فرط الحب
دينا ابراهيم

“فرط الحب”
الفصل العاشر:
– يخربيت دماغك جننتي الراجل.
أبرتها وسام في ذهول فابتسمت ريم في رضا مؤكده:
– هو لسه شاف جنان، ده يا ويله مني!
– يلا مش خسارة فيه عشان يتربى ويعرف ان الله حق بعد كده، بس خدي بالك احسن ينفجر في وشك انا عارفة المجانين اللي عندنا.
انهت وسام جملتها محذرة فردت “ريم” في سرعة:
– لا إنتِ فاهمه غلط مفيش بعد كده، انا بربيه بس لحد ما يطلقني.
– شوف إزاي، بتضحكي عليا ولا بتضحكي على نفسك؟
سألت “وسام” في هدوء ماكر، فعضت ريم شفتيها وهي تجيبها في عناد:
– قصدك إيه؟
اجابتها وسام في ثقة وسرعة:
– قصدي انك بتحبي ريان ومش هتقدري تبعدي عنه لا هو ولا عُمر، صح ولا لا؟
– بس هو قدر يا وسام، خلاص حتى لو صح معدش ينفع ابقى معاه.
غامت عيون ريم في حزن ما ان انهت جملتها فتنهدت “وسام” مردفه بشكل صريح:
– اقولك الصراحة متزعليش مني؟
هزت ريم رأسها انها لن تراها وهمست:
– مش هزعل قولي.
– إنتِ اللي غلطانه.
– انا اللي غلطانه؟ بعد الحب اللي حبتهوله ده كله وانا اللي غلطانة يا وسام.
– يا بنتي افهمي .. الرجاله دول كائنات متوحده معندهاش قدرة على الاستيعاب وفكرهم ان الحياة دايمًا عادي وسهل،
وإنتِ كنتي بتحبي ريان بدون اي مقابل وده في حد ذاته غلط لأنك كده بتبوظي الراجل بفرط تدليلك زيه زي العيل الصغير بالضبط مهما كانت طبيعة الراجل اللي معاكي دي ايه.
رمشت ريم عدة مرات واعتدلت في جلستها تحاول استيعاب ما تخبره به وسام:
– تقصدي إيه، اني حبيته بزياده وهو مش بيحبني؟
– لا يا غبية، الفكرة انك اديتي ومستنتيش مقابل، خلاص حُبك بقى شئ مضمون وتلقائي هو متوقعه منك ومش حاسس بتهديد او انه لازم يعافر عشان يحافظ عليه،
لعلمك ريان بيحبك وبيموت فيكي كمان لانه لو مش بيحب مش هيسمح انك تبيعي وتشتري فيه كده.
تنهدت ريم تخرج مكنونات صدرها في قهر متسائلة:
– وسام اوعي تكوني بتلعبي بعقلي عشان خاطر ريان.
– يووه عيب عليكي مكنتش هاجي واقولك من الأول ان ريان هيتجنن واصالحكم،
طيب فكري فيها كده إنتِ شوفتي ريان سكت لحد على حقه قبل كده؟
اه مش بيجيبه بدراعه بس بردو بيلف يلف وبيرجع يجيب حقه صح ولا ايه؟
حركت ريم رأسها برفض وقالت بنرة خفيضة:
– انا مش عايزه أعيد غلطتي تاني يا وسام حتى لو بحبه، انا واخده قراري اني هكمل مع احمد.
– بس إنتِ كده هتظلمي أحمد معاكي لان قلبك مع ريان!.
– احمد عارف ومعندوش اي مشكلة.
اخبرتها ريم وهي تستقيم تحاول السيطرة على ثوران قلبها المتدفق داخل صدرها مطالب اياها بالمسامحة فهتفت وسام في حده:
– أفندم؟
ارتبكت ريم لكنها أجابت في جدية:
– بصي الموضوع صعب تفهميه، بس انا واحمد أقلمنا نفسنا ده غير انه محتاجني ومقدرش اتخلى عنه.
ضحكت وسام في تحكم وقالت ساخرة:
– احنا هنخيب ولا ايه؟
ريم مش معقول هتخسري نفسك وجوزك عشان أحمد ومش هقول حرام تفكيرك ده اصلًا لأن الظروف اللي وصلتك لكده بس اللي يرضى يتجوز واحده وعارف ان قلبها مش معاه يبقى لامؤاخذه مش راجل.
– وسام قفلي على موضوع أحمد لو سمحتي.
تنهدت وسام لكنها قالت مؤكده:
– انا مش هضغط عليكي، بس نصيحتي ليكي متدمريش حياتك عشان ظرف وعدى الانسان كله اخطاء،
هما مش بيقولوا بردو العبرة في النهاية بصي نهاية ريان فين بعد الظرف ده وفكري في كلامي كويس.
اغمضت ريم جفونها وهمست في نبرة متوجعة:
– وجعتي قلبي تاني يا وسام حرام عليكي.
– سلامة قلبك يا حبيبتي، انا مش بتمنى غير انك تعيشي سعيده وسعادتك مع ريان وعُمر مهما حاولتي تهربي منها، اسيبك بقى قبل ما تقفلي في وشي مع السلامة.
أنهت وسام جملتها بضحكه خفيفة صادقة تخفف صدى كلماتها في روح صديقتها فأجابتها ريم في نبرة محبطة:
– مع السلامة.
تنهدت ريم في حرارة، لما لا تعيش كباقي الخلق دون اي أحداث دراماتيكية او تعقيد، فمن جانب تحارب لنسيان ريان الذي يعبث في دواخلها دون هوادة ومن جانب آخر ضميرها معلق بأحمد الذي قدم لها الكثير ويستحق منها الكثير والكثير.
أغمضت عيونها بإصرار فعليها الثبات مهما اهتزت الأشياء من حولها فما تفعله الان سواء عادت ام لم تعد يصب في حق ذاتها،
فكلمات وسام حقيقية لقد اهملت حقها في الحصول على ما امتلكته وتنازلت عن رؤية لوعته تجاهها وقتها، ولكن لا مزيد من ذلك فقد حان وقت المحاربة كي تعتز بذاتها، لتقف في يوم من الأيام تصرخ بأنها روح مقاتلة وصلت وحدها لأقصى درجات الثقة.
*****
بعد منتصف الليل وقف ريان أمام باب غرفة عُمر الذي ينعم بالنوم مع زوجته يصارع ذاته كي لا يقتحمها في جنون ويدخل كلاهما في حالة من السرع يستحقانها بشدة لما يفعلاه به.
– ماشي يا عُمر نام.
الندم .. شعور قاسي متحجر لم يعهده من قبل وأكثر ما يندم عليه هو انه حرم نفسه بأفعاله من حقه في التبرير، فينتهى به الحال غير قادر على الدخول في حوار مباشر معها دون ان تتصدى له متعمدة ايلامه، بل أحقر من ذلك فقد انتهى به الحال يقف على باب غرفة طفل لم يبلغ الخامسة من العمر بعد منتظر اشارة ومصيره شبة ملقى تحت رحمته.
استدار للمغادرة وقد هاجمته تداعيات الإحباط والقهر حين استوقفه صوت أنين صغيره المتألم للحظة كاد ينسى اتفاقهما ويقتحم الغرفة في هلع لكنه تدارك الموقف وهرول عائدًا إلى غرفته كي يتصنع الغرق في النوم.
وكما ظن دقيقة وشعر بالباب يُفتح وبضربات قدمها الصغيرة تقترب من غرفته، اخفى ابتسامه وحاول تمالك دقات قلبه حين اشغلت الضوء واقتربت تهز جسده في قلق قابله بوضوح على وجهها ما ان فتح عينيه يطالعها ولكن مناداتها البسيطة تؤكد له بأنها تخشى ان تفزعه على صغيره…
طفلته رقيقة القلب، كم يهواها…
رمش عيناه ببطء وهمس في صوت اجش يرافقه عندما يصحو فبرع في تأديته:
– مالك يا ريم.
– متتوترش بس عُمر بطنه وجعاه وعايزك تروحله.
اتسعت عيناه وهو يرسم ملامح الهلع قائلًا:
– ايه … عُمر ابني حبيبي تعبان!
هتف بنبرة مرتعبة ثم قذف الغطاء وركض خلفها ككتله مشتعلة تتناثر بالسعادة الخفية والترقب، جلس بجوار طفله الممسك ببطنه قائلًا:
– مالك يا عُمر يا حبيب بابا؟
ضيق عُمر عيناه وهمس في نبرة متعبة:
– بطني بتوجعني يا بابي وعايزك تفضل جنبي.
– طيب عشان خاطري خد الحقنة دي وهتبقى زي الفل.
قاطعت ريم المشهد الأسري ذا الطابع المسرحي المميز وهي تمد اصابعها بحقنة ممتلئة بدواء للمعدة فلكز عُمر المرتعب والده الذي تشدق في ارتباك:
– لا استني.. اصل… اه هو انتي متعرفيش ؟
الحقنة دي عُمر عنده حساسيه منها وبيني وبينك بلاش، دوا افضل عشان يكتسب مناعة دلوقتي هيخف لوحده.
قال ريان في سرعة وهو ينظر إلى اسم العلبة المرمية فوق الطاولة بجدية فنظرت لهما ريم ببلاهة ثم نظرت للإبرة المدببة قبل ان تجيب بإصرار:
– حساسية ايه يا ريان ما انا طول عمري بدهاله.
– حساسية جديده جاتله لما سافرنا اخر مره.
وضعت ريم الدوا جانبًا ورفعت ذراعيها في الهواء موبخه في انزعاج:
– طيب اتفضل اتصرف انزل هات للولد دوا بطنه بتوجعه أوي.
– لا انا حاسس ان الوجع خف شويه صح يبابي؟
– صح طبعا، شوفتي اهو صح اهوه.
استطردت ريان وهو يحرك كتفيه ورأسه بتعجب فانكمشت ملامح ريم في استنكار ومالت بجوار الصغير من الناحية الموازية لوالده سائلة:
– عُمر إنت متأكد انك خفيت شويه إنت كنت موجوع جامد من شويه؟
– اه انا بس عايز بابا ينام جنبي انهارده.
شعرت ريم بشعره غيرة تتملكها لكنها ابعدتها سريعًا وهي ترمق ريان بطرف عيناها قائلة في نبرة هادئة حنونه :
– ماشي يا حبيبي لو احتجتت حاجة ناديني.
استقامت للمغادرة فنفض ريان صغيره الجلوس يحثه بعينيه على الحديث فأطاعه الصغير الذي هتف في نبرة عالية نسبيًا:
– متسبنيش… اقصد خليكي انتي كمان جنبي.
أنهى جملته بنبره اخف حده ممسكًا معدته بينما يناظرها بكل براءة وألم، شعرت ريم بالاضطراب وتوقفت تجذب عده أنفاس فقطع صوت ريان عجلة افكارها:
– حرام لما بيتعب بيبقى عايزك جانبه.
حدقته ريم بنظرة مريبه وهي تنقل نظراتها بين ريان وعُمر تشعر بأمر غريب لكنها استسلمت وهي تتجه نحو الفراش ليستقر عُمر في أحضانها يمسك بخصرها بينما يحاول ريان البقاء على الطرف البعيد محاولًا الظهور أقل تهديدًا بجسده الضخم مستحضرًا كامل سكونه في براءة رعناء.
كان يشعر بتصلب عضلات جسدها الرقيق من مكانه، وقف من مكانه فانتفضت نصف جالسة تطالعه بعيون متسعة وكأنها تتوقع انقضاضه عليها، لكنه تجاهلها متعمدًا عدم النظر نحوها واتجه بهدوء يغلق الضوء ويعود لمكانه من جديد مستكملًا حيلته التمثيلية.
احمرت وجنتيها وعادت تستلقي بجوار عُمر الذي يطالعها بتساؤل صامت فربتت على رأسه وضمته أكثر، رمشت في الظلام تحاول رسم خطوط جسد ريان وعيونه من بعيد في توجس وفضول وحين فشلت حاولت الاستسلام للنوم متخليه عن شعورها الحارق بأن حدقتاه السوداء تمر فوق جسدها كالحمم البركانية.
ازدردت ريقها وزادت في ضم عُمر إليها مذكره نفسها بوعد القوة انتقلت اصابعها فوق معدته تدلكها بخفه دون شعور ترغب في منحه راحه تلقائية وبعد وقت طويل من اندماج الواقع بالخيال سرقها النوم لتبدأ دوامة من الأحلام بطلها ذلك المستلقي في الركن البعيد،
لقد انتهى الواقع فلماذا لا ينتهي الشعور؟
لم يتحرك “ريان” إنشًا من مكانه لكنه لم يستطع منع عيناه عن التعلق بظلالها المرتسمة في الظلام أمامه فحواسه تتحدى بعضها في الشعور بها بين انفاسها المرتاحه بعمق ثباتها وحركة جسدها الخفيفة بين الحين والآخر.
يشعر بحماسة تتملكه ولأول مرة منذ انفصالهما يجمعهم فراش واحد قد يبدو تفكير سخيف لكنه دافئ للغاية يغذي روحه المشتاقة، حرك جسده يقترب قليلًا منهما حتى التصق بصغيره ثم مد أصابعه بخفه يلامس جسد صغيره ويمررها لتستقر فوق خصرها انغلقت قبضته ثوان أشد من اللازم لكنه بسطها سريعًا كي لا يوقظها وشعور شبه كامل بدأ يتملكه ويخطفه في ثبات عميق، فعليه النوم جيدًا فالخطة على وشك التنفيذ.
*****
في مكان أخر تقلّب أحمد في فراشه يتوسل للنوم دون جدوى نظر لعلبة دواءه من جديد في حيرة لقد تناول ضعف الكمية اليوم دون جدوى فعقله منشغل يرفض التوقف عن التفكير، نظر لهاتفه مرة أخرى وجزء منه يدفعه للاتصال ولكنه يخجل ويخشى عليها.
والجزء الآخر يقنعه بأن لا يخشى وأن يعجّل بتخريب علاقتها بريان، حرك رأسه في رفض فالعلاقة بينهما منتهيه لا محال فقط يعطيها الوقت لتقرر وقلبه يؤكد له بأنها لن تتخلى عنه على الأقل هو لن يسقط دون مقاومة فلا داعي لكشف جميع أوراقه الآن.
تقابلت عيناه بالدواء مرة أخرى ثم زفر يمد أصابعه متذكرًا تحذيرات صديقه منذ زمن طويل حين اقترح عليه ذلك المهدأ كي يتغلب على وساوسه ويتمكن من النوم قرير الأعين كطفل، خرجت منه ضحكة قويه على الجملة التي خرجت من صديقه صاحب الثامنة عشر من العمر
صحيح لم يكن صديقًا مقربًا لكنه كان قريبًا له من ناحية أخرى فكلاهما له شياطينه المؤرقة لحياتهما وكلاهما عاجز عن الحياة والتأقلم الطبيعي بين البشر.
ارتفع جانب وجهه ساخرًا من سذاجته في سن السابعة عشر من العمر فقد انبهر وقتها وصدّق بأن الدواء سيعالجه ويقدم إليه سبيل للهروب والراحة، لن ينكر انه منحه سْكون غريب مؤقت لكنه بمرور الوقت تراجع حتى يكاد ينهار.
حتى انه لجأ للمقولة القائلة بأن استخدام ذات العلاج لأكثر من فترة يُكسب الجسد مناعة واتجه لصيدلي فاسق كاد يقنعه بتركه والاتجاه للمخدر، إلا انه لم يفقد عقله لهذا الحد واقنعه بان يعطيه البديل، ولسخرية القدر لم يفلح معه شيء فبعد شهر دام من العذاب عاد لعلاجه الأول.
وهكذا كلما شعر بجهازه العصبي ينهار يتجه لتغيير العلاج فترة يتحمل قسوتها ثم يعود لعلاجه الأساسي فترضى نفسه وكأنه إدمان من نوع ما لا يجد الراحة في سواه.
– راحة وماله.
همس في الهواء متهكمًا فهو لا يحتاج لهذا النوع من الألم والعذاب اليوم فهو بحاجه لكامل قواه العقلية كي لا يخسر معركته المصيرية لقد ظل خاضعًا طويلًا وحان وقت المحاربة للحصول على ما يريده مرة في حياته، صبرًا صبرًا وسترضى …
طمئن نفسه قبل ان يتناول جرعة ثالثة فداخله يقف ساخرًا أي حياة تخاف عليها فالموت أفضل وأهدأ بكثير.
*****
اقترب أكثر يلحق بدفئها فوصلته ضحكاتها المغردة وهي تنطلق راكضه تلاعبه من بعيد تتحداه للاقتراب، علت أنفاسه وساقه الطويله غير كافيه لكي يمسك بها فكلما اقترب انسابت أكثر كالهواء من بين أصابعه، ركض خلفها في لهفة دون ان يصل إليها فقد كان كالمطرود من الجنة.
دقات قلبه تزداد فصار يسمعها في جسده وليس أذنه فقط، ضربات خفيفة متتالية تزداد فوق صدره، تحركت جفونه قبل أن يرمش مرتين ليستوعب أين هو ولماذا طفله يحملق به ملصقًا رأسه في رأسه؟
رفع رأسه مرة واحده فوضع عُمر إصبعه الصغير فوق فمه ليلزم الصمت، عقد “ريان” حاجبيه في حيرة متسائلًا في همس منخفض:
– فيه ايه ؟
– هو ايه اللي فيه ايه؟
إنت جاي تنام ولا إنت عايز تشلني.
خطف نظرة نحو ريم النائمه ومال يخبر صغيره في صوت يغلب عليه النعاس:
– ما هي نايمة لسه؟
– بابي انا تعبت منك واعتبر اتفاقنا ملغي، انا كنت هاخد حقنة بسببك وإنت بتهرج.
– بهرّج!!
اعادها ريان على لسانه يستطعم التعجب فيها ثم انكمشت ملامحه في انزعاج موبخًا له:
– ماتهددنيش واحسن لك احترمني، انا اللي أبوك هنا.
– طيب يا بابي ممكن اعرف حضرتك هتعمل ايه دلوقتي، اديني دخلتك الاوضه اهو ممكن تصالحها بقى.
– دلوقتي بقيت حضرتك، ياااه فعًلا،
قوم اتفضل اطلع برا وانا هتصرف.
– يعني هتعمل ايه؟
سأل الصغير في اصرار واضعًا يداه حول خصره بانزعاج فجز ريان على أسنانه قائلًا :
– ملكش دعوة، خد التابلت واقعد في الصالة وسيبني هتصرف واياك تدخل.
– بابي متندمنيش اني ساعدتك.
اخبره الصغير في جدية وهو يرفع إصبعه في وجهه فدفع ريان يده في غيظ قائلًا في نبرة خافته يسكنها الحنق والغضب:
– اتكلم لحد ما تصحيها يا عُمر ومش لازم اصالحها النهارده.
زفر الصغير مغمغمًا بعض كلمات لم يفهمها ريان ولكنه لن يوقفه ويسأله بالتأكيد، وقف في هدوء يتابع خروج صغيره من الباب فامسك المقبض محذرًا إياه:
– متتحركش من قدام التلفزيون واوعى تدخل المطبخ او البلك…
قاطعه عُمر محركًا يديه في لا مبالاة مستكملًا في نفاذ صبر:
– عارف عارف مش هتحرك من مكاني، ممكن تخلصنا إنت بقى.
– هخلصك يا ابن الكلب حاضر.
همس ريان لنفسه متسائلًا متى صار عقل الصغير لاذعًا إلى هذا الحد وكأنه رجل صغير، ارتفع جانب وجهه في شبه ابتسامه وهو يحكم اغلاق الباب بالمفتاح لكنها سرعان ما اختفت حين استدار نحو النائمة كالملائكة في سلام.
لعق شفتيه في ترقب واقترب من الفراش بخطوات هادئة يحاول السيطرة على الطبول المشتعلة بين ثنايا صدره.
-شوفتي وصلتيني لايه؟
همس بها في نبرة يملئها اللوم والعتاب ثم خلع نصف بيجامته العلوي وعدل من خصلاته قليلًا فهو يعلم جاذبيته كرجل ولن يخجل في استخدامها فهي سلاحه الوحيد الذي لا يمتلكه غريمه ومركز تفوقه وسيحرص على تفعيله واستغلاله أشد استغلال.
شكر في سره نصيحة بيجاد بأن يفرغ الغصب الذي تملكه السنة الماضيه في الصالة الرياضيه لتزداد بنيته وتصبح هيئته أكثر رياضيه تلهث خلفها الحسناوات ولكن جسده وقلبه كانا منغلقان لا يرغبان سوى بطفلة الريم ذات الشعر المشعث.
عض شفتيه وهو يعود للفراش ويقترب منها أكثر وأكثر حتى صار جسداهما قريبان ووجهيهما متقابلان للغاية فان تحرك شعره سيلاصقها تمامًا أغمض عيناه بينما يجذب الهواء المحمل بعطرها في انفاسه مرات متتاليه.
انفتحت عيناه كي يراقب ملامحها عن قرب، جميلة هادئة مثيرة للسلام بل مثيرة لجميع المشاعر المهلكه، حرك عيناه فوق جسدها في شوق حارق.
خرجت انفاسه من صدره لتلاطم وجنتها فتنهدت وكأنها تستشعر قربه بل أفضل وكأنها تتمنى ذلك القرب، نفخ بخفه فوق وجهها بدون سبب أو مبرر ولكن قلبه يرغب بأن تتنفس هوائه مثلما يرغب هو في غمرها داخل روحه.
-ازاي مقولتش بحبك وجوايا كل دقيقة بقولها؟
همس مصرحًا فتحركت ريم ليتسمر مكانه ولكنه تفاجأ بها تقترب نحو جسده تلتصق به ثم تستقر بأناملها الصغيرة فوق خصره تقربه منها، توقفت دقات قلبه لثواني وظل متأهب في صدمة للمستها التي أججت نيرانه وتلاعبت على أوتار رجولته.
اهدأ كي لا تنهار مخططاتك حاول ان تستجمع افكارك ..
يا إلهي ماذا كانت الخطة من الأساس؟
تبخرت الافكار حين تحركت تتطلب دفئه أكثر وأكثر دون وعي منها فانتهت بوجهها فوق صدره ، عض على شفتيه يحتفظ بشعور ملمس شفتاها فوق قلبه المجنون الساخط، فقط هي تستطيع تحويله لمراهق أبله.
كاد يوقظه هذا التفكير ولكن همسة خفيفة تكاد تكون غير مسموعة انطلقت كالسهام تطيح بعقله وقلبه مفجره شوق عظيم وحنين كالحنين للماء في الصحاري القاحلة.
– ريان.
خرج اسمه اكثر تطلبًا وكأنه استغاثة من بين ثغرها المنفرج قليلًا فلم يشعر بذاته الا وهو يميل ليلثمها بفمه الكبير يلبي نداء يحرق فيه بشغفه الخوف والانكسار … ويبثها بالأمان وال…عشق…
قبله ايقظت داخله بركان من المشاعر المغلقة فصار كالغريق يبحث عن طوق النجاة داخل جوفها يبتلع آهات اجتازت خلاياه لتستقر في جوف صدره، فكلاهما سيسقط من على حافة الهاوية بدون الآخر …
بقلم دينا إبراهيم.
الفصل الحادي عشر
– ريان.
خرج اسمه اكثر تطلبًا وكأنه استغاثة من بين ثغرها المنفرج قليلًا فلم يشعر بذاته الا وهو يميل ليلثمه ويلبي نداء يحرق فيه بشغفه الخوف والانكسار … ويبثها بالأمان وال…عشق…
قبله ايقظت داخله بركان من المشاعر المغلقة فصار كالغريق يبحث عن طوق النجاة داخل جوفها يبتلع آهات اجتازت خلاياه لتستقر في جوف صدره، فكلاهما سيسقط من على حافة الهاوية بدون الآخر …
هربت جميع أفكاره وترك العنان لكفيه بالتنقل الحر الجارف فوق غصنها الواعر بحسن مفاتنها القاتلة.
ازدادت شراسة استجابتها كنمرة فكت أسرها للتو فانطلقت راكضه كالمجنونة تبحث وتكتشف المكان، زمجر في رضا حين تقابلت أظافرها الناعمة بمنتصف ظهره تدعوه للمزيد والمزيد.
كان في جنة يشعر بين ذراعيها فيها بالخُلود وتمنى لو تدوم لحظتهما إلى الأبد ولكن لكل بداية نهاية.
شعر بصدمتها تجتاح جسدها الصغير المتحجر المحصور بين ذراعيه بفعل هجومه السافر.
علت انفاسهما كلًا لأسبابه مع تشابه بعضها فمال ريان يسند جبينه فوق كتفها وأسفل عنقها يلهث بقوة لجمح مشاعره وأصابعه تلتف حول معصميها في استعداد للعاصفة المقبلة.
أما “ريم” فكانت أنفاسها العالية تختلط مع الاعاصير داخل رأسها في محاولة لاستيعاب ماذا يحدث هنا وكيف انتهى بها الأمر بهذه الحالة المستسلمة بين أحضانه، فأخر ما تتذكره هو مرض عُمر وخلودهم للنوم.
– إبعد عني.
مرر صوتها المعركة الدائرة داخل صدرها فتنهد ريان وهو يحكم قبضته حول ذراعيها يمنع مقاومتها التي بدأت في الثوران أسفله فزمجرت صائحه:
– إبعد عني يا بني آدم … إنت ازاي تعمل فيا كده.
ارتفع جانب وجهه في غلاظة متعمدة قائلًا بنبرة متعجبة:
– هكون عملت ايه يعني، هي أول مرة اعملها ما انا ياما عملت كده!
غمرتها حمرة الخجل والحقد وهي تنازع أسفله للانفلات منه قائلة في نبرة قاتلة:
– أنا الحق عليا إني وثقت فيك ما انا غبية،
بعد اللي عملته فيا حتى البديهيات معاك لازم كنت آخد حذري فيها معاك.
– ممكن نبطل هري في الفاضي ونتكلم في الجد.
– هري في الفاضي، انت بتتحرش بيا وتقولي هري على الفاضي،
هي كلمة “مش طيقاك” مش فاهمها عشان عقلك يصورلك ان ليك حق تلمسني من تاني.
تأوه عندما ركلت ساقه فقابلت جانب جسده في قوة لكنه جزّ على أسنانه مدعي الهدوء في اجابته الحادة الناهية:
– والله لو اتكلمنا في الحق فأنا أكتر واحد أحق في لمسك لأني ببساطة جوزك بس إنتِ اللي مرهقة شوية وبتنسي.
– حق مين يا أبو حق….
صرخت به ريم في لهجة مستهجنه فأسرع ريان بوضع كفه فوق رأسها بينما تحاول الابتعاد عنه دون جدوى فضحك بغلاظة قائلًا:
– إنتِ هتردحيلي والله عال، الناس بتكبر تعقل وتسمع الكلام وإنتِ بتخيبي.
حدقته ريم بنظرات ساحقة كالرياح العاتية وكل ما تتمناه هو اطاحته ومرغ كبريائه أرضًا
فعض شفتيه يكبح ابتسامة فلو تعلم كم يثيره عنادها ومقاومتها له لِما فعلت من الأساس لكنه أحبط افكاره وحاول التثبت بذلك النقاش الذي كان يحضره منذ فترة كي يعتذر لها ويحصل على رضاها.
– ريم أنا عارف إني غلطت غلط كبير وعارف ان مينفعش تسامحيني بسهولة.
اجابته بارتفاع حاجبها الساخر وكأنها تخبره بتهكم:
– لا يا شيخ.
اغلق فمه في خيط ضيق قبل ان يسعل بخفه متجاهلًا إياها ليتمتم بتوتر:
– انا مغلطش في اني شكّيت فيكي وكدبتك وبس، وعشان تعرفي اني بجد باقي عليكي …
باقي عليكي ده ايه لا معلش لامؤاخذه في اللفظ يعني انا مش هسيبك تبعدي عني طول ما فيا نفس طالع وخارج.
خرج صوتها المعترض مكتوم أسفل قبضته وللحظة وتره احمرار وجهها ظننا انه يقطع تنفسها ولكن استمرار غمغمتها وحركتها اسفله تخبره بانها حمرة الغضب فاستكمل سريعًا:
– عارف عارف مش طيقاني
وحقك أنا ساعات كتير مش بطيق نفسي، بس انا قعدت كده مع نفسي وقولت ياض يا ريان إنت مش عايز تسيب ريم ليه دي ولية نكد حتى.
انفلت ساعدها الأيمن وقتها لتقابله بصفعه لجانب رأسه قابلها هو بابتسامه مغيظة ومال يقبل جبينها متجاهلًا غمغمتها المستنكرة وهو يعيد ذراعها بجانب الآخر ويحكم قبضته على كلاهما في كف واحد من جديد ثم قال متعمدًا الإمساك بنظراتها المشتعلة:
– بس رجعت وقولت اسيبها ازاي وعنيها الحلوة دي هي أول حاجة بفتكرها أول ما افتح عيني.
سرق انتباهها اخيرًا وخفت مقاومتها وهي تنظر إليه عيناها تشع بحاجتها للمزيد وهو لم يبخل فاستطرد:
– اسيبها ازاي والضحكة مش بتطلع من قلبي غير لما تبقى مرسومه من شفايفها الحلوة المبطرخة دي.
ابتسم في خفة وابعد كفه عن وجهها يبعد خصلاتها عن عيناها بينما هي لا تتحرك او تتكلم فقط تطالع عيناه التي لا تتركها وتبثها بشعاع أمل وعشق مهول لا ينتهي هزها ودمر معظم حصونها، ثم مال يلامس أنفه بأنفها معترفًا أخيرًا بما هز جدران قلبها:
– اسيبها ازاي وأنا قلبي معرفش معنى الوطن غير لما سكن في عيونها.
رمشت ريم وارتعشت شفتيها بمشاعر مضطربة بين لهفة وانغلاق حاد لكنه باغتها بقبله رفرفت كجناحي فراشه بخفه فوق ثغرها ليعلن بكل ذرة رجولية وحب يكتنفه:
– بَحبِك..
أعاد قبلته الخاطفة من جديد يرغب في مباغتة عقلها هامسًا بحرارة:
– بَحبِك ومقدرش أعيش من غيرك.
رفرف بشفتيه من جديد يحاول سرقتها بالكامل لكنها انتفضت وتلك المرة هربت تمامًا ورمت ثقلها لتخرج ساقطة من الفراش بينما يحاول هو انقاذها لكنها رفعت اصبعها في وجهه المطل عليها من الفراش، وهتفت متحملة على آلامها في رفض:
– اه فهمت.
-فهمتي!!
اعادها ريان في تعجب فقالت وهي تستقيم وتواجهه في شراسة:
– أيوة فهمتك، إنت فاكر انك هتقدر تضحك عليا واني لسه عيله عبيطه.
– فاكر!
اجابها متهكمًا مغتاظًا من رفضها فقالت من بين اسنانها:
– بالظبط، لكن لا مش هتقدر تضحك عليا لأني متأكدة ان اللي زيك مش بيعرف يحب!
انتفض هو الآخر ليقف في مواجهتها مردفًا في غيرة حارقة:
– اومال مين اللي يعرف يحب،
• الواد المتني اللي فضلتي تضحكي عليا طول فترة جوازنا ومفهماني انه اخوكي وسحبتي مني حق اني أكون السند الحقيقي في حياتك..
خرجت منها ضحكه مستنكرة وهي تلفظ كلماتها متعمدة اشعاله:
-لا وإنت كنت ونعمة السند ليا،
كنت حتة عيله لا راحت ولا جت وإنت محور حياتها بس ازاي كان لازم تقتل كل حاجه حلوة جوايا بعمايلك.
صمت لكنه تركها تفرغ شحنة الكُره من داخلها فاكثر ما يعرفه عنها انها تنسى الإساءة بالعتاب وإن كان هذا ما يستدعيه الموقف لتسامحه فليكن فهو يستحق ذلك وأكثر، ولكن صمته أغضبها أكثر فهتفت في غل:
– وفي الاخر بتسأل كنت متمسكه بأحمد ليه!!
عشان محدش غيره وقف جنبي لما خالتي اللي فضلالي من الدنيا سافرت وهجت بالفلوس اللي حيلتنا واترميت أنا تحت رحمته وهو رحمني.
– خير وعمله وانتهى ويشكر عليه ده حقك
لكن انتي وصلتيه انه يبقى أهم من عيلتك اللي هي أنا وعُمر،
انتي اختارتي هوسك بوجوده، واني مش هشيلك رغم اني كان ممكن احط حياتي تحت رجليكي لو طلبتي.
علا صوته ليهز الجدران بقوة انفعالاته وقساوة ما اخفاه داخل صدره طويلًا مستكملًا باتهام:
– كنتي بتخليني أنام احلم انك سبتيني عشانه وانه خطفك مني ووصلتيني ان اقل حاجة تحصل أشُك فيكي وأصدق.
ترقرقت الدموع في مقلتيها لكنها منعت هبوطها في عناد وصرحت في هدوء:
– إنت صح إنت غلطت وأنا غلطت والعلاقة دي انتهت من زمان ومينفعش تتعلق بيها.
– وإنتِ صح، العلاقة دي انتهت ومينفعش اتعلق بيها..
ظهر الجرح جليًا على وجهها معلنًا عن التناقضات والصراعات المشتعلة داخلها لكنه اقترب منها خطوتين مستكملًا في هدوء وصدق:
– عشان كده هنبني علاقة جديدة، علاقة صح ونضيفة أنا وإنتِ
وغصب عنك يا ريم لأن خيار اني اسيبك ده مش هيحصل.
تلعثمت في رفض تحاول كبح رفرفة قلبها وهمست في اضطراب لا تعلم ما يخرج من فمها:
– مينفعش انا وأحمد….
اقترب منها يقتحم مساحتها معلنًا في لهجة حادة قاتلة تبرز ما يعتريه من حنون غاضب:
– ما اسمعش اسمه على لسانك تاني.
زمت شفتيها وحركت رأسها في استهجان هامسة في اشمئزاز:
– إنسان متوحش مستفز مش قادر تطلع روح التحرش من تفكيرك.
حرك يده في الهواء بلا مبالاة واضحة وهو يتحرك يبحث عن سجائره فيقول بانزعاج بينما يشغل إحداها:
– بطلي بقى جو الرهبنة ده مش لايق عليكي ما إنتِ كنتي متمرغة في حضني من خمس دقايق.
نفخ الدخان بالقرب من وجهها مستمتعًا بالخجل والغضب المتنافس فوق بشرتها السمراء اللامعة وارتفع جانب وجهه في انتصار عندما لم تجد اجابه تتناسب مع حقارته كي تقذفه بها فاكتفت بدب قدميها في طفولية متمتمه ببضع كلمات لم يفهم نصفها وخرجت من أمامه هاربة.
حرك كتفيه مفكرًا لا يهم المهم أن الخطوة الكبرى قد انتهت وانه يشعر وكأن جبال العالم انزاحت عن صدره باعترافه لها، متعجبًا كيف ينسى المرء أن يبوح بمشاعره، فيصبح كإنسان آلي يحارب من أجل العيش والمكانة الاجتماعية متناسيًا أن الأسرة والاحبة دومًا أهم.
*****
استيقظت وسام في الصباح الباكر داخل غرفتها لكنها قابلت اليوم بمشاعر مستفزة كئيبة غير راضية ووجدت نفسها تتصيد المشاحنات في جنون.
– أنا نازل عايزه حاجة وأنا جي؟
قاطع بيجاد تحديقها الصامت في الحائط فنظرت له بلا تعابير هامسة في خفوت:
– لا.
تنهد متذكرًا كيف اوقفته عن اتمام طقوس عشقهما أخر مرة حاكمة عليه بأن يبقى مستلقيًا بجوارها فوق الأريكة متحملًا عقابها بالقرب البعيد بين احضانه، رمقها نظرة أخيره وطلب في رجاء:
– طيب على الأقل اتصلي بعلاء صبي السوبر ماركت خليه يطلعلك اللي تحتاجيه وبلاش تنزلي وإنتِ حامل.
ضاقت عيناها وسألت في تهكم قاسٍ:
– والرفق بالإنسان اللي مش عبد عند حد
ولا نسيته عشان علاء لسه عيل عنده خمستاشر سنة؟
ابتلع بيجاد غضبه في جوفه الجاف بصعوبة وقبض على اصابعه القوية قبل ان يجيبها في جدية متعمدًا كبح ملامحه الغاضبة:
– عنده خمستاشر سنة بس نصيبه انه لازم يشتغل وده خلاه راجل يعني انا مش بستغله،
وأنا بقولك اطلبي ومتقلقيش أنا براضيه كويس وبلاعبه عندي في الجيم ببلاش فهو كده هيحس انه بيساعد والجمايل مردوده.
أنهى جملته واتجه للخارج مغلقًا الباب خلفه دون ان ينتظر اجابتها، زفر في حده ينفس عما يعتمر صدره وهبط في حزن فكل يوم يثبت له ان حياتها البائسة لن تنتهي.
فقد نجح والدها في ترسيخ صورة فاسده داخل عقلها ولن ينجح ابدًا في محوها، كان يمشي تائهًا غير قادر على الانتباه لمن يلقي عليه السلام أو يناديه من اصدقائه، وصل اخيرًا للصالة الرياضية الموجودة بالقرب من منزله ونظر لنفسه في المرأة ولأول مرة يشعر بالهموم والعجز تنعكس من ملامحه.
تلألأت عيون وسام بعبراتها ما إن خرج وانفجرت باكية دون مبرر وظلت الساعة اللاحقة تبكي وتبكي دون توقف فهي مرهقة متعبة ترغب في استعادة حياتها والعيش بطبيعية وترغب في النوم في سلام دون قلق أو هم يقتلها بشأن حياة بيجاد أو بشأن حياة مولودها.
استقامت في تعب لتشعر بدوار وقتي، أمسكت رأسها واستغفرت الله تواليه عندما تذكرت انها لم تأكل منذ الصباح ثم اتجهت للمطبخ لتناول شيء ما فهي لا ترغب في إصابة الصغير داخلها بسوء.
زفرت في غضب وكادت تبكي من جديد عندما اكتشفت انتهاء المربى التي تفضلها لكنها تمالكت ذاتها واتجهت لغرفتها ترتدي عبايتها لشراء المزيد، دار تحذير بيجاد لها في عقلها بأن لا تنزل لكنها تجاهلته بعناد.
دلفت تدور في المتجر الموجود في البناية الملاصقة لمنزلها واختارت بعض الأطعمة التي جذبتها وشعرت باشتهاء لتناولها ما إن رأتها ثم ارتسمت ابتسامه خفيفة على محياها حين تقدم علاء منها يصر على حمل الأكياس لها حتى المنزل.
خرجت وسام خلفه وانشغلت عيناها بالماء المندفق من ماكينة داخل المغسلة المقابلة للمتجر والتي يفصلها عنه بضع مترات قليلة في الشارع الضيق، لكنها شهقت في ذعر وتشنجت معدتها حين شعرت بجلد خصرها يلتوي بين أصابع ما.
قفزت للجانب البعيد وطالعت في عيون متسعة شاب جالس على مقعد أمام المتجر يظهر عليه الغنى وملابسه ومقتنياته تصرخ أموال، عقدت ملامحها في غضب تقابل نظراته الفاسقة بقولها:
– إنت قليل الأدب ومتربتش.
– عارف.
نظرت له باحتقار واندفعت للذهاب فاوقفها في سماجة:
– ماشيه ليه ما تستني اوريكي قلة الأدب.
اندفع علاء الصغير الذي ألقى بالاكياس وهرع نحوها هاتفًا:
– ما تحترم نفسك يا جدع.
وقف الشاب يطالعه في استهجان قائلًا في حده:
– وإنت مال أمك، غور من وشي يالا.
– تعالى يا علاء وصلني وسيبه ده بني آدم بجح.
قالت وسام وعبراتها تسيل على وجهها في غضب لا تصدق ان الرجل تجرأ على لمسها وانه حتى انتفاخ معدتها بحملها لم يشفع لها أمام وقاحته.
احتدت نظرات علاء للرجل في رفض وحقد فسبه الرجل الذي دفع أصابعه في وجه علاء ليرتد للخلف محذرًا:
– يلا يا كوكو وصلها يلا متبحلقش!
علت أنفاس علاء ولكنه اتجه نحو وسام التي تحمل الأكياس من الأرض لمساعدتها ولكن عينيه ترفض الابتعاد في غضب عن الشاب المدلل ولولا جسده الضئيل الضعيف لكسر عظامه.
حين أوصلها همست له وسام بشكر واعتذار، فقابها بالصمت وهزه من رأسه قبل أن يركض للأسفل وما ان لامست أرض الطريق حتي لمعت عيناه في تحدي وهرول راكضًا نحو شخص واحد هو القادر على تهذيب ذلك المتعجرف.
*****
– لا متحملش ع رجلك الوزن ده لان عضلة رجلك مش هتستحمل…
أوقف بيجاد تعليماته وانتبه لذلك الراكض نحوه بأنفاس متقطعة فاعتذر من الرجل امامه واتجه نحو علاء متسائلًا في توتر:
– فيه ايه يا علاء، حاجه حصلت في البيت؟
هز رأسه في نفي لكنه تابع يلقي في إصرار ما حدث منذ قليل، لتشتعل عيون بيجاد بغضب أعمى فيركض كالثور الهائج في جنون حين يُلوح أمامه بالأحمر.
اقترب بيجاد من المتجر فأشارعلاء لرجل يرتدي سروال بلون السكر المحروق وقميص أبيض ناصع فاتجه بيجاد دون تأجيل وبكل عنفوان ضرب قدمه في صدر الجالس فينقلب ككيس البطاطا من فوق المقعد وينفجر الجحيم…
قضمت وسام قطعة من الخبز تجبر جوفها اجبارًا على ابتلاعها بينما دموعها ترفض الجفاف، مسحت أنفها مرة أخرى لا تزال تشعر بالنقم على ذلك الرجل الحقير، لكنها انتفضت في هلع عندما تعالت أصوات الرجال في الأسفل بجنون واسم “بيجاد” الذي يخرج من فم الجميع في ذعر، جعل الدقات في قلبها تتوقف فهمست وهي تلقي بالطعام في إهمال:
– يالهوي يالهوي.
ركضت للشرفة متناسيه حجابها وصرخت في جنون حين رأت زوجها يعتلي صدر المتحرش وقبضاته المتطايره تقابل وجهه الدامي في شراسه:
– بيجاد لا يا بيجاد سيبه.
رفع رأسه يصرخ بها في جنون للدخول ولكنها دخلت فقط لتجذب عباءتها وتركض في هلع نحو الأسفل وهي تدعو الله بصوت عالي ورجاء صادق بأن لا يفقد الحقير روحه على يد زوجها المجنون.
انطلقت نحو الرجال هاتفه دون حرج متعمده زجه من حالته التي يفشل الرجال من حوله في السيطرة عليها:
– بيجاد كفاية هيموت في ايديك!
ضرب بيجاد رأس الرجل الشبه فاقد للوعي في الأرض بحده معارضًا أيادي الرجال التي تحاول جذبه دون فائده ولكن صوتها فاق قوتهم حين جذبه من بقعته السوداء داخل روحه ووقف في جنون هاتفًا في غضب:
– اطلعي فوق ومتنزليش إنتِ اتهبلتي!
اتجه نحوها يدفعها نحو المبنى بملامح تصرخ جنون فحاولت امساكه وهي تنفجر في بكائها:
– عشان خاطري يا بيجاد تعالى فوق كفاية.
– بقولك اطلعي.
ابعد ذراعه المغطى بالدماء عنها تاركًا إياها غارقة في مخاوفها واتجه نحو الرجل الذي يسند الناس جسده الغير متزن وما ان لمحه الشاب حتى صرخ وسقط للخلف محاولًا الهرب منه، تكاتل الرجال حول بيجاد يحاولون دفعه للجانب البعيد اما ذلك الغارق في دمائه فقد كان يزحف حتى حملته ساقه من جديد، وعند علو صوت بيجاد المعلن عن اقترابه منه حتى التفت في ذعر يبحث عن مكان للهرب فلم يجد سوى المبني أمامه.
وغريزته للبقاء دفعته للتفكير بالصعود هناك والاختباء بأحد البيوت كي يستطيع الاتصال بالمساعدة هربًا من ذلك المجنون الذي يعزم على قتله وانهاء حياته.
أغمض جفونه يمنع قطرات من الدماء السائلة من الاستقرار في عينه اليسرى وتأوه في ألم عندما وصل للمدخل وانغرست أصابع صغيرة ولكنها كانت كافية لتسبب له ألم في جسده الذي تم إبراحه ضربًا.
– تعالى بسرعة الله يحرقك يا بعيد.
– ابوس إيدك كفاية وسيبيني أستخبى جوزك هيموتني.
زمجرت وسام في وجهه وهي تجذبه وراءها على الدرج مؤكدة:
– اتنيل واطلع استخبى عشان هيموتك فعلًا.
أسرعت وسام في فتح الباب عندما وصل إلى مسامعها انتقال الأصوات لمدخل المبنى متأكدة ان بيجاد لن يهدأ حتى يصل إليه، فتحت سريعًا ودفعت الرجل للداخل مغلقة الباب في قوة.
سمعت تخطي بيجاد لبابها وحمدت الله إنه في اسوأ أحلامه لن يتخيل انها من تحمي الحقير، نظرت للرجل الغارق في دمائه باشمئزاز وجذبته إلى غرفتها واضعه منشفه فوق رأسه وضغطت بقوة قائلة في غل:
– وقف الدم هجبلك كحول وبن يوقفه، خسارة في جتتك، بس لما ربنا ياخدك ياريت يبقى بعيد عننا.
أمسك الرجل المتألم المنشفة فوق رأسه وسأل في ضعف:
– لما إنتِ مش طيقاني بتساعديني ليه؟
– مش عشان سواد عيونك، عشان خاطر جوزي اللي خسارة يضيّع نفسه عشان كلب زيك.
بصقت كلماتها في اشمئزاز ليبعد الشاب عينيه في خجل عنها ويسأل:
– طيب وههرب ازاي وجوزك تحت
إلتوت شفتيها في سخرية وأخبرته في حده:
– ومين قالك انه تحت جوزي طلع يدور عليك في الشقق ومش هيسكت غير لما يلاقيك.
وقف وكاد يسقط من طوله فاقتربت وسام توازنه في غضب وتدفعه للجلوس رغم اعتراضه:
– يعني هيدخل يدور هنا كمان، يا نهار اسود ده احنا في بيته!
– بالظبط وإحمد ربنا انه في بيته هو مش هيتخيل انك هنا.
– ولما يجي هعمل ايه ؟
سأل الرجل في ذعر فرمقته من اسفله لأعلاه وردت:
– لما يجي تستخبى هنا وتخاف على نفسك عشان لو حس بس انك هنا هيجيب اجلك غير كده انا هتصرف!
ذهبت تبحث عن منشفة وهلعت حين رات الدماء أمام باب المنزل من الداخل فركضت تحضر القهوة المطحونة تعطيه له وتأمره بوضع بعضها فوق جروحه واتجه تحضر منشف تنظف بها أثار تواجد ذلك الابتلاء المختبئ في غرفتها ولسانها لا يتلو سوى الدعاء للخالق بأن تنتهي الأمور على خير.
