رجعت من السفر ٤

خرجوا بيهم برة القاعة وأنا واقف في مكاني مشلول. المستندات اللي في الشنطة السوداء اللي رجعتلي كرامتي وشقا عمري، هي نفسها اللي ممكن ترمي نادين في السجن بتهمة التستر والاشتراك في غسيل الأموال من خلال البوتيك بتاعها!
خرجت وراهم لساحة المحكمة الخارجية وأنا دماغي بتغلي. شفت نادين واقفة بعيد، سانده على عربيتها وبتبكي بحرقة وهي شايفة طارق وشريف متبهدلين وداخلين بوكس الشرطة. أول ما عيني جت في عينها، جريت عليا والدموع مغرقة وشها، وقفت قدامي وهي بترتعش وقالت بصوت مكسور: “سليم.. أرجوك.. أنا عارفة إني غلطت وعارفة إن طمع طارق وغبائي هما اللي وصلونا لهنا.. بس عشان خاطر عمر.. بلاش تقدم الورق اللي يخص المحل.. شريف كاتب كل حاجة باسمي في عقود التمويل.. لو الورق ده دخل النيابة أنا هتحبس.. وابننا مش هيبقى ليه حد في الدنيا!”.
بصيت لها ونار الندم والانتقام بتاكل في قلبي. الغرور القديم كان بيقولي: “سبيها تتسجن وخذي ابنك وعيشي حياتك”، بس ملامح “عمر” الصغير وهو مستخبي ورا جدته وباصصلي بخوف ظهرت قدام عيني. أنا السبب في كل ده.. قسوتي هي اللي فتحت الباب للشياطين دول يدخلوا بيتي ويدمروا حياتنا.
قولت لها ببرود قاتل: “الورق مع رامي في مباحث الأموال العامة يا نادين.. ومبقاش بإيدي أغير حاجة في مسار القض..ية.. شريف وطارق هيعترفوا عليكي عشان يسحبوكي معاهم”.
نادين وقعت على الأرض من الصدمة وهي بتصرخ باسم ابننا. سيبتها وركبت عربيتي وسوقت وأنا مش شايف قدامي.. رحت علطول على بيت حماتي السابقة. طلعت السلم وضغطت على الجرس.. فتحتلي حماتي وهي مرعوبة بعد ما عرفت باللي حصل في المستشفى والمحكمة.
دخلت الصالة.. ولقيت “عمر” قاعد على الكنبة، ضامم رجليه لصدره وبعينيه لمعة دموع مكسورة. قربت منه براحة، وقعدت على ركبي قدامه عشان أكون في نفس مستواه.. ولأول مرة من سنتين، مديت إيدي ولمست شعره بحنان حقيقي وقولتله: “عمر.. أنا بابا.. متخافش مني يا حبيبي.. أنا مش جاي أخدك غصب عنك.. أنا جاي أحميك”.
الولد بص في عيني طويلًا، وكأنه كان بيدور على الأب القاسي اللي سابه وسافر، فلقى راجل تاني مكسور بس مليان حب ونبرة رجاء. وفجأة، الباب اتفتح ودخل “رامي” ومعه اتنين عساكر، وبصلي بنظرة خطيرة وقالي: “سليم.. اجهز حالا.. شريف وطارق اعترفوا في النيابة بكل حاجة.. بس المفاجأة إن شريف قدم مستند جديد خالص مكنش في الشنطة.. مستند يقلب القض..ية عليك أنت تاني ويغير صفتك من مجني عليه لمتهم أول في كارثة تانية خالص ملهاش علاقة بالفلوس!”.
