الظلم ظلمات ج2
رومانى مكرم

صاحت الضرة بنبرة مخنوقة بالبكاء وهي تحتضن ابنها الرضيع: “المية مغرقة رجلي.. المية ساقعة زي التلج وريحتها وحشة قوي يا ليلى! الحقونا البيت بيغرق!”.
صاح زوجي بعلاء وهو يحاول التقدم وسط الماء: “هات شاكوش ولا أجنة يا علاء! لازم نكسر قفل الشقة ونشوف المحبس اللي ضرب جوه ده، البيت هيقع علينا!”. ركض علاء وجلب أداة حديدية ثقيلة، وبدأ يضرب القفل الحديدي لباب منال بضربات متتالية رنانة، كانت الأصوات تصدر في الظلام كأنها دقات ساعة القيامة.
مع كل ضربة، كان صوت تدفق المياه يزداد، والصرير خلف الباب يعلو. وأخيرًا، انكسر القفل.
اندفع الباب مفتوحًا بقوة، وخرجت منه موجة من المياه الباردة دفعت علاء وزوجي للخلف ليسقطا في وسط الحوش. ساد صمت مفاجئ.. وانقطع صوت تدفق الماء. تخطيتهم بخطوات ثابتة ووقفت عند عتبة الشقة المظلمة، ووجهت كشاف هاتفي إلى الداخل.
الشقة كانت جافة تمامًا.
لم يكن هناك قطرة ماء واحدة على البلاط، الأثاث القديم كما هو، والتراب يغطي الأسطح بسلام. التفتُّ خلفي فنظرت إلى الحوش، كان الحوش لا يزال غارقًا في المياه السوداء التي تحيط بأقدامهم. كانت المياه تخرج من الشقة لكنها لم تكن داخلها!
صرخت حماتي وسقطت على ركبتيها في الماء وهي تلطم خديها: “يا مصيبتي السودا ياما.. دي مش مية حنفية.. ده غضب.. منال مش ه تسيبنا في حالنا!”.
في تلك اللحظة، ومن وسط الظلام الدامس، تحركت الستارة البيضاء للشباك الأزرق في الداخل. وبدأ صوت مألوف يتردد في أرجاء الشقة الفارغة، صوت حشرجة ونفس متقطع، نفس الوجع الكاتم الذي كنا نسمعه وهي تنام مقهورة.
بدا صوت منال يهمس من كل زاوية، صوت يبكي وينوح، ينادي باسم كل واحدة منا. تيبست بنات حماتي في أماكنهن، وأخذت الضرة تصرخ وتغلق أذنيها بيديها وهي تقول: “سامحينا يا منال.. أنا ماليش ذنب، هما اللي قالوا لي اتدلعي وعايريها، هما اللي حرضوني عليكي!”.
التفتت حماتي إليها بعيون برزت من الجحور وصاحت: “إحنا يا خطافة الرجالة؟ إنتِ اللي كنتِ بتدخلي وتقولي يا عاقر جهارًا نهارًا! إنتِ اللي كنتِ بتبخي السم في البيت!”.
بدأت الخناقة تشتعل بينهم وسط الماء؛ الكل يلقي بالتهمة على الآخر، الكل يتبرأ من دماء منال وقهرها. كانوا كالفئران التي تحترق في مصيدة، وأنا واقفة أضحك بأعلى صوتي، أشاهد انهيار العزوة التي طالما تحاموا فيها لظلم المسكينة.
