الفصل الخامس عشر (الطرق العنيف على باب الشقة مستمر والصوت المزعج لجرس المنزل لا يصمت أبدًا وهو ينظر إليها بصدمة. حتى خرج صوته اَخيرًا قائلًا بتشتت: - هو إيه إللي حصل بالظبط؟ وانتي إيه اللي جابك أوضتي وانا إيه إللي نايمني فيها أساسًا؟ كانت تهز رأسها بحركات غير مفهومة وتغمم بكلام لا يستطيع سماعه مع أصوات بكائها ونشجيها العالي .. كرر عليها سؤاله مرة أخرى بترجي: - ابوس إيدك يافاتن فهميني.. إيه اللي حصل يابنت الناس ؟ خرجت كلماتها من وسط بكائها فسمعها بصعوبة: - انا كمان... مش عارفة حاجة.. انا كمان مش فاهمة.. بس الأكيد..هو إني صحيت فجأة.. لقيت نفسي بالوضع وعرفت اني ضيعت .. ضيعت. مع ازدياد الحركة العنيفة على الباب الخارجي نهض مضطرًا يرتدي ملابسه ولكنه دنى منها فجأة وهو يغلق ازارار قميصه : - أبوس أيدك يافاتن فهميني طيب .. مدام انتي صحيتي قبلي يبقى إكيد فاهمة حاجة عني.. هو انا اللي اتهجمت عليكي يافاتن ولا قربت منك وانا مش داري كدة بنفسي ؟ رفعت رأسها اليه تنظر بعيناها التي ذبلت من البكاء ووجهها مغرق بالدموع و قالت بحدة: - انا اول ما صحيت وحسيت بنفسي .. كان هاين عليا اولع فيك وكنت قايمة اجيب سكينة اغرزها في قلبك وانا مخي جايب فورًا ان انت اللي عملت كدة فيا.. بس اللي انقذك مني هي ريحتك . - نعم! قالها ببلاهة وعدم فهم .. فتفاجئ بها تجذبه من قماش قميصه تتشممها بأنفها فصاحت بوجهه : - الريحة اللي هلت في مناخيري وانا بين الفوقان والنوم وكل حواسي متخدرة.. إلا حاسة الشم .. مش هي دي .. دي ريحة تانية.. شمتها انا كتير.. لكن مش ريحتك انت الغالية .. يعني مش ريحتك). بوجهِ شاحب وصوتِ خرج بصعوبة وهي تبتلع في ريقها الجاف .. قالت ببعض التماسك رغم العواصف الهوجاء التي تضرب بشدة داخل عقلها: - وإيه اللي حصل بعد كدة ؟ تتنهد بثقل قبل ان يجيب عن سؤالها وهو يحدق في الجالس بالقرب منها على الطاولة.. بوجهه الجامد وقد ذهب عنه حتى السخرية المريرة وكأنه عاد لقلب الأحداث رغم مرور السنوات . - الأفندي دا يقولك علي اللي حصل .. لأني اتفاجأت بيه وهو بيقتحم علينا الشقة زي الإعصار وعلى أؤضة نومي تحديدًا كان محدد طريقه بالظبط.. وطربق الدنيا فوق دماغي انا والبنت الغلبانة . التفتت رأسها اليه تنظر باستفسار فخاطبها بقوة قائلًا؛ - تفتكري يعني واحد ظبط حبيبته مع اعز صحابه وفي وضع زي ده.. هايبقى آيه رد فعله ساعتها؟ - اَذيتها! - لا طبعًا انا ما بلمسش حريم انا بس هجمت على اخينا ده وفتحت مخه وهي بقى اعتبرتها مش موجودة ولا تستاهل تعبير مني أساسًا . - بس هي كانت منهارة قدامك واترجيتك تصدقها ؟ - وانت لو مكاني كنت هاتصدقها ؟ اطرق عصام بحزن يعتصر قلبه فهز رأسه نافيًا : - أكيد لأ .. انا مش ملاك . ضرب علاء بقبضته على الطاولة وهو يقول ما بين أسنانه : - ولما هو كدة؟ إيه لزوم المحن ده بقى والقصص الرخيصة اللي بتسمعهانا بقالك ساعة ؟ رفع عصام رأسه قائلًا بانفعال : - بقى بعد إللي حاكيته دا كله وانت لسة برضوا مش مصدق يابني أدم انت ؟ - ياعم وانا إيه بقى اللي يخليني اصدق القصة الهبلة بتاعتك دي من الأساس؟ والدليل شوفته بعيني.. دا غير كمان انها طلعت في الاَخر حامل.. يعني فكك بقى من التمثلية البايخة دي. اغمض عيناه يائسًا قبل أن ينقل أنظاره الى فجر الجالسة واجمة أمامهم .. تنظر إليهم بأعين خاوية.. فاقدة للحياة بهم . - وانت كمان يا اَنسة فجر مش مصدقة برضوا كلامي رغم علمك بأخلاق بنت عمتك ؟ قالت بتعب : - يا أستاذ عصام.. انا لا مصدقة ولا مكدبة ولا عدت فاهمة حاجة خالص .. انا حاسة نفسي واقعة في بير غويط دلوقتي والبير دا مالوش قرار.. ونفسي الاقي بقى مخرج من بحر الالغاز دة.. لكن مش عارفة. - يعني برضوا مش مصدقة.. طب ما سألتوش نفسكم انتوا الاتنين.. هي ليه مجابتش إسمي قدام والدها بعد الدنيا ما اتطربقت فوق دماغها هي لوحدها؟ صمتت فجر وجاء الرد من علاء بتهكم كالعادة : - ودا بقى يأكدلنا انك برئ ..صح ؟ - أسمع ياعلاء .. إنت لما دخلت علينا الشقة وضربتني وفتحت دماغي.. مكنتش فاهم ولا جاب مخي اي حاجة عشان اعرف ارد عليك بيها.. انا ساعتها كنت مقدر حالتك.. بس اللي حصل بعد كدة خلاني فهمت..انت بعد ما مشيت فاتن اترعبت من منظري والفضايح اللي كانت هاتيجيها من ورايا.. لبست هدومها ومشيت وسابتني.. انا بقى قدرت اتصل بوالدي ودخلت بعدها المستشفى ايام على ما خرجت لقيت البنت الخدامة اختفت نهائي وحاولت اوصلك انت وافهمك عن طريق سعد لكنك رفضت وبشدة .. كنت مشغول قوي على فاتن ونفسي اوصلها لكن اتفاجأت بخبر سفرها مع أسرتها على الصعيد ..سألت عن عنوانها هناك وكنت مستعد اطلبها منهم واتجوزها .. لكن والدي خاف عليا بشدة من اهلها لما حكيتلوا الموضوع .. واصر انه يبعدني ويسفرني اكمل تعليمي في لندن وانا سافرت زي الجبان وسيبتها . قال الاَخيرة بصوتٍ خفيض واجش وقد سقطت معها دمعة خائنة على وجنته ازاحها بأبهامه بسرعة .. جعلت الاثنان ينظران اليه وكأن على رؤسهم الطير .. قبل ان تنهار فجر فقالت باكية : - يعني كل اللي حصل دا كان مؤامرة والبنت الخدامة مشتركة فيها مع شخص مجهول عليكم .. طب ليه؟ - بجد مش عارف .. الخطة كانت محكمة جدًا وظهور علاء في الوقت ده بالذات عقد الدنيا من جميع النواحي. - وانا كنت هاعرف منين كل كلامك ده .. انا جاتني رسالة من شخص مجهول بيحذرني فيها من صاحب عمري اللي خطف حبيبة قلبي وخلاها تسيب الدنيا وتعيش معاه في الحرام.. انا اتبرجلت من الرسالة دي ومكنتش مصدق بس لما اتصلت بامي أكدتلي ان البنت هربانة من أهلها بقالها يومين ..انا برج من عقلي كان هايطير مني من الكلام العجيب ده وغصب عني لقيت نفسي مقدم على أجازة وادعيت فيها مرض والدتي .. وبمجرد ما نزلت على بيتنا عشان استفسر وصلتني رسالة على فوني من رقم مجهول واحد بيستهزأ بيا وبيبلغني بوجود حبيبتي مع عصام في شقته وخيانتهم ليا فيها.. وبعدها روحت وشوفت بنفسي وحصل اللي حصل.. انتوا لو كنتوا مكاني كان هايبقى إيه تصرفكم ساعتها ؟ .............................. على مقعدٍ خشبي صغير خاص بالقهوة الشعبية داخل الحارة كان يدخن الأرجيلة.. ينفث داخانها المتصاعد عاليًا بشرود في الهواء وعيناه على المنزل الكبير والذي يشغل مساحة واسعة من حارتهم.. لمحها بشرفة غرفتها وكأنها خرجت تبحث عن شئ ولكنها عادت حانقة تزفر بضيق حينما رأته أمامها بابتسامة جانبية خبيثة ..وحدها هي من تعرف مغزاها .. غمغم بصوتٍ خفيض: - واللله وبقى ليكي بلكونة عالية ياست نيرمين تبصي فيها على الخلق اللي تحت من فوق وتقرفي كمان منهم.. هه الله يارحم . - بتقول حاجة يا أستاذ سعد ؟ - ها.. انت بتقول إيه؟ اجفل منتبهًا على سؤال صبي القهوة وهو يضع امامه كوب الشاي ومعه كوب اَخر زجاجي للماء فعاد الصبي قائلًا: - اصل افتكرتك بتكلمني بس شكلك كدة كنت بتكلم نفسك؟ قال بصيحة أجفلت الرجال الجالسين بقربه : - وانت مالك انت اكلم نفسي ولا اكلم خيالي حتى.. انت اخرك تحط قدامي الشاي وانت ساكت فاهم ولا لأ؟ مط الفتى شفتيه بنظرة أثارت حنق الاَخر : - فاهم طبعًا يا أستاذ سعد .. بس انت ما تزعلش نفسك . قالها وتحرك ذاهابًا امامه فجز سعد على أسنانه ينوي إيقافه بوابل من الشتائم .. ولكن نظرة واحدة نحو السيارة الأنيقة التي دلفت داخل الحارة ألجمته .. فتابع بعيناه حتى توقفت السيارة امام المنزل الكبير وترجل منها الشاب الانيق بحلته الرائعة وحذائه الامع .. شعره الكستنائي المصفف بعناية على بشرته الخمرية ونظارته السوداء والحاجبة لون عيناه الخضراء .. لفتت كالعادة نظرات الفتيات نحوه من أهل الحارة بأعجابٍ واضح .. لوح بيده ناحية الجالسين بالقهوة فهلل الرجال مرحبين بأصواتهم العالية بمرح وعلى رأسهم كان صوت صبي القهوة : - يا الف مرحب يا حسين باشًا.. مساء الفل على عيونك . تنفس بعمق ليجلي عن صدره قليلًا هذه النيران المشتعلة بداهله.. وهو يرى تجاهل هذا المتعجرف بتحية خاصة له ليساويه بالبقية.. تمتم داخله وهو يتناول الهاتف: - ماشي ياسي حسين.. خليك كدة فرحان بنفسك. بحث قليلًا داخل صفحته الخاصة بإحدى وسائل الاجتماعي ..فتبسم بانتشاء حينما وصل لمقصده.. وهي كانت صفحتها ! ............................... يغتلس نحوها النظرات وهو يقود سيارته .. لا يصدق انها بجواره الاَن باختيارها .. جالسة في المقد الأمامي ساندة رأسها المائلة على خلف المقعد بأسترخاء.. مكتفة ذراعيها وهي تنظر من نافذة السيارة في الخارج بشرود.. يؤلمه حزنها هذا وهو يشعر بالعجز في التصديق او التكذيب لما قد قاله عصام.. منذ لحظات ..يفتقد الراحة التي كان ينشدها بعد اكتشاف الحقيقة . حتى لو كانت ناقصة او مزيفة ولكن وضح امامها جليًا الاَن صدق حديثه معها .. ولكن اين ستأتي الراحة لو صدق فعلًا ما قاله عصام ولم يكن كاذبًا؟ أجلى حلقه قبل ان يخاطبها قائلًا: - تفتكري الكلام اللي قالوا عصام النهاردة دا كان صح ؟ ردت بصوت هادئ على نفس وضعها برأسها المائلة نحو نافذة السيارة : - وإيه اللي هايخليه يكدب ؟ هز أكتافهِ باضطراب : - يعني.. يمكن عايز يفتح مجال للحديث معاكي ويظهرلك برأته. - اعتدلت رأسها لتنظر اليه بإجفال : - أفندم! .. يعني إيه كلامك دا بقى؟ مط شفتيه فقال : - انا بفترض يعني عشان بصراحة الكلام دا لو صح .. هايبقى الوضع خطير اوي. ضيقت عيناها تهز رأسها باستفسار .. فتابع مستطردًا : - اصل معنى كلامه ان الخيانة جات من حد قريب مننا أوي وكان على علم بعلاقتي انا وفاتن وعلاقة عصام بيا . اومأت صامتة فا أكمل: - بس المهم بقى هو انك عرفتي واتأكدتي بنفسك من براتي من كل التهم اللي اتهمتيني بيها . اطرقت رأسها مسبلة عيناها فقالت بصوت خفيض: - هاتصدقني لو قولتلك إني كنت افضل اني معرفش ؟ سألها باندهاش : - ليه بقى ؟ أجابت بحزن : - على الاقل انا الاول كنت فاكرة انها حبت واخد خاين وغدر بيها واتخلى عنها .. صدقني رغم قسوة الفكرة .. بس دي ارحم بكتير من إني اكتشف انها اتعرضت لحالة اغتصاب من مجهول ودفعت تمن ذنب مارتكبتهوش .. دا احساس صعب اوي .. ان مكانش بشع . اشاحت بوجهها عنه حينما شعرت بالخط السائل لدمعاتها التي تدفقت مرة أخرى على وجهها.. تنهد هو بثقل وهو يضرب بكفه على مقود السيارة .. لاعنًا عجزه عن كشف الحقيقة بوقتها.. ساد الصمت بينهم في محيط السيارة لعدة لحظات قبل ان يقطعه هو قائلًا: طب انا مش عايز افكر عليكي المواجع.. بس انا عندي فضول اسألك.. هي ماتت ازاي؟ التفتت إليه قائلة بغموض: -تصدق معرفش؟ - نعم !! - حقيقي معرفش.. هي سافرت مع عمتي ووالدها وانقطعت اخبارهم .. وبعدها وصلنا خبر موتها.. عمتي ادعت انها ماتت بحمى شديدة وأهلي طبعًا صدقوا.. لكن انا بما إني كنت عارفة بخبر حملها.. فا انا كنت متأكدة انها ماتت بسبب تاني خالص.. ان ماكنوش دفنوها بإيديهم. - انزاحت عيناه عن الطريق فالتفت الى عيناها الجميلتان وهي تنظر اليه بصفاء رغم حزنها.. فقاوم هذه المشاعر التي انتابته في هذا الوقت الصعب قائلًا: - على فكرة مدام ماشوفتش بنفسك.. يبقى مش لازم تكون فكرتك صح عن قتلها. اجفلته سائلة: - تفتكر تكون فاتن عرفت المجرم اللي اغتصبها وهي متخدرة ؟ اجابها وهو يلتفت للطريق: - العلم عند الله وحده . ......................... بداخل غرفتها كانت شروق مستلقية على فراشها .. تتحدث في الهاتف مع صديقتها ايمان وتتلاعب بخصلات شعرها بدلال: - يابت يامتخلفة انتي افهميني بقى .. مابيعرفش يقول كلام حلو ..دي طبيعته اعمل إيه انا بقى؟ وصلها الصوت الساخر : - والنبي إيه؟ بقى الحليوة ده اللي عامل زي نجوم السيما مش عارف يقول كلام حلو ..بطلي كذب بقى وافترا بقى.. ماحدش ياختي هايقر عليكي اطمني . قالت بابتسامة مرحة: - يعني بعد دا كله وتقولي مافيش قر .. والنبي انا خايفة لتحصلي حاجة من عيونكم الفقر دي يافقر. - بقى انا فقر يا شروق ؟ وهان عليكي تقوليهالي في وشي كدة .. دا بدل ما تظبطيني وتجوزيني اخوه.. حتى عشان نبقى سلايف . على صوت ضحكاتها وهي تضرب بكف يدها على جبهتها بيأس : - هههههههه انا عارفة ..والنعمة كنت متأكدة انك بتلفي وتدوري مع في الكلام .. عشان توصلي في الاَخر للكلمتين دول . - طب اعمل بس يابت ياشوشو؟ اصل الجدع اخوه ده من ساعة ما شوفته في خطوبتك وانا عاملي جنان في عقلي .اصله حليوة اوي . ردت عليها بدلال : - اممم بس برضوا مش احلى من حسين . قالت خلفها معترضة : - لا بقى في دي انا اخالفك بالقوي.. اينعم خطيبك حليوة لكن أستاذ علاء.. يااختي عليه رجولة كدة وعضلات.. حاجة كدة من الاَخر مزيج بين الحلاوة والخشونة صاحت فيها بمرح : - اه يافاشلة يامستهترة .. بتوصفي في الراجل من غير خشيا ولا حيا .. طب التفتي لمذاكرتك الاول واحنا في اخر السنة وقربنا من الامتحانات . شهقت صديقتها متذكرة : - فكرتني صحيح.. ليدر الدفعة نزل في جروب الكلية جدول المحاضرات الجديد ..انتي شوفتيه؟ اعتدلت بجزعها على الفراش تتناول شروق من على الكمود الحاسب الآلي المحمول( الاب توب ) تفتحه وهي ترد على صديقتها : - لا لسة ما شوفتوش .. خليكي معايا بقى عشان اشوف النظام إيه ؟ إيه ده ؟ . - إيه في إيه ؟ - استني يا إيمان اشوف الرسايل دي اللى وصلتني من حساب غريب . هتفت إيمان عليها محذرة : - حساب غريب.. طب اوعي احسن يكون هاكر ولا حاجة . - يابنتي انتي كمان انا مافتحتش لينك ولا فيديو... دي مجرد صور بتحمل وو.... يانهار اسود. - إيه في آيه؟ هتفت شروق بغضب : - دي صور لحسين يا إيمان . - حسين خطيبك ياشروق ؟ - ايوة هو زفت ... متصور وهو حاضن واحدة اجنبية بكل جرأة وهي قالعة اكتر ما لابسة.. الواطي الخاين .. قال وعاملي فيها شيخ .. وديني لاطين عيشته . الفصل السادس عشر تقدم بخطواته داخل الشقة متعجبًا من حالة الصمت التي تسود المكان في هذا الوقت من اليوم.. رمي سلسلة مفاتيحه على المنضدة الصغيرة والتي توسطت الصالة مناديًا بصوته : - يا ام علاء .. يامّا .. انتي فين يام علاء؟ قال الاَخيرة وهو يتجول داخل البيت باحثًا عنها ..حينما لم يجدها في المطبخ اكمل بحثه عنها داخل غرفتها فلم يجدها ايضًًا ساوره الشك فبحث في باقي ارجاء الشقة بقلق .. وقلبه يحدثه بالأسوء حتى تفاجأ بها تدلف من الباب الخارجي وابتسامة جميلة تُزين محياها: - حمدالله عالسلامة يامعلم علاء . تنهد ارتياحًا بصوتٍ عالي قائلًا بتعب : - انتي كنتي فين بس يامّا؟ قلقتيني عليكي. ازداد اتساع ابتسامتها وهي تخطو بخطواتها البطيئة قائلة: - سلامتك يانور عيني من القلق ولا اي حاجة تعكنن مزاجك حتى . شقت ابتسامة سعيدة وجهه هو يقترب منها من نصف المسافة يلف ذراعه على كتيفها ويقبل رأسها : - يدوملي يارب لسانك الحلو ده اللي بينقط عسل زيك ياعسل انتي . ضحكت بسعادة وهي تستقبل قبلاته على رأسها حتى أجلسها على الاَريكة وجلس معها وسأل : - قوليلي بقى كنتي فين ياقمر؟ - كنت في السطح ياعيون القمر . - بتعملي إيه في السطح يامّا؟ - حاجة بسيطة ياحبيب قلبي.. طلعت انشف سجادة المطبخ بس على سور العمارة بعد ماغسلتها . تغير لون وجهه فقال بتوتر : - نعم!! انتي ازاي تعملي كدة بس يامّا؟ هو انتِ حمل رفع سجادة ولا حتى غسلها.. انتي عايزة تتعبي وتتعبيني معاكي ياست الكل . قالت بمهادنة : - براحة شوية يابني براحة.. وسيبني اكمل كلامي .. اولًا انا مطلعتش لوحدي انشرها.. انا كان معايا جارتي وحبيبتي ام ابراهيم.. دي شالتها لوحدها تطلع بيها السلم وانا كنت بساعد معاها على الخفيف كدة . نظر اليها بلوم قائلًا : - لكن غسلتيها الاول ياما وتعبتي فيها دا غير انك تعبتي معاكي جارتك كمان.. وانا منبه عليكي من الاول ماتتعبيش نفسك.في شغل البيت.. مش كفاية انك رافضة موضوع اجيبلك خدامة مخصوص. - يابني وانا مالي بس بالخدامة المخصوص.. ما الست اللي بتيجي في اَخر الأسبوع بتقلب البيت من فوقه لتحته تنضيف.. ودي سجادة المطبخ يعني حاجة خفيفة قوي ومكنش ينفع اسيبها لاَخر السبوع بعد ما اتدلق عليها كوباية اللبن كانت في إيدي من غير قصد. . نظر اليها بحنان معاتبًا : - كمان يامّا.. طب كنتي استنيني على ما ارجع واعملك كل انتي عايزاه.. ياإما بقى توافقي على موضوع الخدامة وماتتعبيش قلبي معاكي.. ياشيخة دي نيرمين ال.....استغفر الله العظيم يارب.. عندها بدل الخدامة اتنين . تغير وجهها فجاة من لفتته قبل ان تغير دفة الحديث لناحية أخرى: - انا ماليش دعوة بحد يابني .. المهم بقى انت كنت راجع مع الأبلة فجر منين؟ - رفع رأسه مجفلًا : - هااا تبسمت زهيرة بمرح قائلة: - إيه هو اللي هاا؟ بسألك كنت راجع مع الأبلة من فين؟ هو السؤال صعب قوي كدة معاك لدرجادي؟ بابتسامة مستترة هز رأسه : - بقيتي خبيثة قوي ياحجة زهيرة وعفريتة كمان في كلامك.. يعني البنية قابلتها صدفة ووصلتها بقى معايا.. فيها حاجة دي؟ - امممم .. لأ ياحبيبي مافيهاش حاجة. دا احنا حتى أهل ونسايب.. ولا إيه يامعلم علاء . نهض فجاة من جوارها يقاوم رغبة ملحة للأبتسامة فقال : - انا قايم اريح شوية عشان انا حاسك كدة بتلمحي لحاجات .... ضحكت وهي تنظر لأثره مرددة: قوم ياخويا قوم .. على العموم مش انا بس اللي خدت بالي .. امها كانت معايا وخدت بالها هي كمان . ............................ بعد أن بدلت ملابسها وارتدت بيجامة منزلية مريحة توجهت فورًا لغرفة شقيقتها.. فطرقت بخفة على باب الغرفة قبل ان تفتحه وتدلف لداخلها مرددة: - مساء الخير ياشروق.. كنت عايزة الشاحن بتاعك؟ عشان انا تليفوني فصل شحن والشاحن بتاعي مش شغال . ردت عليها بتمتمة : - الشاحن على المكتب عندك خديه. همت تتناوله وتخرج ولكن لفت نظرها وجه شقيقتها العابس وجلستها الغريبة على تختها وهي مريحة ذقنها على قبضتيها المضمومتين وساندة بمرفقيها على اقدامها المتربعة .. هاتفها يصدح بجوارها على الفراش ولا تعيره أدنى اهتمام .. فسالتها بتوجس: - مالك ياشروق والتليفون اللي بيرن جمبك ده مابتروديش عليه ليه؟ - دا رقم حسين وانا مش عايزة اعبره. - نعم !! رمشت بعيناها متعجبة قبل ان تتناول كرسي صغير تقربه منها.. وقالت : - والنبي إيه؟ ودا من امتى ان شاء الله؟ وحضرتك بقى مش عايزة تردي عليه ليه بقى؟ - عشان اتخانقت معاه ؟ - ياشيحة!! طب ممكن اعرف بقى اتخانقتي مع خطيبك ليه ولا دا سر ومش مسموح لي أعرفه؟ إعتدلت في جلستها وهي تتناول الهاتف الذي صمتت رناته : طبعًا ياحبيبتي مسموح انك تعرفي وتشوفي بنفسك كمان أخلاق أخينا دا اللي عامل نفسه ملاك وهو مقضيها مع النسوان الأجانب . حدقت بعيناها فجر على الصورة التي بهاتف شقيقتها.. فسالتها: - دا هو نفسه حسين! معقول؟ بس انتي عرفتي تجيبي الصورة دي زاي؟ - الصورة وصلتني من حساب مجهول من واحدة بتحذرني منه ومن أخلاقه الزفت. - وانتي بقى اي واحدة تحذرك من خطيبك تقومي مصدقاها على طول . - يعني إيه؟ سألتها بريبة .. فردت فجر على سؤالها بسؤال: - طب انتي لما سألتيه قالك إيه؟ قالت بتعصب : - هو عارف يرد حتى.. دا كل اللي عليه يقولي الكلام في التليفون ما ينفعش و تعالي اقابلك واشرحلك بالتفصيل.. هو انا طايقة اسمعه الخاين ده عشان اقابله واقعد معاه كمان.. وإيه التبرير دا اللي هايقدمه بعد ما شوفت الصورة بنفسي والخاوجاية حضناه بكل سفالة وقلة ادب وبتبوسه في خده . نهضت من امامها قائلة بهدوء: - يبقى تروحي تقابليه وتفهمي منه كويس.. حسين لو خاين صحيح كان هايعرف يثبتك بكلمتين بمجرد ما واجهتيه في الفون.. ثم ان البنت اللي بعتت الصور دي واضح قوي نيتها سيئة للتفرقة ما بينكم.. ماتديش فرصة لحد يفرق مابينكم واسمعيه الأول.. وبعدين احكمي بنفسك . اوقفتها قبل ان تخرح من الباب : - بس انا دمي بيغلي منه يافجر ..وهاين عليا اروح اولع فيه شعره الناعم ولا ابوظ وشه اللي فرحان بيه ده . ابتسمت فجر رغم ألالم القابع بداخلها: - طب افهمي منه الأول ولو ما اقتنعتيش يبقى اعملي فيه ما بدالك .. ان شالله حتى تسخطيه قرد مسلسل . ............................ في المساء كانت سميرة بداخل غرفتها تتحدث باستفاضة عن احداث يومها كالعادة وزوجها الذي ينظف بمحمرمة ورقية اطارات نظارته .. يستمع بتركيز مع كل حرف حارج منها حتى سألها مستفسرًا: - طب وانتي ما سألتيش بنتك ليه وعرفتي منها؟. - اه ياخويا وتفتكر بقى لو سالتها هاتقول الحقيقة؟ قطب حاجييه فقال بدهشة : - وتكدب ليه بقى؟ اذا كان هو نفسه قال لوالدته انه شافها صدفة فقام بتوصيلها معاه في سكته . مالت برقبتها امامه تشير بسبابتها على جانب رأسها : - لا والنبي.. وانا بقى هايدخل في مخي الكلام ده ولا حتى هاصدق كلام بنتك الي انا متأكدة انها هاتكدب فيه هي كمان؟ زفر شاكر رافعًا عيناه للأعلى : - طب ياام العريف.. ممكن بقى تفهميني انتي وجهة نظرك إيه عشان افهم انا بدال اللف والدوران ده معايا في الكلام . قربت وجهها إليه وهي تردف بعينٍ خبيرة : - انا قصدي اوصلك ياحبيبي ان بنتك اللي كانت منشفة راسها الأول من ناحية علاء ابتدت تحن وتميل له.. وحتى هو كمان حساه ما اتأثرش،برفضها ليه ولا حتى بين انه زعل منها.. ودا طبعًا بغض النظر عن غضبه في ساعتها .. ساعة الرفض. وضع النظارة على عينيه مسهمًا بتفكير فتابعت : انا شوفت بنفسي نظرتهم لبعض النهاردة وهما خارجين من عربيته.. دي مش نظرة اتنين كارهين بعض ولاحصل مابينهم عرض بالجواز والرفض .. دول بيتكلموا عادي ولا اكنهم يعرفوا بعض من سنين حتى وبينهم مواضيع للكلام .. مط شفتيه وهو ينظف بسبابته داخل اذنه : - هو كلامك معقول .. بس برضوا ممكن تفسيراتك دي وتحليلاتك دي كلها تبقى غلط أو من هم خيالك .. لكن ان كان عليا انا اتمنى .. علاء دا راجل وبنتك لو لفت الدنيا بحالها مش هتلاقي واحد في زيه ولا اخلاقه . ................................ وفي الجانب الاَخر كان جالسًا على تخته بنصف نومة.. مكتفًا ذراعيه خلف راسه .. مستندًا على قائم السرير وقد جاف عينيه النوم بعد ان تزاحمت بعقله ذكريات الماضي وما يحدث الاَن في الحاضر .. وما سيترتب على صحة ما سمعه اليوم من عصام صديقه القديم، الذي كان له بفترة من الزمن اقرب اليه من سعد نفسه صديق الطفولة والجيرة أيضًا.. قصة حبه القديم التي انتهت بجرحٍ غائر افقده الثقة في جميع النساء لفترة طويلة من السنوات.. قبل ان يُقابل جنيته الصغيرة التي خطفت لُب قلبه من أول وهلة في رؤيتها.. وللعجب العجاب تبقى قصتها مربوطة ايضًا بجرحه القديم .تنفس بحريق من داخل اعماقه.. لا يدري متى ينتهي من عذاب قلبه وكيف السبيل لحل تسلسل عقده التي ليس لها نهاية .. اعتدل على الفراش بجذعه لينزل بقدمه على الارض ويتناول علبة سجائره مع علبة كبريت فقد فوجئ بتعطل قداحته ..خطا ناحية شرفته وقبل ان يدخلها كانت السيجارة في فمه .. اخرج عودًا ثقاب ليشعل به سيجارته ولكنه توقف بيده في الهواء قبل ان يصل بالعود المشتعل الى السيجارة داخل فمه بعد ان تسللت رائحتها المسكرة الى صدره.. التف برأسه ناحية شرفتها فوجدها بهيئتها التي ذكرته برؤيته الأولى حينما سحرته بنعومتها وجمالها.. مستندة على سور شرفتها وشعرها المتمرد يتطاير حول رأسها بحرية.. استفاق من شروده حينما شعر بلسعة نيران عود الثقاب التي وصلت الى اصابع يده.. نثرها من يده ورمى أيضًا السيجارة من فمه.. فما فائدتها لو غطت برائحة تبغها على رائحة الطيب من جميلته .. تحمحم بصوتٍ واضح ليصل الى أسماعها وهو ماحدث.. التفتت اليه برأسها فقال هو بتردد : - انا قولت اعمل صوت عشان مازعجكيش زي المرة الي فاتت . - اشاحت بوجهها قليلًا بخجل قبل ان تعود اليه بابتسامة صافية منها فاجأته: - متشكرين أوي يا معلم علاء على زوقك.. وممنونين جدًا عالتقدير . ابتسامتها كانت بسيطة وخجلة.. لكنها جعلت الدماء تضخ داخل قلبه بسرعة مجنونة.. وصوت دقاته تصل لأسمعاه كطبولٍ افريقية.. حاول التحكم بهذا الهذيان الذي اصاب عقله.. حتى يستطيع إخراج جملة مفيدة معها ..فتنحنح قائلًا بصوتٍ مهزوز: - ما انا مش عايز اكرر غلطي.. حكم انتي المرة اللي فاتت بصيتلي بغدرة كدة ولا اكنك قطة شرسة وهاتهجم عليا . هنا رنت صوت ضحكتها : "ااه .. دلوقتي بس عرفت المجاذيب ييتجننوا ازاي ".. هذا ماحدث بهِ نفسه وهو يشعر بالخدر الذي اصاب أطرافه.. من رؤية ضحكتها الصافية والتي زادت من جمال وجهها بروعة.. خبئت ضحكتها فجأة وتغير وجهها وهي ترد : - أنا المرة اللي فاتت كان عندي اسباب عشان اكرهك بيها من قبل ما اشوفك. - يعني انتي دلوقتي ماعدتيش بتكرهيني؟ رفعت عيناها اليه مجفلة فحدقت اليه للحظات صامتة قبل ان تجيب. - مش عارفة بس انا اكتشفت اني كنت ظالماك في حاجة انت ملكش ذنب فيها.. دا غير إني اكتشفت ان انت نفسك كنت مجروح. مط بشفتيه امامها وهو يعيد كلماته برأسه فأطربت أسماعه وأنعشت بداخله الأمل.. فتابعت هي بسؤال: - طب احنا دلوقتي هانعمل ايه؟ قطب حاجبيه فسألها ببلاهة: - في إيه؟ رفعت عيناها وهزت رأسها بيأس فتذكر هو: - اَااه.. انت قصدك يعني عن موضوع الكلام اللي ذكره عصام؟ اومأت برأسها إيجابًا فقال متنهدًا في البداية: - اولًا احنا لازم نتأكد من صحة الكلام الأول. قالت بسرعة وتعصب: - أنا متأكدة من صدق كلامه.. عشان متأكدة جدًا من أخلاق فاتن . اطرق بعيناه ارضً وشعر بالأسف قبل ان يتكلم: - أرجوكي ما تاخديش كلامي بمحمل على فاتن.. بس انا راجل عشت سنين على مشهد انها خانتني مع اعز اصحابي.. ودي حاجة أثرت جدًا في نظرتي ناحية الستات وافقدتني الثقة في كل الناس. وضح التفهم على ملامح وجهها فأثبتت هي بالقول: - انا فاهماك على فكرة ومش بلوم عليك. تنهد بارتياح وشعور بالسعادة يتسلل اليه رويدًا رويدًا..فقال بعملية: - خلاص ياستي مدام بقينا متافهمين يبقى هاقولك على اللي بفكر فيه.. انا من بكرة ان شاء الله هادور على البنت الخدامة اللي كانت شغالة عند عصام . هزت رأسها بحماس واكملت على قوله: - حلو اوي ده.. لأن البنت دي أكيد عندها حل السر اللي دوخنا طول السنين اللي فاتت..وانا كمان هحاول الاقي طريقة تعرفني عن الفترة القليلة اللي قضتها فاتن في الصعيد قبل ماتموت.. يمكن يكون في حاجة تهمنا فيها . اومأ برأسه عن رضا: - تمام.. واهو منها برضوا تعرفي هي ماتت بجد ولا حاجة تانية. اومأت هي ايضًا ..فسره جدًا نظرة الأمل بعيناها ورغم قساوة الوضع ولكنه وجد اَخيرًا شيئًا يربطهم ويقرب بينهم.. شعرت بالحرج حينما طال الصمت بينهم فاستاذنت للعودة لغرفتها.. وتركته هو يتأمل الكون حوله بنظرة أخرى بعيدة كل البعد عن السابق. ......................... في اليوم التالي . خرج من داخل ورشته يهلل بترحيب : - دا انا الصبي لما قالي جوا ماصدقتش .. نورت الورشة ياعلاء باشاء تقبل علاء عناقه والترحيب بمودة حقيقية لصديقه وجاره منذ الطفولة: - وحشتني ياسعد.. ووحشتني ايامك . شدد على كفه قائلًا بمرح : - ما انت ياعم عزلت وقولت عدولي.. تعالي اتفضل معايا جوا الورشة عشان افرجك كمان على شغلي الجديد . - خليها مرة تانية ياحبيببي.. المهم خلينا نتكلم احنا هنا عشان عايزك في موضوع ضروري . جلس الاثنان على مقعدين من الخشب وفي الوسط طاولة خشبية أيضًا صغيرة خارج الورشة .. فسأله سعد بفضول : - موضوع إيه بقى اللي كنت عايزني فيه . - اصل بصراحة انا كنت عايز اسألك عن حاجة قديمة كدة مر عليها سنين.. بس انا قولت يمكن يكون عندك خبر ولا تعرف حاجة عنها . - عقد حاجبيه بدهشة فسأل: - عن مين بالظبط؟ وموضوع إيه دا اللي مر عليه سنين؟ تنحنح علاء يلمس ارنبة انفه بتردد قبل ان يقول اَخيرًا : - يعني ..اصل انا كنت قابلت عصام .. عصام صاحبنا القديم انت تعرفه؟ جحظت عيناه واشتعل صدره بالغضب بمجرد سماع الأسم فقال بحدة : - ماله الخاين ده؟ وهو ليه عين كمان يشوفك ويفتح معاك مواضيع وانت ازاي تسمحله اساسًا؟... قاطعه علاء: - في إيه ياسعد؟ استنى واديني فرصة اتكلم. حاول تنظيم انفاسه الهادرة داخل صدره فقال : - معلش يا علاء.. بس انت عارف اني قطعت علاقتي مع البني ادم ده من زمان من ساعة ماعرفت منك موضوع خيانته ليك . قال الاَخيرة مشددًا على الاحرف لفت نظر علاء الذي رد : - يابني ما انا عارف كل كلامك ده.. انا بس عايز دلوقتي اتأكد من صحة الكلام اللي قالهولي .. واعرف ان كان صدق ولا كدب . شحب وجهه بصدمة وهو يستمع لعلاء وهو يسرد كلمات عصام فقال : - يعني هو بعد السنين دي كلها ما افتكرش يقولك الحقيقة غير دلوقتي وانت بكل سهولة كدة صدقت؟ - يابني انا لا صدقت ولا كدبت .. انا بس عايز اشوف البنت الخدامة دي واسالها غشان افهم . بصق جملته قائلًا : - وانا مالي بقى؟ - انت مالك ازاي بقى؟ هي البت دي ماكنتش قريبتك برضوا؟ ضرب على الطاولة التي امامهم بعنف وهو ينهض عن مقعده يهدر صائحًا بغضب : - انا ماعنديش قرايب خدامين ياعلاء . ربت علاء على ذراعه بمهادنة : - طب اهدى طيب واقعد ..الناس في الشارع بتبص علينا . عاد للجلوس مرة أخرى وصدره يعلو ويهبط من الغضب وهو يردد : - ما انت بتقول كلام يعصب ياعلاء.. انا البنت دي لما قدمتها للزفت عصام .. كان على اساس انها معرفة من ناس قرايبنا وكان صعبان عليا حالها وامها التعبانة .. يعني مش قريبتي ياعم .. دي كانت مجرد معرفة وراحت لحالها.. يعني ماعدتش اعرف عنها حاجة.. ثم أردف بغل: - هو لدرجادي الجدع ده عرف يلف دماغك من قاعدة واحدة ؟ ظهر الغضب على وجه علاء وهو يرد عليه بحدة : - انا مش عيل صغير ياسعد عشان يجي حد ويلفني بسهولة . صمت الاَخر يشيح عنه بنظره فأجفله علاء بسؤاله : - الا صحيح ياسعد.. لما قابلك عصام زمان عشان يوسطك مابيني وبينه.. ماقولتليش انت ليه على الموضوع ده . تحركت شفتاه بتوتر مرددًا: - هااا الفصل السابع عشر حانقة.. غاضبة.. تهز اقدامها بعصبية تحت الطاولة الجالسة عليها أمامه في المطعم الشهير والذي كان قد وعدها منذ فترة قريبة.. لصحبتها في زيارته.. وفي أعلى الطاولة كانت مستندة عليها بمرفقيها وهي تستمع لتبريره بأعين متوسعة كبركتي عسل بلونهم ..مكورة شفتيها كالأطفال على وجهها الذي تخضب بحمرة قانية من الغضب.. هيئتها الشهية اخرجته من تركيزه بضع مرات فازداد غضبها منه وازدادت رؤيتها تسلية بعيناه وهو يكبت ابتسامة ملحة بصعوبة عن وجهه. - يابنتي زي مابقولك كدة.. هو دا كل اللي حصل. برقت عيناها اكثر تهتف : - ياسلام.. وانا بقى عيلة صغيرة ولا هبلة عشان اصدق حاجة زي دي. رد بابتسامة مستترة: - صغيرة دا إيه بس ياشوشو؟ دا انت عاقلة وست العاقلين كمان . قالت غاضبة: - بلاش أسلوبك ده معايا ياحسين.. عشان انا حساك بتسخر مني ومن كلامي. لم يستطع كبح ابتسامته وهو يردف: - أسخر من مين بس يابنتي؟ هو انتي في حد يقدر يسخر منك برضوا ياقمر؟ ارتخت ملامح وجهها قليلًا ولكنها قاومت الضعف امامه.. فقالت بإصرار: - طب قولي الحقيقة واعترف ان كانت البنت دي حب قديم ولا انت عملت معاها علاقة.. وانا هاصدقك واسامحك لو قولت الحقيقة. - حب او علاقة!! هههه دون ارادته.. دوت الضحكة بصوتٍ عالي قبل أن يكبتها بوضع كفه على فمه.. راقبته لعدة لحظات وهو يقهقه بصوتٍ مكتوم ولا يستطيع التوقف.. مما اثار استيائها اكثر.. فنهضت عن كرسيها بعنف - ماشي ياحسين.. خليك انت كدة اضحك مع نفسك وانا ماشية وسايباك . امسك بمرفقها يوقفها بحزم قبل ان تذهب: - استني بقى واقعدي ياشروق.. الناس بتبص علينا.. اقعدي بقى عيب. أجفلت على النظرات الفضولية حولها فجلست مضطرة وهي تطحن اسنانها غيظًا: - هما دقايق بس ياحسين هاقعدهم.. ولو فضلت فيهم تتكلم وتضحك بأسلوبك الساخر ده مني و من عقلي.. هاقوم واسيبك وابقى دور بعد كدة بقى على حاجة تصالحني بيها.. عشان انا مش هاسمحلك نهائي.. وان شالله حتى تتفسخ...... - اوعي تكمليها لازعل بجد وربنا . قاطعها بجدية حقيقية بوجهٍ ذهب عنه المرح.. فتابع جديته بصوتٍ أجش ممسكًا بكفها: - انا مش بستهزأ بيكي.. انا بس شايف ان الموضوع كله هزار ومش مستاهل لخناقة مابينا انا وانتي رقت قليلًا من نبرته فقالت ببعض الرزانة: - انت شايفه موضوع مش مستاهل و انا شايفة العكس.. يبقى تفهمني الحقيقة. - يابنتي ما انا قولتلك.. كانت لعبة هزار من واحد صاحبي.. حب يعمل فيا مقلب مع مجموعة من الزملا لما كنا في حفلة لشركة السياحة اللي كنت بشتغل فيها الأول قبل ما استقل وافتح شركة لوحدي.. ودا كان في سهرة مع وفد سياحي.. صاحبي ده زق البنت الخوجاية دي تيجي ترزل عليا وفي نفس الوقت كان هو بيصور اللي حاصل. سألته بشك: - يعني الموضوع رزالة بس ومافيش أي حاجة تاني؟ هز رأسه بالنفي وهو يبتسم بسعادة: - وحياة غلاوتك عندي.. مش أكتر من كدة.. دا صاحبي عمل المقلب دا مخصوص نكاية فيا عشان انا كنت دايمًا مقفل وسطهم . - طب وانا إيه اللي يخليني اصدق؟ حدق بعيناها الجميلتان يقول بصدق رأته جليًا في عيناه - عشان انا مش هانكر لو كنت كدة فعلًا.. الموضوع ده مر عليه اكتر من سنتين يعني مكنتش لسة شوفتك ولا عرفتك عشان تتحسب عليا خيانة.. بس انا اللي مستغربه بجد هي ازاي وصلتك الصورة! - أهي وصلتني وخلاص.. - يعني مش هاتقولي على المصدر ؟ قالت بتحدي: - لأ مش هاقول ياحسين.. عندك مانع ؟ رفع حاجبه بتسلية: - ماشي ياشروق.. المهم بقى انتي صدقتيني ولا لسة برضوا مصممة عاللي في دماغك. هزت كتفها وقالت بدلال: - مش عارفة؟ ازداد اتساع ابتسامته فقال بمرح وهو يشير بيده للنادل: - بس انا عارف.. مدام اتكلمتي كدة باسترخاء نسبي يبقى بدأتي تحني.. نكمل عتابنا بقى واحنا بنتغدى.. تحبي اطلبلك إيه؟ ............................ مع قرب انتهاء اليوم الدراسي وخروج الطالبات من غرفة الحاسبات بعد انتهاء حصتها معهم.. وقفت تلملم أشيائها وتضعهم بحقيبتها اليدوية.. قبل ان تنصرف هي الاخرى وتعود لمنزلها.. وسط انهماكها وصل لأسماعها صوت صفير من الفم بصوتٍ خفيض .. رفعت راسها لتتبين مصدره ناحية الباب المفتوح بمواربة صغيرة ولكنها لم تجد احد فعادت لما تفعله فتكرر الصوت مرة أخرى واثنان وهي ترفع عيناها ولا تجد سوى الهواء.. زفرت بغيظ وهي ترجح بانها معاكسة من إحدى الطالبات لتستفزها فتناولت عصا خشبية تستخدمها ساعة الضرورة في التدريس وذهبت لتفاجأ من يشاكسها .. رفعت يدها الممسكة بالعصا بتحفز وهي تمسك بمقبض الباب لتفتحه لتباغت من يقف خلفه. لتفاجأ بشهقة انثوية ضاحكة : - حاسبي يا ابلة فجر انتي هاتضربي صاحبتك ولا إيه؟ فغرت فاهاها بشهقة هي الأخرى مشتاقة لصديقتها التي ارتمت عليها تعانقها: - سحر!! وحشتيني يامجنونة.. وحشني جنانك . سحر وهي تشدد عليها بذراعيها وهي تقهقه بمرح: - مش اكتر مني يا فجر وربنا.. مش اكتر مني . بشويش ياجماعة على نفسكم.. دول اخرهم اسبوعين فراق مش سنين يعني . نزعت فجر نفسها عن صديقتها مجفلة على هذا الصوت الساخر لشابٍ يقف خلف سحر مباشرةً لم تراه هي في خضم انشاغلها بمعانقة صديقتها سوى الاَن.. نظرت لسحر باستفسار فوجدتها تبتسم بسعادة فسألتها بمشاكسة: - اوعي تقولي انك معرفتهوش؟ والنعمة ازعل منك . رفغت فجر عيناها اليه مرة اخرى فهزت براسها ضاحكة حينما تذكرت ملامح وجهه: - لا ماتزعليش مني ياسوسو.. انا دلوقتي حالاً افتكرته من الصور اللي انتي بعتيهالي.. استاذ رمزي صح؟ قالت الاَخيرة وهي تشير اليه بسبابتها.. اومأ اليها هو قائلًا : - صح فعلًا يا انسة فجر . رحبت فجر بمصافحته الودودة وانتقلت عيناها لسحر التي تورد وجهها بفرحة جعلت ملامحها تبدوا كامرأة اخرى شديدة الفتنة والجمال . - طب إيه هانفضل هنا واقفين عالباب والطالبات يبصوا علينا ..تعالوا ندخل جوا الغرفة على الاقل نقعد بدل الوقفة . .......................... دلف لداخل منزله المتواضع بغضبٍ حارق تتبعه شياطينه حتى أنه لم يلتفت للطفلة الصغيرة التي كانت جالسة على الاَريكة الخشبية والخاصة بوالدته تشاهد التلفاز.. هتفت بمرح: - خالي سعد.. ازيك ياخالي . لم يسمعها ولم يرها أيضًا وهو يسرع بخطواتٍ ناحية غرفته.. والتي بمجرد دلوفه إليها صفق بابها يغلقه بقوة اجفلت الطفلة ذات السبع سنوات منتفضة.. وجعلت والدتها تخرج من داخل المطبخ سائلة وهي تجفف يداها: - إيه الصوت ده؟ هو في حد دخل عندنا هنا يامروة؟ - ايوة ياماما.. خالي سعد ودخل على اؤضته وقفلها عليه كمان من غير مايعبرني ولا يرد عليا حتى. تمتمت المرأة وهي تخطو ناحية الغرفة: - خالك سعد!! مش بعادة يعني يجي بدري كدة؟ طرقت بخفة على باب الغرفة فوصلها صوته من الداخل: - مش عايز اشوف حد . - انا اختك لبنى ياسعد... لم تكمل جملتها حينما قاطعها صارخًا بصوتٍ جهوري يصُم الاَذان: - قولت مش عايز اشوف حد.. ابعدوا عني بقى ابعدوا عني . ارتدت عائدة لوالدتها في مطبخهم الصغير وهي ترتجف: - اخويا سعد ماله ياما؟ سالتها نشوى بهدوء وهي متربعة على ارضية المطبخ تنزع بيدها ريش الدجاجة المذبوحة: - مالوا اخوكي يابت؟ بصوت مرتعش وهي تتربع امامها على الارضية: - دخل اؤضته زي القطر واما خبطت على باب الاؤضة عشان اشوفه او اسلم عليه.. صرخ عليا خضني وقعد يقولي ابعدوا ومش عايز اشوف حد فيكم..هو ماله يامًا؟ نشوى وهي تعيد الدجاجة داخل إناء المياه الساخنة قبل ان تخرجها مرة اخرى وتكمل ما تفعله: - يعني هايكون ماله يعني؟ دا واد نكدي يموت لو ملاقاش حاجة ينكد بيها على نفسه وعلى اللي حواليه..لا هو وصغير راضي ولا حتى بعد ما كبر وربنا فتحها عليه راضي.. عيل فقري. - بس انا خوفت اوي من شخطته فيا ياامّا.. هو انا باجي عندكم كل يوم عشان الاقي منه المعاملة العفشة دي؟. قالت نشوى بتحدي: - ليه ياعين امك؟ هو انتي قاعدة في بيته؟ دا انتي قاعدة في بيت ابوكي ومع امك مش مع مراته.. سيبك منه يابت ومن قرفه واستني كدة لما اعملك طبق ملوخية تاكلي صوابعك وراه على مرقة الفرخة دي.. عشان ترمي بيها عضمك ياعين امك . اندمجت لبنى مع والدتها في حديث الطعام الشهي وتناست سعد وما يفعله ..فسالتها: - طب مش كان احسن ياما تخلي سيد الفرارجي ينضفها بالمرة بدل تعب القلب ده؟ ردت نشوى باقتناع: - في بيتنا احسن يابنتي.. عند سيد الفرارجي اكيد هاينقصها من حوايجها! ............................. وبداخل غرفته كان كالبركان الثائر بنيران الحقد.. صوت انفاسه الهادرة مسموعة بوضوح داخل فضاء الغرفة .. ترتعش مقلتيه باضطراب وهو يستعيد بذاكرته وجه غريمه من وقت أن سمع بإسمه.. والذي عاد الاَن بعد كل هذه السنوات لينبش في الماضي الذي تظل اَثاره عالقة بذهنه ولا تتركه حتى بنومه من أحلام تقبض على صدره لتذكره دائمًا حينما يغفل أو يُحاول المضي قدمًا بحياته فلا ينسى ابدًا ماحدث بوقتها ولا ينسى ما سبقها من سنوات كان يتألم ويحترق فيها صامتًا ولا يشعر به أحد.. نشأته الصعبة وهو صغير حينما كان فقيرًا معدمًا بجسدهِ الضئيل الذي لالطالما أغرى أقرانه الصغار في الحارة ليتنمروا عليه فيسحقوا ضعفه بالإهانة والاعتداء لولا وجود علاء المصري الذي كان رغم صغر سنه يقف بوجههم لمناصرته واخذ حقه وقت الزوم..كان مصدر حماية وأمان له.. أحبه كشقيق لم تلده أمه رغم شعور النقص الذي كان ينموا بداخله مع نمو جسده.. فقد من الله على علاء بالخلقة الحسنة والجسد الرجولي الخشن منذ صغره بالأضافة لمال ابيه وحسبه ونسبه.. عكسه هو الذي كان يرى النقص في كل شئ حوله.. لكنه كان يكيف نفسه ويتعايش مع هذا الشعور البغيض بفضل تواضع علاء معه الذي كان يغدق عليه بالحنان الأخوي بما يخفف عنه.. لكن مع دخول مرحلة الجامعة وتعرف علاء على هذا المدعو عصام ابن الطبيب الشهير.. انقلبت حياته لمرار وهو يرى نمو الصداقة بينهم بتكافئ مذل له.. بل ومهين وهو يرى التفاف الاصدقاء حولهم من فتيات وشباب وكأنهم نجمان متلألاَن.. الكل يتهافت على التعرف اليهم وهو بينهم على الهامش وغير مرئي اطلاقًا وتمر السنوات وتتطور العلاقة ليحتل هذا العصام مكانه في الحارة ايضًا بعد الجامعة.. فيأسر قلوب الطبقة الفقيرة من اصدقاء وجيران لهم.. وكأنه فرد نشأ وتربى بينهم.. وهو على حاله دومًا غير مرئي ولا أحد يشعر به ولا أحد يسمعه صمته.. حتى اتى هذا اليوم حينما راَها بسيارته؟ هي حب عمره وحلم حياته.. في سيارته.. فكانت هي الفرصة. التمعت عيناه فجأة وهو يعيد بعقله ماحدث.. ويقسم بداخله على النجاة وان كان الله انقصه من نعم كثيرة انعم بها على غيره.. فقد ميزه هو بالدهاء والذكاء.. وكما نجح قديمًا فلابد له من النجاح الاَن ايضًا مهما كان الثمن! .............................. في المساء تفاجات فجر وهي تجلس امام شاشة التلفاز تشاهد إحدي البرامج بعودة شقيقتها من مشوارها بصحبة خطيبها بوجهٍ يشع بالسعادة عكس ما خرجت به.. تدندن بصوتها وهي تقترب منها لتناكشها و تغني . - عارف انت الحظ بعينه ..كان وشك حلو عليا كل اللي الناس شايفينه.. مايجيش واحد في المية مللي انا لسة ماقولتوش.. انا لو تبقى معايا بيترج القلب ويتهز... انا لو تاخد عيني يانور عيني عيني ماتتعز. استجابت ضاحكة وهي تدغدغها فقالت مندهشة. - والنبي إيه؟ طالعة من عندنا ابو الغضب مرسوم على وشك ودلوقتي راجعة وعمر دياب بيغني على لسانك؟ إيه يابت الجنان ده؟ قالت بدلال: - وماله بس لما ارجع بعمر دياب ولا سنية العالمة حتى ..مش المهم اكون مفرفشة يااختي الابلة . اومأت برأسها موافقة وهي تضحك: - ان شالله يارب دايمًا ياحبيبتي.. المهم بقى احكيلي اتصالحتوا ازاي؟ اعتدلت بجلستها تسالها ببلاهة: - وانتي عرفتي ازاي ان احنا اتصالحنا بقى؟ مالت اليها برقبتها وابتسامة متسلية على وجهها.. فردت شروق: - معلش بقى سؤال غبي؟ وانا اساسًا مكتوب على وشي الصلح والدلع كمان . سالتها بتوجس يشوبه المداعبة: - دلع ياشوشو؟ اومأت برأسها: - اه والنبي يااختي دلع.. دا خدني الاول على المطعم اللي قولت عليه قبل كدة .. صالحني هناك وفهمني اصل الصورة ومناسبتها واكلنا فيه على موسيقى هادية ورومانسية وبعدها فسحني في الملاهي وهيصنا فيها وجابلي جيلاتي.. انا النهاردة كان من اسعد ايام حياتي يافيفي.. - قالت فجر بارتياح: - طب الحمد لله ياستي انه عرف يصالحك ويبسطك كمان ..ياريت بقى تاخدي بالك بعد كدة من اي حاجة تجيلك من ناس غريبة.. عشان ماتضريش نفسك وتاخدي خطيبك بذنب هو معملهوش. - عندك حق يافجر.. حسين دا طيب قوي وعرف يمتص غضبي منه.. وانا بعد ما شرحلي صدقت كل حرف طالع منه. - تمام اوي الكلام ده.. هو فينه بقى مجاش معاكي؟ - لا ماهو دخل عند والدته يشوفها ويشوف علاء اخوه.. اصل اتصل بيه وطلب يقابلوه وهو معايا بنتفسح .. المهم بقى.. انتي ليه قاعدة هنا في الصالة مش في اؤضتك وفين باقي العيلة مش شايفاهم؟ اجابت فجر: - والدك ووالدتك أخدوا إبراهيم لدكتور العظام عشان الكسر بتاعه.. وانا بقى قاعدة هنا في الصالة كنت بستناكي عشان اطمن ياستي واديني والحمد لله اطمنت . - حبيبة قلبي انتي . قالتها وهي تقبلها بوجنتها قبل ان تنهض وهو تتابع: - ربنا يرزقك انتي كمان يااحلى فجر باللي ينسيكي كل تعب السنين ويدلعك بقى.. دا الدلع حلو قوي ياجدعان . والنعمة حلو اوي . كانت ترددها وهي تتجه بخطواتها نحو غرفتها.. جعلت فجر تتبعها بنظراتها وهي تهمس بداخلها: - معقول ياشروق هايجي اليوم ده اللي احب فيه واتحب زيك انتي كدة وزي سحر كمان؟ ............................ حبيب قلبي يا ابوعلاء قالها حسين وهو يفتح على اخيه باب الغرفة قبل يقطع جملته متابعًا بعد ذلك: - ايه ياعم الدخان دا كله؟ دي الاوضة معمية بريحة السجاير . قال بابتسامة ومزاح: - ادخل يااض على طول واسترجل ولا انت هاتخاف على صدرك من الريحة كمان . تقدم للداخل متافافًا وهو يهوي بيده: - اخاف ياعم وماخافش ليه؟ ما في الحالتين الضرر واحد.. وانت بقى اللي بتعمله ده اسمه انتحار .. طب افتح شباك البلكونة حتى عشان تهويها شوية . - اشار بلامباة: - افتحها انت.. انا مكنتش واخد بالي اصلًا . فتح حسين باب الشرفة على مصراعيه متنهدًا بارتياح قبل ان يعود بنظره جيدًا لاخيه الجالس على طرف الفراش بشرود وهو يدخن بشراهة ومطفأة السجائر بجانبه وقد امتلائت بالأعقاب . ردد وهو يتناول كرسي ويقترب به للجلوس امامه: - يانهار ابيض دا انت عاملها حريقة بجد.. كل دي سجاير شربتها ياعلاء؟ انت عايز تنتحر يابني.. وماتقوليش والنبي خاف على نفسك والكلام ده.. اصل ده مش شرب دي حريقة. زفر علاء وهو ينفث دخان السجيارة التي بيده: - لا ياسيدي مش هاقولك.. انا اصلًا ماعنديش مزاج ولا فيا حيل لأي كلام. قطب حاجبيه بقلق: - ليه ياعلاء؟ انا فهمت انك محتاجني لما اتصلت بيا.. بس شكلك بيقول ان في كارثة . مط شفتيه بزاوية: - هو مش كارثة قد ما هو حيرة وانا حاسس نفسي في داومة ومش عارفة طريق خروجي منها . ربت على قدمه قائلًا بمؤازرة: - سلامتك ياعلاء من الحيرة.. قولي اللي محيرك وانا احاول معاك في حل للدومة الغرقان فيها دي . قال علاء برجاء: - انا عشان كدة اتصلت بيك ياحسين.. انت اخويا وصاحبي ورغم انك الأصغر لكن انا بحسك بتشوف الامور بميزان العقل اكتر مني.. وانا عايز احكي لحد يفهمني. بعد ان سرد علاء لأخيه كل ماحدث بينه وبين فجر وماقاله عصام وما رأه من سعد وحيره اكثر .. ظل منتظرًا لعدة لحظات لرد حسين الذي كان متكتفًا بذراعيه يستوعب ويفكر بصمت. - إيه يابني ماتتكلم؟ هاتفضل ساكت كدة كتير؟. حك حسين بسبابته على ذقنه المهذبة وهو يتحدث بتركيز: - اصل بصراحة كمية المعلومات دي اللي قولتهالي مرة واحدة.. جعلتني انا كمان احتار زيك.. رغم شكي من زمان . سأله باستفسار: - شكك في إيه ؟ - كنت شاكك بوجود لغز في اختفاء فاتن من الحي وبين مقاطعتك انت لموضوع الجواز . قال علاء: - ماهو دا اللي انا كنت معتقد فيه من زمان.. انها خانتني.. لكن اخلاقي بقى منعتني احكيلك ولا اقول باللي شوفته بعيني.. لكن اللي حكاه عصام دلوقتي وتأكيد فجر على كلامه..قلب كل الموازين معايا.. وانا بقلبها في دماغي ومش عارف اتأكد ازاي انا كمان واعرف الحقيقة. - طب ما انت قولت انك هاتدور على البنت الخدامة . - حصل ياحسين.. بس انا مش عارف اسال مين غير سعد اللي لخبط الدنيا معايا وقالي انه مايعرفهاش ولا حتى تبقى قريبته زي ما انا كنت فاهم.. - وانت صدقته؟ - نعم! - بقولك ياعلاء.. انت صدقت ان سعد ما يعرفش البنت؟ - تقصد آيه؟ الفصل الثامن عشر مال براسه وضاقت عيناه بتفكير وهو ينظر لأخيه مستفسرًا قبل ان يسأله بتوجس: - تقصد إيه؟ اعتدل حسين في جلسته وهو يمط شفتاه واهتزت كتيفيه وقال: - اقصد ان سعد ده اكيد بيكدب ومش بعيد يكون عارف كمان بمكان البنت وبيداري؟ ساله بعدم استيعاب: - ليه يعني؟ وايه اللي،هايخليه يداري في حاجة مهمة زي دي وتهم صاحبه؟ تكلم حسين بلهجة غامضة: - بصراحة انا مش عارف ليه عشان اجاوبك.. بس برضوا مش مصدقه؟ - طب ليه يابني؟ ماتفهمني اللي في دماغك عشان اعرف. اقترب برأسه من اخيه محدقًا بعيناه وقال: - عشان مش واثق فيه ياعلاء.. وعايزك انت كمان تفتح عنيك معاه.. سعد اللي انت شايفه دلوقتي غير سعد بتاع زمان.. سعد مبقاش صاحبك الضعيف اللي انت كنت بتدافع عنه ياعلاء من عنف العيال الصيع في الشارع.. سعد بقى واحد تاني وانت نفسك ماتعرفوش . سهم لبعض اللحظات مفكرًا في كلمات اخيه المفاجاة ثم ما لبث ان قطع صمته قائلًا باستنكار: - ياااحسين ياااحبيبي.. انا عايزك تجاوبني بالمنطق مش عشان يعني سعد اتقدم لخطيبتك الاول فانت هاتشك بقى فيه وتشوفه بنظرة تانية.. يابني بالاش تتحامل..... قاطعه بحدة: - افهمني ياعلاء بقى وبلاش تقفل عيونك... دا انت بنفسك قولت ان الخيانة حصلت من حد قريب انت وعصام ويعرف بحكايتك مع فاتن. انتفض عن تخته واقفًا وهو لم يحتمل الفكرة فهتف باعتراض: - لا ياحسين .. انت كدة فرطت منك اوي.. اللي انت بتقوله دا كلام خطير وتطير فيه رقاب . نهض هو الاَخر يقابله وقال بهدوء لا يناسب العاصفة الهوجاء في عين أخيه: - انا بقولك على اللي بفكر فيه ياعلاء . لوح بيده كإشارة بالتوقف: - طب خلاص خلاص.. شيل من مخك الموضوع دا خالص وانا هابقى اشوف لى صرفة في موضوع البنت الخدامة ده.. ااانت اتعشيت ولاا هاتتعشى معايا انا ووالدتك؟ خرج سؤاله الاَخير باضطراب شعر بهِ حسين فاشفق عليه وقال مغيرًا دفة الحديث: - لا ياسيدي هاتعشى معاكم.. انا اساسًا هلكان جوع من لعب الملاهي مع شروق.. دي هدت حيلي ولا اكنها عيلة صغيرة ولقت فرصتها . شقت ابتسامة وجه علاء المضطرب فقال بمودة: - ربنا يخليهالك ياحسين.. انتوا الاتنين لايقين على بعض اوي وتستاهلوا كل الخير. ربت على ذراع اخيه فقال بمؤازرة: - وانت كمان ياحبيبي اطمن.. اكيد ربنا هايهيئلك الظروف وتنول اللي بتحبها. ساله ببلاهة: - تقصد مين؟ تبسم حسين فغمز بعينهِ وهو يتحرك لخارج الغرفة فقال بمكر وهو ممسك بمقبض الباب: - قصدي اللي بالك فيها ياابوعلاء.. ولا إيه؟ ختم بضحكة كبيرة وهو خارج.. اما علاء فتعرق واضطرب كأنه عاد مراهقًا صغيرًا في السابعة عشر من عمره.. ........................... خرج من غرفته بعد ان اخذ حمامًا دافئًا انعشه وارتدى ملابس نظيفة غير ملابس العمل تلك .. وجد والدته جالسة ارضًا ومعها شقيقته لبنى وابنتها يتناولان معها الطعام على مائدة صغيرة ومستديرة( الطبلية) تمتم بروتينية وهو يمشط شعر رأسه بيده: - مساء الخير . ردت لبنى بحماس وهي تضع ملعقة الارز بفمها: - مساء الفل ياخويا.. تعالى كل معانا الاكل سخن وطعمه حلو قوي . سبقته نشوى بردها: - سيبيه يا لبنى احسن يقولك نفسي مسدودة زي ما بيعمل معايا كل يوم . تحركت عيناه ناحية المائدة ومع عليها من اصنافًا شهية فاصدرت امعاءه الخاوية اصوتًها طلبًا للطعام..تمتم وهو يفترش الأرض معهم : - لا انا هاكل معاكم اصل انا جعان.. ازيك يابت يامروة. ردت الطفلة بعتب طفولي: - توك ما افتكرت ياخالي؟ دا انا قاعدة هنا من الصبح وانت لما دخلت ندهت عليك وانت ولا اكنك شوفتني ولاحتى عبرتني . دفعها بكفه على رأسها بمزاح: - العتب عالنظر يااختي.. المرة الجاية هابقى اَخد بالي. تسامرا أربعتهم ببعض الاحاديث المختلفة وهم يتناولون طعامهم حتى قربوا على الانتهاء فقالت لبنى وهي تهم برفع اطباق الطعام : - الحمد لله.. اكلة حلوة اوى يامّا. ربنا ما يحرمنيش منك . ردت نشوى وهي تمسح يدها بطرحتها القماش: - بالهنا والشفا ياحبيبتى.. ما يطرح مايسري يمري.. انا هاقوم اعملك كوبايتين شاي نحبس بيهم. هتفت لبنى على ابنتها موبخة: - ماتبس يابنت انتي وقولي الحمد لله.. انتى هاتقعدي اليوم كله تاكلي؟ قومي يازفته هاتبقي زي الدبة . نهضت الطفلة عن طعامها ممتعضة فخاطب سعد شقيقته وهو يهم لينهض هو الاَخر: - ماتسيبيها تاكل.. هي كل يوم هاتكل لحمة؟ مصمصت لبنى بشفتيها قائلة: - اهي حظها منيل زي حظ امها اللي اتجوزت واحد فالح بس يشرب البرشام ويبيعه وفي النهاية بقى رد سجون.. وناس تانية محظوظة بقى ربنا فتحها عليهم من وسعها وبقوا هوانم كمان . ضيق عيناه متسائلًا : -قصدك مين يعني؟ - قصدي على نيرمين ياحبيبي.. اللي شافتني وانا داخلة الحارة ولا اكنها تعرفني.. نسيت صاحبتها وايام الشغل في المصنع قليلة الاصل . نهضت وهي ترفع بعض الاطباق وتابعت : - هي زهزهت معاها وانا وامينة الدنيا جات علينا بزيادة. جذبها من ذراعها يوقفها بعنف: - هو انتي لسة بتكلميها البت دي؟اتمليتي عليها فين تاني الله يخرب بيتك؟ ردت بعتاب: - يعني هاكون شفتها فيه يعني ؟ ما انا قطعت علاقتي بيها من زمان زي انت ما امرت .. لكن بقى جوزها طلع يبقى زميل جوزي في السجن وانا وهي اتقابلنا في الزيارت ورجعنا اصحاب زي زمان. جز على اسنانه وهو يضغط على مرفقها بعنف: - البت دي لو ما بعدتيش عنها ولا لمت هي نفسها عنك انا هايبقى ليا صرفة معاها . نزعت يدها وهي تهتف بوجهه: - اموت واعرف ايه مخليك كارها انت بالشكل ده؟ ومخليها هي تدعي عليك ليل ونهار وبرضك مارضياش تقولي السبب؟ رفع قبضته المضمومة امام وجهها قائلًا بتحذير : - ابعدي عن البت دي وما تعرفيهاش تاني يالبنى يامش هايحصل طيب. قالت بتحدي: - وان مابعدتش هاتمنعني من الخروج مثلًا زي زمان.. لا اصحى ياحبيبي.. انا عندي بيت وساكنة فيه لوحدي كمان.. عن اذنك بقى خليني اَخد الاطباق دي للمطبخ . تخطته وذهبت من امامه تتجاهل غضبه الذي تأجج مرة وهو يشعر بقرب انهيار المعبد على راسه.. مسح بكفه على شعره يكاد ان يقتلعه من منبته.. يبتغي الوصول لحلٍ سريع لإعادة سيطرته على زمام الامور كسابق عهده. ............................. - تسلم إيدك ياست الكل..الحمام طعمه يهبل . - كل ياحبيبي ومطرح مايسري مري . قالتها زهيرة وهي تربت على ذراع حسين وهو يتناول معهم قطع الحمام المحمر امامه بشهية..اكمل هو بمسكنة: - اه ياامي..دا انا وحشني اوي اكلك اللذيذ ده.. مش العك بتاع الطباخ الجديد ولا اكل المطاعم ..دا انا معدتي نشفت والنعمة. هتف عليه علاء مستنكرًا : - ماتاكل وانت ساكت ياض.. هو انت هاتحكيلنا قصة حياتك هنا؟ رد حسين بتصنع الحقد: - طبعًا ياسيدي..ليك حق تقطم فيا على كيفك.. ما انت متمرغ في حضن ست الحبايب وشبعان من الاكل اللي ييفتح النفس ده ويدفي في عز الشتا. تمتم علاء: - يخريبت قرك ياشيخ.. دا انت الحرمان خلاك مزعج. رنت ضحكة زهيرة النادرة فأطربت اسماع الشقيقان بسعادة وقالت: - ربنا ما يحرمني منكم ولا من مناقرتكم انتو الاتتنن ياولاد قلبي. امم على دعوتها علاء وتناول حسين كفها يقبلها بامتنان هو الاَخر وصمت قليلًا قبل ان يتحدث بتردد وهو يتلاعب في طبق الأرز : - كنت عايز اقولك على حاجة ياست الكل.. بس خايف لاتزعلي . قطبت زهيرة حاجبيها متسائلة: - حاجة أيه بالظبط؟ قول ياحبيبي وماتترددتش. رفع انظاره ناحيتها وناحية علاء المنتظر قوله بقلق: - بصراحة والدي كان طالب مني ان اعزم الجماعة.. اا شروق وعيلتها يعني عندنا في البيت.. فاانا كنت يعني.. قاطعته قائلة بتماسك: - إعزمهم ياحسين دا واجب واصول ياحبيبي. ردد خلفها علاء باستنكار: - واجب واصول ياما! وعند نرمين؟ هدرت عليه صائحة بغضب: - عند بيت ابوك ياعلاء مش بيتها.. وبعد عمرٍ طويل ان شاء الله هايبقى بيتك انت واخوك وعيالكم من بعدكم. اكمل على قولها حسين: - هو دا فعلًا الصح ياامي ودا من اهم الاسباب اللي خلتني اوافق على العزومة.. وانا من رأيي ان علاء كمان يحضر معانا دا لو ماعندكيش مانع طبعًا. - وانا كمان! قالها علاء باعتراض فرد حسين: - ايوة ياعلاء.. والدي مهما رحب بالجماعة مش هايبقى زيك برضوا وانا غصب عني هانشغل بشروق.. وانا مش عايز حماتي تضايق مني ولا ابلة فجر . قال الاَخيرة بمكر انتبه له علاء الذي نزل بعيناه لطبقه يأكل منه بارتباك.. فهتفت زهيرة بخبث هي الأخرى: - حقة ياعلاء .. دي تبقي عيبة في حقنا لو اضايقوا او زعلوا ..لازم يابني تروح حتى عشان اخوك. نظر اليها حسين بابتسامة مستترة قبل ان يلتفت لعلاء الذي تحمحم وقال برزانة: - ماشي.. ماشي ياامي هابقى اشوف الظروف ان شاء . ............................ في اليوم التالي خرج شاكر من شقته في موعده اليومي في الصباح حتى يلحق بعمله وبعد ان خرج من البناية وهم بالتوجه للناحية الثانية من الرصيف ليصعد باية وسيلة للمواصلات العامة تفاجأ بالنداء خلفه باسمه - عم شاكر ..استنى اوقف ياعم شاكر . التف بجسده وهو يعدل نظراته فوجد علاء على مسافة قريبة منه بسيارته وهو يلوح له بيده فلوح هو الاَخر يحيه على عجل: - ياهلًا يابني.. هو انت عايز حاجة؟ عشان بس انا مستعجل على ميعاد الشغل. قال يدعوه: - طيب تعالى عشان اوصلك معايا في طريقي . رد شاكر : - يابني مالوش لزوم انا هالحق الأتوبيس واخلص . صفق علاء باب السيارة يتكلم بحمائية: - طب على النعمة ماانت راكب غير عربيتي تروح بيها الشغل النهاردة.. في ايه ياعم شاكر؟ هو احنا اغراب ؟ عاد اليه شاكر يهز رأسه بيأس: - اخ منك يامعلم علاء.. يعني هو لازم الحمقة دي؟ ماقولنا مالوش لزوم. بعد ان اعتلى معه السيارة وانتظر قليلًا ليتحرك بالسيارة سأله شاكر: - هو انت مستني حد يابني؟ اجابه باضطراب وعيناه في مراَة السيارة الجانبية ينظر خلفه باهتمام: - لا طبعًا هاتحرك حالًا بس انا كنت عايز اسألك.. هي العربية لسة عطلانة؟ - اه ياعلاء ماتفكرنيش.. دا الميكانيكي طالب في تصليحها شئ وشويات.. انا بفكر اسيبها عنده واستعوض ربنا فيها.. دي حتى بيع ماتنفعش . سأله بتردد ليكسب مزيدًا من الوقت: - ليه بس؟ دي حتى باين عليها عربية اصيلة بدليل انها عاشت العمر دا كله معاك . - عاشت فين بس يابني؟ دي من ساعة ماجبتها وهي مطلعة عيني.. لا انت فاكرني وارثها.. دي اشتريتها كسر بعد ربنا مارزقني بابراهيم حكم ساعتها كان ربنا فارجها عليا والمرتب لسة بخيره وبعرف اوفر منه مش زي دلوقتي مابياخدتش معايا لنص الشهر من المصاريف اللي كترت وو.... فيه ايه ياعلاء يابني؟ هو انت عرييتك دي مش ناوية تمشي النهاردة؟ - هاا معلش ياعم شاكر.. اصل اندمجت مع كلامك . - الله يرضى عنك يابني دور العربية خليني الحق ميعادي. - حاضر ياعم شاكر حاضر أدار المحرك بيأس لعدم رؤيتها ولكن بنظرة خاطفة للخلف عاد اليه الأمل مرة اخرى وهو يتحرك بالمقود.. فقال بتصنع المفاجأة: - اي ده؟ دي الاَنسة فجر.. هي لسة كمان مراحتش مدرستها . قال شاكر بلؤم وقد فطن لخطط علاء المكشوفة : - اه صحيح دي هي.. استنى لما انده لها بقى .. بت يافجر... تعالى هنا يابنت . ............................... جلس على كرسيه الخشب خارج ورشته يرتشف من كوب الشاي بيد واليد الأخرى ممسكة بسيجارة..ينفث دخانها هي الأخرى في انتظار بقية العمال العاملون بالورشة والذين كانوا يأتون تباعًا.. اجفل منتبهًا على هذا الخيال الذي شعر بظله من الخلف..وصوته الاَتى يقول: - صباح الخير يامعلم سعد . التف اليه برأسه وجده واقفًا بأناقة بشموخ.. وضوء الشمس انعكس على بشرته البيضاء فزادته وسامة.. ..يداه الاثنتان بجيبي بنطاله..ذقنه ممدودة للأمام ونظرة غريبة منه وهو يردد: - بقولك صباح الخير يامعلم سعد.. انت مش سامع ولا إيه؟ وضع كوبه على الطاولة ونهض مرحبًا بحبور متكلف: - يااهلًا يااهلًا ياحسين يااخويا .. معلش بقى اصلي اتفاجأت بالزيارة الكريمة. صافحه حسين مشددًا: - ليه بس ياراجل المفاجأة ؟ دا انا حتى عريس.. وشى عادي ان اجيلك مش دي ورشتك برضوا؟ شعر سعد بغرابة السؤال ولكنه اجاب: - ايوة طبعًا ورشتي ياحسين.. امال هايكون ورشة مين يعني؟ اومأ برأسهِ وهو يخطو نحو مدخلها فالقى نظرة لداخل الورشة قبل ان يعود بانظاره لسعد القابع مكانه باندهاش: - الورشة اتغيرت اوي ياسعد واتطورت .. انا فاكر اما كنت بلعب في الشارع هنا زمان.. كانت يدوب لتصليح الشبايبك والكراسي وبعض الحاجات الخشب الخفيفة.. لكن دلوقتي بقى بتجهز عرايس زي ما انا شايف اهو .. الله يفكره بالخير بقى الراجل الغلبان. سأله بتجهم: - راجل مين الغلبان؟ اجاب حسين : - عم بدر الصعيدي ياسعد.. مش برضوا هو كان صاحب الورشة دي في الاول.. قبل انت ما ربنا يفتحها عليك وتاخدها منه وتكبرها بقدرة قادر . شدد على حروف الاَخيرة قبل ان يستأذن بغموض: - عن اذنك بقى ياسعد اصلي متأخر على شغلي .. ابقى اجيلك وقت تاني بقى عشان اتفرج على شغل الورشة ويمكن اختار ولا تعجبني حاجة منهم .. سلام بقى . قالها واستأذن وظل سعد على وضعه متسمرًا بمكانه لعدة لحظات وهو ينظر الى ظهره حتى اختفى من امامه تمامًا.. لا يدري سر هذه الزيارة الغريبة ولايدري غرض حسين الحقيقي منها . ........................... جالسة بنفس محلها كالمرة السابقة بالمقعد الخلفي للسيارة بعد ان اوصل والدها لمقر عمله ولكن شتان بين المرتين.. في الاولى كانت تزفر بضيق وتعُد الدقائق حتى تخرج من السيارة بعد ان دلفت اليها مضطرة.. اما الاَن فهي تشعر بالارتباك والتوتر ولا تعلم السبب.. ونظراته تلاحقها منذ ان جلست بالسيارة حتى رغم وجود والدها بالمقعد الامامي قبل ان يتركها معه وينصرف هو الى عمله.. اخرجها من شرودها وهو يسألها : - اخبار ابراهيم إيه يا ابلة فجر؟ اجابت بخفوت وخجل تعجبت هي له: - كويس والحمد لله.. امبارح الدكتور طمن والدي ووالدتي عليه. اومأ براسه: - طب الحمد لله.. انا امبارح مقدرتش اشوفه عشان بس كنت مشغول في موضوع كدة . اومأت هي ايضًا برأسها قبل ان تساله باهتمام : - عرفت حاجة عن البنت الخدامة . هز برأسه نافيًا : - للأسف لسة.. بس اديني بسال وان شاء الله هابقى اعرف مطت شفتيها بيأس فلحقها هو قائلًا : - ماتقلقيش اكيد ليها حل يافجر . اعجبها سماع اسمها منه دون ابلة فنفضت الفكرة عن رأسها وهي ترد: - انا مش قلقانة ..عشان عارفة ان ربنا اكيد هايظهر الحق .. ومدام الخيوط بقى تفك اولها يبقى هاتكر البقية بإذن الله . التفت عن الطريق ينظر اليها بابتسامة رائعة اربكتها : - فعلًا يافجر عندك حق.. مدام ربنا اظهر جزء من الحقيقة..يبقى أكيد هايكشف لنا الباقي بإذن الله. الفصل التاسع عشر تتهادى بخطواتها الرقيقة وهي تقطع طرقات المدرسة و كأنها منفصلة عن الواقع .. تتلقى التحية من زملاءها وبعض الطالبات.. فتومئ اليهم برأسها وعقلها يدور في حيرة تتملكها منذ ايام.. مشاعر غريبة بدأت تنبت بداخلها تجاه شخص كان منذ فترة طويلة من عمرها .. تشمئز كُرها بمجرد ذكر اسمه.. لا تعلم ولا تجد تفسير لهذا الارتباك الذي تشعر به اثناء وجوده.. والسؤال المُلح هو.. هل من الممكن ان يحدث؟ تنهدت بثقل وهي تدلف لداخل غرفة المدرسات وهي تجزم بداخلها ان الايام كفيلة لتعلم حقيقة ماتشعر به تجاهه القت التحية على اثتنان منهم جالسات بركنٍ وحدهم يتحادثن ويضحكن كعادتهن فاقتربت من سحر وهي جالسة وحدها في اخر الغرفة.. مريحة وجنتها على كف يدها المفتوحة وهي مستندة بمرفقها على طاولة المكتب واليد الأخرى ترسم بالقلم دوائر في الصفحة الفارغة للدفتر .. القت هي حقيبتها لتجلس على المقعد امامها و تحدثها بقلق: - صباح الخير .. حاطة ايدك على خدك ليه ياحلوة؟ ردت بفتور وهي على نفس وضعها: - صباح الخير يافجر .. عادي يعني قطبت حاجبيها بحيرة تسألها : - عادي يعني!! في ايه ياسحر قلقتيني بجد؟ هو العريس زعلك ولا ايه؟قولي يابنتي وانا اعرفك مقامه . بشبه ابتسامة اعتدلت في جلستها قبل ان ترد عليها: - لا ياستي العريس مزعلنيش ولا حاجة.. دا انا اللي فقرية لوحدي وبوز نكد . سألتها بذهول: - بوز نكد!! انتِ ليه بتقولي على نفسك كدة ياسحر؟ هو ايه اللي حصل ؟ زفرت سحر قبل ان تلقي نظرة نحو زميلاتها في الطرف الاَخر لغرفتها..فاطمأنت لانشغالهم في الحديث والضحكات فقالت بتردد: - هو انا وحشة يافجر ولا شكلي كبير عن سني؟ اسرعت فجر للنفي بقلق : - لا ياحبيبتي ولا اي حاجة من دول.. يابنتي ليه بتقولي كدة؟ تنهدت بعمق قبل ان ترد: - عشان هو دا اللي مزعلني يافجر.. انا من ساعة ما اتخطبت لرمزي وشايفة نظرات الناس ليا واكني خدت حاجة مش من حقي.. شايفينه هو صغير وانا كبيرة رغم اننا مقاربين لبعض في السن وبالعكس بقى هو اكبر مني بسنة.. انا طول عمري بشوف نفسي حلوة يافجر.. لكن من ساعة ما اتخطبت لرمزي بقيت اشوف نفسي ناقصة ولا وحشة من نظرات الناس اللي مستكتراه عليا.. انا شوفت النظرات دي في البلد هناك وكبرت مخي عشان مجتمع ريفي.. لكن هنا في المدينة لقيته افظع من تلمحيات الجيران ولا حقد بعض المدرسات الزملة اللي بشوفه بشكل واضح في عيونهم.. ولا الطالبات اللي كان بيتمايعوا ويتمايصوا قدامه يوم ماجاه معايا المدرسة واكنهم بيقنعوه يسيب مدرستهم القرشانة ويتجوز واحدة صغيرة منهم . ربتت فجر على كفها فقالت بإشفاق: - ماتحسيش حد من الناس دي ياسحر وتتعبي نفسك.. محدش ببيحب الخير لحد.. ونظرة الحقد والحسد هاتلاقيها في اي حتى تروحيها.. خليكي واثقة في نفسك وخلي حب رمزي ليكي سلاح تواجهي بيه اي حد من الناس دي . قالت بتشكك: - تفتكري رمزي هايستمر بجد في حبه ده ولا هايرجع في كلامه من تلميحات الناس ونظراتهم؟ ردت فجر بابتسامة مشرقة: - افتكر وافتكر قوي كمان.. انا من ساعة ما شوفته المرة اللي فاتت وانا قلبي حس بحبه وتعلقه بيكي من اول نظرة همست سحر بتمني : - يارب يافجر يطلع كلامك صح وما انصدمش فيه هو كمان .. انا قلبي خلاص مش متحمل اي حزن تاني . ضغطت فجر على كف صديقتها قائلة بدعم: - ياحبيبتي ربنا ما يجيب حزن تاني ابدًا ويتم فرحتكم بخير انتي ورمزي. .......................... بخطوة غريبة وغير متوقعة ذهب اليه في مقر عمله عله يجد حلًا لهذه الأسئلة الملحة داخل عقله.. من وصف رجل الاستعلامات الذي ساله فور ان دلف للمشفى.. يبدوا انه اقترب .. توقف بوسط الرواق كي يسأل عامل النظافة والذي اخبره بإكمال طريقه وسيجد.المكتب امامه من جهة اليمين .. حينما وصل واخبر سكرتير مكتبه لم يتأخر الرجل عنه ثواني حينما داخل مكتب مديره.. وبعدها خرج مهرولًا يخبره ان المدير في انتظاره.. وبداخل المكتب و بعد ان استقبله عصام بترحابٍ شديد وجلس هو مقابله على كرسي المكتب ألأمامي.. تكلم علاء بجمود : - انا عارف انك مستغرب جيتي المفاجاة دي بس انا ... - مش مهم السبب ياعلاء.. المهم انك جيت . قالها عصام بمقاطعة ولهفة جعلت علاء يهز رأسه بحركة غير مفهومة قبل ان يرد : - لو سمحت عشان نبقى واضحين ..مش معنى ان جيت يبقى خلاص انا صدقت . رد عصام بحماس : - والله عارف كل كلامك .. بس انا فرحان انك ابتديت تسجيب وتسمعني ودي في حد ذاتها خطوة كبيرة وانا كنت بحلم بيها من زمان . حدق اليه علاء لبعض اللحظات صامتًا تذكر فيها ايام الصداقة القديمة ولكنه اجلى الفكرة عن رأسه فورًا فتكلم بجدية : - انا كنت عايز أسالك عن البنت الخدامة.. انت كنت تعرف لها قرايب او عنوان عشان اسال عنه؟ هز برأسه نافيًا بإحباط : - للأسف ياعلاء .. البنت اختفت نهائي بعد الموضوع ده.. دورت عليها بكل السبل ومعرفتش اعثر عليها .. لأني مكنتش اعرف عنها حاجة غير انها من طرف سعد .. إللي لما سألته هو كمان انكر قرابته ليها وقالي انها مجرد معرفة رغم انه لما جابها وصاني عليها ولا اكنها واحدة من قرايبه؟ همس علاء بصوتٍ خفيض بحيرة : - تاني برضوا ياسعد.. وبعدين بقى. اجفله عصام وهو يسأله: - عاملة إيه الاَنسة فجر؟ وإيه اخبارها . توحشت ملامح وجه علاء وهو يرد عليه بفظاظة: - وانت مالك بفجر ؟ تعرفها منين عشان تسأل عليها؟ رد عصام بابتسامة مستترة: - عادي يعني لما اسأل عليها.. مش هي كانت حاضرة معانا في ساعة الكلام.. يعني بقت طرف في الموضوع. كشر علاء وهو يرد بصوتٍ خشن : - لا بقى هي مش طرف عشان تسأل عليها ولا تكلمها.. وكلامك يبقى معايا انا وبس.. دا لو في كلام .. سلام بقى قال الاَخيرة وهو ينهض تاركًا عصام ينظر في اثره بدهشة مع ابتسامة جميلة وكأنه استعاد صديقه القديم . ............................ وفي المساء وبداخل منزل ادهم المصري كانت الاسرتان مجتمعتان على مائدة سفرة طويلة.. تراصت عليها مجموعة كبيرة من اشهى والذ الاطعمة.. ادهم كان على رأس السفرة وعلى جانبه الايمن كانت زوجته نيرمين واولاده علاء وحسين وفي الجانب الاَخر كان شاكر وزوجته سميرة وبناتها فجر وشروق وأصغر الابناء ابراهيم الذي كان جالسًا مقابل علاء الذي كان يغدق عليها باهتمامه.. اما ادهم فكان يوزع اهتمامه على شاكر وأسرته بشكلٍ مبالغ فيه.. حتى انه نسي هو ان يتناول طعامه لولا شاكر الذي هتف عليه بتحذير : - والله ياحج ادهم لو ماكنت تاكل قدامي ماهاحط لقمة في بوقي لا انا ولا الاولاد . زمجر ادهم رافضًا وهو يجلس على مقعده: - وايه لزوم الحلفان بس ياشاكر؟ رد شاكر متشدقًا: - امال يعني عايزني اقولك ايه بس وانت عمال تضايف فينا وناسي نفسك من غير ماتحط في جوفك لقمة؟ في إيه ياراجل؟ هو احنا ضيوف؟ دا احنا نسايب واهل في بعضاينا. رد ادهم بابتسامة ومودة : - واكتر من اهل كمان.. ربنا يديم المحبة مابينا . تبادل حسين واخيه الأبتسامة بارتياح من موقف ابيهم وفعله المشرف مع اهل عروسه قبل ان يعود بنظرات عشقه اليها.. ومن نفس الجهة كان علاء الذي لم يرفع عيناه عن محبوبته التي كانت تتناول طعامها بهذا الارتباك الذي اصبح مصاحبها طوال جلستها امامه وهي شاعرة بنظراته المسلطة عليها ..كل هذا امام نيرمين التي تبتلع طعامه بصعوبة وهي ترى علاء المصري بجلالة قدره والذي جعلها تدور حول نفسها مررًا حتى تحظى بنظرة صغيرة منه وفشلت.. هو الاَن يحدق بهيام مراهق صغير نحو هذه الفتاة العادية الجمال.. او حتى لو كانت جميلة..فماذا تفرق عن غيرها ومالذي يميزها كي تأسر قلب هذا الوحش . افاقت من شردوها على صوت أدهم وهو يسألهم : - ها ياجماعة يارب يكون الاكل عجبكم.. ايه رايك في الاكل ياست سميرة؟ بما انك الخبيرة وسطينا . ردت سميرة بابتسامة: - ماشاء الله ياابوعلاء ..السفرة شكلها يفرح باللي عليها ولكن دا من صنع ايديكي يامدام نيرمين ؟ اجفلت نيرمين من سؤالها المباغت قبل ان تتلبسها العنجهية فقالت بتفاخر : - لا في الحقيقة ياست سميرة.. انا مابطبخش بآيدي خالص ..الحاجات دي كلها بإيد الطباخ . جز علاء فكه منها وهو يكتم غضبه ولكنه تفاجأ من رد سميرة التي خاطبتها بمكر : - اه ياحبيبتي يعني انتي مابتطبخيش بإيدك.. طب حتى لو كان كدة يابنتي.. برضوا لازم تقفي،على راسه تشرفي وتراعي بنفسك عشان تطمني.. يعني مثلًا انا لاحظت ان معظم الاكل هنا ملحه زايد ودي حاجة مش كويسة على صحة جوزك .. دا غير ان في حاجات كتير هنا الطباخ اهتم فيها بالمظهر والشكل لكن الطعم مش بنفس الحلاوة. بهتت نيرمين وهي لاتجد ماترد به على تدخل سميرة السافر وتلميحاتها الغير مقبولة..التفتت لأدهم لتسبين رد فعله ولكنها وجدته يأكل غير عابئ ونفس الأمر مع الجميع .. واكملت سميرة. - حقة ياابوعلاء ..زهيرة امبارح بعتتلي طبق محشي على الغدا.. كنت هاكل صوابعي وراه انا والولاد.. دا غير نفسها كمان في الحلويات.. ماقولكش . اغمض أدهم عيناه بألم وكأن رائحة طعام زوجته اتت اليه من الماضي فقال باشتياق : - انتي هاتقوليلي على اكلها؟ ما انا عارفة وحافظه كمان . اخخخ. لكز شاكر من تحت المنضدة بقدمه ساق زوجته بأعين محذرة حتى تكف على الكلام ولكن الرد جاء من حسين الذي اردف هو الاَخر بخبث: - عندك حق ياخالتي سميرة.. دا من ساعة مااتعشيت عندها اول امبارح وانا حاسس بطعم الحمام المحشي بتاعها لسة في بقي من كتر حلاوته.. طب تصدقي انا حاسس اني لسه شامم ريحته . تدخل شاكر بمزاح بعد ان لاحظ تأثر ادهم من حديثهم : - لا بقى دي فرطت منك ياحسين .. عشان الحمام هنا قدامك عالسفرة ياحبيبي.. يعني شئ طبيعي تشم الريحة. - بجد ياعم شاكر.. تصدق نسيت هههه قالها حسين وانطلقت الضحكات ليسود المرح على الجميع عدا نيرمين التي كانت تغلي من الغيظ.. ولا تجد من يشاركها وكأنهم جميعًا اتفقوا على اهانتها . بعد انتهاءهم من وجبة الطعام أخذهم أدهم مع ابنائه الأثنان بجولة داخل البيت حتى انه عرفهم على شقة في الطابق الثاني والتي ستكون خاصة بحسين وشروق بعد الزواج ..والتشطيبات التي تسير فيها على قدمٍ وثاق للأنتهاء منها خلال الشهور المتبقية للسنة الاَخيرة في دراسة شروق.. على أن يتم الزفاف فور انتهائها من الاختبارات الاَخيرة.. بعد ذلك دعاهم لشرب الشاي في حديقة منزله الخلفية.. خرج معه الجميع عدا فجر التي تسمرت مذهولة امام صورة اسرية معلقة بوسط بهو المنزل الكبير.. ضمت الصورة العم ادهم وهو اصغر من ذلك بسنواتٍ طويلة.. واقفًا بزهو وسعادة محاوطًا بكفه على جسد علاء الصغير وهو يشبهه في الوقفة والتفاصيل الجسديه والكف الاخرى وضعها على كتف زوجته الجميلة زهيرة وهي تحمل ابنها حسين وهو يشببها كثيرًا في طفولته بعيناه الخضروان وبشرته البيضاء.. تظهر الصورة مدى سعادة الأسرة وترابطها ومعبرة عن شخصياتهم الحقيقية دون تزيف. - عجبتك الصورة؟ انتفضت مجفلة على صوته الذي اتي فجاة خلفها.. فأكمل وهو يتقدم إليها بخطواته حتى اصبح بجوارها: - معلش ان كنت خضيتك.. بس انا استغربت يعني لما لقيتك مخرجتيش معانا برة في الجنينة واما رجعت شوفتك واقفة متسمرة قدام الصورة . ردت بابتسامة خفيفة ومحرجة: - لا ولايهمك.. بس بصراحة ان الصورة شدتني اوي.. وغصب عني،لقتني واقفة متنحة قدامها تبسم علاء وقال بحنين: - انا كان عمري وقتها عشر سنين وحسين كان عمره ساعتها اربعة.. ابويا في يومها بقى كان واخدنا زيارة لمولد السيدة ودخلنا الاستديو ده عشان نتصور وتبقى ذكرة . قالت هي: - الصورة جميلة.. بس اللى تجنن فيها بجد خالتي زهيرة.. ماشاء الله عليها دي كانت قمر . مط شفتيه وقال: - هي فعلًا كانت قمر ومازالت.. بس انا بسبب الصورة دي عملت اول خناقة في حياتي وروحت فيها القسم . اللتفتت اليه مرتعبة تسأله: - يانهار ابيض.. ليه بقى؟ اجابها : - عشان في يوميها انا كنت راجع من الدرس ورايح استلم الصور من صاحب الاستديو.. بس ابن العبيطة بقى كان بيطلع في الصور قدامي ويبص بوقاحة.. لحد اما عاكس صورة امي قدامي وانا بقى الدم غلي في نفوخي قومت مكسر كاميرة التصوير فوق دماغه.. وبعدها روحنا القسم وابويا دفع تمنها وعملنا مع الراجل محضر صلح .. ولولا كدة كنت هاتحبس . كانت فاغرة فاهها وهي تستمع له حتى سالته بذهول : - يانهار ابيض.. على كدة بقى عمي ادهم ضربك هو كمان بعدها ولا عاقبك؟ تبسم بتفاخر رجولي : - بالعكس بقى دا فرح بيا اوي عشان طلعت راجل ومااتحملتش على امي كلمة . سالته بفضول : - هو قال ايه على خالتي زهيرة وخلاك اتعصبت كدة؟ تحمحم بحرج قبل ان يجيبها بتردد: - ااا..قالي انها حلوة . - يعني ايه؟ قالتها بعدم فهم لبعض الثواني قبل ان تأتي براسها فقالت بمرح : - قالك ماما حلوة؟ اومأ بعيناه وهو يدير راسهِ عنها بحرج ولكنها اعادها فور ان سمع ضحكتها التى صدحت في ارجاء البيت الكبير بصوت عالي قبل ان تحاول كتم فمها بكفها.. حدق بها عن قرب يرسم تفاصيل وجهها الجميل وهي لا تستطيع التوقف عن الضحك.. بشقاوة لم يرها عليها قبل ذلك.. حتى اصابته هو ايضًا العدوى.. فشاركها الضحك على حرج بسعادة يتراقص لها قلبه . لبضع لحظات ظلوا غير قادرين عن التوقف هما الاثنان .. غافلين عن زوج عينان بنيتان تراقبهم من مسافة قريبة.. تتأكل من الغيظ.. انسحبت حتى لا تفتعل معهم فضيحة ويذهب كل تعبها وشقائها هباءًا.. دلفت لداخل غرفتها وهي تقبض وتفتح على كفها حتى تستطيع السيطرة على هذه النيران المشتعلة بداخلها.. ضربت بكفيها بعنف على تسريحة مراَتها وهي تنظر لوجهها المحتقن بالغضب المكتوم وصدرها يصعد ويهبط بسرعة من فرط انفعالها ونيرانها ..حتى اخرجها صوت الهاتف ينبأها بمكالمة واردة ..فور ان رأت الاسم فتحت ترد بغضب : - نعم عايز انت كمان؟ ومتصل ليه في الوقت ده اساسًا؟ وصلها صوته المتهكم : - صوتك متغير ليه يابرنسيسة؟ هو انتِ مش مبسوطة مع ضيوف الهنا؟ قالت وهي تجز على اسنانها: - والنبي ياشيخ وحياة الغالين عندك.. ارحمني من اسلولك المستفز ده.. انا فيا اللي،مكافيني.. هلاقيها منك انا ولا من جوز المضاريب اللي سيطروا على عقول الشباب وخلوهم زي الخواتم في صوابعهم . سألها باهتمام : - تقصدي مين يانرمين بكلامك ده؟ ردت هاتفة بصوتٍ خفيض: - اقصد الزفتة خطيبة حسين والحية اختها اللي لفت المعلم علاء وبقى عامل قصادها زي العيل الصغير. - تقصدي فجر يانرمين ؟ - ايوة زفتة ياسيدي.. اقفل والنبي انا مش متحملة. اقفل ينوبك ثواب . في الناحية الأخر اغلق معها المكالمة وهو ينفث دخان الشيشية عاليًا في الهواء و يردد بانتشاء : - يعني الحكاية فيها فجر.. وانا اقول القديم بيتحفر فيه ليه ؟ اممم .. كدة بقى اكيد ليها حل! ............................. بعد ان هدأت ضحكاتهم اكمل هو بتأثر وهو يحدق معها بالصورة: - انا امي غلبانة اوي يافجر ..على قد جمالها دا كله لكن عمرها ما اتكبرت ولا شافت نفسها على ابويا.. بالعكس كمان دي من ساعة ماجابها من بلدها اللي في الأرياف وهي تحت رجله وبتخدمه وتقريبًا نست بلدها من قلة المرواح هناك بعد ابوها ما مات وبقت عيلتها هي كل دنيتها لكن بقى المرض كسرها وهدها واثر كمان على جمالها.. ردت بسرعة: - لا طبعًا المرض مأثرش على جمالها ..خالتي زهيرة لساها زي القمر وتجنن كمان. - تعرفي انك شبها . - نعم!! قالتها وكأنها تتأكد من صدق ماسمعته، فكرر هو جملته ونظرة دافئة من عيناه أسرت عيناها بصدقها: - بقولك يافجر.. انك تشبهي والدتي في حاجات كتير. اوي . الفصل العشرون رفرفت بروموشها تحدق بهِ مذهولة وهي لا تستوعب جملته ولا تعرف سببها او معناها فسألته باستفسار: - يعني إيه بقى اشبه والدتك في حاجات كتير؟ تنفس بعمق وهو ينظر الى عيناها بهذا القرب قبل ان يجيبها فوضع يدًا في جيب بنطاله والأخرى رفعها امامها ليشير لها بأصابع يده وكانه سيشرح لها معلومات مهمة غائبة عنها: - شوفي ياستي.. بغض النظر عن انك تشبهي والدتي،في عزة النفس والتواضع والرقة كمان.. دا بقى في المميزات الشخصية.. اما بقى في الصفات.. فانت عليكي ضحكة زي اللي خرجت دلوقتي على قد روعتها وندرتها لما باسمعها من والدتي، فانا ببقى بشتاقلها ولا هلال العيد .. احمرت وجنتاها خجلًا فاأسبلت عيناها في الارض حرجًا ولكنها رفعتها فجأة حينما سمعت وصفه الثاني: - دا غير الغمزة بقى. سألته مندهشة: - غمزة ايه؟ انا ماعنديش غمازات . رد بثقة: - لا عندك.. لما بتضحكي من قلبك بتظهر واحدة في الناحية الشمال من وشك . توسعت عيناها بذهول متزايد من معرفته الدقيقة لتفاصيل صغيرة عنها.. هي نفسها غافلة عنها: - يعني كمان الغمزة الخفيفة دي في خالتي . ضحك بمرح قائلًا : - لا بصراحة انا امي معندهاش غمزات بس دي كانت ملحوظة انا خدت بالي منها وحبيت اعرفك بيها . دبت بقدمها على الارض غيظًا تشيح بوجهها عنه حتى لا يرى ابتسامة ملحة على وجهها .. تابع هو بتسلي وهو يلاحق وجهها: - بس دا ماييمنعش انك زي القمر وكتكوتة كدة زيها وعينيكي بقا... لفت رأسها بانتباه حينما ذكر عيناها..فاأردف هو بصوتٍ دافئ: - عنيكي دي من اول مرة انا شوفتهم فيها عن قرب ودا كان في شقتنا لو تفتكري الموقف اللي اتعصبتي عليا فيه.. لما بصيت فيهم يافجر حسيت كأنهم بحر وانا غرقت فيه او كإني اعرفهم من زمان من قبل حتى ما اتولد.. او كأنهم وطن وحسيت فيه بالامان .. شوفت في عيونك أني لقيت نفسي او لقيت عنواني اللي كنت بدور عليه بقالي زمن طويل.. في عيونك راحة قلبي اشتاقلها من سنين طويلة.. طويلة اوي يافجر . توقف عن الكلام وهو يحدق بها وهي كانت غير قادرة عن النطق مأسورة او مسحورة من كلماته المفاجاة.. تبادله النظر ايضًا ولكن بحيرة.. فكان الصمت هو سيد الموقف بينهم.. حتى استفاق الاثنان على صوت نيرمين التي عادت من غرفتها اليهم فلم تتحمل اكثر من ذلك . - هاتفضلوا واقفين مكانكم كدة كتير . التفت اليها الإثنان مجفلان من حدتها فتابعت بلهجة اخف كي لاتفضح نفسها: - اقصد يعني ان الشاي برد واحنا مستنينكم برة في الجنينة . استدركت نفسها فجر فتحركت لتخرج على الفور.. أما علاء فاحتدت عيناه نحو نيرمين التي بادلته النظر بتحدي واشتياقٍ تفضحه حركة جسدها الذي يهتز أمامه.. عض على باطن وجنته يكتم غضبه قبل ان يطرق بعيناه ارضًا يستغفر ربه ثم انسحب للخارج خلف فجر وتركها هي في البهو وحدها . .......................... خرجت فجر لداخل الحديقة الخلفية.. لتجد والدتها واباها واخيها إبراهيم على طاولة كبيرو تضمهم مع العم أدهم المصري الذي كان مستفردًا بشاكر في جانب،وحدهم يتسامران بالضحك والاصوت العالية وكانهم على معرفة قديمة ببعض.. بمجرد اقترابها منهم سألتها والدتها : - كنتي فين الوقت دا كله يافجر؟ ازاحت فجر كرسي بلاستيكي لتجلس عليه بجوارها..قبل ان تجيبها وهي تجاهد لتداري ارتباكها وتوترها من كلمات علاء التي احدثت زلازل بداخلها: - ما انااا دخلت الحمام ياماما.. ظبطت نفسي كدة شوية فيه . - ظبطتي ايه بالظبط؟ انا مش شايفة اختلاف يعني . قالتها سميرة بتشكك.. فتناولت فجر طبق من الحلويات لتنكفئ تأكل فيه بشراهة غير معتادة.. دون ان ترد عليها فهى كانت في حالة لا تسمح لها بالمزيد من الأحاديث.. همت سميرة لتسألهأ مرة اخرى بتصميم ولكنها توقفت حينما رأت علاء وهو يقترب منهم ايضًا.. فانتقلت عيناها اليهم بتشكك صامت..ازداد اكثر حينما رات رد فعل ابنتها وهي تدعي التجاهل وعدم النظر اليه رغم جلوسه الصاخب بالمرح بجوارهم ومناكفته لإبراهيم ومداعبته. رفعت فجأة رأسها تسال والدتها: - هما حسين وشروق فين ياماما؟ مش شايفاهم يعني؟ ردت سميرة على سؤالها بمغزى: - حسين ياختي واخد شروق يفرجها على بقية الجنينة والأشجار اللي فيها.. خطاب بقى ويحقلهم يبعدوا عننا ويحكوا براحتهم . شعرت فجر بعدم الإرتياح من إجابة والدتها التي تبدوا بداخلها رسائل مبطنة لها.. واكتمل الشعور حينما جلست بجوارهم نيرمين التي كانت تطلق سهام نظراتها نحوها بشكل يثير التوجس والأرتياب . ............................... وعند حسين الذي كان يحرك ببطء في ذراع ألأرجوحة الجالسة عليها شروق.. يستمتع بمشاكستها وهي تتذمر من فعله بغضب طفولي رغم هذه السعادة البادية على وجهها: - ياعم ماتهزها كويس كدة بلاش غلاسة. رد عليها بغضبٍ مصطنع: - بقالي ساعة بمرجحك ياست هانم وفي الاَخر بتطلعيني غلس.. دا انتي فعلًا بقى معندكيش دم . خرجت ضحكتها بصوتٍ عالي تؤيده: - ايوة هو فعلًا كدة انا واحدة معنديش دم.. هزها بقى وحركها كويس ينوبك ثواب فيا والنبي يا أخي تعبتني. ثبت ذراع الارجوحة يوقفها مما اثار ضيقها: - بتوقفها ليه ياحسين حرام عليك.. هو انا قولتلك وقف؟ قرب وجهه يسألها بجدية: - هو انتي لدرجادي حبيتي المرجيحة ياشروق؟ ردت بحماس : - مش المرجيحة بس.. الجنينة كلها من اول الاشجار الكبيرة والعالية والازهار الجميلة اللي فيها.. دي كأنها جنة يابني.. يمكن انت مش واخد بالك عشان متعود عليها.. لكن انا بقى عشان طول عمري مابشوفش قدامي غير العفار والعربيات من شباك اؤضتي او بلكونة فجر.. فانا حاسة باللي بقوله ده جدًا.. اللون الأخضر كله بيريح العين ياحسين. مال اليها برأسه يسألها بلهجة مغوية: - طب ايه رأيك بقى مدام انتي حبيتي الجنينة اوي كدة ماتيجي نقرب احنا ميعاد الفرح وليكي عليا أمرجحك كل يوم وادلعك كمان. انطلقت ضحكتها العالية مرة اخرى حتى مالت رأسها للخلف وهو يميل اليها ويؤرجها بسعادة. - ماقولتليش ايه رأيك بقى - طب والنعمة انت مجنون. .............................. وفوق سطحه كان جالسًا على عقبيه يتابعهم بنظراتٍ مشتعلة وحارقة.. صدره يعلو ويهبط بجنون.. يرى هذا المدعو حسين وهو يميل اليها ويدللها بوقاحة وهي متقبلة وراضية بل وسعيدة.. كان ينقصه هو هذا المشهد المستفز.. لقد صعد على سطح منزله كي ينفرد بنفسه ويشرب في شيشته ليرتب افكاره لهذه الأحداث التي طرأت حديثًا ليفجأ بهذه الثنائي في الحديقة الخلفية لمنزل أدهم المصري والتي تطل على حارته الفقيرة.. فتذكره بالماضي ومعاناته والامه.. نفث دخان من أنفه وهو يتراجع زحفًا حتى لا يلفت اليه الانظار ورأسهِ تكاد ان تنفجر من الافكار والذكريات التي أتت بثقلها الاَن كي تقلق راحته وتؤرق مضجعه. ........ ................ .. ..... حينما عاد شاكر وعائلته من هذه السهرة العائلية دلفت فجر على غرفتها فورًا تتجنب علاء الدي صعد معهم وهو يحمل ابراهيم حتى ادخله غرفته ووضعه على تخته وبعد ان تلقى منهم عبارات الشكر والإمتنان استأذن للذهاب حينما يأس من خروجها اليه من غرفتها وقد تجنبته طوال مدة السهرة بعد ان افضى اليها بما يحمله في قلبه نحوها.. دخل على والدته زهيرة التي كانت في انتظاره تشاهد التلفاز ومتلهفة للأخبار على احر من الجمر : - مساء الخير ياست الكل . قالت بلهفة : - مساء الخير ياعلاء يابني .. ها العشا عدى على خير ولا حصل حاجة لا سمح الله؟ القى بجسده على المقعد الخالي امامها وهو يرد: - كله خير ياست الكل والحمد لله.. يعنى كان هايحصل ايه بس؟ تمتمت بالحمد قبل ان ترد عليه: - والنبي طول قاعدتكم هناك وانا حاطة ايدي على قلبي يابني.. خايفة لابوك مايرحبش بيهم كويس ولا اللي اسمها نيرمين تعمل معاهم مغرز ولا حاجة مش ولابد.. حكم البت دي مش مضمونة وانا عمر قلبي مارتاح لها . رد عليها : - ومين سمعك بس ياست الكل.. انا كمان عمري ما ارتحتلها ولا طيقتها.. بس بقى النهاردة هي كانت زي الساعة ماشية بأدب.. حكم السيد الوالد كان مهتم بالجماعة النهاردة ولا السفرة اللي عمالهم كانت ايه بقى حاجة ملوكي كدا.. بصراحة كان متوصي اوي بيهم . بشبه ابتسامة اومأت زهيرة اليه قائلة : - طب الحمد لله يابني عقبالك انت كمان لما تتشرف بنسايبك. تناول كف يدها يطبع قبلة كبيرة عليها وقال: - قريب يا امي ان شاء وهاتبقي انت اللي مضايفاهم ياست الكل. مسحت بكف يدها الحرة على راسه بتأثر استشعره هو فقرر تغير دفة الحديث: - اسكتي صح.. دا صاحبتك الست سميرة حرقت دم نيرمين النهاردة لما كانت هاتجيبلها تبول لا إرادي . ضحكت بمرح قبل ان تساله بلهفة : -والنبي جد.. طب ازاي بقى فهمني قول؟ ............................ جالسة على تختها بملابسها التي لم تخلعها من وقت ان عادت من العزومة، ناظرة في الفراغ بشرود تفكر في ماحدث من وقتٍ قليل .. لقد فاجئها اليوم بكلماته ذات الغزل الصريح.. وهي التي كانت تحادث نفسها عن ماهية شعورها المتنامي نحوه .. بعد سامعها لهذه الكلمات التي اربكتها واوقفت عقلها عن التميز .. والتي لمست فيها رقة احساسه.. كيف لها ان تستطيع المواجهة والتفكير بشكل صحيح؟ ثم الاهم من ذلك كله.. لو صدق احساسها فعلًا .. يصدق هو ايضًا احساسه وقد كان قبل ذلك عاشقًا لغيرها وبقوة ؟ - فجر انت لسة قاعدة بهدومك . انتفضت مجفلة من صوت شقيقتها التي اقتحمت الغرفة هاتفة.. - يخرييتك ياشيخة خضتيني . قالتها وهي ترميها بالوسادة التي تجنبتها شروق وانطلقت ضحكاتها بمرح: - والنبي بجد اتخضيتي ؟ سامحيني يافيفي .. مكنتس اقصد والنعمة. زفرت حانقة وهي ترد عليها : - بقى بعد ماخضتيني وخلتيني قطعت الخلف تقولي والنبي ماكنت اقصد .. بجد حقيقي مستفزة. اكملت ضحكاتها وهي تجلس بجوارها : - طب معلش ياابلة فجر سامحيني .. بس انا بجد استغربت قوي لما لاقيتك لساكي بهدوم الخروج. ردت بغيظ: - وما اقعد ياستي بهدوم الخروج ولا حتى انام بيهم .. انتي مالك ياباردة؟ ودا يخصك في ايه اساسًا ؟ هتفت بدلال.. تناغشها بسماجة وهي تلتصق بها: - ماخلاص بقى يافوفة.. سامحيني والنبي انا مقدرش على زعلك بقى. شهقت فجر تضربها بالوسادة حتى تبتعد عنها: - يابت ابعدي عني بدلعك المرق ده.. انا ماعنديش مرارة ليكي.. دا إيه التناحة دي بس ياخواتي؟ هجمت عليها تقبلها من وجنتيها بعنوة: - بحبك يا اختي ياقمراية والنعمة بحبك . قاومت فجر ضحكتها وهي تدفعها عنها : - يابت بطلي غلاسة.. انزاحي عني خنقتيني. استمرت شروق في محاولاتها حتى اجبرت فجر على التجاوب والضحك معها.. بعد ان هدات ضحكاتهم سألتها: - بت ياشروق.. هي امّك زعلانة مني ولاحاجة؟ حركت راسها بعدم فهم: - ليه يعني؟ هو انتي عملتي حاجة زعلتها؟ ردت وهي تمط شفتيها : - معرفش ياشروق.. بس انا حساها متغيرة وانا مش فاهمة ليه؟ ردت شروق: - يابنت الناس.. امّك لو زعلانة منك او متغيرة.. هاتقطع معاكي على طول او تديكي على دماغك.. هو انت معرفاش سميرة ياقطة؟ ابتسمت فجر بارتياح تردد خلفها : - اه صح عندك حق.. انا امي جبارة فعلًا وماتخافش من حد.. دي كفاية اللي عملته النهادرة في اللي اسمها نيرمين.. دي نشفت ريقها بتلميحاته الصريحة. شاركتها شروق ضاحكة: - لا وشوفتي حسين وهو بيتفق معاها بتلقيح الكلام.. وربنا دي اول مرة اعرف فيها انه خبيث.ههه بس بدم خفيف.ههههه ....................... في اليوم التالي استيقظ علاء مبكرًا حتى يحظى بمقابلة مع مجنونته التي انزوت معتكفه بعيدة عنه منذ الأمس.. علّه يستطيع لقاءها او يفوز بتوصيلة لها ولوالدها بسيارته.. ارتدي سترته السوداء ثم تناول مشطٍ صغير.. يسرح بهِ على شعره بعجالة وقبل ان يتناول ساعته تفاجأ بورود مكالمة على هاتفهِ برقم غريب ..وما ان فُتح الاتصال حتى فوجئ بصوته المعروف : - الو ياعلاء .. انا عصام . رد بخشونة : - نعم ياسي زفت.. بترن عليا بصفة ايه وليه؟ ثم المهم بقى واللي عايز اعرفه دلوقتي حالًا.. انت جبت نمرتي منين وعرفتها ازاي؟ قولي . وصله الصوت الحانق : - ياعم مش وقت اسألتك دي دلوقتي.. وان كان على نمرتك فانا جبتها من سجلات المستشفى لما دخلت بابراهيم يوم الحادثة.. المهم بقى اني عندي ليك خبر بمليون جنيه.. قاطعه سائلًا : - نعم يافندم .. خبر إيه بقى اللي بمليون جنيه عشان انا عايز اعرف؟ - عرفت مكان البنت الخدامة ياعلاء .. او بمعنى اصح عرفت عنوانها . - انت بتتتكلم بجد ياعصام . - والله زي مابقولك كدة.. انا نازل من بيتي دلوقتي حالًا اروح على العنوان مع اللي هايدلني . - طب استناني بقى ..عشان جاي معاكم . - هاستناك فين؟ انا خارج حالًا عشان الراجل مستنيني . - وانا لابس وجاهز يابني ادم.. قولي اجيلك فين وبسرعة . .............................. بعد نصف ساعة تقريبًا وبداخل سيارة عصام وعلى الكرسي الامامي بجوار السائق كان جالسًا علاء.. والرجل الغريب جالسًا في الخلف .. وعصام يتولى مهمة تعريف علاء بهِ: - اهو ده بقى يبقى عم متولي ياعلاء ..كان بواب العمارة اللي فيها شقتي القديمة.. يمكن تفتكره . تطلع علاء اللى الرجل الخمسيني بجلبابه البلدي الفضفاض وعمامة رأسه البيضاء على بشرة وجهه السمراء.. بذقنٍ خفيفة مطعمة بالشعيرات الفضية . - افتكرته طبعًا.. هو كان اياميها شباب اكتر من كده وجسمه كان نحيف على كدة . رد الرجل بتفكه : - اياميها كنت لساتي جاي من البلد وشقيان.. لكن دلوك تخنت بقى من الراحة والقعدة على الكرسي . اومأ له علاء بابتسامة خفيفة قبل ان يتوجه لعصام سائلًا : - ايه الحكاية بالظبط فهمني ؟ رد عصام وهو ينقل بصره اليه والى الطريق: - شوف ياسيدي.. انا شوفت عم متولي بالصدفة في مستشفى حكومي وانا رايح ازور واحد صاحبي هناك .. اتكلمت معاه ودردشنا شوية اثناء ما انا بوصي صديقي الدكتور يهتم بيه.. ومن غير تفكير لقتني بسأله عن البنت امينة.. رغم انه زمان مكانش يعرف بعنوانها بس المرة دي لقيته بيجاوبني وييقولي على عنوان بيت جوزها ودا عرفه بالصدفة لما كان رايح يزور واحد من قرايبه في المنطقة اللي هي اتجوزت فيها . التفت علاء يسأل الرجل: - انت متأكد من كلامك ده ياعم متولي؟ اجابه الرجل بثقة: - طبعًا يابيه متأكد امال ايه.. دا انا اعرفها من وسط مية . اومأ علاء برأسه وهو يلتفت لعصام .. فقال بحماس وهو يفرك بيداه على فخذيه: - على خيرة الله.. زود السرعة شوية والنبي ياعصام .. خليني نوصل لبنت الابالسة دي . بعد قليل كانت السيارة متوقفة بمنطقة فقيرة .. انتشرت فيها المنازل بطريقة عشوائية.. معظمها مبني بالطوب الجيري والباقى يكاد يسند نفسه من السقوط على رؤس اصحابه.. فور ان ترجل الثلاثة من السيارة التي غاصت بالمياه الموحلة حتى بللت احذية الثلاثة بالإضافة لتبقع اطراف بناطيل الاثنان رغم محاولاتهم الحثيثة برفعها .. اما العم متولي فتمكن من حفظ جلبابه الفضفاض برفعه عاليًا حتى ظهرت ساقية حتى الركبة ولم يبالي وهو يتقدم امامهم نحو البيت المذكور ..قال عصام وهو يضع منديلٍ ورقي على انفه: - الريحة هنا صعبة قوي.. وكأنها ريحة جثة متحللة. رد العم متولي بعدم اكتراث: - دا تلاقيه بس كلب ولا قطة ميتين في الخرابة القريبة دي.. انت مش واخد بالك من الزبالة اللى ظاهرة في مدخلها ولا ايه؟ نظر عصام نحو البيت المُشار اليه من العم متولي .. فاشاح عيناه فورًا وهو يجاهد لعدم التقيوء امامهم : - ياساتر يارب .. دي زبالة بجد وفعلًا واضح ان في كلب ميت هناك.. رد علاء بابتسامة ساخرة: - معلش يادكتور.. اصلك مش متعود على المناظر الوحشة دي .. فممكن تستنانا هناك في العربية على ما نخلص مشوارنا.. بدل ما يغمى عليك ولا حاجة ..واحنا خايفين عليك لا تتعب . حدجه عصام بنظرة حانقة قبل ان يرد : - لا ماتخافش ولا تقلق عليا ياحبيبي.. انا هكمل طريقي ومشواري معاكم عادي.. قال يغمى عليا قال. ازدادت ابتسامة علاء بنظرة اغاظت عصام.. الذي جاهد لضبط اعصابه وعدم الشجار معه .. فقال العم متولي وهو يتوجه ناحية منزل بابه اخضر . - هو دا البيت يابيه .. بيت امينة وجوزها . الفصل الحادي والعشرون طرق العم متولي للمرة االذي لا يعلم عددها على باب المنزل.. الذي بهت لونه الأخضر .. ولا احد مجيب وكانه لا يوجد بهٍ احياء.. قال عصام المتأفف من الرائحة : - الظاهر كده مافيش حد في البيت ده.. ماتيجوا نروح ياجماعة ونبقى نيجي في وقت تاني . القى علاء نحوه نظرة حانقة قبل ان يلتفت الى العم متولي ويسأله: - انت متأكد ياعم ان هو دا البيت نفسه ولا يمكن غلطلت في العنوان، رد الرجل : - طبعًا يابيه متاكد.. عشان بيت قريبى هناك في الشارع اللي وراه وانا في كل مرة باجي عنده بعدي عليه ولو عايزيني اجيبلك قريبي هو كمان نسأله مافيش مانع . - تسالوا مين يابهوات ؟ قالتها المرأة الواقفة بالقرب منهم على باب البيت الملاصق لبيت امينة.. التفت اليها الثلاثة مجفلين على صوتها ليجدوها امامهم متكئة على الحائط.. بعباءة منزليه خفيفة.. نصف شعرها الأمامي ظاهر من ربطة رأسها وزينة وجهها صاخبة بالالوان.. تولى العم متولي الإجابة عليها : - احنا جاين نسال على اصحاب البيت ده ياست.. ماتعرفيش بقى هما راحوا فين؟ عشان بنخبط بقالنا فترة ومحدش بيرد. ردت المرأة وهي تقيم الاثنان علاء وعصام بنظرات متفحصة من منبت شعرهم حتى احذيتهم الغالية الثمن والتي تطلخت بالطين : - لهو انت متعرفش باللى حصل؟ سألها علاء مجفلًا رغم استيائه من جراة نظراتها : - مالهم اهل البيت وايه اللي حصل معاهم بالظبط؟ لوكت بعلكتها بداخل فمها وهي ترد عليهم بتمهل : - ازاي بس ماتعرفش يابيه؟ دا فتحي اتقبض عليه من يجي ست اشهر بتهمة تعاطي واتجار بالبرشام : ردد خلفها عصام : - اتجار بالبرشام!! طب احنا عايزين مراته هي فين؟ رفعت المرأة حاجبها الرفيع باستهجان وهي تسأله: - انتوا عايزين امينه؟ طب ليه؟ اردف خلفها بلهفة ممااثار ارتياب المرأة: - ايوة بالظبط كده.. هي امينة دي.. فينها بقى؟ صك علاء على فكه وهو يليقيه بنظرة محذرة حتى يصمت واكمل على قوله ببعض الكياسة: - ياست احنا من جمعية بتراعي الناس الفقرا والباشا اللي جمبي ده عايز يساعدها . مالت رأس عصام وهو ينظر اليه ببلاهة وعدم استيعاب ليفاجأ بالمرأة تقترب منه بعبائتها الضيقة تطبق بيدها قماش قميصه الابيض قائلة بلهفة: - طب ما انا كمان عايزة مساعدة يابيه.. دا انا شقيانة في خدمة البيوت.. وجوزي بيطلع عينه في السواقة على كام ملطوش .. ولا هي المساعدة ماتجوزش غير على امينة. تدلي فكه واتسعت عيناه يحاول تخليص يده منها وهو لا يعرف بما يجيبها .. يرجوا المساعدة من علاء الذي ينظر اليه بتسلي بابتسامة مستترة.. استدرك العم متولي بفراسته فقام بابعاد المرأة قائلًا: - ياست ابعدي شوية خلي الراجل ياخد نفسه.. معلش بقى ياعصام . قالها متولي وهو يرى جزع عصام وهو ينظر لكم قميصه المبتل .. فقالت المرأة ببعض الخجل: - سامحني يابيه.. اصلي كنت بغسل هدوم الواد . صاح برعب: - هدوم الواد!! تابعت بترجي: - ايوة يابيه هدوم الواد.. دا انا ايدي باشت من كتر الغسيل.. لو تتعطف عليا جمعيتكم وتجبولي غسالة يبقى كتر خيركم هتف عليها متولي باستنكار: - ياست بيقولك جمعية.. يعني اجراءات وشغل كتير وبحث عن حالتك في البداية..جاوبينا الاول على سؤالنا وبعدها نشوف امرك. زفرت المرأة حانقة من العم متولي فقالت بامتعاض : - امينة مش هاتلاقوها هنا .. عشان هي اساسًا من ساعة ماجوزها اتحبس وهي بتبات عند امها وبتيجي هنا زيارت بس توضب البيت او تاخد لها هدمات تلبسهم هناك . سألها علاء : - طب ما تعرفيش عنوان بيت امها دا فين بالظبط؟ شهقت رافعة حاجبها مرة اخرة : - انتوا كمان هاتروحولها بيت امها ؟ هي لدجادري اسمها مهم عندكم في الجمعية؟ صاح عليها العم متولي : - خبر ايه يابت؟ ماتجاوبي عالسؤال وخلاص ..لزوموا ايه الرط دا كله . رد باستنكار: - ماهو انا معرفش بيت امها دا فين عشان اقول. مسح علاء بكف على صفحة وجهه شاعرًا بخيبة الأمل فاتفاجأ بعصام وهو يخاطب المرأة بلطف : طب ممكن يامدام لما توصل هنا امينة تتصلي بالرقم اللي انا هاكتبهولك دلوقتي تبلغيني؟ شهقت بفرحة وهي تراه يخرج من جيبه ورقة صغيرة يدون عليها بالقلم الحبر رقم الهاتف: - هو دا رقم تليفونك يابيه؟ كشر بوجهه اليها وهو يناولها الورقة : - حضرتك دا رقم الجمعية مش رقمي وعلى العموم انتي فاهميهم حالتك واكيد هما هايتصرفوا معاكي. لمست بأصابع يدها على كفه الممدودة بالرقم بجرأة اثارت ارتعابه وهي تخاطبه بنعومة: - تسلم الايادي ياباشا. بلع ريقه وهو يحرك قدميه هربًا منها وذهب معه علاء ايضًا .. العم متولي استأذن منهم لزيارة قريبه .. اما هي فأخرجت هاتفها الصغير من جيب صدرها تتصل برقمها.. فوصلها الصوت المتعب: - الو يا راوية .. عايزة ايه؟ ردت بلهجة مائعة: - الو ياست أمينة.. ياللي طلعتي ميه من تحت تبن.. بقى بتعرفي الناس النضيفة دي وتخبي عليا جارتك حبيبتك. - تقصدي ايه ياراوية؟ ............................ بفناء المدرسة وعلى اريكة خشبية ضمتهم الاثنتان اسفل الشجرة الكبيرة سألتها بمرح: - قالك إيه ياقطة؟ عيدي كدة اللي قولتيه دا من تاني. ردت فجر بتذمر: - واعيد من تاني ليه ياختي؟ هي اغنية؟ هزت سحر رأسها بابتسامة خبيثة: - لا ما انا وداني بايظة النهاردة .. عيدي والنبي . لكزتها بقبضتها على ذراعها : - لا انتي بتستهبلي ياسحر ولاودانك بايظة ولا حاجة.. انتي بس عايزة تحرقي دمي وخلاص . هتفت عليها بصوتّ ينبض بالفرح: - واحرق دمك ليه بس ياعبيطة انتي؟ هو احنا كل يوم بنلاقي رجالة بتقول الكلام الحلو ده .. ولا حتى بنلاقي ابلة فجر تستجيب ووشها يحمر كمان... يابنتي دا تطور كبير قوي مكناش نحلم بيه. اشاحت فجر عنها وجهها تداري عنها ضحكتها وقد لامست كلمات سحر ما تشعر بهِ بالفعل.. فتابعت سحر : - لا بقى دا انت شكلك كدة واقعة على بوزك .. بتبعدي وشك وتداري ضحكتك عني.. ماخلاص اتكشفتي ياقطة وسرك بان . التفتت اليها فجأة تسألها بقلق: - بجد ياسحر.. يعني انا فعلًا بحبه بقى ولا دا مجرد فرحة من اهتمام راجل بيا؟ ردت سحر بجدية: - ماهو ياقلبي لو ماكنش الراجل ده ليه مكانة في قلبك مكنتيش انتي حسيتي بكلامه ده ولا وشك الحلو ده نور من الفرحة. تابعت بتشتت: - طب ازاي دا بس يحصل.. وانتي بنفسك عارفة اللي فيها يعني وكدة. - قصدك يعني على حبه القديم لفاتن ؟ سألتها فأومأت برأسها توافق.. فردت سحر: - بقولك ايه يافجر.. ماتسيبي الماضي ياحبيتي وارميه ورا ضهرك.. عيشي اللحظة يابنتي وانسي بقى.. انا مش قصدي تنسي فاتن طبعًا.. انا بس عايزاكي تفتكري كويس مدام اكتشفتي بنفسك برائة علاء.. يبقى شيلي كمان من دماغك حكاية تأنيب الضمير.. عشان انتوا الاتنين مابتغلطوش.. والحي ابقى من الميت. شردت فجر وهي تنظ للبعيد تفكر في كلمات سحر .. فاصطدمت عيناها بعينن اخرى تنظر نحوهم من نافذة مفتوحة لإحدى الفصول وكأنها تراقبهم.. فعادت لصديقتها قائلة بدهشة: - بت ياسحر.. انتي مش ملاحظة ان الاستاذ عبد الله مدرس الرياضات بيبصلك كتير دا غير اني بدأت احس بتصرفاته بقت غريبة شوية معاكي اليومين دول!. - نظرت نحو ماتنظر اليه فارتد هو عائدًا لداخل الفصل.. فردت باندهاش: - امال لو شوفتيه وهو بيسلم على رمزي.. دا كأن في مابينهم تار بايت! شهقت فجر ضاحكة: - يكونش بيحبك يا منيلة؟ شهقت الأخرى متفاجئة : - نهار اسود.. يعني كان بيحبني في صمت وبيكتم في في قلبه ياعين امه. ردت فجر ضاحكة: - وانتي ولا حاسة ياعديمة الاحساس هههه حركت كتفها بدلال: - وانا مالي يااختي.. حد قالوا يقعد ساكت مع واحدة معجبينها كتير . ازدات ضحكاتهم لتردف فجر: - هو الخسران - طبعًا هو الخسران ............................... نهض حسين عن مقعده يستمع لكلمات اخيه وهو يقطع غرفة مكتبه ذهابًا وايابًا بتوتر وتركيز شديد مع كل حرف .. حتى انتهى علاء فعاجله حسين سائلًا: - طب وبعدين ياعلاء.. مشيتوا كدة من غير ماتعرفوا اي معلومة عنها؟ - .................... - بس انتوا اتأكدتوا من العنوان؟ -.................... - وانتوا متأكدين بقى ان جارتها دي هاتبغلكوا لو شافتها. -.................... - طب مليني العنوان اللي انتوا راجعين منه دلوقتي. -.................... - مالكش دعوة ياعم .. مليني وخلاص.. تناول ورقة يدون فيها العنوان ثم انهى المكالمة مع اخيه.. لينظر في الورقة وكأنه وجد ضالته.. يتمتم بالحمد .ثم مالبث ان يتحرك ذاهبًا من مكتبه.. لوجهة يعلمها جيدًا! ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠ بداخل السيارة وهو يقود كان ينظر لأكمام قميصة المبقعة بقرف اثار انتباه علاء الذي ما ان انتهى من مكالمة اخيه حتى انطلق في الضحك مرة اخرى يردد: - ههههه يابني ما انا قولتلك .. خليك في عربيتك وانت عشان ماتتعبش.. انتي مش حمل المناظر دي.. رد عليه عصام بسخط : - ماتبطل انت قلشك بقى وترقيتك دي .. محسسني ان واد طري من بتوع اليومين دول ..لا ياحبيبي انا دكتور ومتعود على مشاهد تشيب .. مش الحاجات الخفيفة دي. صدحت ضحكة علاء الصاخبة وهو يكمل في مشاكسته: - طب ولما هي حاجات خفيفة .. حسيت ليه انا ان قلبك هاوقف من الرعب اول ما الست كلبشت في دراعك ههههه. تأفف حانقًا يهز براسه بضيق من اسلوب علاء المتهكم.. ولكن بداخله كان يشعر بسعادة تبدوا مؤقتة لاستعادة صديقه.. تابع علاء: - ماترد يادكتور يامحترم على كلامي وقول انك ماخوفتش منها بجد بدال ما انت بتاكل في نفسك وبس: اللتفت اليه عصام كابتًا ضحكته: - بصراحة خوفت ماكدبش عليك . انطلقت ضحكته تزامنًا مع ضحكات علاء الصاخبة قبل ان يكمل: - بس دي شئ عادي ياعم .. فجأة لقيتها بتمسك في ايدي خضتني ههههه.. وفي الاَخر طلعت غاسلة هدوم الواد كمان ! قهقه الاثنان غير قادين على التوقف لعدة لحظات قبل يمسك نفسه اَخيرًا علاء وسأله مندهش: - رقم مين صح اللي ادتهولها وادعيت انه رقم الجمعية المزيفة. رد عصام: - ماهو فعلًا رقم جمعية حقيقي .. اينعم انا اتخضيت في الاول لما لقيتك بتألف الموضوع ده .. بس لما فهمت انه عشان سمعة الست والعادات في المناطق الشعبية.. دوغري افتكرت جمعية بنتي واديتها رقم حقيقي. ضيق علاء عيناه مستفسرًا : - بنت مين؟ وجمعية ايه بالظبط؟ هو انت اتجوزت وخلفت كمان؟ رد عصام : - فى الحقيقة دا حصل من ٣ سنين بالظبط.. بعد مارجعت من لندن .. اتجوزت بنت خالي.. بس بقى كانت مدلعة وبتهمل حتى في تربية بنتها.. ماقدرناش نكمل مع بعض واتطلقنا ..بس للأسف خالي ومرات خالي اخدوا في البنت في حضانتهم وحرموني منها.. فاانا بقى من شوقي خوفي طول الوقت عليها من اهمال واستهتار والدتها ..اسست جمعية خيرية وكتبتها باسمها عشان ربنا يباركلي فيها. التفت لعلاء وجده ينظر اليه بشرود .. طرقع بأصابع يده امام وجهه: - ايه ياعم سرحت في ايه وانا بكلمك ؟ استفاق علاء من شروده وهو يلتفت للطريق امامه فقال متهربًا : - سوق ياعصام.. خليني احصل المحل اللي سايبه من الصبح ده . تعجب عصام من التغير المفاجئ لعلاء ولكنه اَثر الصمت.. حتى لايزعجه بفضوله.والتفت يركز في قيادة سيارته. ..................... في المساء وبينما هو منهمك في عمله على احدى قطع الاثاث بمساعدة عامل اَخر في الورشة.. دلف صبي صغير من حارتهم يهتف عليه : - عم سعد ياعم سعد .. الحق في ناس عايزينك برة . رفع رأسه اليه يسأله : - مين ياض ياعبودي اللي عايزني برة؟ رد الطفل بلهاث: - واحدة ست ياعم سعد .. قالتلي ادخلك وانهدلك بسرعة - ست مين ياض؟ طب معرفتش اسمها. قالها سعد ليجدها فرصة عمال الورشة في المزاح معه.. قال احدهم : - الله ياعم سعد.. انت عايزها تقول اسمها وتفضح نفسها قدامنا. فقال الاَخر: - الله يساهله ياعم سعد.. اخرج ياعم وشوفها.. دي الست عايزاك بسرعة . نفخ صدره وهو يتلقى مزاحهم بتفاخر وبخطواتٍ منتشية ذهب من اماهم .. حتى اذا خرج من باب الورشة .. نظر الى الطفل متسائلًا: - فين الست دي ياض ياعبودي اللي بتسأل عليا . رد الطفل وهو يشير بيده : - اللي واقفة هناك ومديه ضهرها . تقدم سعد نحو المرأة المجهولة وقبل ان يقترب منها وجدها تلتف اليه بكليتها.. لتصطدم عيناها بعينيه التي جحظت من رؤيتها وكاد ان يقع امامها في وسط الشارع وامام المارة.. استدرك نفسه يظبط خطواته.. وهو يقترب منها ومقلتيه تتحرك يمينًا ويسارًا ناحية وجوه البشر في الشارع.. مرتعبًا من فكرة التخيل حتى .. انها هنا في وسط حارته وخلف منزل ادهم المصري وفي هذا الوقت الحساس اليه..انها حتى لم تتغير شكليًا ولم يتغير جسدها النحيل .. هي نفسها ببشرتها السمراء الناعمة وعيون المها خاصتها تنظر اليه بتحدي لم يره عليها قبل ذلك.. حينما اقترب منها وجدها تبسمت بزاوية فمها قائلة: - ازيك يامعلم علاء وحشتني ياراجل . لم يرد تحيتها بل اقترب يدفعها بيده متمتمًا: - امشي اتحركي على طول..و من غير نفس اخلصي. تحركت تسير معه مضطرة وهي تهمس باستفزاز : - طب حتى رد السلام الأول.. لدرجادي مرعوب لحد يشوفني ويعرفني.؟ دفعها بحدة كاد ان يوقعها هامسًا هو الاَخر: - وانتي بلعتي حبوب الشجاعة النهاردة وجاية تتحديني يابنت محاسن. اخرجت ضحكتها صوتًا وهي ترد عليه واضعة كفها بجانب فمها: - ايوة صح انا بنت محاسن وانت ابن نشوى التخينة بياعة الخضار هههه.. اه قالتها بألم حينما وجدت نفسها تدفع بقوة داخل مخزنٍ ممتلئ حولها بالأخشاب.. دلف خلفها يغلق الباب فورا بقوة.. وتقدم خخطوا امامها ببطء وجسدٍه يهتز من فرط انفعاله.. اكملت هي دون ان تهابه وقالت باستفزاز: - يامعلم سعد؟ انت جايبني هنا المخزن بتاعك عشان تخلص عليا ولا تتدفني فيه حي..... لم يعطيها فرصة لإكمال جملتها وذلك لانه اطبق على بكفهِ على عنقها قائلًا بغضبٍ حارق: - ايه اللى جابك عندي النهاردة يا امينة؟ بايعة عمرك ولا عايزة تحصلي جوزك في السجن؟ ردت ضاحكة باستفزاز رغم خروج صوتها بصعوبة: - ماعدتش عندي حاجة... ابكي عليها ياغالي.. وان. وان دخلت السجن مش هادخ...ل لوحدي.... هاتدخل.انت..معابا..... ضغط بكفيه الاثنان : - يبقى هاخلص عليكي احسن وتبقي جيتي لقضاكي ... الفصل الثاني والعشرون جحظت عيناها بقوة حتى كادت ان تخرج من محجريها، بشرتها السمراء اصبحت تتحول للون الأحمر القاتم.. يداها التي تقاوم لكي تنزع كفيه المطبقين على عنقها النحيف بدأت ترتخي مع قرب نفاذ الهواء من صدرها.. أو قرب نهايتها التي لطالما توقعتها دائمًا بمخيلتها.. منذ هذا التاريخ المشؤم حينما شاركت هذا الملعون جريمته بغباءها.. وحاجتها للعاطفة الكاذبة التي أوهمها بها في بداية تعارفهم كي يكسب ثقتها.. وبعد ان حدث ماحدث..رأت وجهه الحقيقي الذي يبدوا في الظاهر واجهة بشرية ولكن بداخله مسخ.. مسخ مشوه لايتورع عن فعل جريمته واللصاقها بغيره.. ثم رميها هي كذبابة من امامه بعدما انتفت حاجته اليها.. لتتحمل هي بعد ذلك عواقب ماحدث وحدها.. وتتجرع من مرار الأيام مايذكرها دائمًا بجريمتها معه.. لقد تعبت ولم تعُد بها طاقة في حمل هذا الوزر الثقيل.. اذن فاليزهق روحها ويخلصها.. علّها تستريح ولو قليلًا من عذابها ! كان يطبق على رقبتها الهشة يود لو يكسرها بيده ولتذهب لجحيمها الغبية التي جائت اليه بكل صفاقة كي تستفزه وتخرج شياطينه ..غضبه الاعمى جعله يتمنى ذلك ويرغبه بشدة لبعض اللحظات.. قبل ان يستفيق ويدرك نفسه.. فتركها على اَخر لحظة قبل طلوع روحها من جسدها.. سقطت على الارض تسعل بشدة بعد ان تركها وابتعد عنها يسب ويلعن.. ثم ما لبث ان تناول خشبه صغيرة فضرب بها على الأرض بقوة امام رأسها المنخفضة للأسفل قائلًا : - جاية ليه دلوقتي بعد ما نسيتك ونسيت ايامك الغبرة يا أمينة الزفت؟ رفعت عيناها اليه وقد هدأت انفاسها قليلًا ولكن مازالت قدميها على تقوى على الوقوف .. فعادت لأبتسامتها المستفزة: - انت خلاص صرفت نظر عن قتلي ياسعد ولا عايز تعرف سبب مجيتي لك الأول؟ هتف عليها : - جاوبي واخلصي يابت.. انا مش ناقص قرفك. ردت بمرح في غير محله: - وحشتني ياسعد وقولت اشوفك..فيها حاجة دي؟ هز رأسهِ بعدم استيعاب من فعلها فنزل امامها على عقبيه مضيقًا عيناه يسألها: - انتي يابت شاربة حاجة؟ جمودية القلب دي غريبة عليكي.. قولي يابت مبلبعة ايه بالظبط ؟ قال الاَخيرة وهو يجذبها من قماش بلوزتها التي نزعتها بعنف عن يده قبل ان ترد عليه بغضب وقد ذهب عن وجهها العبث : - شاربة المر من كيعاني ياحبيبي.. من ساعة ما اتجوزت فتحى بياع البرشام عشان الاقي حد يلمني واتحامى في كنفه بعد ما غدرت بيا.. وقولتلي ماحدش ضربك على ايدك وكل فينا يروح لحاله ويشيل مسؤلية نفسه.. شيلت ياأخويا وبعدت عن وشك وريحتك من همي.. لكن ياغالي الحال اتغير علاء وعصام وصلوا لبيتي.. يعني قربوا يوصلولي . لكزها على ذراعها ليرد بعدم تصديق: - كدابة يابت محاسن ومش مصدقك.. بيت مين اللى وصلوله؟ هما يعرفوا اسمك كامل اساسًا عشان يعرفوا بيت جوزك؟ صاحت بغضب: - انا مابكدبش ياسعد.. راوية جارتي حاكتلي ان في تلات رجالة جم على بيتي يسألوا عني بحجة انهم جمعية خيرية وعايزة تساعدني..راوية اكدت انها سمعت اسم الدكتور عصام على لسان واحد منهم واللي عرفته انا من المواصفات اللي حكتها ومواصفات التاني مش بعيد يكون علاء واللي خلاني اتأكدت اكتر بقى مين؟ عم متولى اللي كان بواب العمارة .. العمارة اللي كان فيها شقة عصام فاكرها طبعًا يانور عيني.. اكيد هو اللي دلهم عليا.. عشان ابن عمه ساكن ورا بيتي وياما شافني وشوفته في الشارع هناك . انسحب اللون من وجهه فاستقام بجسده واقفًا وهو يستوعب كلماتها المفاجئة.. وحينما ظل على صمته فترة ليست بقليلة.. هتفت عليه : - يكون في معلومك ياسعد.. انا لو حد منهم عثر عليا ولا عرف مكاني.. اوعى تفتكر اني هاسكت ولا انكر .. لا ياحبيبي انا هاقر بكل حاجة واحكي من طق طق لسلام عليكم . التفت اليها بنظرة تطلق شررًا من حدتها فعادت لابتسامتها المستفزة و تابعت غير اَبهة : - ما انا ماعدتش عندي حاجة اخاف عليها او اخسرها لو حبسوني ولا حتى عدموني . غلف وجهه بقناع جامد وهو يومئ لها بذقنه سائلًا باقتضاب: - والمطلوب إيه؟ أجابت بقوة : - تشوفلي مكان اتاوا فيه غير بيت ابويا وتحميني منهم لو وصلولي!! .............................. بداخل سيارته التي صفها في ركنٍ مظلم بالشارع الضيق.. كان ينظر في ساعة يده يحصي الدقائق في انتظار خبر او معلومة على هذا اللقاء المثير.. هذا اللقاء الذي توقع حدوثه منذ علمه بمعرفة أخيه بعنوان المرأة المنشودة وهو استنتج بذكائه لجوءها الى شريكها .. فوضع الإحتمالات برأسه لمراقبة بيت زوجها ومراقبة اخرى دقيقة لسعد الذي سيكشف حقيقته اَخيرًا لشقيقه ويعلم بحقيقة مافعله قديمًا.. ولحسن الحظ لم تتأخر المرأة لتأتي بعد ساعات فقط من تكليفه لعامل القهوة حودة والذي تسبب شجار سعد الدائم معه لقطع رزقه منها.. ليقبل بمهمة مراقبته ومراقبة من يقابلهم بكل سرور.. ولكن طال الإنتظار وبدأ القلق يتسرب الى قلب حسين.. فكما اخبره حودة المرأة دخلت مع سعد مخزن ورشته الخشبي ولم يخرجا حتى الاَن.. ترى ماذا يحدث الاَن وما الذي يتفقان عليه الاَن هؤلاء المجرمون؟ مسح بأطراف أصابعه على ذقنه المهذبة وعقله يدور في الاف السيناريوهات.. صدح الهاتف بورود مكالمة من حبيبته ولكنه مضطر لتجاهلها لانتظارها المكالمة الهامة و التي لم تتأخر كثيرًا بعد ذلك.. رد حسين عليها سريعًا بلهفة: - ايوة ياحودة إيه الأخبار ؟ - ..................... - خرجوا هما الاتنين!طب راحوا فين يعني ؟ -....................... - خليك وراهم ماتسيبوهمش الله يرضى عنك.. وتابعني بالاخبار اول بأول ولو لمحت اي حركة مش مظبوطة او فيها قلق اتصل بيا فورًا . -.......... - بعد مايخلص مشوارك معاهم تعالالي البيت قابلني.. لو على الفجر حتى انا هافضل مستنيك..عشان تحكيلي بالتفصيل الممل . -.................. - تسلملي ياحودة يامجدع . بعد ان انهى المكالمة زفر بسأم لعدم انتهاء هذه الليلة الطويلة مع شعوره المتزايد بالقلق.. ادار محرك السيارة ليذهب لبيته وقد ضاعت عليه فرصة لقاءه بالمرأة ومحاصرتها الليلة بالحقائق لتعترف .. ولكن لا بأس.. ان لم تكن الليلة فالايام قادمة . ........................... زفرت حانقة وهي تنظر لهاتفها وتدور حول نفسها من القلق بداخل غرفتها.. فقد وصل بيها الضيق لأعلى مراحله من كثرة محاولاتها الفاشلة في الاتصال بِه وهو لا يجيب.. ولا يكلف نفسه عناء ارسال رسالة حتى ليطمئنها ويرضيها.. تحدث نفسها بتوعد: - ماشي ياحسين.. خليك كدة ماترودش ولا تعبرني وحسابك معايا بعدين بس. ودت لو تهشم هذا الهاتف لقطع صغيرة .. فما فائدته في يدها وهي لا تستطيع به الإطمئنان على حبيبها الان. صور لها الشيطان افراغ غيظها برميه على الحائط وليحدث ما يحدث بعدها.. فرفعت يدها لكي تفعلها ولكن اضاءة الغرفة التي عادت تتراقص مرة أخرى اعادتها لقضيتها الأساسية وهي السبب الرئيسي لاتصالها الدائم بحسين الاَن.. فوصلها صوت والدتها من خارج الغرفة: - رد عليكي حسين ياشروق ؟ رفعت عيناها لأعلى بسأم قبل ان تخرج اليهم لصالة المنزل لترد: - لأ ياماما.. برن عليه لما هاكسر التليفون وهو لا معبرني حتى لوحت سميرة بكفيها في الهواء بقلة حيلة : - طب نعمل ايه بس دلوقتي ياربي.. ابوكي وقافل تليفونه عشان عزا الراجل صاحبه.. وخطيبك بترني عليه مابيرودش.. واحنا ولايا هانجيب منين بس كهربائي في الساعة المتأخرة دي؟ تكلم ابراهيم بجوارها: - ياماما انا بردان هنا في الصالة..عايز ادخل اؤضتى الدافية عشان انام وارتاح فيها. هتفت عليه سميرة بغيظ: - ماتتنيل واصبر شوية على ما نشوف اخرتها.. النور ضغيف في البيت كله.. خليك جمبي هنا عشان ماتخافش لو الكهربا قطعت.وانت قاعد لوحدك هناك. سألتها شروق بقلق: - طب هانعمل إيه احنا ياماما لو قطعت وبابا مش موجود عشان يتصرف ؟ ضربت سميرة على كفيها : - يعني عايزاني اقولك ايه؟ ماانا بضرب قدامك اخماس في اسداس اهو ومش لاقية حل.. ما هو لو كان ابوكي سمع كلامي وغير كهربة البيت اللي عفى عليها الزمن.. مكناش وقعنا في المغرز دا دلوقتي . اهتزت الإضاءة مرة اخرى فصاحت سميرة : - بتتهبي إيه عندك يافجر؟ ماتيجي بقى يابنتي وبلاش وجع قلب . وصلها الصوت من الداخل: - ياماما ما انا بحاول اشوف صرفة اوقفها بيها . همت لتجادلها سميرة ولكن اوقفها صوت زهيرة التي هتفت على باب الشقة: - ياسميرة يابنات.. ايه الأخبار . ردت سميرة: - ادخلي ياحبيتي انتي هاتستأذني. خطت زهيرة لداخل الشقة من بابها المفتوح وهي تتكلم : - لا ما انا بستأذن عشان علاء ياحبيتي.. اصله جاي عشان يشوف الكهربا عندكم . صدح صوته من خلفها: - مساء الخير ياخالتي. ردت سميرة بلهفة: - تعالي ياحبيبي.. ادخل يابني انت مش غريب تقدمت شروق نحو زهيرة لتجلسها على الأريكة ودلف خلفها علاء.. فقالت زهيرة: - والنبي يااختي.. اول اما قولتله مارضاش يستريح ولا يشرب بق مية حتى.. غير لما يجي يشوف المشكلة عندكم سببها ايه. سميرة وهي تخاطب علاء: - معلش يابني هانتعبك معانا.. نعمل إيه بس وابو العيال النهاردة مسافر البلد في عز واحد صاحبه. رد علاء وعيناه تبحث عنها وسطهم: - لا ياخالتي ما تقوليش كدة انا مش غريب عنكم.. هي سكينة الكهربا فين عشان اشوفها؟ ردت شروق وهي تشير بيدها: - سكينة الكهربا جوا في المطبخ ياعلاء.. دي حتى فجر بقالها فترة جوا بتحاول فيها . ذهبت عيناه فورًا ناحية المطبخ فقالت سميرة: - ادخل يابني خلي شروق توصلك بس انت هاتعرف بقى؟ دي كهربا يعني مش حاجة سهلة . رد عليها وهو يتحرك مع شروق: - والله لو ماعرفتش ياخالتي.. هانزل على طول اجيب الكهربائي.. ما انا مش هاستنى عشان اعك كمان. أومأت سميرة برأسها واللتفتت بعد ذلك للحديث مع زهيرة وذهب علاء مع شروق التي صدح هاتفها بمكالمة من خطيبها حسين.. فتوقفت في الطرقة الموصلة للمطبخ والمرحاض ..تشير لعلاء: - معلش ياعلاء حسين بيرن ادخل انت اهو المطبخ قدامك عشان وانا هارد على الفون.. اومأ لها برأسه فذهبت لترتد عائدة لغرفتها ودلف هو وحده عندها بداخل المطبخ.. فوجدها واقفة محلها امام القاطع الكهربائي للإنارة العمومي للشقة.. ممسكة بيدها عصا صغير تحاول جاهدة فيه على أطراف اصابعها القى عليها التحية بابتسامة زينت وجهه على هيئتها اللذيذة وكأنها طفلة بالبيجامة ذات الرسوم الكارتونية : - مساء الخير.. انزلت قدميها على الأرض لتسدير اليه وترد التحية: - مساء النور يامعلم علاء. سألها بمشاكسة: - بتعملي إيه؟ رافعت حاجبيها ترد باستنكار: - والله كلك نظر يامعلم علاء.. بحاول اثبت في المفاتيح الملخلخة دي وهي بتطفي وتنور لوحدها . تقدم لداخل المطبخ قائلًا بمرح : - بس واضح كدة ان طريقتك مش نافعة ولا يمكن عشان انتي قصيرة ومش طايلة تثبتي كويس. ردت بغيظ وهي تلوح بالعصا على المفاتيح المثبتة في القاطع: - مش موضوع قصيرة.. الموضوع انها هي نفسها بايظة.. يعني مثلًا اثبت الجزء ده بتاع اوضتي واؤضة النوم بتاعة ماما وبابا.. الاقي الجزء اللي جمبه اللي بيشمل أؤضة شروق وابراهيم أطفى.. واما اثبت الجزء ده بتاع بتاع الصالة والمدخل الاقى هااا.. صرخت شاهقة وهي تكمل بخوف: - الاقي الصالة والحمام هما اللي انطفوا. صدحت ضحكته مجلجلة في هذه المساحة الضيقة حينما عمها الظلام بانطفاء الجزء الخاص بها من مفاتيح القاطع.. انار كشاف هاتفه ليراها منكمشة على نفسها على حافة حوض غسيل الأطباق.. ولكنها استقامت فجأة لتداري ارتباكها وتوترها أمامه.. فالتفت للقاطع يبتثه على انارة جميع الشقة باحترافية تعجبت لها .. ثم استدار اليها قائلًا بخيلاء : - حاجة بسيطة أهي.. يعني ماكنش ليه لزوم تتعبي نفسك الوقت دا كله.. كنت انديهيني بس أو شاوريلي من البلكون وانا احلها . فغرت فاهها تنظر اليه مندهشة من طريقته حتى خرج من أمامها بابتسامة شملت جميع وجهه ........................... بداخل غرفته حسين وهو جالس على طرف تحته يتحدث معها بمحايلة: - يابنتي والنعمة ماكنت فاضي . وصله صرختها: - حتى لو ما كنتش فاضي ياحسين.. تطمني حتى برسالة مش تسيبني اَكل في نفسي والقلقل والأفكار الوحشة تلعب في دماغي . رد بحنان وقد لامست قلبه كلماتها: - سلامتك ياقلبي من القلق ولا الخوف..و سامحيني عشان نسيت موضوع الرسالة دي.. بس والله دماغي كانت مشغولة ومازالت . سألته بتوجس: - مشغولة في إيه بقى دماغك؟ - نعم!! - بقولك مشغول في ايه ياحسين وجاوب بقى عشان دماغي انا ماتروحش في حتة تانية. سألها بعدم فهم: - حتة تانية فين بالظبط يعني عشان اعرف؟ صدر صوتها بتعصب: - في الستات مثلًا ياحبيبي.. يعني تكون بتفكر في واحدة تانية غيري.. والنعمة ما يحصل ياحسين لاكون مسودة عيشتك وممرارها كمان . قهقه يضحك من قلبه: - ههههه يخرب عقلك ياشروق ضحكتيني بجد يخرب عقلك.. هو انا عندي وقت اعرفك انتي نفسك عشان اعرف واحدة تانية.. وحتى لو في؟ مين دا اللي يقدر ياخد مكانك ياقمر؟ رقت لهجتها وهي مازلت تهاجم: - ماتحاولش تاكل عقلي بكلامك دا ياحسين عشان ماعدتش بياثر معايا فاهم؟ - والنبي بجد اللي بتقوليه ده؟ يعني انا ماعنديش معزة في قلبك على كدة بقى؟ اصدرت صوت طقطقة بفمها تنفي بدلال: - لأ تابع معها : - طب والنبي سامحيني المرة دي بقى عشان خاطري وحياة الغالين عندك ياشيخة.. دا انت حتى حنينة وقلبك طيب.. مش برضوا قلبك طيب؟ قالت بمرح: - انا مستعد اسامحك المرة دي عشان الغالين بس .. مش عشانك انت وبشرط انك ما تتكرهاش تاني كمان فاهم؟ - فاهم ياقمر ياام قلب حنين انتي.. ربنا يخليكي للغلابة يارب. صدحت ضحكتها الجميلة على اسماعه.. انعشت صدره بعشقها وادخلت السعادة على قلبه.. فأنسته همه وما يشغل عقله.. همس بحب: - ربنا بخليكي ليا ياشروق ويباركلي فيكي ياقلبي رددت خلفه : - وانت كمان ياحبيبي.. ربنا مايحرمنيش منك ابدًا وافضل انا كدة على قلبك طول العمر ضحك على دعابتها وهم للرد ولكن قاطعه ورود المكالمة المنتظرة.. فأسرع ينهي معها: - شروق ياقلبي.. ممكن تسامحيني دولوقتي وتقفلي والنبي عشان عندي مكالمة مهمة . همت لتعترض ولكنه استرضاها برجاء حتى انهى المكالمة سريعًا ورد على حمودة الذي كان ينتظره بأسفل البيت ولم يقبل بالصعود اليه في هذه الساعة المتأخرة من الليل.. فنزل اليه حسين يقابله في حديقة منزله: - انت متأكد ان ماحدش فيهم شافك ياحمودة؟ - عيب عليك ياحسين بيه.. هو انت فاكرني غبي؟ دا انا كنت براقبهم من مسافة بعيدة.. دا غير اني كنت لابس كمامة كمان ولابس لبس تقيل عشان الزفت دا لو شافني مايعرفنيش.. حكم انا عارفه دا بلوة مسيحة. ربت حسين على ذراعه مشجعًا : - جدع ياحودة.. انا عارفك راجل من الاول ومخك نضيف امال انا لجأتلك ليه انت بالذات على طول عشان عارفك.. المهم الشقة اللي شوفتهم داخلين فيها دي.. ماتعرفش بتاعة مين فيهم؟. رد حودة بحماس: - طبعًا سألت وعرفت.. الشقة دي بتاعة الزفت سعد ومأجرها في الخفا من كام سنة كدة.. للمزاج والعب .. بس الجيران اكدولي ان في واحدة بتتردد على طول شقته دي وكأنها عشيقته. انتبه حسين لمقولته فحث حودة بتصميم: - طب انا عايزاك تستمر في مراقبة الشقة دي كويس وتخلي ناس ثقة من ناحيتك.. يشاركوك في مراقبة الاتنين سعد وامينة واهم حاجة .. تعرفلي مين هي دي الست اللي كانت بتردد عالشقة المشبوهة مع سعد سامعني ياحودة؟ رواية عينيكي وطني وعنواني. بقلم أمل نصر.