الظلم ظلمات ج2

رومانى مكرم

صرخ علاء بصوت مبحوح: “منال!.. أنتِ جوه؟”. لم يجبه أحد، لكن باب الشقة الأرضية المقفول بقفل حديدي كبير بدأ يهتز عنفًا، وكأن هناك يدًا من الداخل تحاول كسره وتخلعه من مكانه. ركض علاء نحو بواب الشارع وهو يصرخ بهستيريا، تاركًا البيت خلفه.

ضحكتُ من وراء نافذتي، ضحكات ممزوجة بالدموع، وقلت بصوت مسموع: “ابدأي يا منال.. خدي حقك.. لسه الحساب في أوله”.

عندما عادوا من المستشفى في وقت متأخر، كان الطفل برأسه ضمادات ضخمة، والضرة تجر قدمها المجبسة، والوجوه كلها يكسوها الخوف. لم يتحدث أحد بكلمة، ولم يجرؤ أحد على النظر نحو الشباك الأزرق الذي ظل مفتوحًا كفم جرح لا يندمل.

أطلق زوجي سراحي من الغرفة بعد أن أجبره الخوف على البحث عن أي ونيس في البيت. نزلتُ إلى الحوش بخطوات ثابتة، ووقفت وسطهم. كانوا يجتمعون في زاوية بعيدة عن شقة منال، يتحدثون بهمس وكأنهم يخشون أن تسمعهم الجدران.

نظرتُ إلى حماتي التي كانت تبخر البيت بنبرة مرتعشة وهي تقرأ تعاويذ مبعثرة، فقلت لها ببرود: “البخور مش هيطردها يا حماتي.. البخور بيطرد الشياطين، لكن منال مظلومة، والملائكة هي اللي حارساها.. مش هتمشي من هنا غير لما تاخد تمن كل دمعة نزلت من عينيها وهي بتغسل المواعين وتسمع كلامك السم”.

التفتت إليّ الضرة وهي تبكي وتضم ابنها: “بوس إيدك يا ليلى اسكتي.. البيت بقا يقبض، إحنا عملنا فيها إيه؟ ده نصيبها!”.

قاطعتها وأنا أشير بإصبعي إلى وجهها: “إنتِ بالذات حسابك تقيل.. عيرتيها ببطنها الفاضية، وربنا جازاكي في ابنك اللي فرحتي بيه على كسر خاطرها.. ودي لسه القرصة الأولى”.

وفجأة، وأنا أتحدث، انطفأت أنوار الحوش والبيت بالكامل. ساد ظلام دامس، وتبعه صوت تدفق مياه شديد. هرع زوجي وزوج منال بكشافات هواتفهم نحو مصدر الصوت، لتصيبهم الصدمة الكبرى.

المياه كانت تنفجر بغزارة من شقة منال المغلقة، تخرج من تحت عقب الباب ومن بين شقوق الشباك الأزرق، مياه سوداء برائحة تشبه رائحة المقابر، بدأت تغمر الحوش وتصل إلى أقدامنا، وكأن البيت بأكمله يغرق في دموع منال المكبوتة التي حبستها طوال سنوات عذابها وسطنا.

## الجزء الرابع: طوفان القصاص

تراجعت حماتي إلى الخلف وهي ترفع جلبابها بجسد يرتعش من الرعب، بينما كانت المياه السوداء تتدفق من تحت عقب باب منال بغزارة، كأنها نهر انفجر من باطن الأرض. الكشافات في أيدي زوجي وعلاء كانت ترتعش، والضوء يهتز على وجه الماء الذي بدأ يغمر أرضية الحوش ويقترب من عتبات الغرف.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *