وكان لقاؤنا حياة
بقلم سهام صادق

الفصل السادس
نظرت إلى هاتفها بعدما انتهت المكالمة التي أَبْلَغَهَا من خلالها مسؤول التوظيف عن قَبولها بالعمل.
للحظات ظلت تُحدق بالهاتف إلى أن أستوعبت أخيرًا أنها بالفعل قد تم قَبولها بأهم الشركات التي تعمل بمجال الأدوية بالوطن العربي.
هذا ما كانت تسمعه من شقيقتها “ريناد” عندما تريد التباهي بوظيفتها – التي ساعدها بالحصول عليها أحد أقارب والدتها- لكن بالحقيقة هي تأكدت من مكانة الشركة بالسوق.
فتوظفيها بشركة لها اسمها ومكانتها بالسوق حتى لو لمدة محددة سيكون مكسب لها بسيرتها الذاتية.
– أنا لازم أكلم “سارة” عشان أفرحها.
أسرعت بإلتقاط هاتفها مرة أخرى لتُخبر “سارة” بقَبولها بالوظيفة.
وفور أن أجأبت “سارة” عليها هتفت قائلة:
– أكيد اتقبلتي بالوظيفة، شوفتي عشان تعرفي قلب الأم.
خرجت ضحكات “خديجة” من قلبها.
– أه اتقبلت وقولت أفرحك.
– شوفتي يا “خديجة” لو كنتِ استسلمتي لأفكارك مكنتيش هتعرفي إنك تستحقي دايمًا تكوني في مكان أفضل.
– المشكلة يا “سارة” إني هتعود على المرتب الثابت وبعد ست شهور هيقولولي مع السلامة.
تمتمت بها “خديجة” بإحباط، فهي بالفعل تخشى من الإعتياد على الدخل الثابت.
– استفيدي من الست شهور يا “خديجة” وشيلي فلوس على جنب ليكِ ينفعوكي مع شغلك على مواقع الترجمة.
ثُمّ تابعت “سارة” حديثها هذه المرة بحماس.
– يلا قومي البسي خلينا ننزل نشتري طقم جديد ليكِ عشان تروحي بيه الشغل بكره.
شعرت “خديجة” بالحرج من إخبارها أنها لا تملك المال الذي يجعلها تشتري ثوب جديد لكن “سارة” كعادتها كانت تفهم صمتها.
– متقلقيش أنا معايا فلوس هسلفك لحد ما تقبضي أول مرتب من الشركة لا وكمان هخليكي تعزميني في أفخم مطعم فيكِ يا بلد.
…
ضاقت عينيّ “ريناد” بدهشة وهي ترى “خديجة” تدلف المطبخ في هذا الوقت المُبكر على غير عادتها.
ارتشفت “ريناد” من كوب النسكافيه الخاص بها بتمهل ثُمّ تساءَلت :
– غريبة صاحية بدري يعني النهاردة لا و كمان لابسه ومتشيكة.
ارتبكت “خديجة” قليلاً ثُمّ تناولت عبوة النسڪافيه لتضع محتواها في الڪوب.
– النهاردة أول يوم شغل ليا.
أرادت “خديجة” مواصلة كلامها وإخبار “ريناد” بالشركة التي قامت بتوظيفها كمترجمة لمدة ستة أشهر لكن “ريناد” قطعت كلامها حين انفجرت ضاحكة تنظر إليها بنظرة مستخفة.
– اتقبلتي في شغل جديد وبعد شهر تطلع شركة تحت السلم وتقبضك مرتبك بالعافية اللي هو مجرد ملاليم.
قالتها “ريناد” وهي تضع الكوب خاصتها في حوض الجليّ ثُمّ غادرت المطبخ.
ارتسم الحزن فوق ملامح “خديجة”، فهي كانت تتمنى أن ترى فرحة شقيقتها بخبر توظيفها بنفس الشركة التي تعمل بها.
سكبت “خديجة” الماء الساخن بالكوب ثُمّ أخذت تقلب مسحوق النسكافيه بذهن شارد.
نفس الدهشة التي رمقتها بها “ريناد” كانت ترمقها بها والدتها أثناء إلتقاطها لحذائها لإرتدائه قبل مغادرتها.
تثاءَبت “ثريا” بنُعاس وهي تنظر إليها قائلة:
– أنتِ لابسه ورايحة فين؟
والرد لم تنتظر السيدة “ثريا” لمعرفته فقد اتجهت نحو المطبخ لتصنع فنجان قهوتها الصباحية قبل أن تعود لغرفتها مرة أخرى وترتدي ثيابها لتذهب للنادي الرياضي لمقابلة صديقاتها.
لم تكن المسافة طويلة بين مقر الشركة الرئيسي الذي ستعمل به ومحل إقامتها، فهي تسكن في حي المعادي الذي أصرت والدتها بعد عمل والدها بالخليج أن يشتري لهم شقة بتلك المنطقة.
شقة ووديعة بالبنك -أضاعتها والدتها على تلك المظاهر الزائفة- كان ثمن غُربة والدها ووفاته وحيد.
ذكريات كلما اخترقت عقلها تجعلها تشعر بالإختناق.
وصلت مقر الشَركة وقد عاد لعينيها نفس الإنبهار الأول؛ فأخيرًا ستعمل في شركة تستطيع فيما بعد التفاخر أنها عملت بها.
أرشدها مسؤول التوظيف على الدور الذي ستعمل به وأعطاها بطاقة الهوية الخاصة بها لتستطيع الدخول بها بعد ذلك لمقر الشركة دون التعريف بحالها وبالقسم الذي تعمل به.
– أنتِ لسا جديدة هنا؟!
تسألت بها إحداهن وهي تَمُد يدها لها لمصافحتها والتعرف عليها وتعريف نفسها لها.
– أنا “فريدة” موظفة في قسم المبيعات.
مدَّت لها “خديجة” يدها لمصافحتها وتعريف حالها.
– أنا “خديجة” موظفة في قسم العلاقات العامة.. هشتغل فترة هنا مترجمة.
رحبت بها “فريدة” بحفاوة، فـ “فريدة” كانت شخصية ودودة.
– إن شاء الله الصفقات تستمر بينا وبين الروس وتفضلي في الشركة.
تمنّت “خديجة” من كل قلبها هذا، فوظيفة بمرتب جيد وثابت حُلم الكثير.
– هسيبك بقى تشوفي شغلك عشان تثبتي نفسك لأن هنا الأستاذ “سامر” مش بيعدي غلطة خصوصًا للموظفين الجداد.
وقد تأكدت “خديجة” من هذا الأمر بعد نصف ساعة من وجودها.
وثائق عِدة قامت بترجمتها فهناك إجتماع بالغَد وستكون برفقة الرئيس التنفيذي للشركة.
– بكرة تكوني على مكتبك قبل الدوام بنص ساعة، مفهوم.
قالها السيد “سامر” ثُمّ غادر من أمامها.
لِكُلّ قسم مشرف خاص به ومن سوء حظها كان السيد “سامر” مشرف قسمها.
في وقت إستراحة الموظفين لم تتصادف مع “ريناد” وقد علمت أن الصيادلة والكيميائين تواجدهم معظم الوقت يكون بالمعمل أو بمصنع الإنتاج.
بالطبع أول يوم عمل لها كان عليها أن تقص لـ “سارة” كُلّ شىء قد حدث معها.
لم تهتم “ريناد” أو والدتها بمعرفة أي شىء عن عملها، فكل ما كان يهمهم أنها ستقوم بدفع قسط البنك وأي فواتير يتراكم سدادها.
باليوم التالي وكما طلب منها السيد “سامر” ذهبت للعمل مُبَكرًا عن موعد دوامها.
أخبرها السيد “سامر” أن الإجتماع الذي سيتم فيه مناقشة بنود الصفقة مع الشركاء الروس سيكون في تمام الساعه الثانية عشر ظُهرًا وعليها تجهيز العقود مترجمة والإستعداد.
عندما اِقتربت عقارب الساعة على موعد الإجتماع شعرت “خديجة” بأن معدل تنفسها يزداد.
حاولت نفض توترها جانبًا ثُمّ أَخذت تُجمّع الأوراق من فوق طاولة مكتبها واتجهت بعدها للطابق الذي أَخبرها السيد “سامر” بالتوجه إليه.
– كل حاجه مظبوطة؟!
تساءَلت “عايدة” وكما علمت منها “خديجة” بعدما عرفتها على حالها أنها سكرتيرة الرئيس التنفيذي.
وحتى الآن لم تنتبه “خديجة” على أمر ما وقد تغافلت عنه، هو ذلك اليوم الذي أخبرتها فيه “ريناد” عن هوية من ذهبت لمصافحتهم بالمطعم الذي عزمتها بِه .
– دكتور “خالد” وصل.
قالتها “عايدة” وقد تركتها واتجهت نحو “خالد” الذي كان يسير بجوار الشُركاء الروس ومعه “كريم” ابن عمه.
لم تتجه “خديجة” بنظراتها نحوهم بل أَشاحت عيناها عن الجهة التي اتجهت إليها “عايدة” واستدارت بجسدها لتتمكن من إخفاء ربكتها وإلتقاط أنفاسها.
دخل “خالد” غُرفة الإجتماعات ومعه من يُرافقونه واتجهت “عايدة” بخطوات سريعة نحو “خديجة” تهتف بضيق:
– مدخلتيش ليه ،يلا بسرعة.
– أصل أنا…
رمقتها “عايدة” بنظرة ممتقعة، ففي عملهم لا يوجد حجج وأعذار واهية.
أسرعت “خديجة” بالدخول للغرفة وعند دخولها رفع “خالد” عيناه ليقوم بتوبيخ “عايدة” بسبب عدم وجود المترجم الذي سيحضر معهم الإجتماع لكن الغضب غادر نظراته وهو يجدها أمامه.
ضَاقت عيناه وهو ينظر إليها وهي تحمل بعض الأوراق في يدها وتتحرك نحو طاولة الإجتماعات بتوتر لاحظه في حركتها.
اِتجه “كريم” إليها وعلى وجهه ارتسمت اِبتسامة ودودة دائمًا يستطيع رسمها وسَلب قلوب النساء.
على الفور تعرفت عليه وأدركت الأمر الذي تغافلت عنه…؛ هي بالمكان الذي رُبما ترى بِه الشخص الذي عركلتها “ليالي” نحوه واصطدمت به.
– حاولي تداري ربكتك أحسن الريّس يِسَمّعك كلام جميل بعد الإجتماع.
كان يُشير بكلماته نحو “خالد” الذي عندما اتجهت أنظارها إليه شحبت ملامحها..؛ إنها لا تحب التصادف مرة أخرى مع الأشخاص الذين يجمعها معهم موافق مُحرجة.
التقط “كريم” اسمها من البطاقة المعلقة حول رقبتها.
– يلا يا “خديجة”، الإجتماع هيبدأ.
قالها “كريم” بنبرة لطيفة ومع إسترخاء ملامحه وبساطته بالحديث شعرت بأن توترها يزول شيئًا فشىء.
أشاح “خالد” عيناه عنهم ثُمّ جلس على المِقْعَد ليبدأ الإجتماع.
لم يَكُن الأمر بالصعب كما ظنت، فالشركاء كانوا يدمجون اللغة الإنجليزية أثناء حديثهم مع اللغة الروسية مما جعل “خالد” و “كريم” يسهل عليهم الأمر بالتحاور معهم بجانب مترجمهم الخاص.
إنتهى الإجتماع بعدما تم الإتفاق على البنود ولم يبقى إلا التوقيع الذي تم تأجيله لـ الأسبوع المقبل.
نهض الشُركاء وقاموا بمصافحة “خالد” و “كريم” ثُمّ قاموا بتحريك رؤوسهم كتحية لـ “خديجة” التي حركت رأسها على الفور لهم.
تلاقت عيناها بعينيّ “خالد” الذي أشار لها بحركة من رأسه أن تتحرك معهم لمرافقة الشُركاء.
اِختفت ابتسامة “خديجة” فور أن استدارت بجسدها بعدما أنغلق باب المصعد بالشُركاء.
تلاقت عيناها بعينيّ “ريناد” التي كانت تقف مع أحدهم يتناقشون في أمر ما.
إِذْدَرَدَتٔ لُعَابها عندما رمقتها “ريناد” بنظرة قاتمة.
– آنسة “خديجة” من فضلك ورايا على مكتبي.
قَالها “خالد” ثُمّ اِتجه نحو المصعد الآخر ليتوجه إلى الطابق الذي به غُرفة مكتبه واتبعته سكرتيرته.
تعلقت أعيُن “كريم” بها مُنْدهشًا من تلك الحالة التي أصبحت عليها ولكن سُرعان ما ضاقت عيناه وهو يراها تنظر نحو “ريناد” التي أعطت الملف الذي تحمله للسيد “هشام” زَميلها.
– هو أنتِ تعرفي البشمهندسه “ريناد” ؟؟
أماءت “خديجة” برأسها وقد تقدمت “ريناد” منهما.
– دكتور “كريم”.
قالتها “ريناد” بإبتسامة سمجة.
فهي مُنْذُ ذلك اليوم الذي حضرت معه حفل الزفاف -وعلمت أن سبب اِصطاحبه لها من أجل قهر تلك الحبيبة التي فَضّلت عليه رَجُل آخر- وهي لا تطيق رؤيته.
– بتعملي إيه هنا يا “خديجة” ؟؟
قالتها “ريناد” في تساؤل رغم أن الإجابة كانت واضحة.
عند تلك اللحظة تذكر “كريم” رؤيته لـ “خديجة” من قبل.
– هي دي أختك يا بشمهندسه، أنا إزاي نسيت إننا شوفناها معاكِ في المطعم.
شعرت “خديجة” باِنَزِعَاج شقيقتها، لكن ضِيق “ريناد” قد إزداد وتجهمت ملامحها عندما أردف “كريم”.
– من موقعي هذا أقدر أقول إنك متعرفيش بتوظيفها في الشركة… الموضوع ده كويس لأن “خالد” هيسأل في النقطة دي لأنك عارفه يا بشمهندسه مافيش اتنين اخوات بيتعينوا في الشركة إلاّ إذا كانت خبرتهم ومؤهلاتهم نقطة قوية.
سحبت “ريناد” ذراع “خديجة” بعدما نظرت نحو “كريم” وقالت بنبرة معتذرة.
– بعد إذنك يا دكتور.
…
– أنتِ إزاي تشتغلي هنا من غير ما تقوليلي، شوفتي دلوقتي هتّسببي ليا مشاكل إزاي في شغلي.
هتفت بها “ريناد” بنبرة حَادة وهي تَنظُر إليها بنظرة تحمل الضيق.
شعرت “خديجة” بالإختناق من ردة فعل شقيقتها؛ فهي كانت تتمنى رؤية سعادتها لأنها توظفت في مكان كهذا.
– حاولت أقولك لكن أنتِ مهتمتيش.
– كنت فاكرة إنك اشتغلتي في شركة عادية مش شركة مش بيتوظف فيها أي حد.
أخفضت “خديجة” رأسها حتى لا ترى “ريناد” تلك الدموع التي اِلتمعت داخل مقلتيها بسبب قساوة كلماتها.
– قوليلي دلوقتي هنحل المشكله دي إزاي، أنا مش هخسر وظيفتي بسببك.
– متخافيش يا “ريناد” لو أتسألت اتعينت هنا إزاي هقولهم إنك مالكيش دخل في ده، غير إن أنا لفترة وهمشي، مجرد ست شهور وتعيني هينتهي.
– ست شهور بس؟؟
تساءَلت بها “ريناد” وقد ارتسمت على ملامحها الراحة لأن وجودها لأشهر قليلة لا غير.
آتى أحد المهندسين الكيميائيّن لشقيقتها وقد أخبرها بضروره التوجه إلى المصنع.
بمجرد أن دلفت لدورة المياة انفجرت باكية لا تُصدق أن شقيقتها لا ترغب بوجودها معها في مكان واحد.
لقد حولتها والدتها لشخصية أنانية لا تحب إلا نفسها.
مسحت وجهها من أثر الدموع ثُمّ نظرت لذاتها بالمرآة.
اِتسعت عيناها ذُعرًا ؛فهي نسيّت ما أمرها به صاحب العمل.
– أنا إزاي نسيت إنه قالي أروح وراه مكتبه، أعمل إيه أنا دلوقتي… شكلي هطرد من الشركة وكده “ريناد” هترتاح من عدم وجودي خالص.
أسرعت “خديجة” في تجفيف يداها ثُمّ غادرت دورة المياة واتجهت نحو الطابق الذي يوجد به مكتب الرئيس التنفيذي.
عندما رفعت “عايدة” عيناها عن الملف الذي أمامها رأتها تدلف الحجرة.
– أكتر من نص ساعة تأخير على دكتور “خالد”.
– أنا أسفة.
رمقتها “عايدة” بنظرة فاحصة وقد اندهشت من إحمرار عينيها.
– دكتور “خالد” مستنيكي في مكتبه.
أشارت إليها “عايدة” بالتوجه إلى مكتبه ثُمّ عادت تنظر للملف الذي أمامها.
– هو أنا كده ممكن اتطرد من الشركة ؟؟
تفاجأت “عايدة” من اِقتراب “خديجة” منها وتساؤلها.
ابتسمت “عايدة” وهي ترى نظرة “خديجة” لها وسُرعان ما اختفت ابتسامتها وارتسمت الجدية على ملامحها.
– أتفضلي يا أستاذة “خديجة”.
لا مفر من مواجهة صاحب العمل..
هكذا أَخبرت “خديجة” حالها وهي تتجه نحو غُرفة المكتب.
بخطوات متوترة دلفت الغرفة وقد كان “خالد” ينظر إلى السيرة الذاتية الخاصة بها.
– حضرتك كنت عايزني، أنا عارفه إني اتأخرت يا فندم… أنا آسفة على التأخير.
قالت “خديجة” كلامها دفعة واحدة، رفع “خالد” عيناه عن الملف الخاص بها ونظر إليها بنظرة كانت تحمل الجمود لكن سُرعان ما تبخرت وتحولت لنظرة تحمل لهفة وفضول صاحبها عندما رأي عيناها الذابلة التي إن دلت فستدل على بكائها.
سيطر “خالد” على ذلك الشعور الغريب الذي يُغرس داخله منذ حفل الزفاف الذي كان مدعو إليه وكانت قريبة منه بعدما وضع ذراعه حول خصرها ليمنعها من السقوط بعد فعلت صديقتها الواضحة للأعين.
– هحاول أتجاوز عن تأخيرك المرادي يا أستاذة “خديجة” ده أولاً.
تمتم بها “خالد” بعملية ثُمّ نهض من فوق مِقْعَده واقترب من مكان وقوفها.
– ثانيًا: توترك في غرفة الإجتماعات قدام العملاء مش عايز أشوفه تاني…
موظفين شركتي لازم يكونوا واثقين من نفسهم.
أسرعت في تحريك رأسها له دلالة على إستيعابها لما يُخبرها به.
اِتجه نحو طاولة مكتبه ليلتقط ذلك الملف الذي يُريد منها مراجعة بنوده بعد ترجمتها له بدقة.
– بكرة عايز نسخة من الملف ده مترجم.
– تمام.
قالتها “خديجة” وهي تلتقط الملف منه بِعُجَالة، مما جعله يُطالع فعلتها بدهشة.
شعرت بأنها فَعلت شىء خاطئ، فأسرعت في إعادة الملف له.
طالع الملف الذي تَمُده إليه ثُمّ طالعها وفي داخله كان يرغب بالضحك على فعلتها لكنه كالعادة تحكم في تعبيرات وجهه.
ارتبكت من نظراته إليها ثُمّ أسرعت في سحب الملف نحوها.
ولكي يُنهي هذا الموقف الذي يدعوه للضحك ابتعد عنها وعاد لمِقْعَده.
– اتفضلي على قسمك يا أستاذة “خديجة”.
تحركت “خديجة” لتُغادر الغرفة وقد شعرت أن أنفاسها الحبيسة ستصبح حرة أخيرًا لكنها توقفت ثُمّ استدارت بتوتر إليه.
– أنا شوفت إعلان الوظيفة من صفحة وظايف.
البشمهندسة “ريناد” متعرفش إني كنت هقدم على الوظيفة… هي اتفاجأت من وجودي.
عندما تعلقت عينيّ “خالد” بها… أخفضت عيناها وواصلت بتوتر.
– أنا عرفت إن من سياسة الشركة عدم توظيف الأقارب إلاّ إذا كان الشخص اللي هيتوظف مؤهل لكدة.
لم ينتظر “خالد” أن تواصل كلامها وعاد ينظر إلى سيرتها الذاتية التي عليها صورتها وقال:
– وأنتِ اتوظفتي هنا لأنك مؤهلة لكده يا أستاذة “خديجة”.
رواية وكان لقاؤنا حياة.
بقلم سهام صادق.
الفصل السابع
أَلْقَت “خديجة” نظرة سريعة نحو الملف الذي قامت بترجمته ڪَمَا ڪُلِّفَت.
برضى أغلقت الملف ثُمّ أغمضت عيناها قليلاً لعلها تستطيع طرد ذلك النُعاس الذي يُداعب جفونها فهي قضت الليل بأكمله مُنكبة على ترجمة الأوراق.
– آنسة “خديجة”.
قالتها “عايدة” التي أصبحت أمام مكتبها.
فتحت “خديجة” عيناها وسُرعان ما كانت تنهض من فوق مِقْعَدها.
– مدام “عايدة” ، أنا كنت لسا هطلعلك بالملف.
طالعتها “عايدة” بنظرة خاطفة ثُمّ ابتسمت.
– كنتِ هتطلعي بعد ما تاخدي غفوة سريعة ؟؟
شعرت “خديجة” بالحَرج ثُمّ تعلقت عيناها بالسيد “سامر” الذي طالعها بنظرة ثاقبة.
– أهم حاجة خلصتي الملف يا “خديجة”؟؟
دكتور “خالد” عايزه حالًا.
أسرعت “خديجة” بتحريك رأسها ثُمّ اِلتقطت الملف لتعطيه لها.
تناولت “عايدة” منها الملف ثُمّ فتحته لتتفحص الأوراق المترجمة بنظرة سَريعة.
نظرة راضية اِحتلت عينيّ “عايدة” بعدما وجدت عملها منسق و دقيق.
ابتسمت “عايدة” لها ثُمّ ناولتها الملف قائلة قبل أن تلتف بجسدها وتتحرك من أمامها.
– خمس دقايق وتكوني بالملف في مكتب دكتور “خالد”.
ثُمّ استطردت بنبرة تحمل التحذير.
– خمس دقايق وبس يا “خديجة”.
انصرفت “عايدة” عائدة إلى مكتبها.
نظرت “خديجة” إلى الملف الذي ظنت أنها ستعطيه لسكرتيرة مكتبه ثُمّ تتولى سكرتيرته أمر تسليمه وليست هي.
تحركت بالملف بعدما طردت هاجس الخوف الذي يحتلها من الإختلاط بالغُرباء.
لكن سُرعان ما ضاقت عيناها في حيرة وهي ترى نظرات البعض مُحدقه بها.
لم يكن زملائها بالعمل معتادين على وجود سكرتيرة مكتب الرئيس التنفيذي في قسمهم إلا للضرورة.
لكن أن تأتي من أجل موظفة لم يمر على وجودها سوا عِدة أيام بل وتطلب منها الصعود إلى مكتب الرئيس لأمر يثير إنتباههم.
ارتبكت “خديجة” من نظراتهم التي لم تفهمها ثُمّ أصابها الفزع وهي تسمع صراخ السيد “سامر” بهم.
-كل واحد يشوف شغله بدل ما أبدأ أخصم.
تحركت “خديجة” بخطوات تُشبه الركض نحو الطابق الذي يقبع به غُرفة الرئيس التنفيذي.
حركت السيدة “عايدة” رأسها بيأس من تأخرها.
– كده سبع دقايق يا “خديجة”
أرادت “خديجة” الإعتذار منها لكن “عايدة” أشارت لها بالتحرك نحو غرفة السيد “خالد”.
بتوتر دلفت “خديجة” الغرفة وفور أن إنتبه على وجودها نظر لساعة معصمه بملامح جامدة ثُمّ عاد لمطالعة الأوراق التي أمامه.
دقيقة وراء أخرى حتى مضت عشر دقائق وهي تقف مكانها.
نظرت لساعة معصمها ثُمّ إليه.
كادت أن تصدر نحنحة لعله نسِيَ وجودها فينتبه عليها لكن وجدته أخيرًا يرفع رأسه عن الأوراق التي أمامه قائلًا:
– دي تاني مرة أطلبك فيها وتتأخري، تأخيرك إن دل فهيدل إنكِ شخص مش ملتزم يا أستاذة “خديجة”.
ارتبكت “خديجة” من حديثه ثُمّ أخفضت رأسها.
– أسفه يا فندم مش هتتكرر تاني.
– أتمنى.
قالها بنبرة باردة شعرت بها “خديجة” ثُمّ رفعت رأسها وحاولت تفادي نظراته المترصدة.
إقتربت منه لتعطيه الأوراق التي أمر بترجمتها والنسخة الأخرى المترجمة.
تعلقت نظراته بها بعدما التقط منها الأوراق، فوجدها تتراجع للوراء قليلاً بارتباك.
انتقلت عيناه نحو الورق المترجم الذي نال إستحسانه بسبب تنسيقها للسطور وتوضيح البنود التي وضعها الشُركاء.
رفع “خالد” عيناه عن الأوراق وقبل أن يسلط عيناه عليها وجد “نورسين” تدخل الغرفة.
– “خالد” ، المعمل متأخر في تركيب العينة…
استمرت “نورسين” بالحديث بأمور العمل وعن الإهمال الذي يحدث بالمعمل الذي يُصنع فيه تركيبات الدواء.
شعرت “خديجة” بأن وجودها لا داعي له، فتحركت لتُغادر لكن صوت “خالد” أوقفها وقد أصاب جسدها رجفة من نبرة صوته.
– أنا أمرت إنك تتحركي.
ببطئ وحرج استدارت “خديجة” بجسدها تنظر إليه ثُمّ إلى “نورسين” التي قطبت حاجبيها وهي تُحاول تذكر أين رأتها من قبل.
…
قضمت “خديجة” قطعة من شريحة البيتزا ثُمّ أخرجت تنهيدة مرهقة.
– كنت فاكرة إن الشغل في شركة كبيرة هيكون مريح.
قالتها “خديجة” ثُمّ قضمت قطعة أخرى من شريحة البيتزا.
– كل الشغل متعب، أمتى نكون أصحاب بيزنس.
تمتمت بها “سارة” ثُمّ أسندت خدها على باطن كفها وتساءَلت:
– هو مالك الشركة عمره في التلاتينات؟؟
حركت “خديجة” رأسها دون إهتمام لكن “سارة” كانت مهتمة بالأمر.
– متجوز ولا مش متجوز ؟؟
نظرت إليها “خديجة” ثُمّ أجابت دون أن تنتبه إلى ما ترمي إليه.
– مش عارفه.
– إزاي مش عارفه يا “خديجة” يعني مشوفتيش دبله في ايده.
قطبت “خديجة” حاجبيها في حيرة من أسئله “سارة”.
– وأنا ليه أهتم إذا كان لابس دبلة ولا لاء.. هو أنا رايحة أشتغل ولا أهتم بالكلام الفارغ ده يا “سارة”.
تنهيدة قوية خرجت من “سارة” ثُمّ نظرت إليها بنظرة يائسة.
– يا “خديجة” التفاصيل دي مهمه… ما هو ما دام سنه صغير وأعزب ففي فرصة إنك تلفتي نظره ليكِ.
اتسعت حدقتي “خديجة” في صدمة من آراء “سارة”.
– متبصليش كده.
قالتها “سارة” عندما وجدت “خديجة” تنظر إليها بغرابة.
– ما إحنا مش هنفضل سناجل كده كتير… بقى عمرنا 26 سنه ومافيش حد قالنا كلمة بحبك..
قالت “سارة” كلامها بملامح ممتعضة يتخللها المرح.
– لا اتغيرتي يا “سارة”.
تمتمت بها “خديجة” بمِزاح ارتسم على ملامحها، فرمقتها “سارة” بنظرة شرسة.
– “سارة” يا حبيبتي نظرات صاحب كافية “Soul.Smell” فضحاه يعني ليكِ معجبين.
قطعت “سارة” كلام “خديجة” وبنبرة حانقة تمتمت.
– أهو قولتي نظرات مش أكتر ويمكن أكون أنا اللي بفسر تصرفاته غلط.
شعرت “خديجة” بحزن صدقتها.
فالتقطت يدها تسألها بعدما أدركت أن “سارة” تخفي شىء عليها.
– إيه اللي حصل وضايقك يا “سارة” …
هذه المرة زفرت “سارة” أنفاسها بحزن.
– حماة “نورهان” أختي كانت جيبالي عريس من يومين… رفضني عشان وشي فيه حبوب وإني مافيش فيا أي حاجة تجذب.
اِحتل الغضب ملامح “خديجة” وهي تنظر إليها.
– مين اللي وصلك رد العريس؟؟.
بنبرة حملت الضيق تمتمت “سارة”.
– حماة “نورهان”.
– ست قليلة الذوق لأنها لو كانت تعرف الذوق أو شمت ريحته حتى مكنتش قالتلك الكلام بالنص …
كانت على الأقل قالت مافيش نصيب ده لو كان العريس اللي جابته قال كده فعلاً.
رمقتها “سارة” بشبه ابتسامة، ورغم أن “سارة” تتسم بالروح القتالية التي لا يؤثر بها شىء إلا أنها أحيانًا تتأثر بالكلام الذي تُطعن به أُنوثتها.
– هو إحنا ليه قلبناها دراما تراجيديا يا “خديجة”.
مطت “خديجة” شفتيها بيأس من صديقتها صاحبة المزاج المتقلب.
…
بعد مرور عدة أيام..
آتى اليوم المقرر فيه إمضاء عقود صفقة الأدوية.
توجهت “خديجة” إلى الطابق الذي صعدت إليه من قبل في الوقت المحدد كما تم إبلاغها.
كان متبقي على قدوم الشُركاء الروس خمس دقائق لذلك وجدت غرفة الإجتماعات فارغة إلا من العامل الذي يضع زجاجات المياة ويرتب ما قام بوضعه على الطاولة و إحدى موظفات قسم السكرتارية التي تولت مهمه وضع الأوراق أمام كل مِقْعَد.
اعتدلت الموظفة في وقفتها وفعل العامل مثلها عندما دخل “خالد” الغرفة وجواره “عايدة” سكرتيرته.
اِستدارت بجسدها ناحيتهم لتقوم بتحيتهم لكن وجدت “عايدة” تُركز إهتمامها نحو ما يُخبرها به السيد “خالد” ويُشير عليه بتلك الأوراق التي تمسكها “عايدة”.
رَجُل عملي لڪنه وسيم وصَغير…
كيف وصل لتلك المكانه وهو بهذا العمر ليكون الرئيس التنفيذي لأكبر شَركة أدوية بالوطن العربي.
سؤال لا تعرف لما طرء بعقلها لكن سُرعان ما وجدت الإجابه فهو ابن رجل الأعمال الراحل “رأفت العزيزي” فكيف لا يحصل على هذه المكانة.
غادر هذا الأمر رأسها ثُمّ وجدت عيناها تنصب بتركيز نحو يديه الخالية من دبلة زواج.
اتسعت عيناها بصدمة من وقاحة تفكيرها.
فهل صارت تفكر بتلك الحماقات !!
وفي داخلها أخذت تتمتم.
” أنا إيه اللي بفكر فيه دا ، الله يسامحك يا “سارة” أنتِ السبب…”
نظراته هذه اللحظة كانت منصبه عليها، رؤيته لتلك الإمتعاضات التي اِحتلت وجهها فجأة بعدما كانت تنظر إليه ثُمّ هزها لرأسها وكأنها تُريد طرد شىء من رأسها.
لأول مرة يكون شديد الملاحظة نحو امرأة، شعور جديد عليه لا يُريد أن يعرف له تفسير.
انتبه على ما تخبره به “عايدة” ، فأسرع بإشاحة عيناه عنها.
– الشُركاء في الأسانسير دلوقتي يا فندم.
اليوم لم تشعر بالتوتر مثل المرة الأولى، شعرت بالراحة بعدما انتهى الإجتماع بإمضاء العقود والمُبَاركة من أجل إتمام صفقة الشراكة.
اندهشت “خديجة” بعدما وجدت أحد الشُركاء -وهو المدير التنفيذي للشركة الروسية- يدعوها لتناول العشاء معهم.
كادت أن تتمتم “خديجة” بالإعتذار وإخباره بأن هذا لُطف منه لكن وجدت “خالد” يتولى الأمر ويتحدث مع الشَريك بالإنجليزية -التي يفهمها الشريك الروسى-.
– نحن نقبل دعوتكم وسنكون بالمطعم في تمام الساعة التاسعة.
“التاسعة” !!
هكذا تمتمت “خديجة” بصوت خفيض…
فكيف ستسطيع حضور هذا العشاء وهي لا تملك ثوب أنيق تستطيع الحضور به.
…
اِلتقطت عينيّ “خالد” مكان وقوفها بعدما اتجه نحو المِصعد ليصعد إلى الطابق الذي به مكتبه.
استمر بالنظر إليها وهي تتحدث بالهاتف ومن حركة جسدها أدرك أنها حائرة.
ضاقت عيناه بحيرة وفضول وتحرك نحوها.
الشُرفة الداخلية التي يتمتع بها هذا الطابق كانت بعيدة بعض الشىء عن غرفة الإجتماعات…
هذا الطابق متسم بالهدوء لذلك استطاعت الإختلاء بنفسها.
توقف عن متابعة خُطواته بعدما استمع لنداء أحد الموظفين له.
– مش عارفه هعمل إيه يا “سارة” ، حاولت أعتذر لكن معرفتش.
تنهدت “سارة” ثُمّ استأذنت من إحدى زميلاتها بالعمل أن تهتم بعملها إلى أن تنتهي من مكالمتها.
– أنا هخلص شغلي على 6 إيه رأيك نتقابل ونشتري حاجة تحضري بيها.
– بقولك ميعاد العشاء الساعه 9 ولازم على الأقل أكون موجوده قبلها بربع ساعة.. مش مشكله يا “سارة” أنا هحاول اتصرف.
– تتصرفي إزاي يا “خديجة”، أنتِ هدومك كلها متنسبش عشاء عمل.. لازم تكوني أنيقة يا “خديجة”.
قالتها “سارة” بصوت خفيض وهي تُحاول التفكير معها في حل.
– أنا لو كان مقاسي قريب من مقاسك…
– أنا عارفه يا “سارة”.
تمتمت بها “خديجة” وهي تعلم أن صديقتها لم تكن لتتخلى عنها بإعطائها شىء من ثيابها إذا كانوا متقاربتين في الوزن والطول لكن “سارة” أنحف وأطول منها.
– أنا هشوف “ريناد” يمكن ألاقي حاجه عندها تناسبني… أو أحاول أعتذر من مستر “خالد”.
…..
عادت “خديجة” من عملها في تمام الساعة الخامسة.
بعُجَالة اتجهت لغرفتها تبحث عن شىء يناسبها لترتديه.
بعدما بحثت بين ثيابها التي جميعها قمصان نسائية طويلة وبناطيل واسعة من الچينز وجدت بلوزة من الستان باللون الأزرق.
خرجت أنفاسها بارتياح وهي تحتضن البلوزة.
– فاضل الچيبة والجزمة والشنطة…مش مشكله الشنطة يا “خديجة”… فكري دلوقتي في الچيبة.
استمعت لصوت شقيقتها بعدما عادت هي الأخرى من العمل تهتف بنفاذ صبر.
– في أكل هناكله ولا هنقضيها نواشف… ما “خديجة” هانم خلاص بقت موظفة في شركة وليها مواعيد عمل.
كالعادة لم تهتم السيدة “ثريا” بالرد على صياح ابنتها وأكملت مطالعة شاشة التلفاز.
أسرعت “خديجة” بالخروج من غرفتها، فلم يتبقى الكثير على موعد دعوة العشاء.
رمقتها “ريناد” بنظرة خاطفة ثُمّ اتجهت لخزانة ملابسها لتعليق سترتها.
خزانة “ريناد” كانت ممتلئة بالأثواب الأنيقة التي تناسب كل وقت عكسها.
ليتها تتعلم من هذا الأمر وتهتم بإنتقاء ملابسها لكن من أين تحصل على الثياب ووالدتها تضع على كاهلها قسط البنك -الذي عليها سداده شهريًا- وشراء ما يحتاجه المنزل من أغراض عندما تنتهي والدتها من صرف إيجار شقتهم القديمة والمعاش الشهري البسيط على أغراضها الشخصية …
عكس “ريناد” التي تتفضل عليهم بإعطائهم مبلغ بسيط من راتبها.
انتبهت “خديجة” من شرودها في أفكارها -التي لا تجني شىء- على صوت “ريناد”.
– في حاجه يا “خديجة”.
شعرت “خديجة” بالإرتباك ثُمّ فركت يديها بتوتر.
– “ريناد” ممكن تديني الچيبة السودة اللي جبتيها من فترة ومعجبتكيش لأنها طويلة.
طالعتها “ريناد” بنظرة فاحصة ثُمّ أكملت ﺣـَلّ أزرار قميصها وتساءَلت:
– عايزاها ليه ؟
لم تكن تُدرك أنها عندما تُخبر “ريناد” أنها مدعوة على عشاء عمل -برفقة رئيسهم السيد “خالد”- ستندلع ثورة “ريناد” عليها هڪذا.
– هحضر عشاء عمل مع الشُركاء الروس و دكتور “خالد”.
– بتقولي إيه.
صاحت بها “ريناد” بملامح احتلتها الصدمة والحقد معًا، هي التي تعمل بالشركة منذ ثلاث سنوات لم تسنح لها الفرصه لتكون بقرب رئيسها.
– أكيد أنتِ سمعتي غلط… عشا إيه اللي تحضريه مع دكتور “خالد”.
اِزْدَرَدت “خديجة” لُعابها من هجوم “ريناد” عليها ، فهي كانت تتمنى أن لا يتم دعوتها.
– مدام “عايدة” أكدت عليا مرتين في التليفون.
– كمان سكرتيره دكتور “خالد” بتتواصل معاكِ.
قالتها “ريناد” بتجهم وضيق فهي لا تستوعب ما تسمعه من “خديجة”.
– “ريناد” لازم أكون في المطعم الساعه 9 وأنا مش معايا غير البلوزة…
أرجوكِ يا “ريناد” سلفيني الچيبة وصدقيني مش هعمل فيها زي ما عملت في الفستان.
ومجرد ما أخد مرتبي هنزل اشتري ليا كام طقم شيك.
– وهتنزلي تشتري ليه وأنتِ مجرد شهور وهتنتهي مدة توظيفك في الشركة.
كانت تعلم أن شقيقتها تحب التقليل من أي إنجاز أو خُطوة تحصل عليها.
ابتسمت “خديجة” ابتسامة مصطعنه أخفت خلفها حزنها ولكي تجعلها تشعر أنها لا شىء مقارنةً بها -كما تفعل والدتهم دائماً-.
– عندك حق يا “ريناد” مجرد شهور وينتهي توظيفي بالشركة…
أنا عايزة بس أثبت نفسي في الكام شهر دول عشان شهادة الخبرة.
ده غير إني محبتش الشغل في الشركة وعايزه الأيام تعدي بسرعه.
شعرت “ريناد” بالرضى التام عندما وجدت “خديجة” تعرف مقدارها أمامها وحاجتها إليها.
اتجهت “ريناد” لخزانتها وأخرجت لها التنورة السوداء بل وأعطتها حذاء وحقيبة دون أن تطلبهم “خديجة” منها.
– خليكِ واثقة من نفسك قدامهم.
ابتسمت “خديجة” من قلبها وهي تستمع إلي نصيحة شقيقتها لكن سُرعان ما اختفت ابتسامتها عندما واصلت “ريناد” كلامها.
– وبلاش تاكلي قدامهم لأحسن أنا عارفاكي مبتعرفيش تاكلي بإتيكيت.
……
نظرت إلى الوقت بهاتفها ثُمّ نظرت للطريق، إنها تخشى التأخر كعادتها…
فهذه المرة سيتأكد رئيسها أنها لا تحترم مواعيدها.
– من فضلك ممكن تزود السرعه شويه.
تمتمت بها “خديجة” ؛ فاستجاب السائق لها.
نظرت مرة أخرى للطريق ليبدأ هاتفها بالرنين.
نظرت للرقم الذي يظهر على شاشة هاتفها، فهو ليس من ضمن قائمة جهات الإتصال لديها.
أجابت على الفور ظنًا منها أنه رقم آخر لمدام “عايدة”.
– مساء الخير، أستاذة “خديجة”.
ضاقت عيناها وهي تستمع للصوت الرجولي الخشن.
– أستاذه “خديجة” أنتِ سمعاني… أنا “خالد العزيزي”.
إنه صوته، هي لا تستوعب أن صاحب العمل يُهاتفها بنفسه.
ردت على الفور لكن نبرة صوتها خرجت متعلثمة..
– دكتور “خالد”، هو في حاجة حصلت… العشا إتلغى.
ابتسم “خالد” وهو ينظر للطريق أمامه.
فهو يعلم أن أكثر شىء كانت تتمناه اليوم أن يتم إلغاء عشاء العمل أو إعفائها منه.
– لا يا أستاذة “خديجة” مافيش حاجة اتلغت..
ثُمّ تمتم بلطف لا يستخدمه بالعمل أو مع موظفينه.
– أنا عارف إن كان نفسك يتلغي.
ارتبكت “خديجة” من كلامه ثُمّ أخفضت عيناها بخجل وكأنه يراها.
– أنا كنت عايز اتأكد هل أنتِ على الطريق… مش عايز تأخير المرادي.
ظنت أن كلامه هذه المرة يقوله بجديه لكنه كان يتحدث وابتسامته تشق ثغره.
– لا يا فندم أنا على الطريق، خمس دقايق وأكون بالمطعم.
بعد خمس دقائق
وقفت سيارة الأجرة التي تستقلها أمام المطعم .
ترجلت “خديجة” منها بعدما أعطت السائق أجرته.
نظرت لواجهة المطعم الذي تعلم موقعه تمامًا لكنها لم تُفكر بالدخول إليه يومًا، فالطعام لديهم مُكلف للغاية وفاتورتهم مرتفعة.
توقف “خالد” بسيارته ثم صفها بمكان خالي.
ترجل من سيارته ثُمّ قام بهندمت لياقة قميصه وجاكت بذلته.
عيناه تعلقت بها بعدما تعرف عليها، إقترب منها وقد عاد الشعور الذي يشعر به كُلما وقعت عيناه عليها…
بها شىء يجذبه لها لكن لا يستطيع معرفته.
– “خـديـجـة”.
خرجت أحرف اسمها من بين شفتيه دون أن ينتبه أنه تلاشي الرسميات في نطقه لاسمها.
بابتسامة لطيفة استدارت له وفي داخله تمنى ألاّ تبتسم له.
••••••••••••••