عزومة جوزي المزيفة

الناس سكتت.. وحماتي ضحكتها اختفت.
كريم طلع الفيزا البلاتينوم بتاعته وعمل “تاب” على الماكينة.
العملية مَرفوضة.
ضحك ضحكة صفرا وقال: “مررها تاني معلش.”
مرفوضة.
طلع كارت تاني.. مرفوضة.
ثالث.. مرفوضة.
عند الكارت الرابع، وش كريم بقى زي الليمونة المعصورة والدم هرب من عروقه.
المدير لف الورقة وقاله: “يا فندم العقد بيقول إن في حالة عدم السداد الفوري، بيتم اتخاذ إجراء قانوني بالتحفظ، والعقد ممضي من حضرتك ومن الوالدة، الحاجة فريدة.”
حماتي صوتها طلع مخنوق: “كلم رانيا.. كلم مرتك تخلي أبوها يتصرف ويدفع فورا!”
كريم رن عليا مرة.. اتنين.. عشرة.. عشرين.
تليفوني كان مقفول تماماً وفي حتة تانية.
وهنا المدير رما القنبلة اللي نسفت البرستيج كله قدام العيلة: “وبعدين يا كريم بيه، صاحب الشقة الأصلي باعت الاستشاري بتاعه يبلغك إن فترة الإيجار الـ 6 شهور لازم تندفع مقدماً، لأن الشقة إيجار قانون جديد ومش تمليك زي ما تبلغنا في الداتا.”
المنطقة كلها سكتت.
ابن عمه وقف أول واحد وقاله: “أنت جايبنا وجامعنا من المحافظات عشان تتمنظر بشقة إيجار؟”
واحد تاني من قرايبه زق الكرسي: “ومش قادر تدفع تمن الأكل اللي أكلناه؟”
حماتي بدأت تصوت وتتهمني إني السبب، وكريم بدأ يزعق للمدير، بس محدش كان بيسمع.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
الراجل اللي كان عايز الناس تسقف له، بقى واقف لوحده في وسط كدبته الكبيرة والكل بينفض من حواليه.
البيت اللي بناتي مايعرفوش عنه حاجة
في نفس الليلة، أخدت فريدة وجودي ورحت بيهم على فيلا شيك ودافية في التجمع الخامس.. شجر عالي، شبابيك كبيرة بتدخل الشمس، جنينة خضراء واسعة، وأوض نوم جاهزة ومفروشة بلعب وكتب وقصص أطفال.
الفيلا دي بتاعتي.. ومسجلة تبع الصندوق العقاري بتاعي من سنين.
زي أصول تانية كتير.
فريدة دخلت وهي بتبص على الأرض برعب: “ماما.. هو إحنا في بيت مين؟”
قعدت قدامهم وقلت: “بيتنا يا فريدة.. ده بيتنا إحنا الثلاثة وبس.”
جودي كانت خايفة تلمس الكنب: “يعني مفيش حد هيطردنا؟”
أخدتهم في حضني: “مفيش مخلوق يقدر يرفع عينه فيكم هنا.”
الليلة دي البنات ناموا في سرير كبير وسط دباديب ودفى، وجودي كانت حاضنة دبدوب أبيض صغير، وفريدة نامت وهي ماسكة في إيدي جامد.
أنا منمتش.. الإحساس بالحرية كان غريب ومخيف بعد السنين دي كلها.
أنا سنين بكتّم على نفسي وعلى شغلي وفلوسي عشان كريم ميحسش بنقص. حرمت بناتي من لبس غالي وجزم جديدة وكنت بقولهم “معيش” وأنا معايا ملايين؛ عشان كريم ميبانش صغير قدام نفسه. سبتهم يسمعوا كلام يسم البدن من أهله عشان المركب تسير.
كنت فاكرة إني بحمي بيتي.. بس أنا كنت بعلم بناتي إزاي يصغروا وينكمشوا عشان يرضوا حد ناقص.
تاني يوم الصبح، أمن الكومبوند كلمني في الانتركوم: “يا مدام رانيا، في راجل وست كبار على البوابة بره، بيقولوا إنهم جوزك وحماتك ومبهدلين الدنيا.”
بصيت في شاشة الكاميرا.. كريم بدلتُه متبهدلة، كرافتتُه مقطوعة، والمنظرة طارت. وحماتي شعرها منكوش وعينيها منفوخة من العياط والقلة.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
قلت للأمن: “دفوهم يدخلوا.. بس خليكم واقفين قريب.”
أول ما دخلوا الريسبشن، رجليهم اتسمرت في الأرض.
كريم كان بيبص على رخام الأرضية، على السقف المعلق، على اللوحات، وعلى الجنينة اللي ورا الزجاج.
بص لي وكأنه شايفني لأول مرة.
كنت قاعدة لابسة بنطلون أبيض كلاسيك، وقميص كريب هادي، وشعري ملموم ونظيفة.. مش الست التعبانة اللي بتلم ورا قرفه وأرف عيلته.
كنت رانيا.. سيدة الأعمال اللي بتمشي سوق كامل.
كريم قالي بصوت مرعوب: “إيه ده؟ أنتِ أجرّتي المكان ده إزاي ومنين؟”
حماتي لقت صوتها وقالت بـغل: “يعني كنتِ مخبية قرشين؟ بعد كل اللي ابني عمله عشانك، تطلعي بتاكلي في قفانا ومخبية مال قارون؟”
حطيت فايل جلد أسود على الترابيزة وقلت ببرود: “أنا مخبيتش فلوس.. أنا كنت بحمي فلوس من ناس فاكرين إن الاحترام ده حاجة اختيارية.”
الورق اللي اتمضى في العتمة
كريم فتح الفايل.. وعينيه بدأت تروح وتيجي بجنون.
جوه كان فيه سجلات تجارية، أوراق “شركة بلو هاربور للتطوير العقاري”، حسابات بنكية في بنوك مصرية وأجنبية، وعقود أبراج في العاصمة الإدارية والتجمع والساحل الشمالي.
إيده بدأت تترعش والورق بيتهز في إيده: “بلو هاربور؟ الشركات دي بتاعتك أنتِ؟ رانيا الشافعي هي أنتِ؟”
“آه.. أنا.”
حماتي قعدت على طرف الكنبة كأن حد ضربها على دماغها: “أنتِ كنتِ مجرد سكرتيرة ومساعدة!”
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
بصيتلها وقلت: “ده اللي كان مريح عمياء عينكم إنكم تصدقوه.”
كريم وشه قلب ألوان: “رانيا.. أنا مكنتش أعرف.”
ضحكت سخرية: “مكنتش تعرف إيه؟ مكنتش تعرف وأمك بتهين بناتك؟ مكنتش تعرف وفريدة بتعيط بليل؟ مكنتش تعرف وجودي بتخاف تطلب تاكل عشان متسمعش كلام يوجع؟ الحاجة الوحيدة اللي مكنتش تعرفها هي حجم حساباتي في البنوك.”
قرب مني: “أنا غلطت.. وباعتذر لك.”
قلتله: “أنت مغلطتش غلطة عادية.. أنت اخترت الكدب والمظاهر على حساب لحمك ودمك.”
طلعت ورقتين تانيين.
الأولى: دعوة خلع رسمية في محكمة الأسرة.
والثانية: وصل الأمانة والمديونية الـ 300 ألف جنيه اللي مضى عليهم لشركة الديكور اللي تبعي أصلاً.
بص لإمضته وقال بصوت مقهور: “أنتِ دبستيني؟”
“أنت اللي مضيت على ورق من غير ما تقراه من كتر الغرور والجهل.”
حماتي صوتها بدأ يرعش: “متخربيش بيتك.. إحنا أهل وعيلة!”
بصيتلها وقولت بكل قوة: “العيلة مب تشيلش الأكل من قدام عيال صغيرة عشان تثبت عقدها النفسية.”
كريم نزل على ركبه في وسط الصالة.. كان بيعيط ويترجى، زمان كنت بستنى الكلمة الحلوة منه، بس النهارده وهو على ركبه حسيت بنظافة وراحة.. مش حب.
“عشان البنات.. عشان عشرتنا.. اديني فرصة تانية.”
بصيتله من فوق لتحت: “أنت مش ندمان عشان جرحتنا.. أنت ندمان عشان كدبتك اتكشفت وكلفتك برستيجك وفلوسك.”
حماتي بدأت تعيط هي كمان وتتمسكن: “خليني أشوف البنات.. أنا غلطت وهبقى حنينة والله.”
هزيت راسي: “أنتِ خسرتي الحق ده من اللحظة اللي حسستيهم فيها إنهم مالهمش قيمة.”
الأمن خرجهم بره الفيلا.. وكريم كان بيصرخ باسمي في الممر، وحماتي بتتحايل لحد ما البوابة الحديد قفلت.
بداية جديدة من غير كدب
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
إجراءات القض*ية خلصت أسرع مما كريم يتخيل.
لأن كل أصولي وفلوسي كانت محمية في “صندوق عائلي مغلق” من قبل الجواز، ملمسش منها مليم أحمر. وحاول يحارب على حضانة البنات، بس الفيديوهات والتسجيلات اللي كانت معايا للعزومة، ورسائل تليفونه، وشهادة الشيفات والويترز خلت القاضي يديني الحضانة الكاملة، ومنع كريم من الرؤية غير في مكان عام وبشروط استقرار نفسي لسه منفذهاش لحد النهارده.
شركته وعملاءه عرفوا بفضائح الشقة الإيجار والشيكات والمحاضر اللي اتعملت في قسم مصر الجديدة، الكيان الكداب كله انهار. قرايبه اللي كانوا بيطبلوا له قفلوا تليفوناتهم في وشه، وحماتي نزلت راسها في الأرض ومبقتش قادرة ترفع عينها قدام حد من جيرانها القدام.
بعد سنة.. فريدة وجودي بقوا بنات تانيين خالص.
دخلوا مدرسة دولية نظيفة، بيتعلموا مزيكا وسباحة ورسم، بيلعبوا ويضحكوا وبيردوا بصوت عالي ومن غير خوف. بقوا بياخدوا مساحتهم في الدنيا.
ساعات جودي وهي قاعدة بتاكل تقولي: “مامي.. عادي أطلب عصير تاني؟”
ببوسها وبقولها: “في البيت ده يا قلب مامي.. عمرك ما هتطلبي إذن عشان تاكلي، أو تتحبي، أو تاخدي احترامك.”
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
في يوم الأحد بالليل، فريدة كانت بتساعدني أرص السفرة في تراس الفيلا، والشمس كانت بتغيب وبتعمل لون دهبي محمر في السما، وجودي بتجري ورا الكلب الصغير في النجيله.
فريدة حضنتني من وسطي وقالتلي: “لما أكبر عايزة أطلع زيك يا ماما.”
بوست راسها وقلت لها: “لا يا فريدة.. أنا عايزاكي تطلعي أفرط وأشجع مني.. عايزاكي تنوري وتلمعي من أول يوم في حياتك، مش بعد سنين من الضلمة والاستخباء.”
الست مش بتهد بيتها لما بتمشي من مكان بيكسرها.. البيت كان مهدود ومكسور أصلاً بالناس اللي خيرونا بين كرامتنا وبين الاستمرار.
وأنا اخترت الكرامة.. وبناتي مش هياكلوا فضلات من قسوة حد تاني أبداً.