فرط الحب
دينا ابراهيم

“فرط الحب”
الفصل الثاني عشر
خرج “ريان” بعد دقائق فوجد “عُمر” متخصر أمام الباب ينتظره، رفع “ريان” حاجبه الأيسر في تساؤل صامت ليجيبه “عُمر” الناقم:
– مش شايفها اتصالحت دي طلعت متضايقه اكتر.
مال “ريان” لمستواه وهمس في حنق:
– إنت فاكرها سهله كده، الموضوع لازم يجيي على مراحل،
دي خناقة كبار مش خناقة على لانش بوكس.
حرك “عُمر” رأسه وكأن والده خيب ظنه وقال ساخرًا:
– ما إنت لو كتت بتوديني المدرسة كنت عرفت ايه خناقة اللانش بوكس دي كمان.
جذب “ريان” أذنه بشكل طفيف وهو يخبره بلهجة معاتبه:
– بطّل لماضه بقى قولتلك السنة الجديده هتدخل ما انت عارف مكنش ينفع ادخلك وانا بنقل شغلي هنا.
ابعد “عُمر” وجهه عنه للجهة البعيدة وهو يزم شفتيه فابتسم “ريان” وجذبه نحوه يقبل رأسه بحنان متعمد دفع اصابعه في جانبي صغيره لتهرب منه ضحكة مفعمة بطفوليته مدغدغه نبضات قلب والده الذي قال في نبرة جديه يشوبها حنان بالغ:
– متخافش يا عُمر ريم مش هتبعد عننا تاني ابدًا، اطمن وخليك واثق فيا وطول ما احنا في ضهر بعض ريم مِلكنا احنا الاتنين.
ابتسم الصغير في رضا وسرور وهز رأسه في موافقة مؤكدًا:
– ومش هتزعلها ابدًا ابدًا.
ارتفع جانب وجهه وهو يستقيم ويبعثر خصلات صغيره فيردد جملة صغيرة الدائمة مؤكدًا في لهجة يشوبها المرح:
– ابدًا ابدًا.
*****
وقفت ريم في مرحاض غرفتها تطالع هيئتها التائهة وقد فشل الماء في إضفاء أي اتزان داخل روحها،
ففي الأمس كانت تخطط وهي مقتنعة بأنها ستتخطاه بالكامل وفي الصباح تقف كالبلهاء أمام المرآة لا تعرف حقيقة شعورها نحوه هل تخطته بالفعل ام أن عِنادها ما يدفن مشاعرها نحوه ويجعلها تهلل في كبرياء مخادع بأنها قادرة على الابتعاد.
– بَحبِك..
هزت رأسها في ارتباك بالغ وصوته بتردد داخل رأسها دون توقف فمست وهي تحيط وجهها بكفيها:
– ايوة يعني انا هعمل ايه دلوقتي؟
رفعت أطراف أصابعها تلامس شفتيها المنتفخة بفعل لمساته الجامحة وجزء كبير داخلها يؤكد لها بانه صادق في اعترافه فالحب المنبعث من عيناه كان حقيقيًا ولامس قلبها في مجون.
وجزء أخر حاد يحذرها ويسألها … السؤال الدائم….
ماذا ستفعل إن تخلى عنها مرة أخرى؟
لأنها بالتأكيد ستنهار وتفقد صوابها، استدارت في المرحاض حول نفسها وهي تتذكر بقاءها باكية داخل منزلها فمضت عليها الشهور الأولى من انفصالهما دون أن ترى ضوء النهار.
وما كان من “أحمد” الشخص الوحيد المهتم سوى أن أرسل لها “دعاء” زميلتها في العمل بطعام في زيارة تتكرر كل أول أسبوع ويرافقها رسالة منه بأن تنهي رثائها والا سيأتي لها في المرة المقبلة ويقتلعها من هنا عنوة.
وقد تكررت تهديداته وتنوعت مع مرساله أسبوع بعد أسبوع حتى طفح بيه الكيل وتفاجأت به يأتي كل يوم لمده شهر كامل ليقف على باب المنزل دون الدخول كي يحثها على الرضوخ لرغباته فينتهي بها الأمر بتغيير ملابسها والنزول للعمل ساعات قليله يتعمد فيها أحمد إخراج مكنونات قلبها حتى تبكي فتركض تختبئ في فراشها تارة وفي فراش “عُمر” تارة أخرى.
تنفست بقوة فحتى آلمها وارتباكها بوفاة والديها لم يوازي أَلم تفتت أمالها في حياتها الجديدة على يد من عشقته بصدق واعطته من نفسها كل ما تملك.
– بَحبِك … مش هسيبِك ابدًا…
ترددت كلماته المدفونة في عقلها الباطن لتصدح داخلها وتغطي حزن بات فاترًا تلاها ابتسامتها حين تذكرت اتهامه:
– وليه نكد….
هزت رأسها فقد وصل البؤس بها لأن تبتسم على مشاكساته البغيضة، خرجت من افكارها عندما دق البغيض نفسه الباب معلنًا عن وجوده مطالبًا:
– إنجزي عايز استحمى.
– ما تروح تستحمى برا ده ايه السخافة دي.
قالت بصوت مسموع وحاجب مرفوع فاتاها رده السمج:
– ماشي بس اوعي تتكلمي كتير في الحمام لتتلبسي.
– أبو تقل دم أهلك.
غمغمت في انزعاج في صوت غير مسموع، ليخبرها وهو يغادر بنبرة مستمتعة رغم عدم سماعه لكلماتها:
-عادي أنتي عادي اشتمي براحتك.
عضت شفتيها تمنع ابتسامه ثم أكملت ارتداء ملابسها في سرعة وما كادت تخرج من بابه حتى علا صوت جرس المنزل.
وضعت يدها فوق فمها تكتم شهقتها فقد نسيت تمامًا مخططها بسبب ارباكه لها، وضعت يدها فوق رأسها هامسة:
– أنا وليه نكد فعلًا انتوا مبتكدبوش.
*****
دندن “ريان” بنغمات أغنية مشهورة وهو يجفف جسده جيدًا وانعقد حاجبيه في تساؤل حين سمع صوت الباب الذي تلاه صوت امرأة غريب، نظر كطفل وقع في ورطة إلى السروال الذي يرتديه وصدره العاري الذي تعمد اظهاره لمشاكسة زوجته الصغيرة ولكنه يشعر بالندم الآن بوجود صحبة غريبه.
– ايه النحس ده.
زفر “ريان” بينما يختبئ خلف الباب ويفتحه ببطء مناديًا بهدوء:
– ريم … ريم …. عُمر ….يا عُمر
صمت من جديد يحاول سماع أيًا منهم فقال بصوت عال قليلًا:
– عُمر تعالى.
صدح صوت غريب مزعج من المطبخ فأخذته دقيقة ليعي انه صوت الخلاط الكهربائي فتنهد في راحة مرجعًا عدم سماعهم له لوجودهم في المطبخ فوضع المنشفة فوق كتفه يخفي ما يستطيع من جسده العريض وهرع للخارج.
كان على بعد خطوتين من الغرفة حين سمع أحد ينظف حلقه لتلتقي عيناه بامرأة حمراء الشعر متوسطة العمر والهيئة وما ترتديه لا يخفي أكثر مما ترتديه، طالعها من اسفلها لأعلاها في تعجب ورمش حين حركت السيدة أصابعها أمام وجهها في حركة مرحبة هامسة:
– أهلا.. أنا نرمين…
كيف بالله يخجل من نظرات امرأة !
تسأل في تعجب وأبعد الخجل من عقله فلما يفعل ان كانت هي لا تفعل؟
فسعل بخفة مرحبًا:
– أهلا بحضرتك… عن إذنك…
تركها ودلف للغرفة وهز رأسه في تعجب متسائلًا ماذا حدث في العالم لتتبدل طباع النساء بطباع الرجال؟..
لكنه ابتسم في غرور فعلى الأقل هناك من يرغب في النظر إليه ويشعره بجاذبيته ورجولته التي تصّر ريم بأفعالها على قمعها،
امم … سيكون عليه معرفه كيف انتهى بزوجته الخجولة صديقة لتلك الامرأة الفجة.
ارتدى باقي بيجامته ثم جلس فوق فراشه يشعل سجائره كالعادة بينما يعبث على جهازه المحمول يتفقد أي رسائل قد تكون عاجلة من مكان عمله وحمد الله عندما لم يجد ليطمئن على باقي أيام اجازته، فقد استطاع أخذ اجازة طويلة لأهمية مكانته في الشركة.
ولولا إنه من موظفيها المؤسسين لِما رضخوا لرغباته وأعطوه اجازة بدون راتب، أمر لم يستطع فعله في بداية انفصاله مع ريم بسبب التغيرات التي طرأت على الاقتصاد العالمي وكادت تطيح بالشركة لولا عملهم المضنى.
ابتسم في مكر فهو لن ينكر انه فضّل الوضع بهذه التعقيدات وقتها خوفًا من مواجهة الواقع ومواجهة ريم، قطع أفكاره دخول ريم المرتبكة التي لم تدق الباب على غير عادتها، رفع رأسه في تساؤل مريب عندما فتحت ثغرها مرتين قبل أن تخبره اخيرًا:
– الفطار جاهز.
ارتفع كلا حاجبيه في ذهول وقد شعر بخطب ما فعليًا فمنذ عودته لم يتناول وجبة واحده معهما وتتركه يتناول وحيدًا ككلبٍ أجرب، ولكنه لن يجادل بالتأكيد فوقف سريعًا قائلًا:
– هي صاحبتك مشيت ولا لسه؟
– لا هتفطر معانا.
أجابته ريم بعد أن ذهبت للخارج فقط ارتفع حاجبي ريان التابع لها يعبر عن ذهوله وتعجبه من هذا التغيير، رمق تلك الجالسة وهز رأسه مرحبًا قبل ان يتوسط الطاولة بجوار عُمر، بينما جلست على الجانب الآخر بينه وبين السيدة.
وكل ما يدور في عقله هو لماذا يشاركهم الطعام وصديقتها لاتزال هنا، فمن عادته لا يحبذ الاختلاط مع اصدقائها وعند حضور إحداهن يتعمد البقاء في غرفته ليعيطهم حريتهم في التحاور.
غلب الصمت على وجبة الإفطار، وحدسه يؤكد له بأن هناك أمر يحدث وهذا الأمر لن يعجبه مطلقًا وبالفعل تأكدت ظنونه حين لكزت “نرمين” الصامتة جوارها.
ولم يفت “ريان” مرفق السيدة الذي تقابل مع جسد ريم وكأنها تحثها على أمر ما، ولكنه تعمد التجاهل حتى ارتفعت عيناه ليقابل ريم التي تركت شوكتها في حدة معلنة:
– أعرفكم ريان… نرمين….
عروستك…
حركت ريم يدها بينهما بالتوالي قبل أن تستقر نظراته الجامدة فوق عينيه الحالكة السواد وقد أشعلت فتيل غضبه، صدح صوت نرمين في الخلفية وهي تسترسل بابتسامه واسعة مرحبة تجهل معركة الأعين الحامية التي تدور بين كليهما:
– أهلا بيك، انا مبسوطة أوي اني قابلتك، ريم على طول بتتكلم عنك بالخير.
لم يسمع ريان كلمة مما تقوله، فقد كان عقله متوقف غير قادر على الاستيعاب ونظراته الثابتة منشغله بإحداث ثقوب في جانب وجه ريم التي تعمدت ابعاد نظرها والعودة للطعام في هدوء وكأنها لم تُفجر قنبلة في وجهه للتو.
عض ريان شفاه العلوية يحاول السيطرة على جانب وجهه الذي يحارب للارتفاع في تعبير عدواني قاسي لكنه التفت يناظر عيون “عُمر” التي على وشك البكاء وأخبره:
– إدخل أوضتك يا عُمر وإفتكر وَعدي ليك كويس.
هز عُمر رأسه في توتر ثم ابتعد عن الطاولة ليختبئ في غرفته.
أما “ريان” فقد أمسك كأس الماء جواره يتجرع ببطء وهدوء ينافي الاحتراق والغضب المختلطان ببعضهما داخل صدره …حسنًا كل لعبة تتطلب طرفان … وهو كذلك…. انهى تفكيره وهو يضع الكأس الزجاجي مردفًا بكل برود:
– إنتِ عارفه أنا مين؟!
– ايوة، ريان طليق ريم.
