عزومة جوزي المزيفة

:
​في وسط جنينة الفيلا الكبيرة في مصر الجديدة، وقدام قرايبه كلهم اللي معزومين على العشا، حماتي وبكل برود وقفت، وشالت أطباق الأكل من قدام بناتي الصغيرين وقالت بصوت عالي وهي بتبتسم سماجة: “السفرة دي ميعقدش عليها غير الستات اللي بيجيبوا للغلابة دول رجالة يشيلوا اسم العيلة.”
أنا مدمعتش.. ولا حتى زعقت
ش
​بكل هدوء مسكت منديل، وطبطبت على وش بنتي الصغيرة جودي وبمسح بقايا الصلصة من على خدها. جودي كان عندها 5 سنين، وفستانها الأصفر الجديد اتبهدل وبقى عليه بقعة غامقة مكان ما حماتي شالت الطبق بعنف. أما فريدة، بنتي الكبيرة صاحبة الـ 7 سنين، كانت قاعدة مربعة إيدها في حجرها وبتبص للترابيزة الفاضية قدامها وهي بتموت من الكسوف.

​كل ده بيحصل في صالة الشقة الفخمة اللي كريم جوزي مأجرها في الكوربة، الشقة كانت مليانة ورد، وصواني بط بالبرتقال ورقاق ولحمة باردة، وقرايبه اللي جايين من طنطا والمنصورة عشان يباركوا لـ كريم على “الخطوة الكبيرة اللي نقلت حياته”.
​كريم كان مفهم العيلة كلها إنه اشترى الشقة دي تمليك بملايين.
فهمهم إنه خلاص دخل نادي رجال الأعمال.
وإن صفقاته وشغله في المقاولات بدأوا يلعبوا بالفلوس.
​بس أنا كنت عارفة البير وغطاه.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
الشقة مش بتاعته، والعربيتين اللي راكنين تحت مش دافع نص تمنهم، والساعة الرولكس اللي في إيده “هاي كوبي”، والراجل اللي عمال يضحك ويهزر في وسط الصالة ده باني منظرة كدابة بفلوس مش بتاعته أصلاً.
​حماتي، “الحاجة فريدة”، فضلت واقفة فوق راس بناتي بضحكة نصر كأنها علمتهم الأدب: “خليهم يأكلوا بعدين.. البنات لازم يتعلموا مقاسهم فين من صغرهم.”
فريدة بنتي بصت لأبوها وهي عينيها بتترجاه.
في الثانية دي، افتكرت إن كريم ممكن تقوم فيه نخوة الأبوة، ويقف ويفتكر إن دول حتة منه.
لكن بكل برود، رفع كاس العصير بتاعه وقال: “يا رانيا، مش عايزين نكد ودراما من بتاعتك دي.. أمي عارفة الأصول والتقاليد، والنهارده يومي وجمهوري، عدي الليلة.”
​المزيكا الهادية اللي كانت شغالة حسيتها سكتت فجأة.
الناس كلها بدأت تبص في أطباقها.. اللي عمل نفسه مش سامع، واللي قعد يتفرج بتسلية؛ لأن قلة القيمة بتبقى مسلية للناس طالما مش جاية فيهم.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​أنا بقالي 10 سنين متجوزة كريم. بالنسبة لعيلته، أنا مجرد سكرتيرة غلبانة في شركة عقارات، لبسي بسيط، وبسوق عربية قديمة، وعمري ما بطول صوتي. حماتي كانت دايماً تقول في وشي إن كريم “عمل فيا ثواب” لما اتجوزني.
كانت بتشوفني عادية.. وماليش لازمة.
وكانت بتسمي بناتي “الغلبانين” عشان مش صبيان.
​اللي محدش فيهم يعرفه.. إني صاحبة واحدة من أكبر شركات التطوير العقاري الخاصة في القاهرة الجديدة والساحل.
أنا خبّيت الموضوع ده سنين.
مش خوف ولا كسوف.. بس أول مرة كريم عرف إني قفلت صفقة أراضي كبيرة وعملت عمولة ضخمة، كرامته اتهزت وقلب وشه، وقالي: “مفيش ست تكسر راجلها وتخليه صغير.. أنتِ كده بتبهدلي برستيژي.” ومن يومها، نقلت كل أملاكي وأصولي باسم “صندوق عائلي” وقفلت بوقي، وسيبته يعيش في وهم إنه الراجل الخارق اللي شايل البيت.
​كنت فاكرة إن السكوت هيحافظ على بيتي وبناتي.. بس طلعت غلطانة.
السكوت بيخلي الحيطة الواطية تتهد أسرع.
​اللحظة اللي قفلت فيها الباب ورايا
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​قبل العزومة دي بأسبوعين، حماتي خدت فريدة وجودي ونزلتهم في عز الشمس يوزعوا بروشورات لافتتاح معرض وهمي لـ كريم. ولما فريدة تعبت من الحر، حماتي قالتلها: “البنات اللي مش هيشيلوا اسم العيلة، على الأقل يتعلموا يشيلوا الشغل ويكون لهم عازة.”
يومها بالليل، فريدة سألتني بدموع: “يعني إيه ماليش عازة يا ماما؟”
أنا أخدتها في حضني وحسيت بحاجة جوايا بتتكسر وبتتحول لكتلة نار.
​عشان كده لما كريم أعلن عن حفلة الشقة الجديدة، كنت عارفة إنه بيعمل “شو” كداب. كنت عارفة إنه مأجر الشقة دي لمدة 6 شهور بس، وإنه استلف من طوب الأرض، وإنه ماضي على وصل أمانة بـ 300 ألف جنيه لشركة الديكور وهو فاهم إن الفلوس دي جاية مساعدة من أهلي.
بس الفلوس دي مش من أهلي.. دي من ترتيبة قانونية أنا اللي عملتها مع المحامي بتاعي.
هو مضى على كل حاجة بغروره وعمياء عينه من غير ما يقرا السطور الصغيرة.
​حتى البوفيه اللي من أفخم فنادق مصر، أنا اللي سيبته يطلبه بكل تفاخر؛ جمبري واستاكوزا، شيفات خصوصيين، گاردات واقفة على الباب.. سيبته يبني المسرح بتاعه بنفسه.
والنهارده، على نفس المسرح ده، أمه بتشيل الأكل من قدام بناتي كأنهم كلاب مالهمش حق في لقمة نظيفة.
​وقفت براحة.
جودي مسكت في فستاني وهي بترتعش، وفريدة كانت عاضة على شفايفها وكاتمة العياط.
شلت جودي ومسكت إيد فريدة الجامدة.
وبصيت لحماتي، ولـ كريم، ولكل قرايبهم اللي كانوا قاعدين بيتفرجوا ويضحكوا.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
وقلت بكل برود وثبات: “مبروك عليكم الشقة الفخمة.. ومبروك العشا.. ومبروك الكدبة الكبيرة اللي كلكم جايين تصدقوها.”
​كريم برّق وقالي بحدة: “أنتِ رايحة فين وخداهم على فين؟”
بصيت لبناتي وقلت: “رايحة في مكان بناتي مياكلوش فيه لقمة مغمسة بالإهانة من إيد حد.”
ومشيت.. ومحدش فيهم فكر يقوم ورايا أو يلحقني.
والحركة دي لوحدها لخصتلي كل الـ 10 سنين اللي فاتوا.
​سفرة مليانة احترام
​أول ما طلعنا للشارع في هوا الكوربة، جودي قعدت تعيط بصوت عالي.
وفريدة كانت ماسكة إيدي لدرجة إن صوابعها الصغيرة سقعت.
​قعدت على ركبي قدامهم في الشارع، بنفس البلوزة البسيطة اللي حماتي كانت بتتريق عليها من شوية.
وقلتلهم: “بصوا لي هنا.. أنتِ وهي.. مفيش فيكم حاجة وحشة، أنتم مش قليلين، ولا أنتم حمل تقيل على حد.. أنتم أحسن وأجمل حاجة حصلت في حياتي كلها.”
جودي مسحت دموعها بكمها وقالت: “تيتا فريدة مش بتحبنا عشان إحنا بنات؟”
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
بلعت الغصة اللي في حلقي وقلت: “تيتا فريدة مش هي اللي هتقول أنتم مين.. اللي مش بيحترمكم ملوش مكان في حياتنا.”
​طلبت عربية وأخدتهم على مطعم هادي وراقي في الزمالك، من الأماكن اللي الويتر فيها بيقابل الناس بابتسامة ويفرش الفوطة القماش على حجر الأطفال باحترام.
بناتي في الأول كانوا قاعدين خايفين.. مستنيين الإذن عشان يمسكوا العيش، ويبصوا لي قبل ما يشربوا الليموناد.
المنظر ده وجعني أكتر من إهانة حماتي بمليون مرة.
البنات اتعودوا يطلبوا إذن عشان يعيشوا.
​طلبتلهم كل اللي قلبهم يحبه؛ شوربة سي فود، مكرونة بالوايت صوص، وعصير، وفي الآخر طبق أم علي بالمكسرات متغرق قشطة. جودي عينيها لمعت لما الحاويات وصلت.
“مامي، أنا بجد ينفع آكل كل ده؟”
ابتسمت وقلبي بيتقطع: “كلي يا قلب مامي.. كلي لحد ما تشبعي.”
​وفي الوقت اللي بناتي كانوا بياكلوا فيه بكرامة وسط ناس بتتعامل بوقار، كانت الحفلة في مصر الجديدة بتقلب ليلة سودا.
​الكدبة اللي اتهدت في ثواني
​على الساعة 9 بالليل، والناس بطونها اتملت، كريم كان عمال يلف على الترابيزات وياخد اللقطة والمدح. وحماتي واقفة جنبه كأنها ملكة متوجة، وبتقول للناس: “كريم طول عمره ناصح وراس ماله ذكاءه.”
​فجأة دخل مدير شركة الكاتيرنج ومعاه ايباد وحسابات، ووراه اتنين بودي جاردات من بتوع الأوتيل.
كريم ضحك وقال بصوت عالي عشان يسمّع الناس: “هات حسابك يا باشا.. الراجل اللي في مكاني مبيشيلش كاش في جيبه.”
المدير فتح الفايل وقاله بجدية: “تمام يا فندم، الحساب الإجمالي للبوفيه والخدمة والملحقات 300 ألف جنيه، ومطلوب السداد فوراً بناءً على العقد المبرم.”
صلي على النبي محمد ﷺ

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *