الفصل الأول ( أشواك) غارقة بأحلامها الوردية، لم تشعر به ما أن استيقظ من جوارها كي يعد نفسه للعمل، فهذا اول يوم عمل له بعد أجازة طويلة لأجل زفافها بمحبوبته ( ندى)، تبسم في حب وهو يتطلع لها، فهي كانت حُلمًا صعب لأجل الوصول إليها، والآن قد حقق هذا الحُلم وأصبحت بجواره لا بل تسكن فؤاده، أنهى غلق أخر زر بقميصه واستمع لصوت الباب يدق، غادر الغرفة سريعًا وما أن فتح الباب حتى وجد والدته تتبسم له بحب قائلة: _ صباح الخير على ابني حبيبي. مدت حسن يده يمسك بكفها ويقبله بحب، لتربت حسناء على ظهره في رضا قائلة: _ ربنا يرضى عنك يا حسن. ثم اضافت وهي تصك على اسنانها: _ مراتك فين؟! ابتسم حسن في هدوء يجيبها بنبرة هادئة: _ نايمة. رفعت حسناء حاجبها في غيظ قائلة: _ نعم! هي أزاي نايمة؟ هي مش عارفة انك وراك شغل ولزمًا تقوم عشان تجهز حاجتك؟ حرك رأسه نافيًا، ثم اجابها سريعًا: _ لا يا أمي، هي جهزت الحاجة من بليل حتى الفطار بتاعي عملته وهاخده وامشي للشغل. عوجت فمها في تهكم تتمتم سخط: _ كمان هتأكلك أكل بايت من أولها. تنهد حسن ثم أمسك بيد والدته، ينظر لها في رجاء قائلًا: _ عشان خاطري يا أمي ندى اعتبريها بنتك.. مش أنتِ نفسك في بنت.. اعتبري ندى بنتك وهي طيبة... أنا بحبكم أنتم الاتنين انت امي وهي مراتي. زفرت حسناء في استسلام ثم اردفت: _ طيب يا حسن، هدخل اصحيها عشان تقعد معانا تحت. ابتسم لها ثم غادر الشقة، بينما دلفت حسناء للغرفة، ولكن علا شفتيها بسمة ساخطة وهي ترى ندى لا تزال مستغرقة بالنوم، تقدمت منها تمد يدها لتحركها قائلة: _ ندى.. يا بنتي... قومي دا إحنا دخلين على الضهر وأنت لسه بتشخري. نهضت ندى في تكاسل، تمسح على وجهها لعلها تزيل أثر هذا النوم، ثم أردفت بصوتٍ متحشرج: _ مش بشخيي ( بشخر) يا ماما، بس المنبه مينش ( مرنش) ياحت (راحت) عليا نومة. حدقت بها قليلًا، ثم قالت حاولت أن تتماسك قليلًا كي لا تنفلت تلك الضحكة: _ مينش.. طب قومي ربنا يهديكِ غيري وتعالي معانا تحت. :_ حاضي ( حاضر) قالتها وهي تنهض، بينما غادرت حسناء نحو شقتها الموجودة بنفس الدور، اخذت حمامًا سريعًا، ثم أرتدت ملابس اكثر تحشمًا، وغادرت نحو حماتها، كي يعدون الغداء، فهي قد قررت أن تقوم بغداء جماعي مع ولديها الأثنان. طرقت ندى الباب ببعض الهدوء، وما أن فُتح حتى قابلت بسمة ساخطة على وجه زوجة أخا حسن ( رجاء) تردف بنيرة متهكمة: _ ابقى خبطي عدل يا حبيبتي... عشان لولا معدية من جنب الباب مكنش سمعنا. تعجبت ندى من طريقتها، ولكن ايقنت أنها سأخذ وقتًا حتى تكسب الجميع، منحتها بسمة هادئة تتمتم في وِد: _ حاضي. ضحكة ساخر اندفعت من فم رجاء قائلة: _ حاضي.. ادخلي ادخلي عرفت حسن حبك ليه. ازدردت لعابها، وحاولت بلع سخريتها التي كانت مثل جمر تلهب صدرها، دلفت للداخل بخطواتٍ تحمل الحرج، ولكن استمعت لصوت حسناء تتمتم بنيرة عالية: _ تعالي يا ندى عشان تجهزي أكل جوزك.. هو بيحب الورق العنب وجنبه دبوس الفرخة. تحركت ندى في عجلة، في حين أغلقت رجاء الباب في ضيق قائلة في غيظ: _ والله لوريكِ النجوم في عز الضهر يا بتاعت حاضي. ابتسمت في خبث ما أن حضرت لها فكرة، ثم انطلقت نحو المطبخ حتى وجدت ندى تقف امام الإناء ( حلة) التي توضع بها الدجاج كي يطيب، ابتسمت بمكرٍ شديد فقد نجح نصف خطتها، دلفت نحو الداخل هدوء تنظر نحو ندى التي تواليها ظهرها بحقدٍ بات ظاهرًا بحدقتيها، دفعتها بقوة نحو الاناء الساخن ليسقط بعيدًا عنها ولكن وقعت بعض قطرات الحساء على يدها وقدمها، صرخت ندى في عنف، بينما شهقت رجاء ثم وقعت على الأرض، تردد في ألم مزيف: _ آه يارجلي.. آه على وجعك يا رجاء. أتت حسناء تهروال لهن، وما أن رأت رجاء تصرخ من الألم، وندى تبكي على قدمها ويدها المحروقتان، حتى قالت في حسرة: _ ياخبتك يا حسناء في مرتات عيالك الاتنين. انطلقت تحضر كيسًا من الثلج تعطيه لرجاء، ثم اسرعت نحو الدقيق واحضرته كي تضعه على يد ندى وقدمها قائلة بنيرة ساخطة: _ أول يوم ليكِ معانا وروحتي بهدلتي الدنيا والمفروض الأكل يجهز.. احمدي ربنا إن لسه في وقت نحضر ونلم القرف اللي حصل. تطلعت لها ندى في حزن، تذرف الدموع من الآلام باتت تحلق فوق رأسها، بدأت حسناء بإعداد الطعام كله، في حين غادرت رجاء المطبخ وهي تشعر بالانتصار، استطعت أن تخسر ندى هذا الموقف، وجلست بالردهة دون أن تعد الطعام، همست في نفسها بنبرة حاقدة: _ تستاهلي يا ندى.. أحلى حاجة حصلت من قعدتي مع الست دي إني عمل الغدا.. وهي واثقة إني مش هعمل البهدلة دي. ********* :_ نورت يا عريــــــــس. قالها أحد اصدقاء حسن، لتصدع ضحكة رجولية ما أن انتهت هذه الجملة، تقدم حشن يحتضن صديقه في ودٍ، يتمتم بنبرة سعيدة: _ وحشني أوي يا محمد. ابتسم محمد يربت على ضهره قائلًا وهو يتطلع لمعالم وجه صديقه: _ وأنت يا حسن... عامل ايه؟ والجواز عامل ايه معاك؟ بقى اسافر يابن اللذينة وارجع القيك متجوز! ضحك حسن وهو يضع يده خلف رأسه، يجيبه في حب يحمل بطياته الحب: _ والله يا محمد الموضوع جه بسرعة، أنا شقتي كانت جاهزة وهي مامتها جهزتها، قاعدنا سنة خطوبة وبعدها عملنا كتب الكتاب والفرح. حرك رأسه في ايجابية، ثم غمز بعينيه متسائلًا: _ لا بس الواضح إنها قصة حب؟! حملت شفتيه تلك البسمة الممزوجة بالحب، يرد بايجابية: _ بص مش بالمعني، اللي حصل إنها كانت شغالة هنا، وأنا ماشي خبطها بالغلط فقولت مش تخلي بالك، لقيتها ردت عليا وبتقولي يعني كمان أعمى بصي ( بصر) وبصيية (بصيرة)، فضلت متنح شوية ووقعت على نفسي من الضحك من طريقتها وهي متعصبة وبتزعق باللدغة كده كانت عسل، بس طبعًا هي زعلت مني إني بضحك على اللدغة بتاعتها وقالت بزعل: _ يبنا ( ربنا) يسامحك، هي سبتني ومشيت وأنا الصراحة ندمت وروحت عشان اعتذر ليها وهي قبلت الاعتذر ومن هنا بدأت اسأل عليها كتير ووحاولت اتكلم معاها بس هي بترفض، ولسوء حظي إن هي في قسم ال HR وانا فني فمكناش بنتقابل كتير.. فقولت ادخل البيت من بابه واتقدم... وهي دي القصة كلها يا سيدي. منحه ابتسم ثم اردف في رضا: _ ربنا يوفقك في حياتك يا حسن، أنت تستحق كل خير. نهض حسن يحمل متعلقاته، قائلًا: _ تسلم يا محمد، عايز حاجة؟! :_ لا سلام يا غالي. غادر حسن سريعًا بعد أن أخذ أذن من مديره بالمغادرة مبكرًا، ولكنه قرر الذهاب لمحل خاص ببيع الحلوى ليشتري بعض الحلوى لزوجته، ثم انطلق لمكانٍ ما يناظر به هذا المندوب كي يأخذ منه هدية التي احضرها لندى. *********** ذهبت ندى نحو شقتها لتبدل ملابسها وما أن انتهت حتى خرجت للردهة شقتها ولكن كانت الدموع تنساب على وجهها بغزارة، أمسكت بهاتفها بيدٍ مرتعشة ثم هاتفت والدتها، وما أن اجابتها حتى قالت: _ وحشتني أوي يا ماما. :_ وأنتِ كمان يا حبيبتي، بس مال صوتك؟! اجابتها ندى بحزنٍ: _ دخل المطبخ عشان أعمل الغدا لأنه غدا جماعي، بس حلة الشويبة ( الشوربة) وقعت، وطنط حسناء اتييقت ( اتريقت) عليا وقالتلي أول يوم ليا وبهدلت الدنيا. :_ طيب يا حبيبتي طبيعي تقول كده، إذا كان أول مرة دخلتي عندي المطبخ ووقعتي الحِلل، زعقت فيكي وقولت أنتِ مش نافعة في حاجة تانية، بصي يا ندى هقولك كلمتين تحطيهم حلقة في ودنك، حماتك مهما عملت متزعليش منها، ابنها بعد ما كان ليها لوحدها بقى في واحدة تانية في حياته، كبر واسم الله عليه بقى زينة الشباب قدام عينيها ، فطبيعي هيبقى رد فعلها مش حلو حبتين، هي بس لحد ما تاخد عليكي وتعرف إنك بنت كويسة ومريحة ابنها وقتها هتلاقيها بتعاملك بوِد، وحماتك الحمدلله مش وحشة بتعمل بالأصوال وولاد الأصوال عمرهم ما بيعملوا حاجة وحشة في حد، هتعرفي كلامي دا لما يبقى ليكِ ابن ويتجوز. مسحت ندى دموعها تتمتم بنبرة هادئة: _ حاضي ( حاضر) يا ماما. :_ يا خراشي على حاضي دي. ضحكت ندى على كلمات والدتها فهي تعلم أنها تعشق كلماتها التي بها تلك اللدغة، أغلقت معها وهي تزعم على كسب رضا حماتها. ************* حركت رجاء رأسها وهي تفكر بشيءٍ ما، تبتسم بمكرٍ وهي تتمتم بنبرة خبيثة: _ أحلى حاجة فيكي يا ندى إنك بتجبيلي المصايب كده على طبق من دهب عشان احدفها في وشك يكش نخلص منك. :_ هو أنتِ مش ناوية تبطلي العادة السودا دي. قالها أخو حسن ( وليد) وهو يسعد السُلم، بينما استدارت رجاء وهي في توتر قائلة بنبرة ماكرة تحمل كيد النساء: _ أبدًا يا وليد... دا حلة الشوربة وقعت عليها وروحت اطمن لقيتها بتعيط وبعدها بتضحك فقولت خلاص مش ضروري اخبط. :_ طب حصل ليها حاجة؟! قالها في قلقٍ، بينما رفعت رجاء حاجبها في غيظ قائلة بنبرة حقد: _ نعم! وأنتِ خايف عليها ليه أن شاء الله؟! نظر لها في دهشة، يجيب : _ نعم أنتِ بتقولي ايه؟! واحدة لسه جاية أول يوم عندنا بعد الفرح وجوزها لسه سايبها أول يوم شغل وأمانة عندنا كمان وتقولولي خايف عليها ليه.. خايف نتسأل ونروح في داهية. :_ كويسة يا ابو قلب حنين. قالتها في تهكم، في حين حرك وليد رأسه في يأسٍ منها ثم قرر أن يمر على والدته قبل أن يصعد نحو شقته، سدعو لزوجته بالهداية. أتي الغروب وأصبح هذا اللون الأحمر القاني يغمر الأرض، يزيل تلك اللحظة الحزينة، تنسدل معه لحظات من الهدوء والس\كينة، صعد حسن أعلى الدرج وهو يتطلع نحو الحقيبة في سعادة يتمتم بنبرة متحمسة: _ أكيد ندى هتفرح بيها. اخرج مفتاح شقته ثم فتح الباب وأسرع بالدخول ينادي: _ ندى.. ندى أنتِ فين يا حبيبتي؟! فتح باب الغرفة بعد أن بحث عنها بأرجاء الشقة ليجدها تجلس على الأؤض تبكي بشدة، صُدم من شكلها لما تنكمش على نفسها هكذا وما الذي حدث بغيابه، كلها أسئلة دارت بعقله ولم يجد لها اجابة، فذلك المشهد ألم قلبه وبشدة! الفصل الثانٍ ( دموعك أغلى مِمَّن تسبب بها.) ترك ما بيده سريعًا، ثم هروال نحوها يجثو على ركبتيه قائلًا في قلق ممسكًا بيدها: _ أنتِ كويسة يا ندى؟ حصل إيه؟ نظرت له بأعينٍ فاضت منها الدموع تجيبه في حزن: _ كنت واقفة في البلكونة عادي بتفيج ( بتفرج) على الشايع (الشارع) ومستنياك، لحد ما سمعت صوت صريخ من البلكونة اللي قدمنا وياجل (راجل) عامل يضيب (يضرب) في الست اللي معاه جامد. صدع صوت ضحكته، ثم مد يده يزيل دموعها برقةٍ شديدة، يمسك يدها يساعدها على النهوض ثم تقدم بها نحو الفراش، حتى جلسا سويًا يجيبها وهو يحيطها بذراعه: _ اليجل ( الرجل) اللي بيضيب ( بيضرب) الست دي.. يبقى جوزها وقبل ما تقوليلي مينفعش كذا مرة الناس تتدخل بينهم بس الست دي تقف في وشهم وتقول جوزي ويعمل اللي عايزه ومحدش يدخل ما بينا.. فمن ساعتها محدش بيدخل هي تصوت مهما تصوت محدش بيدخل. رفعت رأسها المسنودة على صدره تتطلع نحوه في براءة، متمتمة في هدوء: _ بس كده هي عندها متلازمة الستوكهولم. قطب حسن جبينه بعدم فهم، يتسأل في تعجب: _ متلازمة ستوهم. انفلتت ضحكة عالية من ندى ما أن استمعت لحديثه، في حين نظر لها حسن في غيظ قائلًا: _ طب اشرحي يا علامة. وضعت ندى يدها على فمها تحاول كبح ضحكتها ولكنها لم تستطع وغادت تضحك من جديد حتى تلونت وجنتيها بالحُمرة، تحولت نظراته، قظل يتأملها وهي تضحك حتى قال بنبرة هامسة داعبت قلبها: _ سبحان الله ربنا خلق حواء ضعيفه وفي ضعفها دا قوة، بمجرد ما شوفتك بتعيطي كان قلبي هيتخلع من مكانه وكنت هتجنن في لحظة.. ودلوقتي ضحكتك الصغيرة دي كملت يومي.. تعلقت عيناها بحدقتيه، ثم اردفت بنبر خجولة: _ طب قولي خاطية (خاطرة) اختم بيها يومي.. ضحك في خفة، ثم تمتم في همس يمسح على رأسها: _ وكأنك هلال في السماء وكانت ضحكتك هي الكمال فأصبحتي بدرًا في سمائي. أشرقت بسمة صغيرة على شفتيها، في حين أكمل حسن وهو يضع يده خلف رأسه متمتمًا: _ مش هتقولي ايه متلازمة ستوهم. ضحكت ندى على حديثه، ثم اجابته بنبرة مغرورة: _ من واقع تخصصي كا أخصائية نفسية متلازمة الستوكهولم هي أن الشخص الضحية بيتعاطف مع اللي العدو أو الشخص اللي اتسبب في أذى الضحية دي.. بمعني اوضح أن الست دي على اليغم ( الرغم) من ضيب ( ضرب) جوزها ليها إلا أنها متعاطفة معاه جدًا.. وشايفة إنها متقديش(متقدرش) تضحي بيها وأنها هتتحمل اللي بيعمله فيها عادي. :_ اممم طب وايه السبب اللي يخليها تعمل كده؟! قالها حسن في استفهام، لتجيبه ندى في عملية: _ بترجع لكذا سبب منها أنه الشخص الوحيد اللي بيديها احتياجاتها أن الشخص اللي بيضيبها ( بيضربها) أنها في خطي ( خطر) وهو الوحيد اللي بيحميها هي ليها اسباب كتير بتوضح لما بنقعد مع العميل... أنت تعرف أن المتلازمة دي كانت موجودة في القبائل زمان ومنتشية ( منتشرة) أوي لأن كان بيبقى في خطف كتيي ( كتير) والبنت اللي بيخطفوها كانت بتبقى وافية اوي للقبيلة اللي خطفتها لأنها عايفة( عارفة) إنها مش هتيجع ( هترجع) تاني بس كده فاخدت الموضوع بسلبية أوي وفي اوقات بيجلها فرص تهرب وبترفض تهرب لاعتقدها أنهم الاقوى وبيحموها. حرك حسن رأسه في ايجابية، ثم عوج فمه قائلًا: _ لا دي كده واطية. نظرت له في ذهول متمتمة بغيظٍ: _ نعم! واطية ايه بقولك متلازمة الستوكهولم تقولي واطية. :_ معاكي حق مش واطية دي خيانة والندالة بتجري في دماها ماهي باعت القبيلة بتاعتها و بتجلها فرص تهرب ومتهربش.. تبقى خاينة وأنتِ يا حبيبتي عبيطة كمان. مسحت ندى على وجهها في نفذ صبر قائلة بنبرة متغاظة: _ بس يا حسن بس أنت بوظت المتلازمة مرة تقولي ستوهم ومرة تقولي على الضحية واطية وخاينة وأنا عبيطة.. أنا غلطانة إني شرحت من الأول.. يلا نقوم زمان ماما مستنية. كبح ضحكته ثم نهض معاها نحو الخارج ولكن لاحظت ندى حقيبة مملؤة بالحلوة وبجوارها حقيبة هداية، نظرت نحو الحقيبة ثم عادت بنظرها نحو حسن قائلة في تعجب: _ لمين الحاجة دي؟! :_ اتصدقي إني غلطان.. أنا هروح اقول لأمي تدور على عروسة جديدة تفهمني و.. آآآه يا مجنونة. حاول ابعد ندى وهي تعض ذراعه في عنف، وما ان ابعدها حتى أردفت بنبرة شرسة: _ لا بقولك ايه أنت ليا انا وبس ولو شوفت عينك بتبص يمين ولا شمال هعضك تاني... أنا كيودية ( كرودية). مسح حسن مكان عضتها ثم غمغم في سخط: _ أنا اللي كيودية يا ندي.. كنت جايبلك الحاجة دي عشان شوفتك نفسك فيها بس اقول عليكي ايه كشفت شعري ودعيت عليكي يا شيخة بوظتي اللحظة الرومانسية اللي برسمها من ساعة ما صحيت. رمشت بحدقتيها عدة مرات في براءة مزيفة، ثم هروالت نحو الحقائب قائلة وهي تمسكها وكأنها كنز تخشى أن تفقده: _ شكيًا ( شكرًا). نظر لها متحسرًا على تلك اللحظة التي تدمرت ثم سار وهو يسب في الزواج وأن الواقع ليس كما بالخيال. ******** جلس الجميع بالردهة يحتسون الشاي بعد غداء ملئية بما يحبونه، هتف حسن في امتنان: _ شكرًا يا أمي على الأكل اللي دخل القلب دا. منحته نظرة رضا، فتابعه وليد يتمتم بنفس الكلمات لتعطيه حسناء نفس نظرة الرضا، ثم تطلعت نحو ندى قائلة بنبرة هادئة: _ تعالي معايا نروح نقطع الحلو. حركت ندى رأسها في ايجابية تنهض معها تتجه نحو المطبخ وما أن دلف له الأثنتان حتى قالت حسناء بنبرة تهكم: _ لسه أول يوم ليكِ واشتكتي لوالدتك علينا. ازدردت لعابه في توتر، يدور في ذهنها سؤالٍ واحد كيف علمت؟، اكملت حسناء بنبرة محذرة: _ بصي يا بنت الناس أنتِ دخلتي بيتك وليكِ جوزك وحياة تانية غير حياتك مع والدتك واخواتك... يعني إن حد يضايقك فتروحي تشتكي لوالدتك كل شوية يبقى كده عمرك ما هتكملي في الجواز ولا فأي حاجة.. لزمًا تعتمدي على نفسك شوية... أنتِ وحسن شايلين مسؤولة ولما تخلفي ويبقى عندك عيال المسرولية هتكبر وهتزيد... فشيلي مسؤولية من دلوقت عشان اللي بتعمليه غلط.. أنا حذرتك وكلمت بيني وبينك المرة الجاية حسن لو عرف هيقلب الدنيا لأن كده أنتِ ظاهره إنه مش قادر يحميكي ولا يشيل عنك. امتلأت حدقتيها بالدموع، تحرك رأسها بالنفي تحاول الدفاع عن نفسها ولكن اوقفتها حسناء باشارة صغيرة قائلة في هدوء يحمل بطياته التحذير: _ أنا حذرتك لأجل مصلحتك.. عايزة تاخدي بالنصيحة ماشي.. مش عايزة أنتِ حرة. :_ حاضي ( حاضر) يا ماما. قالتها ندى وهي تتطلع للأسفل في حزنٍ، نظرت لها قليلًا وهي تحاول كبح تلك الابتسامة من الظهور، مدت يدها تربت على كتفاها متمتمة: _ طب يلا نحط الكيك ليهم عشان محدش ياخد باله و اغسلي وشك لحسن يقول كنت بعضك جوا. ضحكت ندى وسط دموعها، في حين ابتسمت لها حسناء في هدوء ما أن رأت تلك الضحكة الصغيرة، فهي لا تحب أن تسبب حزنًا لأحد، وبكن هما أولادها ولا تريد سوى سعادتهما. خرجت حسناء وخلفها ندى تحمل الاطباق، تتطلع نحو حسن الذي يضحك بشدة مع أخيه، ورجاء التي تبنسم من حين لأخر، حتى جلست جواره لتهتف في تعجب: _ بتضحك على ايه؟! اجابها في ضحك: _ على متلازمة ستوهم والست اللي قاعدة تعيطي عليها. تتطلعت نحوه في غيظ ثم غمغمت في ضيق: _ على فكرة اسمها متلازمة ستوكهولم والمفروض هقعد ما الست دي واتكلم معاها عشان تعرف أن اللي هي فيه غلط مش صح. اختفت ضحكت حسن سريعًا ثم نظر لها في تحذير قائلًا بنبرة جادة لا تحمل أي نوعٍ من النقاش: _ ندى.. متروحيش عند الست دي ولا تقربي منها.. ملكيش دعوة بالموضوع فاهمة. تعجبت من نظراته الحادة..الجادة التي تراها لأول مرة بحياتها، حاولت الحديث معه ولكن اوقفها قائلًا وهو يضغط على حروف تلك الكلمة: _ فاهمة؟ تنهدت في ضيق، ثم اجابته وهي تعزم على فتح هذا الموضوع مجددًا: _ فاهمة. تنهد حسن في ارتياح، في حين لم يلاحظ أحد تلك النظرات الخبيثة التي ملأت عين أحدهم، وترغب في إذاء من حولها. فأنت يا عزيز تجلس بأمان ولكن لا تشعر بمن يريد بخ سُمه فجأة، لتضييع حياتك خلف أسوار من الألم.. الصراع.. الحزن، وتبقى مكانك تحاول فهم سؤالًا واحد: لِمَ.. لِمَ تريدون بيّ الأذى وأنا لم أفعل شيئًا بكم؟! ******* صباحًا.. أمسكت ندى بحافظة الطعام، تضعها بالحقيبة الخاصة بزوجها، ثم توجهت نحو تعطيه إياها، ثم مدت يدها بها، في حين لاحظ حسن صمتها ليزفر قائلًا: _ مالك يا ندى؟ تطلعت نحوه في توتر ثم قالت بنبرة متوجسة: _ هو بس عايزة اتكلم في موضوع ومش عارفة أنت هتتقبله ولا لأ؟ قطب جبينه في تعجب، في حين أكملت ندى مزدردة لعابه: _ يعني الست اللي في وشنا دي مينفعش حتى اتفاهم معاها شوية واساعدها. حدق بها قليلًا، ثم تبسم في هدوء قائلًا وهو يمد يده يمسح على خصلات شعرها: _ يا ندى إحنا هنا عايشين في حالنا.. وزي ما قولتلك الست دي مش بتكبر حد خالص.. وثم افرض حصل حاجة وساعتها قالت اسمك لجوزها وهو حاول يأذيكي بأي شكل وأنا مش موجود أو وليد.. ممكن تعرضي أهل البيت كله لأذى... فاهمني عشان كده قولتلك لاء بلاش لو واثق أنها هتتعالج وجوزها مش هيأذي كنت روحت أنا بنفسي واتكلمت مع جوزها. حركت رأسها بايجابية ولكن الحزن يملأ حدقتيها، في حين قبّل حسن جبينها متمتمًا في سرعة: _ ألحق امشي بقى عشان النهاردة هنلف على المواقع كلها ونعملها صيانة واحتمال ابات في الشغل كمان. عبست ملامحها قليلًا، ولكنها سرعان ما تذكرت نصيحة والدتها لها بألا تزيد العبوس والحزن بوجه زوجها، لتهتف ببسمة يعتريها الحب: _ ترجعلي بألف سلامة يارب. بادلها الابتسامة ثم غادر من الشقة، في حين اسرعت ندى بتغيير ملابسها والذهاب نحو شقة حسناء، كي تبقى معاها ولا تظل وحيدة بالشقة، ولكن استمعت لصوت صراخ تلك المرأة من جديد، لتغمض حدقتيها في حزنٍ قائلة: _ نفسي اساعدك بجد.. بس مش بايدي حاجة. غادرت شقتها وقررت عدم دخولها إلا بلحظات النوم حتى لا تستمع لصوت تلك السيدة. ******** :_ بقولك يا رجاء أنا خارجة اشتري شوية خضار لسوق خليكي مع ندى عشان متبقاش لوحده في البيت. قالتها حسناء وهي تحمل العربة الخاص بحمل متعلقات السوق، في حين حركت رجاء رأسها في ايجابية تتمتم بنبرة هادئة مزيفة: _ حاضر يا ماما عيني ليكِ. ابتسمت لها حسناء في رضا، تهتف في ودٍ: _ ربنا يرضا عنك يا حبيبتي.. عقبال لما التانية تتعلم منك. قالتها وهي تتطلع نحو ندى، التي سرعان ما فهمت ما تقصده عندما حاولت مناقشتها بأي شيء. جلست ندى بالردهة تحتسي الشاي، في حين وجدتها رجاء فرصة سانحة لن تتكرر مجددًا، هتفت في خبث خفي: _ أنا صعبان عليا الولية جارتنا دي الست عنايات. انتبهت لحديثها سريعًا ما أن تعلق الموضوع بتلك السيدة، لتكمل رجاء في مكرٍ: _ عارفة غلبت معاها كل ما اكلمها واقولها مينفعش يا حبيبتي مينفعش اللي بيحصل دا ازاي يمد ايه عليكي! وهي مش بتسمع الكلام. سألتها في اهتمام: _ هو أنتِ بتروحي ليها عادي؟! تتطلعت نحوها في مكر، تجيبها بكذبٍ: _ هقولك بس متقوليش لحد.. آه بروح ليها اطمن عليها واكسب ثوابها بدل ما جوزها نازل عجن فيها كده.. ايه رأيك نروح نطمن عليها قبل ما الكل يرجع؟! توترت ندى بشدة، وحركت رأسها في نفي، في حين اسرعت رجاء تتمتم بنظراتٍ مستعطفة: _ ليه بس؟ الست الغلبانة دي كل يوم اسمع صوتها بتصرخ.. دا أنا لسه سامعة صوتها.. مش يمكن يجعل في ايدك أنتِ الشفا وتسمع كلام وتسيب جوزها دا.. تعالي وأنا هأمن الطريق برة ولما حد يجي هقوله إنك تعبتي ونزلنا نكشف ونقيس الضغط في الصيدلية. نظرت لها ندى في حيرة، بينما نهضت رجاء قائلة وهي تسحب يدها: _ تعالي تعالي أنتِ لبسه الاسدال وهي في البيت اللي في وشنا يعني مش هنحتاج حاجة تعالي. ذهبت رجاء مع ندى نحو منزل تلك السيدة وبالفعل استقبلتهم عنايات بلطفٍ شديد، ثم بدأت ندى بالحديث معاها في حذرٍ، بينما وقفت رجاء امام باب الشقة تبتسم بمكرٍ شديد تنتظر حماتها أن تأتي حتى تخبرها بأن ندى هي من اخبرتها أن يأتيان، ولكن وجدت زوج عنايات يصعد السُلم لتجحظ عيناها في توتر، ولكن سرعان ما اختلقت كذبة جديدة، لتسرع على السلم قائلة بنهج: _ يا استاذ ياسر.. استاذ ياسر.. نظر لها في دهشة من نزولها للأسفل، في حين وقفت رجاء تتمتم بنبرة خبيثة: _ ألحق يا استاذ ياسر مراتك نازلة شكوة لسلفتي ومش عايزة تسيبها واحذرها أن دي اسرار بيت مش عايزة تسكت. تلون وجهه بحُمرة الغضب، يصعد نحو الشقة في سرعة توحي بأن هناك كارثة قد تحدث، وبالفعل ما أن اقتحم الشقة حتى صرخت زوجته من الخوف، في حين وقفت ندى ترتجف بخوفٍ من ملامحه التي تنذر بالشر، وبالفعل أمسك ياسر بشعر عنايات يكيلها باللكمات العنيفة، حاولت عنايات الدفاع عن نفسها ولكنها لم تستطع، في حين تراجعت ندى برعبٍ من هذا المشهد المخيف، افلتت عنايات منه واسرعت خلف ندى ليمسك ياسر فازة زجاجية كي يلقيها عليها ولكن تهشمت على رأس ندى التي صرخت بعنفٍ من شدة الألم الذي أصابها... الفصل الثالث ( أريد دفء احضانك) صوت سيارة الأسعاف كان يعلو بالشارع، تسير بالشارع وهي قاطبة جبينها في تعجب لمن تلك السيارة، حتى وقفت امام منزلها وقبل أن تدلف هتفت احد السيدات اللاتي تقفن: _ الحقي يا ست حسناء مرات ابنك الجديدة اللي ما يتسمى ياسر كشر الفازة عليها وعاملة تنزف وجابلها الاسعاف. جحظت عينيها في صدمة، وسرعان ما تركت ما بيدها تتحرك نحو السيارة التي بالفعل وضعت ندى بها كادت أن تصعد ولكن منعها أحد رجال الاسعاف لتردف سريعًا: _ أنا أمها يا بني سبني اطلع اطمن عليها! تركها تصعد معهم، في حين امسكت رجاء بهاتفها تتمتم وهي ترى السيارة تبتعد: _ الو يا ماما.. كنت عايزة الراجل يفضحك ندى إنها داخلت البيت بس معرفش أنه مجنون كده وضربها في دماغها... ياما أنا كل اللي عملته اقنعتها تدخل بيت الست دي عشان جوزها منعها على اساس تبان إنها زوجة بشعة ويسيبوا البيت ليا وافضل أنا صحبته بعد ما اللي تتسمى حسناء دي تموت.. إنما هي معايا مش هعرف اخد لا حق ولا باطل... اهو اللي حصل بقى معايا... راحت معها المستشفى وأنا هفضل في شقتي جوا وخلاص.. سلام. أغلقت معها سريعًا، واسرعت تدلف للشقة قبل أن يراها أحد. ********** مرت ساعات وهي محتجزة بتلك الغرفة لا تعلم ما الذي وجب عليها فعله، حتى خرج الطبيب من الغرفة لتشرع نحوه قائلة في قلق: _ طمني يا دكتور ندى كويسة؟! منحها نظرات من الأسف، يجيبها في هدوء: _ في جزء من الأزاز اللي اتكسر دخل في عينيها و عمل تمزق في القرانية ودا اتسبب ليها بعمى وهي حاليًا نايمة من المهدئ اللي خدته. اتسعت عين حسناء في صدمة، في حين أكمل الطبيب ما أن رأى تلون وجهها هكذا: _ أهدى حضرتك القرانية لحسن الحظ متأذتش بشكل كلي ودا هيساعدنا أننا نعمل ليها عملية وبصرها يرجع تاني.. أحنا هنعنل باقي التحاليل بس يفضل يكون في حد معاها عشان لما تعرف يكون في دعم نفسي ليها لأنها انهارت وكانت نفسيتها وحشة جدًا بعد ما فاقت بفترة صغيرة وعرفت باصابتها لو اتأثرت اكتر من كده هيأثر على نجاح العملية.. عن اذنك. تركها مغاردًا، في حين بقيت حسناء مكانها جامدة تحاول استعاب ما سمعته، هل بالفعل أصيبت زوجة ابنها بالعُمى؟ كيف ستخبر ابنها عندما يعود بما حدث لها؟ إنها اهملت في رعايتها أثناء غيابه! جلست على المقعد تضع وجهها وسط راحتي يدها تحاول التفكير بحلٍ ولكن لابد من قول الحقيقية. أتي وليد سريعًا بعد أن اخبرته رجاء بأن سيارة الاسعاف أخذت ندى ووالدته سويًا، جثى على ركبتيه ينظر لوالدته في قلق قائلًا: _ ندى مالها يا أمي؟! ظلت صامتة بضع دقائق، ثم رفعت رأسه تنظر لأبنها بوجهٍ جامد تجيب: _ دخل ازاز في عينيها وخسرت نور عينيها. اتسعت عين وليد في صدمة، يتطلع نحو والدته بعقلٍ مشتت، ثم أردف في واهنٍ: _ طب وحسن؟! أغمضت حدقتيها في تعبٍ، تجيبه بارهاقٍ: _ مش عارفة.. بس لزمًا يعرف.. والأهم ايه اللي ودا ندى عند عنايات وجوزها أصلا؟! زفر وليد في ضيقٍ، ثم جلس جوارها يكتب رالة إلى حسن بأن يأتي بأسرع وقت بسبب حادث مر بزوجته. ********** مر الوقت كان كالدهر على الجميع، رجاء تفكر كيف تبعد ذاتها عن الموضوع، في حين توتر حسناء ووليد سويًا حتى يأتي حسن ويرى زوجته ويعلموا الحقيقة. :_ ندى ايه اللي حصلها يا أمي؟! قالها حسن وهو يهرول نحوهما، في حين اجاية وليد عليه في توتر: _ ياسر جوز عنايات كسر الفازة على ندى وفي ازاز دخل في عينيها واتسبب بفقدان نظرها. تراجع حسن عدة خطوات في صدمة، سقطت عليه مثل دلو ماءًا بارد، نظر نحو والدته متسائلًا: _ ايه اللي وداها عند عنايات يا أمي؟! حركت رأسها في نفي وهي تحاول كبح دموعها، مرددة: _ معرفش أنا روحت السوق اشتري خضار وعلى ما جيت لقيت عربية الاسعاف موجودة بالشارع. صك على أسنانه في غضب، ثم غمغم: _ الدخول مسموح؟ :_ آه. قالها وليد في توجس، في حين دلف حسن نحو الداخل، وما أن دلف حتى صُدم من شكلها، ذاك الشاش الملفوف برأسها عيناها مغطتاتان ايضًا، الدماء التي تغرق ملابسها بالكامل، تقدم حسن في خطواته حتى جلس على مقعد في هدوء، يتمتم بنبرة مخيفة: _ ايه اللي وداكي عند بيت عنايات يا ندى؟! انكمشت ندى على ذاتها، تعلم جيدًا خطأها، ولكن لم تقصد، اجابته بصوتٍ مرتجف: _ أنا مكنتش اقصد.. رجاء قعدت تزن عليا نروح هناك على اساس اساعدها بس.. بس والله رفضت وهي شدتني وقالتلي هنروح علطول ونرجع.. وأنا هناك جوزها جه وضربها وهي جريت تستخبى فيا فالفازة جت فيا و.. ارتجفت شفتيها بشدة، تهمس بنبرة تخللها ألم قاسٍ: _ اتعميت. نظر لها حسن قليلًا، يريد أن يعاقبها فقد اخبرها ألا تذهب، ولكن هي الآن بأشد الحاجة له، نهض متجهًا نحو الخارج قائلًا في جفاء: _ أنا خارج اجيب حاجة. تركها مغادرًا دون أن ينتظر منها ردًا، يقف بالخارج في حالة شرود، لا يعلم ما الذي وجب عليه فعله بتلك اللحظة، توقف عقله عن التفكير ما ان أتت والدته تقف أمامه في تعجب مرددة: _ أنتِ مش مع مراتك ليه؟! نظر لها في غضبٍ، ثم تمتم بنبرة غاضبة: _ مراتي اللي مسمعتش كلامي وخرجت رواحت بيت اللي قولتلها عليه لاء، واهوه ادي اللي وصلنا ليه مرمية في المستشفى والمفروض تعمل عملية بأسرع وقت قبل ما تتعمي خالص. تتطلعت نحوه في ضيقٍ من حديثه، ثم بعد صمت دام لدقائق قالت في هدوء: _ معاك حق يا حسن.. دي مش الزوجة الصالحة اللي تصونك وتخليكي عايش مرتاح.. انا بفكر تتطلقها مادام مش هتسعدك طلعت ست... توقفت عن الحديث ما ان رأت تحول ملامح حسن للغضب أكثر، يغمغم مقاطعًت لحديثها: _ راعي أنها مراتي يا أمي... وندى حب عمري مش هقدر اطلقها ولا اسيبها... آه مسمعتش كلامي بس مش معني كده إنها وحشة هي مشكلتها إنها طيبة بزيادة وممكن يضحك عليهت بسهولة. :_ ولما أنت عارف إنها طيبة بزيادة وبيضحك عليها بسهولة سيبها ليه هاه؟ أنت واخدها بالعيب دا وعارف ومتأكد أن دا على أد ماهو ميزة على أد ما هو عيب... يبقى مترجعش تلومها على حاجة في طبعها ومش هتعرف تغيرها... روح اقعد ما مراتك يا حسن بلاش تقسى في أكتر وقت هي محتاجة للي يقف جنبها... الدكتور هداها شوية لما قالها إنها هتعمل عملية وهتشوف علطول.. لكن برضو وجودك جنبها هيفرق يا حسن... تنهد حسن في تعب، يعلم صحة حديثها، وأنه ولابد أن يصبح جوارها الآن، في حين ربتت حسناء على كتفه قائلة بهدوءٍ: _ أنا حسن ابني ربيته على الوِد والحب.. على الاحترام والمودة بينه وبين اللي يعرفهم.. فاكر زمان كنت بحكياك عن حواء اتولدت من أحد ضلوع سيدنا آدم... ولما سيدنا آدم كل من الشجرة اللي ربنا أمره ميكلش منها ونزلهم الأرض كانوا متفرقين وسيدنا آدم فضل تعبان أوي لحد ما لقى حواء واستكن في حضنها وهي حست بالأمان في وجوده... يبقى أنت يا حبيبي لزمًا تروح لمراتك اللي زمانها منهارة جوا وتقعد معاها وتبقى أمانها. ابتسم حسن لوالدته في حبٍ، ثم امسك بيدها يقبلها في حب، قائلًا بنبرة ممتنة: _ ربنا يحفظك ليا يا ست الكل. منحته ابتسامة رضا، ثم دلف حسن للغرفة، ليجد ندى منكمشة على نفسها تشعر بالخوف، تألم قلبه من مشاهدتها هكذا وعلم أن مهما فعلت ستبقى هي صغيرته التي يعشق رؤيتها ولا يستطيع تركها، تقدم بخطواتٍ هادئة، ثم جلس على جزء من الفراش يمد يده نحو خاصتها، لتسرع ندى بالحديث بصوتٍ شبه باكي: _ أنا آسفة يا حسن من اللي حصل بس.. :_ هششش خلاص اهدي يا ندى مفيش أي حاجة حصلت.. المهم إنك معايا وأننا سوا. اسند رأسها على صدره في حذرٍ، يحاوطه في حبٍ وكأنه يبعث لها رسالة إنك بأمان الآن يا معشوقتي. فاعلموا أن الوِدَّ هو نعمةٌ من الله، فلن يجد آدم سوى ضم حواء لضلوعه؛ فيهدئ قلبه الملتاع، ولن تفارق حواء ذاك الدفء بضمة آدم؛ فيعود لها الأمان. ********* عملت والدة ندى بما حدث وأتت في سرعة كي ترى ابنتها التي اخبرتها بما حدث، كادت أن تعاتبها ولكن اوقفها حسن يشير لها بأن حالتها لا تسمح، مرت عقارب الساعة وانتهى الطبيب من عمل التحاليل الخاصة بندى والتي اشارت بعمل تلك العملية سريعًا فلن يوجد خطرًا عليها كبير، وبالفعل أتمت العملية وخرج الطبيب يخبرهم بنجاحها، لتعود السعادة من جديد تسير بشريانهم. في حين بقت رجاء تشعر بتوتر حاد من أن تتحدث ندى أو يصدقها أحد، فنظرات وليد لها كانت مخيفة للغاية. في حين تم القبض على ياسر ودخوله السجن بعد فعلته الشنيعة. ******* بعد مرور أسبوعين.. كانت ندى تستند على يد حسن أثناء دخولها للمنزل، فقد اخبرهم الطبيب بامكانية خروجها ولكن لابد من الراحة التام لعينيها كي تتعافي تمامًا، وتستطيع ممارسة حياتها العادية، هتفت حسناء ببسمة صغيرة: _ حمدلله على سلامتك يا حبيبتي. منحتها ندى بسمة صغيرة تجيبها: _ الله يسلمك يا ماما. :_ أظن ندى رجعت ودلوقتي نتكلم! قالها وليد في غضبٍ جامح، في حين نظرت له حسناء في يأسٍ ثم أردفت: _ ماشي يا وليد. نظر وليد نحو رجاء التي اختفت الدماء من وجهها، يغمغم بنبرة حادة: _ أنتِ اللي اخدتي ندى لبيت عنايات؟ حركت رأسها في نفي، يقفز الرعب من حدقتيها، في حين كاد أن يتقدم منها وليد ولكن امسكته حسناء تحرك رأسها بألا تفعل، هدر وليد بنبرة عالية: _ أنتِ لسه ليكِ عين تكذبي، جزاء العمل من جنس عمله وأنتِ عشان بتتجسسي على البني آدمين ربنا سلط عليكي واحدة تسمعك وأنتِ بتكلمي والدتك ومحاولتك في ان ندى تظهر انها لا بتسمع الكلام ولا أي حاجة وتبقى منبوذة وسط العيلة... وكل دا عشان إيه.. عشان حتة بيت ملكيش فيه أي حاجة. وقع الكلام عليها مثل سوط قاسي، تحاول استيعاب ما قاله، ولكن ازداد ألمها ما أن أردف بنبرة قاسية: _ مستحملك ومستحمل القرف بتاعك.. ومستحمل عدم الخلفة.. بس اظاهر أن ربنا ليه حكمة في عدم الخلفة منك عشان العيال ميتشتتوش بينا. اكمل في ازدراء منها: _ رجاء أنتِ... اسرعت حسناء تتحدث بصوتٍ حاد قائلة: _ وليـــــــــد. نظر نحو والدته في صمت، في حين بقت ندى تحاول السيطرة على دموعها، في حين بقى حسن يربت على ظهرها في حنو لعله يزيل عنها ما تشعر به، قهي لم يمض وقتًا على قدومها وحاولت إيذائها بأقسى الطرق، اكملت حسناء في هدوء: _ رجاء اللي عملتيه غير مقبول... كنت بعتبرك بنتي وبصدقك بأي حاجة.. يمكن لما ندى جت مكنتش بتعامل معاها ولا بعتمد عليها قد ما بعتمد عليكي وشايفة إنك تستحقي تكوني بنتي مش مرات ابني بس... كنت بصدق كل كلمة بتقوليها على ندى لانك مرات ابني الأولى وأكيد مش هتعملي حاجة وحشة... بس اظاهر كنت غلط وإن حكمت على البونية دي من قبل ما أعشرها واعرفها كويس من كلامك اللي كان كله سم... دلوقتس خسرتي حياتك وأنا وندى وجوزك... والله أعلم هترجعيهم إزاي! حاولت الحديث وسط تلك الدموع التي تنهمر منها، تتمتم بنبرة مترجية: _ سامحيني يا ماما... سامحني يا وليد.. ابتسم بسخريةٍ ثم قال في بتهكم: _ اسامحك.. اممم طيب عايزاني اسامحك هتكتبي تنازل عن المأخر والشبكة و القايمة وكل حاجة وهتعيشي عادي بس أي غلط ليكِ هرميكي في الشارع... يا أما تطلقي دلوقتي وتغوري من هنا وتاخدي حاجتك كلها. نظرت له في صدمةٍ، هل بالفعل ينفذ حديثه هذا؟، نظرت للجميع لتجد النفور يظهر على ملامحهم، لتهتف وهي تمسح دموعها ببعض الكبرياء: _ طلقني. نظر وليد نحو والدته التي شعرت بأسف أن رجاء يمكن أن تتغير، وبالفعل ألقى وليد يمين الطلاق وغادرت رجاء المنزل، تقدمت حسناء تقف أمام ندى قائلة بنبرة نادمة: _ متزعليش يا ندى إني حكمت عليكي غلط وصدقت مرات ابني الأولى و... قاطعتها ندى قائلة في لطفٍ: _ مفيش أم بتعتذي (بتعتذر) لبنتها... أنا بحبك وحضيتك ( حضرتك) في مقام ماما. ابتسمت حسناء في حبٍ، ثم همست في ذاتها: _ ربنا يرضا عنك وعنك يا حسن يابني.. جبت خير زوجة صالحة. ******* تعافت ندى تمامًا من اصابتها، وعادت الحياة تستقر من جديد في العائلة، حتى امسكت ندى بشريطٍ يحمل علامتان تضحك وسط دموعها في سعادة، أسرعت نحو شقة حسناء تطرق عليها سريعًا وبالفعل فتحت لها حسناء التي تفاجأت بملامحها، كادت أن تسألها ما بها ولكن رفعت ندى هذا الشريط بوجهها، ظلت حسنلء تحدث بالشريط بضع دقائق ثم أشرقت الابتسامة وجهها تتمتم بنبرة متحشرجة: _ أنتِ حامل يجد! ضحكت ندى في خفة، تحاول السيطرة على دموعها، متمتمة في سعادة تغمر كلماتها: _ دا اختبار مبدئ.. وكده عايزين نيوح (نروح) لدكتوية (لدكتورة) عشان نتأكد. اشارت لها حسناء سريعًا تخبرها في حماس: _ طب يلا يا بنتي مستنية إيه روحي البسي عشان نتأكد. حركت ندى رأسها بإيجابيةٍ، ثم انتقلت نحو شقتها تستعد للذهاب مع حماتها للتأكد من حملها هل هو كاذب أم صادق؟! :_ مبارك يا مدام ندى حامل في شهر واسبوع. قالتها الطبيبة وهي تتطلع بالشاشة، في حين ابتسمت حسناء في سعادة لا تتمتم سوى بيّ: _ الحمدلله الذي أرضى قلبي وأنعم عليّ. في حين اكملت ندى هندمت ملابسها، ثم نظرت نحو حسناء قائلة في حماس: _ بصي با ماما متقوليش لحسن عايزة اعملها مفاجأة. ألتمعت عين حسناء في حماس هي أخرى وحركت رأسها في ايجابية، غادرت الأثنتان وبدأت ندى باعداد الطعام الذي يحبه حسن، ثم اعدت الغرفة جيدًا، وهي تشعر بحماسٍ لتلك اللحظة التي ستخبره بها. نعم هي تلك الأنثى التي وُهِبت الحب، تصنع المستحيل كس ترى فقط ابتسامة منك ترضيها! هي أنثى وهبت حياتها لك لتشكلها بما تحبه وبما يرضيها، ثم انظر عندما تضيف قطرات من الوِدّ ماذا ستصنع! أعلموا يا أولاد آدم أن الحب متبادل وإن بها تتقلب القلوب، فتصبح الحياة الصعب لينة. ******** أغلق باب الشقة في هدوء، يتطلع للس\كينة التي تغمر المنزل، ظن ببداية الأمر أن ندى نائمة ولكن ما أن دلف الغرفة حتى تفاجأ بها، يراها بأبهى صورٍ لها، وضع حقيبته وهو لا يزال يتطلع نحوها، اختطفت انفاسه من نظرات البراءة التي بها، وقف أمامها يهمس في حبٍ مقبلًا جبينها: _ أنتِ أجمل ست شفتها عيني. منحته بسمة خجولة، ثم بدلته الهمس قائلة بسعادة تعلق حدقتيها بخاصته: _ وأنت هتبقى أجمل أب شافته عيني. رمش بعينيه عدة مرات، هل ما تقوله صحيح؟ حرك يده يشير نحو بطنها، لتحرك رأسها في سعادة متمتمة: _ آه حامل يا حسن... يوحت (روحت) مع ماما وكشفنا وطلعت حامل في شهي ( شهر) واسبوع. اتسعت ابتسامته بشدة، ثم اسرع بضمها لصدره قائلًا بنبرة ربما تخطت معاني السعادة العادية: _ اللهم لك الحمد كما ينبغى لجلال وجهك وعظيم سلطانك.. رزقتي بالزوجة الصالحة وبإذن الله الذرية هتكون صالحة. اكتملت تلك الليلة بالحبٍ ووِدٍّ، هذا الوِد الذي يتخلل لأي مكان فينثر به المودة والرحمة بين الجميع، مثل عبق زهرة الذي يتنشر بالمكان، أتعلمون أن هذا الود هي كلمة من حرفين صغيرين فقط؛ ولكنهما كدرع يحمي بني آدم إذا عملوا بها. اعلموا أن من نِعم الله المودة والمحبة بين الناس. تمت بحمد الله. بقلم سلمى خالد.