أمي طردت ولادي
حصري لصفحه روايات رولا

— هنا مفيش مكان لعيالك يا جابر.
أمي قالتلي الكلمة دي بصوت واطي، وهي مقربة شفايفها من ودني كأن القسوة بتبقى أخف لما تتقال من غير شهود. بعدين رجعت خطوة لورا، وسابت عيالي الاتنين واقفين على باب الشقة في شمس يوم الأحد، شايلين في إيديهم علبة بسبوسة بالمكسرات وكارت معايدة معمول من ورق لوحة أصفر.
جوا، كانت السفرة جاهزة
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا.
سبع أطباق. سبع كوبايات. سبع مناديل متطبقة بشكل شيك. أبويا قاعد على رأس السفرة، وأختي مروة مع عيالها التلاتة واخدين نص الترابيزة. حتى خطيبها الجديد اللي محدش فينا يعرفه كان قاعد، وبيصب لنفسه عصير كركديه كأنه صاحب بيت.
لكن عيالي مكنش ليهم مكان.
مازن، اللي عنده تسع سنين، كان ماسك علبة البسبوسة بحرص كأنه بيحاول ينقذ الموقف. ونور، اللي عندها سبع سنين، كانت حاطة الكارت على صدرها، وهي كاتبة عليه بخط معوج: “كل سنة وأنتي طيبة يا تيتة ليلى”، وحوالين الكلام قلوب متلخبطة.
مراتي، رانيا، كانت فضلت في العربية ورضيتش تنزل. قالتلي وهي في العربية:
— لو حد ضايق العيال تاني، هنمشي فوراً.
أنا هزيت رأسي، بس من جوايا كنت لسه عايز أصدق إن أهلي ممكن يتصرفوا كأهل.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
يا ريتني ما صدقت.
بصيت لأمي، ليلى هانم، كانت لابسة طقم الخروج الشيك، وعقد اللولي التقليد، وعليها نفس الابتسامة الناشفة اللي بتبين بيها إنها طيبة من غير ما تكون طيبة فعلاً.
— يا أمي، إحنا جينا عشان أنتي اللي عزمتينا.
بصت لجوا وهي متقيفة، مش عشان عيالي، عشان خايفة حد من الضيوف يسمع.
— متعملش دراما يا جابر. مروة جت بالعيال ومبقاش فيه كراسي زيادة. أنت فاهم بقى.
طبعاً كنت فاهم. أنا طول عمري فاهم.
فهمت لما كان عندي 16 سنة وسبت تمارين الكورة ورحت اشتغلت في مكتبة عشان أساعد في مصاريف البيت والكهربا. فهمت لما أبويا طلع معاش مبكر وأنا دفعت جزء من قسط الشقة من أول مرتب قبضته. فهمت لما مروة خبطت العربية وكلهم قالوا “تحصل لأي حد”. فهمت لما أنا ورانيا أجلنا جوازنا وشراء شقتنا عشان أبويا وأمي قالوا “محتاجين مساعدة كام شهر بس”.
الكم شهر دول قعدوا 11 سنة.
أبويا، الحاج رفعت، رفع عينه من على السفرة وقال بصوت تقيل:
— في إيه تاني؟
الجملة دي وجعتني أكتر من زعيق. “تاني”. كأن عيالي الواقفين على الباب دول مشكلة أنا اللي مخترعها.
مازن بصلي وقال:
— بابا، هنمشي؟
ونور نزلت عينها في الكارت.
هنا في حاجة اتقطعت جوايا. مش فجأة، زي حبل دايب مابقاش قادر يستحمل.
أخذت خطوة لجوا واتكلمت بهدوء غريب:
— مفيش حد ليه حق يسيب عيالي على الباب في شقة أنا دافع دم قلبي في أقساطها.
الصالة سكتت تماماً.
أمي برقت، ومروة بطلت أكل. وأبويا حط إيده على الترابيزة وبدأ يقوم براحة:
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
— احترم نفسك وأنت بتتكلم.
أخذت نور من إيدها وقلت:
— لا، أنا احترمت نفسي زيادة عن اللزوم. شيلت فواتيركم، وديونكم، ومصاريفكم، وكدبكم. بس مش هشيل هم سفرة عيالي مالهمش مكان عليها.
مروة ضحكت تريقة:
— جابر، هتعملنا حكاية عشان كرسيين؟
بصيت للسفرة:
— مش كرسيين. دول سبع أطباق بالعدد. أنتم كنتوا عارفين إننا جايين.
أمي جزت على سنانها:
— متكونش قليل الأصل.
الكلمة دي كانت دايماً كرباجهم المفضل. قليل الأصل لو سألت الفلوس بتروح فين. قليل الأصل لو مردتش على التليفون نص الليل. قليل الأصل لو رانيا تعبت من المعاملة. قليل الأصل لو عيالي عايزين حنية من غير مقابل.
اتنفست غريق وقلت:
— من النهاردة، مفيش تحويلات فلوس تاني.
أبويا قام بسرعة والكرسي اتهز وراه:
— أنت بتقول إيه؟
— بقول مش هتدفع قسط الشقة تاني.
أمي وشها جاب ألوان، ومروة ضحكتها اختفت.
وهنا فهمت حاجة كان لازم أفهما من زمان: أنا مكاني في العيلة دي عمره ما كان على السفرة، أنا مكاني كان في البنك.
نور رفعت الكارت وقالت:
— أسيب الكارت لتيتة؟
بصيت لأمي، مستني أي نظرة حنية، اعتذار، أي حاجة. مفيش.
— لا يا حبيبتي، الكارت ده هيروح بيت تاني بيعرف يقدره.
مشينا للعربية. رانيا نزلت أول ما شافت وشوشنا، حضنت نور وأخذت البسبوسة من إيد مازن اللي كانت بترحف، ومسألتش أي سؤال قدامهم.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
وأحنا في الطريق، بنتي بصتلي في المراية:
— بابا، هي تيتة مش بتحبنا ليه؟
حسيت بقلبي بيتعصر:
— مش ذنبكم يا قلب بابا. في كبار قلوبهم مليانة بحاجات غلط.
رانيا مسكت إيدي وهمست:
— خلاص؟
بصيت ورايا لآخر مرة على عمارة أهلي في مصر الجديدة. أمي لسه واقفة في البلكونة، وأبويا وراها، ومروة بتبص من الشباك متغاظة، مش عشان العيال زعلوا، عشان الحنفية اتقفلت.
— آه.. خلاص.
بس بليل، وأحنا بنعلق كارت نور على التلاجة، وصلتني أول رسالة من مروة: “أنت هتخرب البيت وتدمر أهلك عشان عيالك قلالات الأدب”.
مكنتش عارف المصيبة اللي هكتشفها بعدين…
الجزء الثاني: كشف المستور
يوم الإثنين الصبح، دخلت على تطبيق البنك ولغيت التحويل التلقائي لقسط الشقة.
التطبيق طلب مني تأكيد مرتين، الشاشة كانت بسيطة أوي مقارنة باللي بتعمله: 11 سنة من السمع والطاعة انتهوا بضغطة زرار أحمر.
”إلغاء التحويل الدوري”.
دوست موافق.
مفيش حاجة انفجرت، الدنيا موقفتش، والعالم كمل عادي. لأول مرة أفهم إن في قيود مابتطلعش صوت لما بتتكسر.
النهارده ده مكلمتش حد، ومردتش على مروة، ولا على فويسات أمي العياط. فتحت فولدر على الموبايل وسميته “يوم الأحد”، وبدأت أشيل فيه سكرين شوتس من كل حاجة: الشتايم، التهديدات، وصولات الأمانة، والتحويلات القديمة. رانيا كانت دايماً بتقولي احتفظ بكل حاجة.
— مش عشان تنتقم، عشان محدش يغير الحقيقة ويلبسها لك.
وأهلي كانوا دكاترة في الموضوع ده.
على يوم الأربعاء، وبحسب روايتهم، عيالي هما اللي كانوا قلالات الأدب. وعلى يوم الخميس، رانيا هي اللي عملت المشكلة. وعلى يوم الجمعة، أنا بقيت الابن العاق اللي مراته ممشياه.
يوم السبت بليل، كلمني أخويا الصغير، طارق.
طارق عنده 32 سنة، وعايش في الأوضة اللي جوا في شقة أهلي من ساعة ما اتطلق. بالنسبة لهم هو “فاشل ومستقبل مش مضمون”، بالنسبة لي هو إنسان مهدود، استهلكوه نفسياً سنين.
— أنت كويس؟ — طارق سألني أول ما فتحت السكة.
سكت، محدش في العيلة دي بيبدأ مكالمة كده.
— مش أوي.. أنت عامل إيه؟
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
تنهد وقال:
