الظلم ظلمات ج3
رومانى مكرم

## الجزء الخامس وقبل الأخير: حصاد النفوس
أصبح البيت الكبير المهيب أشبه بخرابة مهجورة تفوح منها رائحة الموت والندم. انفضت اللمة، وهرب الجميع، ولم يبق في الجدران التي شهدت عذاب منال سوى أنا، وحماتي، وزوجي، وعلاء الذي كان يذبل يومًا بعد يوم كشجرة جفت عروقها.
المياه السوداء التي فاضت من الشقة الأرضية لم تجف، بل بدأت تتسرب إلى جدران البيت، تأكل في أساساته وتترك بقعًا داكنة تشبه الرماد. الرطوبة والعفن زحفا على كل شيء، حتى الأكل كان يفسد في ثوانٍ، وكأن اللقمة في هذا البيت أصبحت محرمة.
في أحد الأيام، دخلتُ على حماتي غرفتها لأضع لها طعامًا، فوجدتها قاعدة على سريرها، ضهرها منحنٍ، وعيناها شاخصتان نحو الفراغ. لم تعد تلك المرأة القوية التي تحط رجل على رجل وتطلق سهام لسانها. كانت شفاها ترتعش وتهمس بكلمات غير مفهومة.
اقتربتُ منها، فانتفضت رعبًا وصاحت وهي تغطي وجهها بيديها المرتعشتين: “أبعدي عني يا ليلى! أبعدي.. قولي لمنال تسيبني.. قولي لها متمشيش ورايا في الضلمة! كل ما أغمض عيني أشوفها واقفة على الحوض وبتبص لي وعينيها بتخر دم!”.
نظرتُ إليها بلا رحمة، ووضعت الصينية على الطاولة وقلت ببرود: “مش هتمشي يا حماتي.. مش إنتِ اللي قلتِ عليها ‘أرض بائرة’؟ أهو ربنا بار في عمرك عشان تشوفي بيتك وهو بيخرب وجدرانه بتقع عليكي.. دوقي المُر اللي شربتيه للمسكينة”.
أما علاء، فكان عقابه من جنس عمله. الرجل الذي استقوى بنا وتزوج ليذل امرأته التي صانت بيته، أصبح عاجزًا تمامًا. في ليلة من الليالي، استيقظنا على صوت صراخ مكتوم صادر من حوش البيت.
نزلتُ أنا وزوجي مسرعين بالكشافات، فوجدنا علاء ملقى على وجهه وسط المياه السوداء في الحوش، جسده يتلوى وعيناه مفتوحتان على وسعهما برعب رهيب، يحاول النطق لكن صوته لا يخرج، ممسكًا بظهره وكأنه تلقى ضربة قطعت أنفاسه.
حملناه إلى المستشفى مسرعين، وجلسنا ننتظر الطبيب الذي خرج وعلامات الحيرة تكسو وجهه. نظر إلينا وقال: “المريض اتعرض لصدمة عصبية شديدة المفاجأة، أدت لشلل نصفي كامل.. مش هيقدر يتحرك ولا يتكلم تاني.. الجلطة ضربت مراكز النطق والحركة”.
نظرتُ إلى زوجي الذي شحب وجهه وسقطت دموعه خوفًا، فضحكتُ بمرارة وقلت له أمام الطبيب: “عدل ربنا يا أبو عمر.. منال مكنش ليها صوت، ومكنتش بتقدر تتحرك وتروح لأهلها.. وأهو جوزها بقا زيها، ملوش صوت ومبيتحركش.. وبقا خيال مآتة في الدنيا!”.
