أمي طردت ولادي
حصري لصفحه روايات رولا

— أسوأ من ساعة ما بطلت تدفع.
قعدت في الصالة، رانيا كانت بتمشط شعر نور والبيت ريحته حلوة ومستقر.
— إيه اللي بيحصل هناك يا طارق؟
تأخر في الرد:
— جابر.. فلوس القسط مكنتش دايماً بتروح للبنك.
حسيت برعشة في ضهري:
— يعني إيه؟
— يعني بابا وأمي متأخرين في الأقساط من شهور. ساعات يدفعوا جزء وساعات لاء. الفلوس اللي كنت بتبعتها كان كتير منها بيروح لمروة.
وقفت على حيلي:
— لمروة ليه؟!
— فيزا كارد، قسط عربيتها، جمعيات، حاجات كتير. أنا لقيت كشوفات حساب وورق كاتباه أمي بخط إيدها. جابر.. حكاية السخان اللي باظ والشقة اللي غرقت الشهر اللي فات دي كانت حجة عشان يدفعوا قسط عربية مروة الجديد.
سندت على الحيطة.
السخان..
الشهر ده أنا لغيت اشتراك السباحة بتاع مازن عشان “ظروف أهلي الطارئة”.
— معاك ورق يثبت؟
— آه، بس لو عرفوا إني قولتلك…
— تعالى عندي البيت حالاً.
جالي بعد ساعة بشنطة ضهر وفي إيده دوسيه كرتون. رانيا فتحت له الباب ومن غير ما تسأل عن حاجة قالت له:
— أنا عامله عشا سخن، هحضر لك طبق.
طارق بص في الأرض كأن الجملة البسيطة دي هزته.
لما العيال ناموا، فتح الدوسيه على ترابيزة المطبخ. وصولات، صور تحويلات، رسايل مطبوعة. كل حاجة كانت واضحة.
أنا بحول.. أمي وأبويا يغيروا المسار.. ومروة تستلم.. وقسط الشقة الحقيقي مبيتسددش.
وفي ورقة مكتوبة بخط أمي: “جابر كدا كدا بيتصرف وبيحل، متقولولوش حاجة دلوقتي”.
قريت الجملة دي مية مرة.
ما وجعنيش الفلوس، وجعني الأمان اللي كانوا بيتكلموا بيه عني كأني مجرد “محفظة”.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
طارق وراني سكرين شوت تانية لرسالة من مروة لأمي: “لو جابر اتقمص، قوليله بابا تعبان وضغطه عالي، هو بيحن بسرعة في الحاجات دي”.
رانيا حطت إيدها على بقها بصدمة.
أنا مقلتش حاجة.
حسيت بنار، بس كان فيه وجع أكبر: كسوف. كنت مكسوف من نفسي ومن رانيا على كل مرة دافعت فيها عنهم وقلت “مش قصدهم” و”دول بركة البيت”.
— هتعمل إيه يا جابر؟ — طارق سألني.
بصيت على الطرقة اللي فيها أوضة عيالي:
— هسيب الحقيقة تظهر لوحدها.
تاني يوم الصبح، أمي كانت على باب بيتي. ومكنتش لوحدها.
كان معاها أبويا، ومروة وعيالها.. وفي إيدها عقد الشقة الابتدائي.
رفعت العقد في وشي وقالت:
— لو عايزها حرب يا جابر، هتعرف يعني إيه تعيش من غير أهل.
وأبويا زود جملة خلت رانيا تتجمد مكانها:
— وطارق لو مارجعش معانا الشقة النهاردة، هنعمل له محضر سرقة ورق وندخله السجن.
الجزء الثالث: الحدود والبداية الجديدة
طارق وقف ورايا ووشه اصفر، رجع تاني لصورته وهو طفل صغير بيستخبى لما أبويا يزعق. أمي شافت الخوف في عينه وابتسمت خبث. هي عارفة بتلعب على إيه.
— طارق سرق ورق من البيت — أمي قالت — وده اسمه سرقة.
رانيا طلعت قدام:
— والي بتعملوه ده اسمه إيه؟ تاخدوا فلوس شقا ابنكم سنين عشان تدلعوا بنتكوا؟
أمي بصت لها بقرف:
— أنتي متتكلميش خالص.
— ده بيتي — رانيا ردت — وعيالي عايشين هنا، يعني اتكلم ونص.
مروة ضحكت تريقة:
— يختي على المظلومين! جابر كان بيدفع بمزاجه ومحدش ضربه على إيده.
بصيت لمروة:
— كنت بدفع عشان كنتوا بتكذبوا عليا.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
أبويا رفع العقد:
— الشقة دي باسمنا، وأنت مالكش كلمة علينا نبيعها ولا نعمل فيها إيه.
— عندك حق — قلت له — شقتكم، ديونكم، قراراتكم.. واستحملوا بقى النتيجة.
أمي برقت، الكلمة دي خضتها. أهلي مكنش عندهم مشكلة في الأفعال، مشكلتهم دايماً مع النتيجة.
مروة رجعت عيالها لورا كأنها بتتفرج على خناقة في الشارع.
— عارف إيه اللي هيحصل؟ — مروة قالتلي — بابا هيتعب بسبك، وأمي هتترمى في الشارع بسبك، وطارق مستقبله هيضيع بسبك، وعيالك هيكبروا يعرفوا إن أبوهم رما أهله.
سمعت صوت عياط مكتوم ورايا.
كانت نور واقفة في الطرقة. مكنتش عارف سمعت من أمتى، بس عيونها كانت مليانة رعب.
فهمت إن السم القديم بدأ يدخل بيتي أنا.
نزلت على ركبي قدامها ومسكت إيدها:
— نور، روحي الأوضة مع مازن يا حبيبتي، مفيش حد يقدر يؤذيكوا هنا.
— هي تيتة زعلانة مني يا بابا؟
أمي نزلت عينها في الأرض. ولأول مرة مقلتش كلام دبلوماسي، قلت الحقيقة براحة:
— لا يا حبيبتي، تيتة زعلانة عشان بابا مابقاش يسمح لحد يزعل عياله تاني.
نور هزت رأسها ودخلت لجوا.
لما وقفت، الباب ده مكنش مجرد باب شقة، كان خط دفاع.
— اتفضلوا من غير مطرود. — قلتها بأعلى صوت.
أبويا قرب مني:
— أنت بتطردنا؟ تعلي صوتك عليا؟
زمان، الكلمة دي كانت تكسرني. النهاردة لاء.
— أنا هكلم المحامي بتاعي حالاً، ولو فكرتوا تتبلوا على طارق بمحضر سرقة، كل المحاضر والرسائل والتحويلات والسرقات اللي عملتوها هتروح للنيابة.
أمي ضمت العقد لصدرها:
— هتشكينا يا جابر؟
— هحمي بيتي.
— إحنا أهلك!
— ومازن ونور عيالي.
أبويا جه يتكلم ملقاش كلام يقوله. طارق طلع من ورايا ووقف جنبي:
— أنا مسرقتش حاجة، أنا صورت ورق كنتوا راميينه عشان تلبسوا جابر في الحيط، ولو عايزين تروحوا للمحكمة، أنا جاهز.
مروة وشها حمر:
— قليل الأصل زيه.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
طارق ضحك بوجع:
— لا يا مروة، إحنا بس مبقناش مكنة الـ ATM بتاعتك.
الضربة دي وجعتها أوي.
أبويا نزل العقد ونبرته اتقلبت لكلام مصلحة:
— جابر، إحنا كبار ونقعد نتفاهم.
— الكلام ده كان من 11 سنة.
أمي بدأت تعيط، بس المرة دي كان عياط حقيقي، عياط قلة حيلة. لثانية شوفت فيها الأم اللي كانت بتعملي السندوتشات وأنا في ابتدائي، اللي كانت بتدهن لي وداني لما اتعب. ووجعتني.. لأن وضع الحدود مابيمسحش الحب، بس بيمنع إن الحب يبقى وسيلة لاستغلالك.
— يا أمي — قلت لها — أنا ممكن أساعدكم قانونياً مع البنك، وممكن أدفع إيجار 3 شهور مقدم لشقة صغيرة ومحترمة لكم لو الشقة ضاعت، بس فلوس في إيدكم تاني لاء، ومش هضحي بمراتي وعيالي عشان مروة تتفسح.
مسحت دموعها وقالت:
— 3 شهور؟ ده مقامنا عندك؟
— متتكلميش عن المقام وأنتي سايبه عيالي على الباب.
محدش نطق. مشيوا ورزعوا الباب وراهم.
بليل، قعدنا أنا ورانيا وطارق في المطبخ. علبة البسبوسة اللي مأكلناش منها عند أمي كانت في التلاجة، طلعتها وقسمتها علينا وأكلنا في صمت.
— طعمها حلو أوي — طارق قال.
ابتسمت:
— مازن هو اللي نَقّاها.
طارق بص لطبقه وقال:
— يا ريت حد كان دافع عننا وأحنا عيال صغيرة كدا.
الجملة دي فضلت ترن في ودني أسابيع.
المحامي بتاعي بعت لهم جواب رسمي، إن أي طلبات مادية تكون مكتوبة وبأوراق رسمية، ومفيش مليم هينزل في حساب حد شخصي. أبويا اتصل بي وهو بيشتم، قفلت السكة. أمي سابت 11 فويس كارد، سمعت اتنين ومسحت الباقي. مروة كتبت بوست على الفيسبوك عن “الأخوات اللي بيبيعوا أهلهم عشان الفلوس”، وقرايبنا دخلوا يعملوا كومنتات زعل، واحدة قريبتنا كلمتني على الخاص: “هو بجد أنت اللي كنت شايل البيت؟”، بعت لها سكرين شوت واحد من التحويلات. تاني يوم البوست اتمسح.
الحقيقة مش دايماً بتزعق، ساعات بس بتنور النور.
بعد شهرين، البنك حجز على الشقة وأهلي خسروها، مش بسببي، بسبب ديون مروة والقروض اللي مابتخلصش. أنا نفذت كلمتي، أجرت لأبويا وأمي شقة صغيرة قريبة من مستشفى في العجوزة ودفع تلت شهور مقدم من غير ما أسلمهم فلوس في إيدهم. أبويا قال إنه مش مسامحني، وأمي كانت بتتصل كل أسبوع بطلبات جديدة، ولما لقت الـ “لأ” بتاعتي حاسمة، ميزان المكالمات قل وبقت تتصل كل شهر مرة.
مروة سافرت الغردقة مع خطيبها الجديد، وعرفت بعدين إنها سابته وهو عليه ديون برضه. متفاجئتش. في ناس بتفتكر إن الأمان هو إنها تستغل اللي حواليها.
طارق قعد معانا تلات شهور، في الأول كان بيستأذن في كل حاجة: يفتح التلاجة، يشغل التلفزيون.. رانيا كانت بتقوله: “يا طارق أنت هنا في بيتك”. مع الوقت بدأ يضحك وصوته يطلع، اشتغل مبرمج في شركة كبيرة، وأجر شقة صغيرة لنفسه وجاب زرعة ماتت بعد أسبوعين، فنور جابت له واحدة بلاستيك عشان “ميزعلش”. مازن شايف إن عمه عبقري عشان بيصلح النت.
النهاردة الأحد، وبنتجمع كلنا على العشا.
السفرة كراسيها مش شبه بعض، كرسي قديم وكرسي جديد وكرسي بيتهز، ساعات بناكل محشي وساعات كشري وساعات بيتزا. بس قبل ما نقعد، نور بتعمل كروت صغيرة بالأسماء:
(بابا – ماما – مازن – نور – عمو طارق – ضيف).
أول مرة شفت كارت “ضيف” ده، زوري وجعني من الدموع:
— الكارت ده بتاع مين يا نور؟
ابتسمت وقالت:
— لأي حد يجي وزيارته خفيفة وبيحبنا.
حطيت الكارت في نص السفرة.
ساعات بافتكر شقة أهلي والخدمة الفاخرة والباب اللي اتقفل في وش عيالي. زمان كنت فاكر إن خسارة أهلي هي أكبر عقاب، بس الحقيقة أنا كنت بخسر نفسي كل مرة بقعد على السفرة دي وأنا بلعن المعاملة.
أهلي مخسرونيش يوم ما لغيت التحويل.
خسروني كل مرة حولوا فيها حبي لدفتر فواتير.
خسروني لما حسسوا رانيا إنها غريبة.
خسروني لما عيالي راحوا شايلين علبة بسبوسة وكارت وملقوش مكان.
أنا منتقمتش.. الانتقام بيبص لورا.
أنا بس قفلت حساب كان مفتوح على حساب كرامتي وكرامة عيالي.
ومن يومها، في بيتي، محدش بيقف على الباب.
هنا بنعد الكراسي قبل ما نعزم.
هنا العيال مش محتاجين يسكتوا عشان يرضوا الكبار.
هنا الأخ المكسور يقدر يجي ويقعد من غير ما يبرر هو اتأخر ليه في الشفاء.
هنا الحب ملهوش فوائد بنكية.
ولو في يوم أمي خبطت على الباب بقلب صافي، مش عارف هعمل إيه، يمكن أسمعها ويمكن لأ، بس الأكيد إن عيالي عمرهم ما هيبصوا لسفرة ويسألوا نفسهم: هو إحنا ملناش مكان ليه؟
عشان في البيت ده.. اللي بيجي بالحب، دايماً مكانه محجوز.