عشق القلوب ج2

بقلم سهام صادق

الـــــفــصـــــل الــــســــادس عـــــشــــــر

​ومع غروب شمس النهار ونسمات الهواء الهادئة.. جلست على أرجوحتها المفضلة التي تتوسط جانباً من حديقة قصرهما الواسع، ولامست جنينها بأيدٍ حانية، الذي علمت بوجوده في أحشائها عندما أتت إلى هنا لتحدثه بألم.
مريم: هو ليه بابا دايماً حابسني وباعدني عن كل الناس حتى أهلي مش عارفة عنهم حاجة.. وصمتت قليلاً لتتابع حديثها الذي يحرق قلبها: أنا عارفة إنه بيحبني أوي بس حاسة إني مش فاهمة حاجة، وأغمضت عيناها بقوة كي تتذكر أي شيء، ولكن كما هي الصورة؛ شريط لطفلة صغيرة تلهو على أقدام والدها، وصوت والدتها تقول: “سيبي بابا يرتاح يا مريم”.
فهبطت دموعها وهي تحادث جنينها: “نفسي أشوف صورتها واضحة في عقلي، بس أنا واثقة لو شوفتها هفتكرها علطول، وحشتيني أوي يا أمي”.
ليأتي من خلفها ويظل يتأملها بنغزة في قلبه حتى ابتلع ريقه بتوتر، ورسم ابتسامة مزيفة على محياه.
يوسف: حبيبتي سرحانة في إيه، وإيه اللي مخليكي في الجنينة لحد دلوقتي؟ الجو بقى برد عليكي يا عمري.
وأمسك بكف يديها كي ينهضها معه.
يوسف بدعابة: أنا ابتديت أغير من الأرجوحة دي، ده أنتي بتحبيها أكتر مني! أنا خلاص بفكر أشيلها.
لتلتف إليه هي سريعاً وبخضة، وتركت يدها التي يمسكها بين راحتي كفيه: لأ يا يوسف الله يخليك.
فيضحك بقوة على خوفها لفقد متعتها البسيطة.
يوسف: حبيبتي أنا بهزر معاكي.
وانحنى بجسده كي يحملها بين ذراعيه وهو يقول بحب: مت حاوليش مش هنزلك.
لتحرك قدميها بعشوائية وبخجل.
مريم: يا يوسف عيب، الخدم بيفضلوا يبصوا ويضحكوا عليا، ده حتى راشيل بتفضل تضحك، شوفت؟
فيضحك يوسف بسعادة: بجد حتى راشيل؟ طب كويس.. شوفتي بقي أنتي كنتِ ظالماها إزاي لما قولتي إنها لوح خشب؟
لتخبئ وجهها بين ضلوع صدره: يوسف أنا عايزة أنزل مصر وأشوف أهلي.
فيبتلع ريقه بصعوبة ويصعد بها على درجات ذلك السلم الذي يحتوي على جهتين، ويحادث الخادم بالفرنسية الذي وقف في استقبالهم: “أجل العشا كمان ساعة يا ريمون”.
…………………………………………………………..
سارت نحوه بخطوات يائسة حتى قالت بحزن:
ريما: للأسف برضو ما عرفتش حاجة عنها، مستر عدنان مات، وسيلا بنته باعت المحل، ومدام مادلين صاحبة السكن قالت إنها ما تعرفش حاجة عن مريم من يوم ما جت واحدة من طرفها أخدت كل حاجة تخصها.
ثم صمتت بعدما جلست بجانبه في السيارة الخاصة التي ستنقلهم إلى مطار كندا الدولي.
ريما: بس مريم ما تعرفش حد هنا، وعمها اللي كان مقيم هنا ساب البلد وكان بيكره مريم.. تفتكر يا مراد حصلها حاجة؟
ليتأملها مراد بأسف: أكيد هتكون بخير يا حياتي، ممكن تكون رجعت بلادها.
ريما بتمني: ياريت يا مراد، ياريت، كان نفسي أشوفك يا مريم.
…………………………………………………………..
كانت المياه تتدفق على جسده وكأنها نار تحرقه، فأغمض عينيه بألم وهو يلعن نفسه بسبب أنانيته هذه، ليغلق تدفق المياه التي رغم برودة ملمسها إلا أنه كان يشعر وكأنها نار.
ليخرج يجدها جالسة تمشط شعرها البني اللامع بشرود.
فأزاح خصلاتها الطويلة وانحنى ليقبلها من عنقها.
يوسف: سرحانة في إيه تاني يا حبيبتي؟
فدمعت عيناها.
مريم: أنت بقيت تتعصب عليا كتير يا يوسف، ودايماً بتتخنق مني بسرعة.. أنت ما بقتش تحبني.
فأمسك بالمشط الذي كان بين راحتي كفيها ليصبح بين يديه، وبدأ في تمشيط شعرها.
يوسف: بنوتي الحلوة عايزاني أعملها تسريحة إزاي؟
فهزت رأسها بالرفض حتى ضحك: خلاص أنا هعمل اللي عايز أعمله، ما أنتي عارفة إني بفهم في كل شيء يخص المرأة.
لتضحك على حديثه وعضت شفتيها بخجل.. ليفهم هو ضحكتها.
يوسف: عارف إني وقح وقليل الأدب، وسبحان الله يوم ما اتجوزت اتجوزت واحدة بتتكثف حتى من نفسها.
فتنير الابتسامة شفتيها.. فيبادلها هو ذلك حامداً الله بأن كلامه ينسيها كل شيء.
…………………………………………………………..
نظرت شهيرة إلى ابنتها بإشفاق وهي تراها تعدل من هيئة حجابها البسيط وعباءتها الفضفاضة حتى قالت:
شهيرة: يا بنتي الناس دي خلاص لازم نقطع علاقتنا بيهم، إيه لازمته كل شوية تروحي تزوري أبوه وأخته؟
فتنحني أروى بجسدها كي تأخذ حقيبتها وهي تحادثها: نهال قربت تسافر وعايزة أقعد معاها أطول وقت ممكن، وعمو عبدالله بيحتاجني ساعات، وكمان أنا عمري ما أنسى هما كانوا بيعملوا عشاني إيه، وبيقفوا ضد ابنهم وعمرهم ما زعلوني في حاجة.
فتلوي شهيرة فمها باعتراض قائلة: اللي يريحك يا أروى أعمليه، أنتي إيه اللي لابساه ده؟ ماهو مش معقول يوم ما تلتزمي تلبسي كده، عباية سودة واسعة ومافيش ولا نقطة مكياج تفتح وشك.. أقول لأصحابي اللي في النادي إيه؟
فتكمل هي سيرها نحو الباب.
أروى: مع السلامة يا ماما.
…………………………………………………………..
نظر إليها أمجد طويلاً، بعدما تركت هاتفها جانباً بتأفف.
حتى قال: مين اللي كان بيتصل من مصر يا سالي؟
لتزفر هي بضيق.
سالي: ده جوز ماما، بيقولي إنها تعبانة جداً ومحجوزة في المستشفى.. عايزني أنزل آخد بالي منها لأنه مش فاضيلها.
فيسير هو نحو غرفتهما بلا مبالاة.
أمجد: سافري ليها يا سالي.
فتتابعه هي بضيق.
سالي: هو أنا كنت ناقصة ياربي، طب وياسين؟
أمجد: لأ ياسين مش هيسافر معاكي، الولد ممكن يتعدي من المستشفى.. سافري اطمني على أمك ده حقها برضو عليكي.
فرمقته بنظرات دلال.
سالي: على عيني يا حبيبي والله أنا ما أقدرش أبعد عنك يوم.. وزادت في اقترابها الذي أصبح يبغضه، وقبلته قبلة صغيرة على شفتيه.
سالي: ربنا يخليك ليا يا حبيبي!
…………………………………………………………..
انتهت لعبتهم التي اعتادوا عليها حتى قالت أروى ضاحكة: كش ملك يا عمي.
ليبتسم عبدالله لها بسعادة: ما تتعوديش بقى على كده يا مرات ابني.
لتقف تلك الكلمة في حلقها.. ليتابع هو حديثه:
عبدالله: أيوه مرات ابني وهتفضلي مرات ابني، ولعلمك أنا مش هسكت، هو ابني أصلاً يلاقي زيك؟
لتنهض أروى من على كرسيها المقابل لذلك الرجل الحنون، والد زوجها، وتنحني بجسدها كي تطبع قبلة حانية على راحة كفه.
أروى: ربنا يخليك ليا يا عمي، بس أنا وأحمد خلاص اللي بينا انتهى.
عبدالله باعتراض: ابني بيحبك يا عبيطة، وتابع حديثه بحزن: بس من كتر الحب بقى أعمى.
لتبتسم هي بحزن على دعابته الطيبة.
حتى تأتي نهال بملامحها التي ما زال الحزن يكسوها: الله الله! يعني أنا بعملكم أحلى سحلب وأنتوا عمالين تحبوا في بعض، خيانة.. ونظرت إلى أروى بشر مصطنع.
نهال: وسعي كده يا لؤلؤة، كفاية عليكي لحد كده، وتابعت حديثها وهي تضع قبلة حانية على خد والدها: سيبلي الراجل العسل ده.
لتضحك أروى بسعادة من قلبها ناظرة لهم حتى سمعت صوت الخادمة تحادث أحدهم مرحبة: أهلاً أهلاً أحمد باشا.
فتحمل حقيبتها سريعاً وبتوتر.
أروى: أنا لازم أمشي.
وسارت بخطى سريعة دون أن تنتبه لنداءات والد زوجها ونهال.
ليقف هو أمامها، متأملاً هيئتها.. خافقاً قلبه وكل جزء فيه لها، فهو ما زال يعشقها ولكن..
أحمد: إزيك يا أروى؟
لترفع وجهها وتتقابل أعينهم.. وتسير رعشة في قلبها فتخفض برأسها سريعاً وتتابع سيرها بصمت.
ليأتي عبدالله بكرسيه المتحرك قائلاً بجمود: أنا لازم أفهم أنت ومراتك الحال وصل بيكم كده ليه؟
نظر أحمد في ساعته بطريقة عملية قد اعتاد عليها.
أحمد: أنا كنت جاي أطمن عليك يا بابا أنت ونهال، ومدام أنتوا كويسين.. أستأذن أنا عشان ورايا شغل.
…………………………………………………………..
كان نائماً على قدميها بسعادة وهي تقص عليه إحدى قصص الأنبياء من ذلك الكتاب الذي تحمله بين أيديها حتى توقفت قائلة وهي تداعب خصلات شعره المبللة.
مريم: وكده القصة خلصت، ودي كانت قصة نبي الله عيسى عليه السلام.
لينهض يوسف من على قدميها قائلاً: وابن الله؟
فتنظر إليه مريم طويلاً غير مصدقة لما يقوله زوجها حتى قالت: أنت إزاي تقول كده يا يوسف؟ الله واحد أحد لم يلد ولم يولد.
فتسيطر عليه كل تعاليم جده حتى قال:
يوسف: أنا شايف إن قصة نبي الله عيسى فيها كل شيء وواضحة رسالته، أما (محمد) أنا شايف إن رسالته مش واضحة.
لتنصدم هي في حديث زوجها حتى قالت: أنت واعي للكلام اللي بتقوله ده يا يوسف؟ إزاي تغلط في خير خلق الله وخاتم الأنبياء والمرسلين؟
فيضيق وجهه قائلاً: واشمعنا دفعتِ عن محمد وعيسى ابن الله لأ؟
لتحتار هي في حديث زوجها.
مريم: قولتلك الله واحد أحد لم يلد ولم يولد، غير إن أنا ما بغلطش في نبي الله عيسى عليه السلام، لأن ديننا عمره ما كان فيه بغض أو تمييز لأي نبي نزل برسالة من عند الله.. ورسولنا خاتم الأنبياء والمرسلين.. أنت عيشتك هنا خليتك تتغير كده ليه؟ أنت مش يوسف، أول مرة أحس إنك مش زينا ومش غيور على دينك.
يوسف بارتباك ملحوظ: مريم إحنا بنتناقش، وأنتي عارفة إني فعلاً جاهل حاجات كتير في الدين وأنتي وعدتيني إنك هتساعديني.
لتهدأ في حديثها معه وتتذكر وعدها له قائلة: بسم الله الرحمن الرحيم: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ).
(وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ).
لينظر لها هو ببلاهة قائلاً: يعني إيه؟
مريم: يعني آخر رسالة ربنا بعثها لينا هي إن الإسلام هو المتمم لكل الأديان اللي نزلت قبله.
ليمتقع وجهه ولكن تحدث بهدوء.
يوسف: واشمعنا الدين المسيحي ما كنش هو الدين ده؟ وبرضو ما جاوبتنيش ليه مش بتدافعي عن النبي (عيسى)؟
لتنظر إليه طويلاً قائلة: عليه السلام، لو كنت مش بحب قصة نبي الله عيسى ومعترفة بوجوده ما كنتش قريت معاك قصته، ولا كان رب العالمين ذكر لينا في كتابه العزيز كل شيء يخص سيدنا عيسى وفهمنا قصته وكل اللي مر بيه مع قومه، وحياة السيدة مريم أمه: (فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا، قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا، وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا، وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا، وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا).
فنظر إليها طويلاً متعجباً: أنتي عارفة كل ده إزاي ومن إمتى؟
لتنظر إليه هي بسعادة.
مريم: ما أنت لما بتكون مش موجود وفي شغلك.. بحفظ في كتاب ربنا، القنوات اللي هنا فيها حاجات مش كويسة وحرام، فوقتي بقض..يه وأنا بحفظ أو أنا بتأمل الطبيعة في الجنينة.. وأكملت حديثها ببراءة: ده أنا عاملة ليا قاعدة تجنن عند الشجرة الكبيرة المزروعة في الجنينة، بقعد تحتها وبنسى نفسي.
فيضحك على حديثها بسعادة: قصدك شجرة الصنوبر يا حبيبتي؟
ويلتهي بالحديث معها كي ينسيها رد فعله إلى أن احتضنها بحنان.
يوسف بصدق: ساعديني يا مريم أحب وأفهم ديني.
فتبتسم إليه بعشق صادق: مريم مش هتفهم يوسف، لأ.. يوسف ومريم هيفهموا سوا عشان هما الاثنين يكونوا سوا في الجنة زي ما هما سوا في الدنيا.
لتسير تلك الجملة بين خفايا وجدانه وعقله.. حتى مال عليها بعشق وقبلها قبلة حانية على جبينها، وعندما ابتعد عنها بشفتيه، اقتربت كفاه وأمسك وجهها بحنان بالغ ليحتويه بدفء.
…………………………………………………………..
ضحكت سالي بسخرية وهي تتأمل وجه والدتها قائلة: بقي هو ده التعب اللي أنتي بسببه في المستشفى؟.. “تعالي يا سالي بسرعة أمك بتموت ومحتاجة عملية ضروري”، وكل ده عشان أنزلك بفلوس العملية من أمجد، لأ.. والعملية.. عملية تجميل! عملية تجميل يا ماما؟ وزادت في سخريتها وهي تقول: إيه العريس الجديد عايز كده ولا إيه؟
ليمتقع وجه كريمة والدتها.. وتلامس بشرتها بأيديها كي تتأكد من إزالة التجاعيد.
كريمة بلا مبالاة: هاتي لي يا سالي المراية عايزة أشوف العملية صغرتني وشالت التجاعيد ولا لأ.
لتخرج سالي من حقيبتها مرآة وتمدها لها بريبة.
فتأخذها هي منها.
كريمة: إيه ده؟ أنا قولت لهم عايزة أصغر المناخير كمان!
سالي بسخرية: هم يضحك وهم يبكي، معلش يا كوكو المرة اللي جاية تصغر يا حبيبتي.
…………………………………………………………..
نظر إلى الحزن الذي بعينيها واقترب منها بحنان واحتضنها إلى صدره.
مراد: ما تزعليش من أمي وأخواتي البنات يا ريما، هما لما يعرفوكي كويس هيحبوكي.
لتتذكر ريما قول أمه لها موجهاً إليها هي الحديث أيضاً بلذاعة: “متجوز واحدة من الشارع يا ولدي وعايزها تبقى من عيلتنا؟ لأ ده مش هيحصل أبداً”.
فتبتعد هي عنه وتمسح دموعها برضا.
ريما: هي عندها حق يا مراد وأنا مش زعلانة منها.
فيبتسم لها بسعادة ويعاود ضمها ثانية: ربنا يخليكي ليا يا حبيبتي.
…………………………………………………………..
الأقدام تتصارع والكل يهبط على درجات سلم ذلك البيت الذي يسقط، فتصرخ هي بقوة: لاااااااا.
…………………………………………………………..
كان يجلس بولده يدغدغه ويضحكه حتى رن هاتفه برقم غريب، لتمر دقيقة واحدة وهو يسمع حديث ذلك الغريب حتى سقط الهاتف من بين أيديه وهو ينظر إلى طفله الجالس على قدميه ببلاهة تصحبها الصدمة.
سالي ماتت !!!!!!!!!
…………………………………………………………..

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *