أتاه صوتها المتردد بالحديث: _أيوه كان عندي فضول أعرف.. =ولقيتي أيه! _اللي عرفته وترني وخلاني متلخبطة، بس أنا واثقة ان مهما حصل بينهم فأكيد في سوء تفاهم. ابتسامة اعتلاها الشر بوسامٍ مخيف ارتسمت على شفتيه التي لفظت: _مفيش سوء تفاهم يا روجينا جدك قتل أمي وأنا قتله بإيدي! صدمت مما استمعت اليه، فباتت كلماتها غير مرتبة: _اللي ماتت مامتك! بفحيح الشر الخبيث نطق: _يعني استغربتي اني ابنها ومستغربتيش اني قتلت جدك! بقلبٍ مفطور بح نبرتها قالت: _لاني ميهمنيش حاجه غيرك أنت يا أيان، أنا مستغربة انت عملت فيا أيه، ازاي قدرت أحبك بالسهولة دي بالرغم اني مع أحمد من سنين وعمري ما مشاعري اتحركت نحيته! ازدادت ابتسامته، ومن ثم لف مقعده بعجرفةٍ اتبعت قوله الصريح: _تقدري تقولي اني عندي سحري الخاص ولا ايه! استمع صوت ضحكاتها، فقال قبل أن يغلق الهاتف: _بكره هشوفك.. وأغلق الهاتف دون أن يخبرها بأي مكان سيلتقي بها او أي ساعة، تركها بحيرة أخرى تدفعها بالتفكير به كل ثانية وكأنها أحدى سمات شخصه الغامض ان يدفعها بالتفكير المجبر به!.. ********** توقفت سيارته أمام أحدى العيادات الخاصة بالنسا بعد تفكير عميق بتغير وجهته ليتابع مع الطبيب المعالج لحالة "ماسة"،ولكنه اقتنع بالاخير ان عليه قطع شكوكه باليقين أولاً قبل الذهاب إليه، هبط" يحيى" أولاً ثم فتح باب السيارة مشيراً لها بحنان: _انزلي يا حبيبتي.. حملت "ماسة" الحلوى التي تحملها على قدميها ثم هبطت تستكشف المكان الذي أتى بها اليه، فذمت شفتيها باستياءٍ: _فين الحديقة أنت قولتلي هتوديني! أغلق باب السيارة ثم جذب يدها ليجيبها ببسمةٍ رسمها بالكد: _انا عمري وعدتك بحاجه ومنفذتهاش. هزت رأسها بالنفي، فاستطرد قائلاً: _هنروح مشوار صغير وبعد كده هنروح، اتفقنا؟ ابتسمت لتشرق ظلام قلبه، فخرج صوتها رقيق ناعم: _اتفقنا. ابتسامته الهادئة خبئت خوفه العظيم مما سيجتازه بعد قليل، صعد بها للأعلى، فدون إسمها بدفتر الممرضة الخاص، ثم عاونها على الجلوس على الأريكة لجواره، تجاهل نظرات النساء لزوجته التي تبدو من الخارج كطفلة صغيرة غواها أحد الرجال الطالحين، لم يتجاهل نظراتهن قط بل العالم الذي توقف من حوله بأكمله ليستيقظ على صوت الممرضة التي تشير له لتلفت انتباهه: _مدام "ماسة"، اتفضلي .. انتصب بوقفته ثم جذبها وهو يردد بابتسامةٍ صغيرة: _يلا يا حبيبتي.. اتابعته للداخل وعينيها تطوف بالمكان بتعجبٍ حتى حينما ولجت للداخل وفحصتها الطبيبة، اتبعت تعليماتها على وعد منه بإنه سيأخذها للحديقة فور الانتهاء مما تفعله، وبالفعل بعد فحص دقيق اتضح شكوك الطبيبة، فجلست على مقعدها ثم خلعت نظاراتها الطبية لتلقي حديث غير مهندم بطريقةٍ مقززة تحمل شكوك تجاهه: _البنت حامل، ولو حضرتك فاكر انك جيت هنا عشان تحل الموضوع ده فتبقى غلطان انت في مكان محترم.. شكوكها ربما بمحلها فماسة تبدو كالطفلة الصغيرة وخاصة حينما خسرت من نصف وزنها تقريباً، والحلوى التي تتناولها وطريقتها بالحديث أضافت لها طفولة بعد بلوغها، فظنت تلك الطبيبة ومن بالخارج بأنه يستغل مرض تلك الفتاة، وبالطبع الحديث المسيء التي القته على مسمعه لم يكن من السهل على رجل شرقي، صعيدي تقبله بمنتهى البساطة، لذا ثارت حدقتيه في زقاقٍ مروع، فنهض عن مقعده قائلاً بحدةٍ: _اللي قاعدة قدامك دي تبقى مراتي على سنة الله ورسوله.. وألقى بملفها الذي يحمل تفصيل دقيق لحالتها بوجه الطبيبة ثم استطرد بلهجة خشنة: _لولا انك واحدة ست انا كنت ندمتك على الكلام اللي قولتيه ده. وجذب يدها برفقٍ: _يالا يا ماسة.. خرج من تلك العيادة وعقله مازال حبيس لتلك الكلمة التي كسرت شكوكه، بالبداية كانت مجرد شكوك ولكنها الان واقع بائس، فكيف لطفلة أن تحمل بطفلٍ أخر؟ لا يعلم كيف قاد السيارة تجاه الحديقة، فجلس على الاريكة المقابلة للارجيحة التي اعتلتها ماسة، نظراته مسلطة عليها ولكنه شارد باتجاه أخر، فأخرج هاتفه ثم طلب أحد الأرقام ورفع الهاتف اليه ينتظر سماع صوت المتصل به، فما ان اتاه صوت"آسر" حتى قال بصوتٍ واهن: _شكوكي كانت بمحلها يا آسر، ماسة حامل! ********* وضع "أحمد" الأكياس الممتلئة بالمؤكلات الطازجة بالمطبخ ثم قال بابتسامةٍ هادئة: _جبتلك كل الطلبات اللي حضرتك قولتي عليها.. تناولت منه "نادين" الأكياس وببسمة ممتنة قالت: _تسلم يا أحمد، انت عارف "بدر" راجع من اسكندرية تعبان ومش قادر يقف.. عاتبها بقوله: _مفيش فرق بينا، هروح أشوف عمي لو محتاج حاجه عن أذن حضرتك.. رددت في ود: _إذنك معاك يا حبيبي.. وكاد بالخروج، فتوقف محله حينما وجدها تقترب من المطبخ بالأكواب الفارغة التي تحملها، فما أن رأته حتى امتعضت معالمها بضيقٍ شديد وكأنها لم تود رؤيته، فشعر أحمد بذاك جيداً ولكنه تجاوز احساسه الدائم نحوها ثم قال بلهجةٍ شبه ساخرة: _حمدلله على السلامة.. أجابته روجينا ببرودٍ، رغم لمساتها لسخريته الظاهرة: _الله يسلمك شكراً.. منحها نظرة جافة وكأنما يعاتبها على جراءتها بالرد عليه وعدم اعترافها بأنها ارتكبت خطأ حينما سافرت دون إخباره، سئم معاتباتها الدائمة التي جعلته يمل من ذاته قبل أن يمل منها، لذا أكمل طريقه بالخروج دون أن يضيف حرفاً واحداً، بينما ولجت هي للداخل لتضع الاكواب، فاستوقفتها من راقبت الوضع بينهما بصمتٍ، فتساءلت بشكٍ: _هو في حاجه بينكم يا بنتي، أحسن أحمد باين عليه انه متضايق من حاجة! زفرت بتأففٍ شديد ثم قالت بعصبيةٍ: _هو دايماً كده، أنا كرهته بسبب تحكماته. بحكمةٍ ووعي تساءلت: _طب بس قوليلي ايه اللي حصل؟ قالت بايجازٍ شديد: _متضايق عشان سافرت اسكندرية من غير ما اقوله، عايز يفرض عليا تحكمات من دلوقتي! ذهلت من تفكيرها الخاطئ تجاهه، فاستجمعت هدوائها أولاً ثم قالت: _بس هو مش غلطان يا روجين، أحمد معاه حق لانه لازم يعرف كل حاجه عنك مش كلها كام شهر وهيبقى جوزك يا بنتي! سماعها لتلك الحقيقة الملموسة جعلها تستشيط غضباً، فتهربت من هذا الحديث الذي سيفيقها من حلمها الذي يجمعها بفارس أحلامها الغامض، وكأنها ارتشفت كأس من النبذ لا تريد الافاقة منه، فاستأذنت منها قائلة: _ورايا محاضرات كتير بكرة، تصبحي على خير. وتركتها وغادرت لغرفتها سريعاً والاخرى تراقبها بنظراتٍ ساهمه تحاول بها التسلل لرأسها علها تفهم ما أصابها.. ********** بغرفة "حور".. كانت ممددة على الفراش المجاور لها، تستمع اليها بحرصٍ شديد، وما أن انتهت" حور" من الحديث عن مشاعرها تجاه أحمد، حتى قالت تسنيم: _بس كل ده غلط يا "حور"، لانه في الاول والأخر مش هيكون ليكي، واديكي نطقتي بلسانك ان فرحهم متحدد يعني تفكيرك فيه مش هيسببلك غير الوجع.. انزلقت الدمعات تباعاً من عينيها تأثراً بكلماتها الموجوعة، فخرج صوتها شبه مسموع من أثر البكاء: _كل اللي بتقوليه ده انا عارفاه يا تسنيم، بس صدقيني غصب عني. ثم ابتلعت ريقها على مهلٍ وهي تستطرد: _بس اوعدك اني هحاول انساه واخرجه من تفكيري.. منحتها ابتسامة صغيرة محملة بالشفقة على حالها، فشعرت بحاجتها للإنفراد بذاتها لذا أغلقت عينيها باستسلام لنومٍ يصاحبه تفكير بالآسر الذي أسر قلبها المعقود بألف عقدة ومشوش بخوفٍ يهدده.. ******** خيط الشمس الذهبي انسدل ليغطي ضوئه العالم المحيط بها، فانحدرت على تلك البقاع المتطرفة بالصعيد لتمنحها مظهر رباني مبدع، ومن بينهما منزل كبير الدهاشنة القابع بمنتصف الصعيد، فألتفت الكاميرا التي تنقل ذاك المشهد المهيب لتتسلط على الاسطبل القريب منه، حيث يجلس ذاك العاشق الذي بات قلبه يهاجمه بشراسةٍ ليجعله يفق لذاك الحب الذي ولد بداخله تجاهها، فحتى حينما يفكر بها ترسم البسمة على شفتيه القاسية، نعومة لمساته لذلك الفرس الصغير جعلته يشعر وكأنه يلامس وجهها الأبيض الرقيق، فازدادت ابتسامته الجذابة حينما تذكر ما حدث بالأمس، مازال يتذكر خوفها الشديد حينما هاجمها "همام" فتعلقت به بخوفٍ، مازال يذكر أصغر التفاصيل التي تتعلق بها، حتى ذاك اللقاء القصير قبل صعودها لسيارة عمه، نهض "آسر" عن مقعده بحزمٍ اتخذه بجدية، فصعد لظهر فرسه الجامح ليتجه ناحية المزارع، ومن خلالها سلك الطريق تجاه أرض العم "فضل"، فاتسعت ابتسامته حينما وجده يجلس بمكانه المعتاد ولجواره كان يقف رجل كبير بالعمرٍ وعلى ما بدى له بأنه من أقاربه، لا يعلم بانه من سلب النوم من أعين من أحب، وربما يكون السبب فيما سيواجهه من صراعٍ قاتل.. دنا "آسر" منه ثم قال بإبتسامةٍ عذباء: _صباح الخير يا عم فضل.. برزت أسنان ذاك العجوز المبتسم وهو يجيبه بوقارٍ: _صباح النور يا ولدي، اتفضل.. جلس آسر جواره فأشار فضل لمن يتابع ما يحدث قائلاً باهتمامٍ: _ده بشمهندس آسر يا عباس ابن كبير الدهاشنة فهد بيه.. هز رأسه البغيض بتحيةٍ سريعة، ليستطرد العم فضل قائلاً: _وده عباس نسيبي. حياه آسر بتهذبٍ: _أهلاً بحضرتك.. ثم عاد ليتطلع اليه بإرتباكٍ، لا يعلم بماذا سيبدأ بحديثه، فحك طرف أنفه وهو يردد: _أنا كنت عايزك في موضوع يا عم فضل. منحه العم اهتماماً كبيراً بسؤاله: _انت تؤمر يا ولدي.. استجمع زمامه وهو يتحدث تلقائياً دون لف أو دوران حول الحديث المتلقى: _أنا كنت بستأذنك أني أجيب والدي والعيلة ونيجي نطلب أيد بنتك.. رمش العم فضل عدة مرات وكأنه يحاول استيعاب ما استمع اليه لتو، فقال بتشتتٍ: _بنتي أني!، لمين؟ ابتسم آسر ثم قال: _أيه يا راجل يا طيب، أنا مش مالي عينك ولا أيه! انتفض قائلاً: _ده انت سيد الرجالة وتملى عين التخين، بس أني متفاجئ بالموضوع أنت عايز تتجوز بنتي أني!، يمكن اختلط عليك الأمر يا ولدي وتقصد حد تاني.. نهض آسر عن الأريكة المتهالكة ثم عدل من قميصه وهو يجيبه بجديةٍ: _أنا طالب ايد بنتك تسنيم يا عم فضل، ولو مرحب بينا أجيب والدي ونيجي نزور حضرتك.. حاول النهوض هو الأخر فعاونه آسر، فردد الاخير بسعادةٍ: _تنورونا وتشرفونا في أي وقت، احنا فديك الساعة اللي نناسب فيها فهد بيه الراجل المحترم اللي كلمته تهز الصعيد كلتها. ربت على كتفيه وهو يمدحه: _تسلم يا عم فضل، بكره بليل بعد العشا هنكون عندك. وودعه ثم أنصرف والأخير مازال يراقبه بعدم تصديق، أما "عباس" فكانت عينيه تثور كبركان خمد لأعوام وحان موعد انفجاره! ********** بشقة "يحيى" استمع لطرقات باب شقته الغريبة، ففتح بابه ليجد من يقف أمامه طارقاً بابه بعصاه الانبوسية المذهبة، فارتسمت ابتسامته على وجهه ليحتضنه وهو يردد بفرحة: _خال "سليم"! احتضنه سليم هو الاخير ثم قال بضيقٍ مصطنع: _لقيت واد أختى معيزش ينزل يسلم عليا فقولت نطلعوا ونشوفوا في ايه؟ طل" بدر"و"أحمد" و"عبد الرحمن" من خلفه، فأشار لهما بترحابٍ: _متأخذنيش يا خال والله ما أعرف أن حضرتك وصلت، اتفضلوا.. ولجوا للداخل جميعاً، فقال "بدر" بتسليةٍ: _وأنت هتعرف منين طول ما انت حابس نفسك هنا! ارتسم الحزن بارزاً على تعابير وجهه، فقال: _أنا امبارح مكنتش بالبيت انا وماسة.. سأله عبد الرحمن باستغرابٍ: _أيوه صحيح انا روحتلك المصنع بعد العصر قالولي مشى من بدري كنت فين؟ رد عليه بألمٍ صاحب نبرته: _كنت مع ماسة عند الدكتورة.. انتفض أحمد بلهفة: _ليه مالها فيها أيه؟ ابتلع ريقه الجاف ببطءٍ، وقد طال صمته الذي زرع الشك بقلب أحمد تجاه تكرار فعلته، فكاد بأن يسأله مجدداً ولكن سبقه عمه حينما قال: _مالها ماسة يا ولدي، طمنا! وزع نظراته بينه وبين أحمد قبل أن ينطق ببطءٍ: _"ماسة" حامل يا عمي!.. #الفصل_السابع_عشر... خيم السكون على الوجوه قليلاً، وكأن بعضهما يحاول استيعاب ما تفوه به "يحيى" منذ قليل، على عكس "أحمد" الذي انتفض من محله وهو يردد بصدمةٍ: _حامل ازاي!!! ثم اقترب ليقف مقابله ليتابع حديثه المتعصب بغيظٍ: _ادي أخرة عمايلك السودة، تقدر تقولي ازاي طفلة هتحمل في طفل!!.... هتقدر ازاي تتحمل مسؤوليته وهي بالحالة دي، جاوبني ساكت ليه؟ تثاقل جسديه والأخر يدفعه بعنفٍ، انقطعت لحظات الصمت المتبادلة بين من يحاول استيعاب الكلمات التي لفظ بها ابن شقيقته، فرفع عينيه تجاه الحرب المندلعة بينه وبين أحمد، وازدادت بتدخل "بدر" وعبد الرحمن الذي يحاول كلاً منهما أبعاد أحمد عنه، نهض عن الأريكة ليطرق بعصاه الانبوسية الأرضية ضربتين متتاليتين وهو يصيح باندفاعٍ: _كفياك يا "أحمد"، معملش احترام ليا ولا لحد من اللي قاعدين! أنساه الغضب إنه يجلس بحضرة احداً من كبار العائلة، ففور سماعه لكلمات عمه الغاضبة حرر ياقة "يحيى" على الفور، ثم تراجع خطوة للخلف قائلاً بخزي: _أنت على رأسي من فوق يا عمي، متاخذنيش بس مقدرتش اتمالك اعصابي.. نقل "سليم" نظراته تجاه يحيى ثم قال: _اللي حصل حصل خلاص والكلام مبقاش له فايدة، جهز نفسك يا ولدي عشان من الصبح هتتدلى الصعيد مع عبد الرحمن ووالدته، ماسة محتاجة رعاية محدش هيعرف يقوم بيها غير أمها.. ثم أشار اليه وهو يهم بالخروج: _وإحنا كلها كام يوم وهنحصلكم، تكون حور بقت زينة.. وتركهما وهبط للاسفل، فجلس "عبد الرحمن" جوار "أحمد"، ثم ربت على قدميه قائلاً في محاولة لتهدئته: _يمكن ده الخير ليها يا أحمد.. منحه نظرة قاسية، ومن ثم نُقلت ليحيى، ليلقيه بكلماته القاسية: _أنت السبب في كل اللي حصلها ده، اللي عملته هيدمر بيه كل اللي عملناه زي ما أنت كنت السبب في البداية بالحالة اللي بقت فيها. أجابه يحيى بقهرٍ اصطحب نبرته المنكسرة: _اللي حصل كان غصب عني وأنت عارف ده كويس.. رفع حاجبيه ساخراً: _مفيش حاجه اسمها غصب عنك، أنت اتخليت عنها في أكتر وقت كانت محتاجالك فيه.. صرخ بجنونٍ، وكأنه يحاول ان ينفي تلك التهمة الشنيعة عنه: _محصلش، أنا مقدرتش انزل مصر بعد الحادثة اللي حصلتلها لاني مكنتش هقدر أتحمل اشوفها كده، اللي حصل كان صعب عليا أكتر ما هو صعب عليها.. ابتسامة ساخرة احتلت ثغر "أحمد" ليردد باستهزاءٍ: _واللي وصلت ليه دلوقتي كويس! وباندفاع أكبر صاح بصوتٍ مرتفع: _"ماسة" كانت حاسة بالوحدة، وكانت عايزاك جنبها تتطمنها وتوسيها على موت ابنها بس أنت إخترت الهروب يا يحيى، اخترت تفضل بلندن أفضل من وجودك جنبها، ومنزلتش غير بعد الحالة النفسية اللي بقت فيها لحد الآن، ولما مديت ايدك ليها وخرجتها من اللي كانت فيه رجعت ووقعتها تاني في دايرة أكبر من اللي كانت فيها، الدكتور شرحلك حالتها كويس جداً ومع ذلك قربت منها ودي النتيجة! لمع الدمع بعينيه، فقال بصعوبة بالحديث: _كل اللي بتقوله ده غلط يا "أحمد"، أنا مقدرتش أكون جنبها لأني كنت ضعيف، خوفت أضعفها وحالتها تسوء أكتر، واللي حصل ده صدقني أنا معرفش عملت كده ازاي، يمكن أكون ضعفت أو مكنتش في واعيي بس الأكيد إني مش فرحان بحملها ده وأنا عارف أد أيه في خطورة عليها.. لم تتلاشى تلك الابتسامة الساخطة عن ثغره، فقال بعد سماعه ما قال: _مش هتبطل تدور على أعذار يا "يحيى"! تدخل" بدر"أخيراً بينهما، فدفع أحمد للخلف ومن ثم صاح متعصباً: _كفايا بقا يا "أحمد"، مش كلنا عندنا المقدرة والقوة أننا نواجه المصايب، حاول تستوعب ده، محدش فينا شكل التاني.. نهض"عبد الرحمن" هو الأخير، فدفعه تجاه باب الخروج وهو يردد بهدوءٍ: _تعالى نكمل كلامنا تحت.. سحب يديه بقوةٍ منه: _مش نازل، أنا مش جبان زيه عشان أهرب من المواجهة.. لكمه "يحيى" بشراسةٍ وهو يردف بتعصبٍ: _أنت زودتها أوي! صوت مرتعش، باكي، تسلل لمسمعهم، فجعل الغضب يبتعد عنهما كابتعاد السماء والارض، حينما وجدوا "ماسة" تختبئ خلف الحائط وتهمس ببكاءٍ وخوف: _"يحيى".. ترك أحمد ياقة قميص يحيى، وابتعد عنه على الفورٍ، حتى لا يخفيها أكثر من ذلك، بينما هرع إليها حماها ليجذها لأحضانه ومن ثم حثها بأن تدلف معه للداخل وهو يردف بابتسامةٍ مصطنعة: _مفيش حاجة، متخافيش.. تعلقت به ونظراتها تحيط بأحمد بعدوانيةٍ شديدة، بينما دفعه بدر بغضب تجاه باب الشقة: _ارتحت! ... اتفضل إنزل بقا. انصاع اليهما ولحق بعبد الرحمن للاسفل، فأغلق بدر الباب من خلفهما ومن ثم هبطوا سوياً للاسفل.. ************ عاونتها على النهوض من الفراش، ومن ثم اتبعت خطاها لخارج تلك الشرفة التي تعدها الازهار البيضاء وأوراق النعناع المزروع بعنايةٍ على حافة أسوار شرفتها، التقطت "حور" نفساً عميق، وكأنها حُرمت من حريتها لأعوامٍ وليس لساعاتٍ قليلة، في تلك اللحظة حمدت الله الف مرة على أن الحرق لم يحدث بها اصابات بالغة، وإنما استهدف جزء صغير من ذراعيها وقدميها، استدارت برأسها تجاه "تسنيم" التي تقبض على معصمها بقوةٍ، وكأنها تخبرها بأنها رباط الصداقة القوي الذي لن يقهره الأيام مهما صار، منحتها ابتسامة مشرقة وهي تخبرها: _الجو النهاردة جميل، والأجمل إنك خرجتي من أوضتك.. ابتسمت "حور" وهي تجيبها: _ماما و"تالين" مكبرين الموضوع وحبسني باوضتي على السرير ال٢٤ساعة، مفيش غيرك اللي حن عليا وخرجني.. رفعت كتفيها بتفاخرٍ: _عدي الجمايل دي.. تعالت ضحكاتها وهي تشاكسها: _بعد وبجمع لما نشوف أخرتها. امتزجت ضحكاتهن سوياً، فقطعهما رنين هاتفها للمرة الثالثة، اشبعت نظرات فضولها حينما قالت: _دي ماما، مش عارفة من الصبح بترنلي ليه.. قالت مسرعة: _طب ما تردي يمكن يكون في حاجة.. أومأت برأسها وهي تحرر زر الإجابة، لتباشر بحديثها معها، ومن ثم تبدلت معالمها للغضب الشديد، ليعلو صوتها الهادئ: _تاني يا ماما، أنا بقيت بكره زيارات أخوكي دي عشان كل مرة بيطلع بعريس أنيل من اللي قبله.. اتاها صوتها المعاتب: _عيب يا تسنيم قولتلك الف مرة معتيش تتكلمي بالاسلوب ده عن خالك، وبعدين أنا معرفش اذا كان هو اللي جايبه ولا مين، ما انتي عارفة ابوكي مش بيتكلم مع حد بس المرادي شكله مبسوط من العريس ده.. بضيقٍ شديد قالت: _أكيد هو اللي جايبه ومجايبه انتي عارفاها كويس.. قالت بتأففٍ: _الكلام ده مالوش لازمة دلوقتي، الناس جاية بكره بليل يعني تسافري باقرب وقت، بلاش تخلي ابوكي شكله وحش قدام الناس، وفي الاول والاخر محدش هيجبرك على حاجه لو معجبكيش ارفضيه.. أغلقت معها الهاتف وعلامات التذمر والضيق الشديد بادية على وجهها، فلم تكن "حور" بحاجةٍ لسؤالها عما أصابها لسماعها المكالمة كاملة، فاختارت تصبيرها بكلماتٍ أسكنتها برداء الس\كينة، فاستعدت للسفر بالغد حتى ترى ذاك العريس المبجل! ********** مرت ساعة كاملة ولم يعجبها أي من ثيابها بعد، تود أن تقابله اليوم في أبهى صورة تجعل عينيه لا ترى غيرها، انتهت "روجينا" أخيراً من إختيار فستان أزرق بسيط، منحها مظهر رقيق للغاية، ومن ثم ارتدت حذائها الاسود وحجابها بعنايةٍ فائقة، ومن ثم اتجهت للجامعة والحيرة تسكن خلاياها، فحتى أنها لم تبالي بحضور محاضراتها الاساسية، بل جلست بأحدى كافيهات الجامعة وعينيها تلتفت حولها بين الحين والآخر بمللٍ، فهمست لنفسها بتذمرٍ: _مقاليش هيقابلني أمته وازاي! _مش مهم، لأنك قدامي طول الوقت والقرار بظهوري يعود ليا أنا.. أتاتها تلك الإجابة من خلفها، التفتت بلهفةٍ، فاتسعت ابتسامتها حينما رأته يقف أمامها باناقته المعتادة، حتى طريقته بالحديث تستهدف قلبها وعقلها معاً، سحب "أيان" المقعد المقابل لها ثم جلس مقابلها بصمتٍ تعمد ان يطول، تاركها تتأمله على استحياءٍ، وتترقب سماع ما سيقول، فأشار بيديه للنادل الذي أتى ليدون طلبه الدقيق لقهوته المفضلة ومن ثم بدأ بالحديث قائلاً: _مكنتش متوقع إنك هتعرفي كل حاجه بالصدفة دي! بدى الارتباك سيداً عابراً على معالمها، فرددت: _أنا مش عايزة اتكلم في اللي فات، العداوة اللي بين العيلتين أنا وانت مش سبب فيها.. رسمت ابتسامة خبيثة معتادة على وجهه، فتساءل بمكرٍ: _أياً كان اللي بيجمع العيلتين فعلاقتنا شبه مستحيلة يا روجينا... وبخبثٍ استطرد: _بعترف اني أول مرة أعجب ببنت، بس المضحك في الموضوع انها تطلع مخطوبة وبنت ألد أعدائي!... بدون تردد ازاحت الدبلة العالقة بيدها ثم فتحت حقيبة يدها، لتلاقيها بداخلها كأنها قماشة بالية، وتطلعت اليه بتمعنٍ: _أنا عمري ما حبيت "أحمد" ولا هحبه.. ازدادت ابتسامته الساخرة: _وهو ده الحل من وجهة نظرك! سألته بحيرةٍ: _مش فاهمه تقصد أيه! قال بعد صمت مطبق: _قصدي إن فهد بيه عمره ما هيوافق على العلاقة دي.. اعترضت حديثه، حينما قالت: _بابا عمره ما هيجوزني بالغصب لواحد مش بحبه، اكيد لما يعرف اني بحب واحد تاني هيوافق يجوزني ليك زي ما حصل مع "ماسة".. ضحك مستهزئاً: _لأي حد ممكن بس مش لأيان المغازي، اللي بينا سيل دم يا روجينا إفهمي! انسكبت الدمعات البائسة على وجهها، فبرعت تلك الابتسامه الشيطانية بالظهور على وجهه، فقال بعد تفكيراً مصطنع: _هو مفيش غير حل واحد مستحيل توافقي عليه. مسحت دمعاتها ثم سألته باهتمامٍ كبير: _حل أيه ده! منحها نظرة عميقة برومادية عينيه المخادعة، ومن ثم قال: _نتجوز وفي السر.. انفتح فمها بصدمةٍ، فابتسم ساخراً: _مش قولتلك مستحيل توافقي عليه. وزعت نظراتها بينه تارة وبين الفراغ تارة اخرى، فاستغرق تفكيرها الاحمق عدة دقائق قبل ان تجيبه بحماسٍ: _أنا موافقة.. ابتسم بحبٍ لها، فارتخى جسده على المقعد براحةٍ وعينيه يكسوها جمرة الانتقام المشتعلة! ********** أغلق عينيه على تلك الارجيحة التي تتحرك به بمنتصف باحة المنزل، الابتسامة تزور وجهه الوسيم ولا تفارقه، فوصال ذاك العشق على وشك ان يبدأ بينهما، يا ويلته من نظرات عينيها الفاتنة التي أغرقته بين حديقة من أشجار الصنوبر واللافندر المحبب إليه، حيائها الذي تبديه كلما التقت أعينهم في لقاء عابر دون سبق انذار او موعد محدد، عشقها ذاك الآسر وعشق القوة التي تود التحلي بها رغم ضعف جسدها الأنثوي، الذي لا يقوى على مكافحة عمل الرجال ومع ذلك جاهدت فقط لتعاون والدها، لا يعلم كم من ميزة سيكتشفها بها حينما تقترب المسافات، ولكنه يشعر بحماس القرب منها، انفلتت تلك الجملة من بين دقاته: _قريب هتبقي ملكي يا تسنيم! ************* انهت ذاك الرابط الذي جمعها به حينما وقعت على عقد زواجها بعدو أبيها اللدود، وربما أيضاً خسرت عدة روابط تجمعها بعائلة الدهاشنة، لا تعلم بأنها فتحت أول باب سيقودها لجحيم لا مفر منه، ومالك ذاك الجحيم من وقعت اسيرته منذ اول لقاء، اغلق المحامي الدفتر من أمامهما وهو يردف بابتسامة عملية: _الف مبروك يا "أيان" بيه.. أجابه ببرودٍ: _تسلم.. ومن ثم أشار لها بالنهوض فلحقت به لسيارته المصفوفة بالاسفل، فصعدت لجواره وأصابعها تعبث بحقيبتها بارتباكٍ، وزع نظراته بينها تارة وبين أصابعها، فقرب يديه الخشنة ليحتوي يديها معاً بيديه، فتطلعت اليه ببسمة اربكته لوهلة من الوقوع بحبها، فتناسى تفكيره الأحمق من جهة نظره ثم قال: _كده مفيش حد يقدر يفرقنا يا روجينا، لانك بقيتي مراتي على سنة الله ورسوله. ارتعش جسدها حينما استمعت لانتسابها له، فعبثت بحجابها حينما كاد بالاقتراب منها، لتخبره بتشتتٍ وخجل: _أنا لازم أرجع البيت حالا، لإني اتاخرت.. ضيق نظراته الخبيثة، ثم اعتدل بجلسته ليقود سيارته تجاه منزلها، فاستوقفها على مسافة من العمارة، فودعته بابتسامة هادئة، وكادت بالهبوط، امسك أيان بمعصمها واجبرها على الصعود مجدداً، ثم قرب رأسه منها متعمداً إثارة رغبتها تجاهه، وبانفاسٍ لفحت وجهها قال: _هشوفك بكره؟ بلعت ريقها الجاف بصعوبةٍ وهي تشير له عدة مرات، ثم هرولت للخارج شبه راكضة ووجهها اصبح كحبات الكرز الحمراء، فما ان اختفت من امامه حتى تخشب وجهه الذي اصطنع البسمة والحب لوقتٍ لا بأس به، ومن ثم رفع هاتفه ليردد بصوتٍ اخشونت لهجته: _اول خطوة في انتقامي اتحققت، وقريب اوي وعدي ليكي هحققه، وبنت فهد هتكون خدامة تحت رجليكي... ************ أغلقت "فاتن" الهاتف مع ابن شقيقتها الراحلة والسعادة تكسو وجهها التعيس، فوضعت الهاتف من يدها ثم وقفت لتقترب من تلك الصورة الضخمة التي تحتل حائط غرفتها باكمله، التمعت دمعاتها وهي تتأمل شقيقتها، ومن ثم ازاحتها بشراسةٍ: _خلاص يا ناهد نامي وارتحي يخيتي، ابنك هياخد حقك من اللي أذوكي.. اخدتها عهد عليا يوم ما شوفتك غرقانه بدمك اني اللي هياخد حقك من ولد الدهشان وهيكسره هو ابنك ايان ، ربيته على القسوة وكنت بفكره باللي حصلك عشان اللحظة اللي اشوف فيها واد وهدان الدهشان مزلول واللحظة دي مبقتش بعيدة خلاص.. الشر الذي ولد بداخل ايان لا يضاهيه شر تلك المراة التي تترقب لحظة وصول ابنة كبير الدهاشنة خادمة لقصرها، عينيها تخيف من حولها من التفكير بالشر العظيم الذي تدمره لتلك العائلة، ولكن من سيدفع تذكرة تلك الانتقام الحارق! ********** سحبها عن الفراش ومن ثم كمم فمها، حتى يعيق صرخاتها نهائياً، وباليد الاخرى ازاح ملابسها ليستبيح التطلع لجسدها دون رحمة منه، صرخت واستنجدت ولكن صوتها قد كبت ببراعةٍ وكأنه اعتاد على التحجر بداخلها، نظرات عينيها المتوسلة تستغيث بكل ذرة انسانية بداخله ولكنها لم تجد سوى الشهوة والانحطاط، اهتز جسدها بعنفٍ ونداء خفي تسلل اليها وكأنه صوت حور يوقظها، بصعوبة بالغة فتحت تسنيم عينيها الباكية، لتجد حور جوارها توقظها بكافة الطرق وهي تهمس لها ببكاءٍ: _حلم يا حبيبتي، متخافيش محدش هياذيكي.. هلعت وتلك الصرخة تضرب اعتاق قلبها، فنهضت مفزوعة وعينيها تفتش بالغرفة لتلتمس الامان، فما أن تأكدت بكونه حلم معتاد حتى اندثت باحضان رفيقتها تبكي بحرقةٍ على لعنة عدم النوم التي اصابتها، ذاك الس\كين الق\اتل الذي اصابها في مقتل منذ طفولتها مازال يلاحقها ولكن ترى هل سيسطيع آسر قلبها أن يحرر قيودها؟... #الفصل_الثامن_عشر... إعتلت عرشها الذهبي بكل غرور، لتفتن العالم بضياء وجهها الذهبي، فمنحتهما لمحة من التفاؤل والأمل، على النقيض لساهر الليل الطويل، لم تؤثر به نور شمس اليوم التالي، فوجهه كأنما يعكس ظلام قلبه التعيس، رفع "أيان" كأسه ليرتشف منه على مهلٍ، وعينيه تتأمل حركة المارة دون اهتمامٍ من خلف ذاك الحائط الزجاجي الضخم الذي يكسو أحدى جوانب غرفته، في تلك اللحظة بالتحديد عادت كلمات من مقتطفات الماضي لتردد بمسمعه كإنذارٍ سابق له بما سيفعله لإنتقامه «وهدان مكنش بيطيق أبوك يا ولدي، والعداوة اللي بينتهم زادت لما امك اختارت أبوك وفضلته عن وهدان، عشان اكده قتل أبوك واغتصب امك وقتلها بدم بارد» أغلق عينيه بقوةٍ ليتحمل ذاك الخنجر المطعون بصمامٍ قلبه، ولكنه بحاجة لتذكر كلماتها كل دقيقة، حتى لا يضعف عن خوض طريق انتقامه، عادت تلك الطعنات تتسلسل من جديد «انتقامك من الدهاشنة مش بالدم يا ولدي، لزمن تكسر كبريائهم وتجيب مناخيرهم الأرض، الانتقام الصوح هيكون بشرفهم وخصوصاً ولد وهدان فهد!» التهبت حدقتيه فأختفت رومادية عينيه خلف حاجز قسوته القاتمة، فأخرج هاتفه ومن ثم أرسل لها برسالة نصية، وابتسامة الشر سطعت على وجهه كونه قريباً من تحقيق مخططه.. ********* بمنزل أحد كبار الدهاشنة. وبالأخص بمنزل مهران الدهشان (ابن عم وهدان......يعني يبقى لفهد ابن عم ابوه..) انتظره الخادم بمكتبه ساعات طويلة، انتهت حينما فتح سيد المنزل باب المكتب، ليدلف للداخل وهو يتمتم بملامح مستاءة: _أيه اللي جابك على الصبح اكده! انتظره الخادم حتى جلس على مقعد مكتبه البني، ومن ثم القى عليه البشارة التي ستجعله ينال مالاً وفيراً لذاك الخبر السعيد: _جيت عشان أقولك ان ابن المغازي نفذ خطته وخلاص اتجوز بنت "فهد".. انتفض عن مقعده، ليتساءل بلهفةٍ: _بتتكلم صوح يا واد؟ هز رأسه بسعادةٍ: _سمعته بودني اللي هيكلها الدود وهو بيكلم الست" فاتن" وهيقولها إنه اتجوز بنت فهد وقريب هيجبها الثريا تخدمها.. اتسعت ابتسامة الشر على وجهه، فأسرع الى خزانته الصغيرة المجاورة لمكتبه، ومن ثم أخرج منها مبلغ طائل من المال، ليلقيه على السطح المكتب وهو يشير اليه: _خد يا واد تستاهل، ولو عرفت حاجه تانية تجي تخبرني واصل.. ثم استطرد بتحذيرٍ: _وحسك عينك يكشفوك وتجيب سيرتي أنت عارف ساعتها هعمل فيك أيه! ابتلع ريقه بصعوبةٍ، فسحب المال الموجود بطمعٍ، ومن ثم غادر وهو يردد: _متقلقش يا سيدي، محدش هيعرف بحاجة.. أشار له بالمغادرة، بينما ارتمى على مقعده بفرحةٍ عارمة، لحقت نبرته السعيدة: _والله وهيجي اليوم اللي هشوفك فيه مزلول يا "فهد"!.. ************ انتهت"إلهام" من حزم أغراض "ماسة"، فحملت حقائبها للأسفل، ومن ثم صعدت مرة أخرى لإحضارها، فتوقفت حينما رأت" يحيى"يهبط للأسفل بصحبتها، وحينما توقف أمام شقة الشباب أشار لها قائلاً: _خدي "ماسة" ركبيها، وأنا شوية وجاي. أومأت برأسها إليه، ثم جذبت يدها وحثتها على الهبوط، فتعلقت "ماسة" به بحزنٍ ، فطبع قبلة صغيرة على جبتها وهو يهمس لها: _نازل حالاً، مش هتأخر.. ابتسمت له، ثم تمسكت بإلهام فهبطت بها للأسفل، أما هو فإتجه ليقرع باب الشقة، مرات متتالية، حتى فتح "بدر" الباب، فقال باستغرابٍ: _"يحيى" أنت لسه مسافرتش؟ هز رأسه نافياً ثم ولج للداخل، ومن ثم قصد غرفة "أحمد" فكاد بفتح بابها حينما استوقفه "بدر"، متسائلاً بقلقٍ: _في حاجة ولا أيه؟ منحه نظرة غاضبة من إيقافه له، فأخفض يديه التي تعيق تحرر الباب، ففتحه يحيى ثم ولج للداخل، ففتح أحمد عينيه بنومٍ تخلى عنه حينما وجد من يقف أمامه، فجلس باستقامة على فراشه وهو يتطلع له بهدوءٍ قاتل، بينما جذب "يحيى" المقعد القريب من الكومود ليضعه مقابله، ومن ثم جلس عليه ليتطلع له باهتمامٍ اتبعه قوله: _أنا عارف يا "أحمد" أن سبب غضبك وكرهك ليا هو حبك وخوفك على ماسة لإنك أخوها، بس صدقني مهما كان حبك ليها مش هيكون أكتر مني.. ولعق شفتيه وهو يهم بقول جملته التالية: _أنت مش قادر تفهم إحساس العجز، إنك فجأة تكون بتتكلم مع مراتك وفجأة تسمعها بتستغيث بيك وأنت في دولة غير الدولة، مش قادر تستوعب الوجع اللي كنت فيه وانا بحاول اوصل لحد فيكم وفي نفس الوقت خايف اقفل المكالمة الوحيدة اللي بتجمعني ييها، مش قادر تقدر وجعي وانا متلخبط ومش عارف احجز وأجهز ورقي ازاي وفي نفس اللحظة اسمع خبر وفاة ابني اللي كنا بنستناه أنا وماسة بفارغ الصبر وبنحضر لاستقباله بعد عشرين يوم، مش قادر تحس بضعفي وانكساري وحالتي اللي كنت فيها... والتقط انفاسه بصعوبةٍ قبل ان يسترسل بحزنٍ: _فكرك اني محاولتش انزل وأكون جنبها، حاولت أكتر من مرة بس حسيت اني لو شوفتها بالحالة دي هضعف أكتر ومش هقدر أكون سند ليها ولا حتى لنفسي، كنت محتاج وقت أقدر فيه استجمع نفسي عشان أقدر أكون جنبها، بس للاسف مكنتش أعرف إن بتأخيري ده بعرضها لحالة اصعب من اللي هي فيها،يمكن اكون السبب يا أحمد بس انا لسه بحاول أرجعها لطبيعتها ومش همل من ده... وودعه بكلمة أخيرة قبل أن ينهض ليتجه للمغادرة: _فأرجوك متكرهنيش بالطريقة دي... وتركه وكاد بالمغادرة، ولكنه توقف حينما استمع لصوته الذي حجر خطاه: _مفيش أخ بيكره أخوه، ولا نسيت إنك قبل ما تكون جوز أختي فأنت أخويا.. استدار اليه، بابتسامةٍ مشرقة، اتبعها قوله المؤكد: _لا منستش. نهض احمد عن الفراش ثم اقترب منه وهو يطلع للأرض بخزيٍ مما فعله طوال تلك الفترة الماضية، فقال بحزنٍ: _أنا زودتها معاك الأيام اللي فاتت، سامحني يا "يحيى". احتضنه"يحيى" بسرورٍ وترحاب لاعتذاره، فابتسم احمد وهو يربت على ظهره بقوةٍ، بينما التمعت عين "بدر" بالدمع وهو يتأملهما بصمتٍ واهتمامٍ، قطع صوت "عبد الرحمن" ما يحدث بالغرفة حينما قال ممازحاً: _صباحكم، أيه ده أنا جيت في وقت مش ولابد ولا أيه؟ ثم وقف جوار بدر ليتساءل بسخريةٍ: _مش دول اللي كانوا مقطعين فروة بعض امبارح ولا أنا بيتهيلي ولا أيه! لكزه "بدر" بغضبٍ: _واتصالحوا يبقوا نلم نفسنا ولا أيه؟ تعالت ضحكاته الرجولية، وهو يتابع: _واحنا نطول يا عم، ربنا يهني سعيد بسعيدة.. كف عن الضحك حينما حاوطه "يحيى" وهو يشدد من غرس أصابعه بكتفيه: _مش يلا يا عبده ولا لسه هتكمل وصلة الضحك والتريقة بتاعتك دي! تنحنح بجدية وخوف مصطنع: _أنا بقول اتاخرنا أوي.. جذبه بقوةٍ: _طب يلا يا خفيف.. غادروا سوياً للأسفل، فرفع عبد الرحمن صوته قائلاً: _متتساش الاخبار اللي قولتلك عليها يا احمد.. أغلق يحيى الباب ومن ثم لكزه للاسفل، فوقف "بدر"جوار "أحمد" وهو يتساءل بعدم فهم: _أخبار أيه دي! ببسمة ساخرة أجاب: _بسلامته وقع لشوشته مع الأجانب وعايز يشغلني عصفورة نقل الغراميات.. انكمشت تعابير وجهه بضيقٍ شديد: _أجانب مين دول! علم "أحمد" ما يدور بخلده، فقال بخبثٍ: _وده يهمك في أيه يا "بدر"، مش أنت خلاص نسيتها ولا أيه! جز على أسنانه وهو يسأله بحدةٍ: _متردش على سؤالي بسؤال يا "أحمد"، هو يقصد مين بكلامه ده؟ أجابه بنظرةٍ شك: _يقصد "تالين" يا "بدر" ، مش "رؤى" متقلقش.. سكنت معالمه بحرجٍ، فمرر يديه على شعره الأسود وهو يتهرب بلباقةٍ: _أنا بقول أروح اجهز لقمة خفيفة للفطار كده، وأهو نصحي أبوي يفطر معانا.. وكاد بالمغادرة من أمامه، فجذبه أحمد من تلباب قميصه ليشاكسه بسخريةٍ: _مش هتخلع بالسهولة دي، قبل ما تجيب اللي في معدتك، أر وقول مخبي أيه تاني عليا.. استدار برأسه للخارج ومن ثم تطلع إليه ليهمس بصوتٍ منخفض: _يرضيك أبويا يطلع يلاقيك ماسكني ماسكة حرامي الغسيل دي؟ هز رأسه نافياً: _لا.. ثم استكمل قائلاً: _بس يرضيك أنت تستغفلني وتخبي عني التقدمات المحدثة في علاقتك بالأجنبية اللي كانت شبه منتهية! هز رأسه نافياً بتلك الطريقة: _لا... ثم همس له مجدداً وهو يراقب باب غرفة والده: _بليل هحكيلك.. أومأ برأسه ومن ثم حرره، فاتجه سريعاً للمطبخ أما أحمد فابتسم وهو يهمس بسخطٍ: _الأجانب احتلت العيلة ولا أيه! ************ بغرفة "حور".. نهضت عن الفراش أخيراً وهي تحارب ألم قدميها كلما تحركت، ومن ثم خرجت للشرفة لتجد" تسنيم" تقف بالخارج، وحينما اقتربت لتقف جوارها وجدتها تراقب "ماسة" التي تعبث بنافذة السيارة بنظراتٍ مشفقة، ابتسمت "حور" على قلب رفيقتها الحنون، ثم قالت: _شكلك منمتيش طول الليل! انتبهت لها "تسنيم"، فأومأت برأسها وهي تجيبها: _مجاليش نوم.. ثم سألتها بلهفةٍ: _هو مفيش تطورات في حالة ماسة! انتقلت عين"حور" تجاه ما تشير اليه، فاعتادت الحديث عن كل صغيرة وكبيرة لتسنيم حتى حالة ماسة قد قصتها على مسمعها من قبل: _لا للأسف لسه زي ما هي، الحالة اللي عندها شكلها مطولة.. بشفقةٍ وحزن قالت: _ربنا يشفيها ويعافيها يارب.. وعادت لتسألها مجدداً بقلقٍ: _طب ليه عربية الاسعاف اللي واقفة دي، هي حالتها متستدعاش اسعاف ولا أيه؟ أجابتها بابتسامة مشرقة: _لا دي لنقل والدة "عبد الرحمن" ، عمي فهد قرر إنها ترجع الصعيد وتعيش معاهم.. صمتت قليلاً تستوعب تصرفه النبيل ومن ثم قالت باعجابٍ: _الراجل ده عظيم بجد، بالرغم كل اللي حكتهولي عنها وعن اللي عملته زمان في عيلته وسمحلها عادي كده انها ترجع تعيش وسطهم! ابتسمت وهي تخبرها: _عمي فهد مفيش زي طيبة قلبه، واللي شبهه بالظبط هو آسر ميتخيرش عنه في الطيبة.. لمجرد سماعها لإسمه ارتعشت خفقات قلبها خلسة، وكأنها تخبرها بتصميمٍ على ارتباطها به، فحاولت قدر الإمكان السيطرة على مشاعرها التي تكاد تقفز لتترنح في الأفقٍ، استفاقت من غفلتها القصيرة حينما اقترحت "حور"، قائلة: _مش صحيح أنتي نازلة البلد النهاردة، ما تسافري معاهم أحسنلك من بهدالة القطر.. زمت شفتيها وهي تجيبها: _لا، القطر معاده العصر اكون فكرت كويس. سألتها باستغرابٍ: _فكرتي في أيه؟ جلست على الأريكة القريبة من الازهار وهي تجيبها بتوترٍ: _بصراحة يا حور بفكر مسافرش، أنا مش هقدر أرجع أشوفه تاني وأكيد العريس ده من مجيبه وأنتي عارفة كويس إن اللي هيجيبه اكيد زيه.. جلست جوارها وهي تجيبها بهدوءٍ: _عارفة يا قلبي، بس متنسيش إن مهما كان مين اللي متقدملك مينفعش متكونيش موجودة لإن اللي هيحصل هيكون في وش والدك.. وربتت على يدها وهي تستطرد: _لازم تسافري عشان شكل عمي فضل، وبعد كده ابقي ارفضي براحتك محدش هيجبرك على حاجة. أومأت برأسها باقتناعٍ، وعقلها شارد بمن أحبته وتمنته أن يكون هو من تصبح على عصمته، وحينما ينغرس عقلها بالتفكير بذاك الامر عادت لتفق منه بأنه مجرد حلم ليس له واقع أو أمل بالتحقق! *********** استيقظت من نومها، ففردت ذراعيها بدلالٍ، والابتسامة لم تترك وجهها من الأمس، مازالت لا تصدق بأنها تزوجت فارس أحلامها، جذبت ساقيها على جسدها ثم اسندت رأسها عليها وهي تعبث بخصلات شعرها بسعادةٍ، صفنت لدقائق مطولة ثم جذبت هاتفها تعبث به فانتفضت بلهفةٍ حينما وجدت رسالة منه، فتحتها على الفور لتجد بها عنوان عمارة قريبة من جامعتها، استغربت من محتوى رسالتها، فراسلته بسؤالٍ عن ذاك العنوان، رأى "أيان" رسالتها ولم يجيبها، فتعصبت ملامحها وهي تردد بضيقٍ: _برضه مردش، طب أنا مش فاهمه عنوان أيه ده! هداها تفكيرها الأحمق أن تغتسل وتذهب الى العنوان أولاً خاصة أنه قريب من جامعتها، فما أن انتهت من حمامها ارتدت فستان أسود طويل، وحجاباً زهري اللون يتماشى مع حذائها وحقيبتها الزهرية، ومن ثم ودعت نادين واتجهت للمصعد، كادت بالدخول ولكنها انتبهت لباب الشقة المقابل لها يفتح، لتجد أحمد يقف مقابلها ويتطلع لها بنظراتٍ غاضبة، ابتلعت ريقها بتوترٍ ومع ذلك رسمت ابتسامة مصطنعة: _صباح الخير يا أحمد. حاوطتها نظراته وسكونه الغائم يغلفه، حتى كسره بعد دقائق متعمداً: _صباح الخير.. رايحة على فين؟ أشارت بارتباكٍ على الكتب بيدها: _رايحة الجامعة.. قرص أرنبة أنفه برفقٍ ثم قال: _"روجينا" مش فاضل على فرحنا غير شهر وشوية لازم نقرب فيها من بعض عشان نحاول نفهم بعض أكتر.. ارتبكت للغاية حينما ذكرها بموعد زفافها، فاسترسل أحمد حديثه بحنان تحلى به حتى يكسبها: _أنا عارف إننا مكناش متفاهمين خالص بالفترة الأخيرة، عشان كده بفكر أننا نخرج كتير الفترة دي يمكن الامور تتحسن بينا ولا أنتي رأيك أيه؟ توترت كثيراً وتوتر لسانها الناطق بتلعثمٍ: _معاك حق... منحها ابتسامة أطلت جنب من وسامة وجهه القمحي، وسرعان ما بددت سريعاً حينما رفعت يدها لتعدل حجابها، فأخشونت نبرته وهو يسألها: _فين دبلتك يا "روجينا"؟ رفعت يدها تتفحص اصبعها بتوترٍ، فبللت شفتيها الجافة وهي تبحث عن حجة مناسبة، فقالت بتلعثمٍ: _آآه.. تلاقيني نسيتها على الحوض وأنا بغسل ايدي الصبح، لما هرجع من الجامعة هشوفها... ثم رفعت يدها وهي تتفحص الساعة: _همشي بقا لاني اتاخرت.. سلام.. وولجت للمصعد ومازالت عينيه تتبعها بنظراتٍ غامضة، تحاوطها شكوك بائسة حول شخصها المتغير، ولكنه حاول أن يصدق ما قالت حتى لا تتسخ صفحتها الجديدة التي فتحها لها.. ********** سعادة وفخر استحوذت على قلب كبير الدهاشنة وهو يرى ابنه الوحيد يتبعه كظله منذ الصباح، فلم يسمح للسائق بالصعود لسيارة أبيه وأخبره بأنه سيقود بذاته، فاتبعه إينما ذهب حتى الحقول والمصانع المجاورة بقنا ذهب معه، شرد حدقتي عين "فهد" به قليلاً، فمال برأسه تجاهه ثم قال بابتسامةٍ عذباء: _متخيلتش إن هيجي اليوم اللي تكبر وأعتمد فيه عليك، وتبقى راجل صوح.. التفت "آسر" تجاهه ثم قال بمرحٍ: _الصغير بيكبر يا كبيرنا.. ضحك "فهد" ثم قال: _بقيت مصراوي شبه امك، بس هيجي منك.. ناطحه بمشاكسة: _مهي المصرواية دي اللي وقعت الكبير ولا أيه! ابتسم بهيامٍ: _وقعته بس، دي خليته دايب فيها دوب.. أوقف "آسر" السيارة ثم قال بتعصبٍ مصطنع: _لا يا كبير ما اتفقناش على كده، نراعي إن ابنك لسه مدخلش دنيا برضه، حس بينا يحس بيك ربنا، خف شوية من المشاعر الجياشة دي، في شاب أعزب معاك في البيت بدل ما ألم خلجاتي وأطوح بأي مكان متعرفوش توصلولي فيه.. بنظرة صارمة أشار بها تجاه المقود: _إطلع.. بخوفٍ مصطنع قاد السيارة وهو يردد في طاعةٍ: _تؤمر يا كبير، لو عايز تهج بأي مكان سواقك وتحت أمرك لحد بعد العشا.. ضحك وهو يردد ساخراً: _آه قول كده بقى، بتعمل الشويتين دول عشان مشوار بليل.. متقلقش مشاغلي الكتير مش هتخليني مكنش موجود في أهم يوم في حياة ولدي.. ابتسم آسر ثم ردد بجديةٍ: _ربنا يخليك لينا يا أبوي وميحرمنيك منيك.. ربت بيديه على ساقيه بحنوٍ: _الكبير ميبقاش كبير لو نسى أولوياته يا ولدي، وأنت وأختك وأمك أهم شيء بالنسبالي.. ثم استطرد: _حط كلامي في دماغك لأجل اليوم اللي هتمسك فيه مطرحي.. قبل يديه وهو يردد بضيقٍ شديد: _بعد الشر عليك، الدهاشنه ملهاش غير كبير واحد يا ابوي.. كسى وجهه سعادة عارمة، فأشار بحزمٍ مصطنع: _ركز في طريقك يا ولدي.. استقام بجلسته ثم اتبع ارشادات والدته حول مكان المصنع المقام حديثاً، ليقود تجاه وجهته التي كان ابيه مرشداً وسيداً لها.. ************ مازالت حقيبتها موضوعة جانباً، لم تصفها بعداً، ففتحتها لتخرج فستاناً لترتديه ومن ثم أغلقتها مجدداً، لتستعد للرحيل، ودعت "تسنيم" حور ثم انطلقت لتلحق بقطارها الذي اتتقل بين البلدان ببطءٍ رغبت به، ودت بتلك اللحظة أن لا يصل لوجهتها أبداً، فكلما تخلل لفكرها ما سيحدث تلك المرة تزورها صورة لآسر، برجولته وذوقه الذي جعلها تطمئن بأن مازال هناك رجال يستحقون ما نالوه من لقب، تمنت وبأمنيتها تردد وحيرة بكونها خلقت رجلاً فربما تركها خالها الأرعن بحالها.. *********** وصلت "روجينا" للعنوان المدون، وما أن تأكدت من عنوان العمارة من البواب حتى صعدت للطابق الرابع كما كُتب لها، وزعت نظراتها بحيرةٍ بين الجرس وباب الشقة، ومن ثم انصاعت لإصبعها الذي دق لمرةٍ واحدة على الجرس، ومن ثم انتظرت على بعدٍ بترقبٍ وحيرة لمنحها ذاك العنوان، فتح شاباً الباب، وهو يتطلع لها بدهشةٍ، فسحبت الكلمات على لسانها وتخلت عنها، وقبل أن تنطق بحرفٍ وجدت صوت قادم من خلفه يأمره: _خليها تدخل يا "علي".. تنحى جانباً على الفور، وهو يردد بطاعةٍ: _اتفضلي يا أنسة.. إطمئن قلبها حينما وجدت"أيان" يقف أمامها، فولجت للداخل بإرتباكٍ ازداد حينما اقترب منها قائلاً بثباتٍ: _اتاخرتي.. رفعت كتفيها بانزعاجٍ: _وأنا هعرف منين اللي تقصده برسالتك!، طبعك غريب وغامض.. ابتسم على كلمتها الاخيرة، فقدم لها يديه وهو يردف: _هتتعودي.. وزعت نظراتها بين عينيه ويديه الممدودة، ومن ثم وضعت يدها بين يديه، واتبعت خطاه حتى ولج بها لشرفة العمارة التي تطل على نهر النيل، انسحبت "روجينا" من يديه، ثم ركضت لحافة السور قائلة بإنبهارٍ: _المنظر هنا يجنن.. ثم استدارت اليه، لتتساءل بفضولٍ: _دي شقتك صح؟ اقترب منها بخطواتٍ ثابتة، ثم وقف لجوارها وهو يهز رأسه بالنفي: _شقتنا.. انطبع وجهها بحمرةٍ الخجل، فألهت ذاتها بالتطلع للنهر ومن ثم قالت : _جميلة أوي.. قرب يديه من وجهها، فابتلعت ريقها بارتباكٍ حينما لامس صفحة وجهها وعينيه تتطلع لملكيتها،هامساً: _مش أجمل منك. كاد بأن يقترب منها، فتركته واتجهت للشرفة المجاورة وهي تتساءل بتوترٍ: _دي اوضتك؟ قال وعينيه تتابعها: _تحبي تشوفيها.. اكدت له بإيماءة رأسها، ففتح الباب الصغير الذي يفصلهما عنها، ومن ثم أشار لها بالدلوف، دخلت هي أولاً لتتمرر عينيها ببطءٍ شديد على ممتلكات الغرفة بإعجابٍ شديد، فنالت تلك الخزانة الزيتوتية اعجابها بما تحتويه من بذلات أنيقة للغاية، مروراً بسرحته الخاصة وأحذيته، فهمست بصوتٍ منخفض: _ذوقك حلو في كل حاجة.. ابتسم وهو يجيبها: _اكيد عشان كده اختارتك. التفتت له وكأنما فتح لها سبيل الحديث عما فكرت به كثيراً، فقالت بارتباكٍ: _اشمعنا أنا يا "أيان"؟ ، وأنت عارف العداوة اللي بينك وبين بابا! جلد وجهه الثبات والصلابة، منحها نظرات أطالها عمداً قبل أن يجيبها: _لما حبيتك محطتش لنفسي قيود، لا فكرت أعرف عيلتك ولا أعرف انتي مرتبطة ولا لا، كل اللي همني أيه اللي قلبي حاسه تجاهك.. حاوطتها هالة مخيفة من المشاعر الجياشة تجاه حديثه المعسول، فاقترب منها ومن ثم أزاح حجابها ليفرد خصلات شعرها الغجري، فدفن رأسه بداخله وهو يشم رائحتها،فاتبعته همسة أرجفت جسدها: _ القدر اللي جمعني بيكِ.. ومن ثم أدارها تجاهه وهو يتأمل رعشتها تلك بابتسامةٍ ماكرة، لم تمنحه هي مبتغاه فابتعدت عنه وهي تتفحص ساعتها بصدمةٍ: _المحاضرة! خلع ساعتها التي بدأت تضيقه، ثم قال بضيقٍ: _وأنتي معايا متبصيش على الوقت تاني. ثم أشار لها والخبث يترنح بين رومادية عينيه: _متقلقيش مفيش حاجة هتحصل من غير رضاكي، فمفيش داعي للهروب ده.. أخفضت عينيها للأسفل حرجاً، فابتسم وهو يدفعها للخارج قائلاً: _اتغدي وهوصلك مكان ما تحبي.. أومأت برأسها اليه، فجلست على المقعد المجاور له، ووضع الخادم أصناف الطعام على المائدة، فجذبت طبقاً فارغاً وشوكة وبدأت بوضع لقمات بسيطة من الطعام، ارتشف "أيان" من عصير البرتقال من أمامه وهو يسألها دون النظر اليها: _غريب انك مش مطبعة على عادات الصعيد؟ أجابته بابتسامةٍ سحرت عينيه: _لإني بقضي وقت في القاهرة اكتر ما بق\ضيه في الصعيد.. ومن ثم ادلت شفتيها بتذمرٍ: _بصراحة انا مبحبش العيشة هناك، بحس بالملل ويمكن ده اللي كان مخليني مش متقبلة موضوع جوازي من احمد.. توقف عن مصغ طعامه ومن ثم طالعها بنظرةٍ هلعتها وخاصة حينما أخشونت لهجته: _ما تنطقيش باسمه تاني قدامي، اللي بينكم انتهى من اللحظة اللي مضيتي فيها عقد الجواز.. لعقت شفتيها بارتباكٍ: _أنا اسفة مقصدتش، بس خني التعبير مش أكتر.. ثم جذبت حقيبة يدها وكتبها لتستعيد للرحيل، فجذب يدها ليجلسها مرة أخرى وهو يخبرها بنبرةٍ هادئة: _كملي أكلك... نظراتها المرتعشة تجاهه جعلته يمرر يديه على وجهها الناعم، ليمنحها ابتسامة نطقت وسامته: _من طباع الراجل الشرقي انه بيغير على مراته، وأنا بالنهاية راجل صعيدي ومن حقي أغير عليكي ولا أيه؟ بسمة رقيقة رسمت على وجهها، وهي تهز رأسها، ثم استكملت طبقها حتى انتهت منه، فقالت: _شبعت الحمد لله، هنزل بقى عشان متأخرش.. جفف يديه بالمنشفة ثم نهض ليشير للخادم، الذي اتى بجاكيته، فعاونه بارتدائه، ومن ثم جذب مفاتيح سيارته ليشير لها قائلاً: _يلا، هوصلك بسكتي.. قفز قلبها سعادة، فاتبعته للاسفل ومن ثم صعدت لسيارته التي قادها تجاه جامعتها، فأوقفها على مسافة من باب الجامعة، حملت "روجينا" الكتب ثم ودعته قائلة: _باي. أمسك معصمها، فباتت تلك الحركة مقربة لقلبها، تطلعت اليه وعينيها تتساءل ماذا هناك؟ ، اخرج أيان من جازانه فيزا ثم قدمها اليه قائلاً: _خلي دي معاكي.. تطلعت لها باستغرابٍ ثم قالت: _مش محتاجاها، بابا وآسر بيبعتولي فلوس على طول. عادت نظراته القاتمة لتحتل عينيه، فتناولتها منه على الفور، فقال بحزمٍ: _انتي دلوقتي مسؤولة مني انا مش منهم. هزت رأسها عدة مرات ثم منحتها ابتسامة اخيرة قبل أن تهبط وتلوح له بيدها، فاستند برأسه على المقعد وتفكيره يقذفه تجاه ذاك الوجه الرقيق، الذي ينيره ابتسامة أهلكت قلبه المحتبس خلف صدره القاسي.. ************ توقفت السيارات تباعاً أمام منزل الكبير، فهبط الفريق الطبي الذي تولى نقل "مروج" والدة عبد الرحمن للداخل، ومن ثم هبط يحيى بصحبته وبصحبة ماسة، التي تعلقت بذراعيه كالطفل الصغير الحائر، هبط "طارق" هو الاخر، ليركض للداخل بفرحةٍ عارمة، يبحث عن والدته بسعادةٍ، ليتبعه يحيى، فما أن ولجوا للداخل حتى هرعت "ريم" تجاه ابنتها وهي تردد بحنينٍ: _"ماسة" بنتي.. تعلقت بيديه وهي تقرب جسدها منه بخوفٍ، فمرر يديه على خصلات شعرها بحنانٍ: _متخافيش يا حبيبتي أنا جنبك أهو.. ثم قال لها بحزنٍ: _معلش عشان بقالها فترة مشفتكيش بس. انهارت دموعها، فاستدارت تجاه عمر تشتكي اليه مما حدث، فاقترب منها ومن ثم احتضنها وهو يهمس لها: _شوية وهتبقى كويسة يا "ريم".. أومأت برأسها بتقبلٍ، ثم وقفت جوارها تتأملها بشوقٍ، هبطت" هنية"للأسفل مستندة على عكازها، وما أن رأتهم حتى قالت بفرحةٍ: _يا مرحب بالغالي ابن الغالي.. واحتضنت عبد الرحمن بدموعٍ افاضت لتقص ما تحمله من شوقٍ تجاه ابنها الراحل، هبطت "رواية" هي الأخرى لتستقبلهما بترحابٍ، فما أن رآها يحيى حتى تساءل عن "آسر" فأخبرته بأنه بالأعلى يستعد للخروج، فصعد على الفور، ليعلم منه بأنه سيتجه لزيارة منزل تسنيم لطلبها للزواج، سعد كثيراً وصمم على الحضور معه رغم عنائه من السفر.. ******** ارتجت حوائط المنزل من شدة غضب العم فضل، فالموعد المحدد لاستقبال ضيوفه قد حان ومازالت ابنته لم تصل بعد، وما زاد استيائه وصول كبير الدهاشنة وعائلته، صب "عباس" الهبة النيران ليزيد من غضب الأب تجاه ابنته، فقال بخبثٍ: _وهي هتتعلم الادب منين وانت باعتها بلاد غريبة تنام وتاكل وتشرب بعيد عنيك، والله اعلم بتعمل ايه من وراك.. تعصب عليه العم قائلاً: _اخرس قطع لسانك، اني بنتي بمية راجل.. وأكيد عمرها ما هتكسر كلام ابوها ولا تطلعه عيل قدام الناس.. وكأنها نصفته حينما دق الجرس ومن ثم ولجت لتقف أمامهما، فقالت بارهاقٍ بادي على معالمها: _ركبت متأخر.. ابتسم بثقةٍ إليه ثم قال ومازالت نظراته متعلقة به: _ولا يهمك يا حببتي، يلا غيري خلجاتك وانزلي عشان الناس تحت. أومأت برأسها ثم صعدت سريعاً للاعلى حتى لا تمنح ذاتها فرصة لقاء ذاك اللعين، صعدت للاعلى لترتدي أول ما التقطته يدها دون اهتماماً، وكأن جسدها غادره الروح، فاتبعت والدتها للأسفل، ثم حملت منها الصينينة المملؤة بالعصائر بآلية تامة، ومن ثم ولجت للداخل، لتضع ما بيدها على الطاولة، فتخلل لمسمعها صوت مألوف اليها: _عروستنا تعبة نفسها ليه، ما الحاجات كتيرة قدامنا أهي! رفعت عينيها تجاه صاحب الصوت فوجدت "فهد" من يتحدث، ضيقت عينيها بصدمةٍ ازدادت حينما مرت بعينيها على الجميع، لتراه يجلس أمامها،ذاك الآسر الفاتن الذي سلبها قلبها النقي العذري، لا تعلم بتلك اللحظة السيطرة على انفعالاتها فرسمت البسمة تاجاً وارتاح بالها أماناً له... لوجوده المرتبط بأمانها المفقود... وجود آسرها!!