الظلم ظلمات ج3

رومانى مكرم

وفي تلك اللحظة، بدأ سقف الحوش القديم يتشقق، وتساقطت منه ذرات التراب والحجارة. اللعنة لم تكن تريد دماءً، بل كانت تريد هدم الجدران الظالمة التي حاصرت روح منال لسنوات.

أمسكتُ بمحمود من جلبابه وسحبته بقوة: “قوم! قوم يا محمود.. البيت بيقع.. منال مش عايزاكم تموتوا، عايزاكم تعيشوا في الدنيا مكسورين ومنبوذين ملكمش ضهر، زي ما عيشتوها!”.

سحبنا حماتي الزاحفة التي كانت تصرخ وتبكي، ودخلنا شقة منال الأرضية لنحمل علاء المشلول من على سريره. كان يرتجف وعيناه تدوران في محجريهما برعب وهو يرى سقف بيته يتداعى. خرجنا بهم جميعًا إلى الشارع في ليلة مظلمة، والدموع تعمي أعيننا.

وما إن خطونا عتبة الباب الخارجي، حتى انهار الجزء الداخلي للبيت بالكامل. سقط الحوش، وتهاوت الغرف، وتحطمت الساقية التي درناها بالظلم والافتراء. انهار البيت الكبير وتحول إلى كومة من التراب والركام، ولم يبق منه قائمًا سوى شيء واحد.. الشباك الأزرق القديم، ظل واقفًا وسط الأنقاض، ضلفتيه مفتوحتان على مصرعيهما للهواء والحرية، بعد أن تحررت الروح التي كانت تختبئ خلفه.

مرت الأشهر، وتشتت العائلة الظالمة في الآفاق. حماتي قبعت في فراش المرض ترعاها بناتها المطلقات اللاتي عُدن بخفي حنين، وعلاء ظل ملقى على سريره في بيت غريب بلا صوت ولا حركة، يعيش كالميت في طيات الأحياء.

أما أنا، فقد انفصلت عن محمود. لم أكن أستطيع النظر في عيني رجل شارك، ولو بالصمت، في قتل إنسانة بريئة. أخذتُ نفسي وابتعدت، لكنني لم أهرب من ذنبي.

أنا الآن أعيش وحيدة، تمامًا كما عاشت منال. كل يوم عصرًا، أذهب إلى مكان الأنقاض، أقف أمام الشباك الأزرق الذي ما زال واقفًا وسط الخراب، أضع وردة بيضاء على عتبته المهدومة، وأبكي بحرقة وندم.

لقد دفعت الثمن من آدميتي وسعادتي، وعلمت أن الظلم ظلمات، وأن القهر جريمة لا تسقط بالتقادم، وأن الله ينصر المظلوم ولو بعد حين، حتى لو لم يملك في الدنيا ظهرًا ولا سندًا.. فالله هو السند وهو العدل.

**تمت.**

## الحكمة من القصة

إن القصة لم تكن مجرد سرد لخراب جدران أو عقاب نزل بظالمين، بل هي مرآة تعكس سننًا كونية وإلهية لا تخطئ أبدًا. وتتلخص الحكمة في هذه النقاط:

* **الظلم ظلمات عاقبته وخيمة:** إن الظلم ليس بالضرورة ضربًا أو قتلًا ماديًا؛ فالكلمة الجارحة، والتلقيح، والاستهزاء، وكسر الخواطر، هي قتْلٌ بطيء للروح. و”منال” لم يقتلها المرض، بل قتلها كتمان القهر، والله سبحانه وتعالى وعزته وجلاله وعَدَ بنصرة المظلوم ولو بعد حين.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *