قصة يوسف

يوسف وقف مكانه بهدوء وبص لأحمد وهو بيجري ناحيته والناس كلها بتتابع اللي هيحصل.
أحمد كان نفسه مقطوع وعينه مليانة دموع وقال
استنى يا يوسف… أرجوك اديني فرصة أتكلم معاك خمس دقايق بس.
يوسف بصله من غير أي انفعال وقال
اتفضل.
أحمد بلع ريقه وقال بصوت مكسور
أنا غلطت… وغلطتي دي ندمت عليها كل يوم. كنت جبان. خفت من المسؤولية وهربت. أنا مستني منك تسامحني.
يوسف فضل ساكت شوية وبعدين قال
التسامح حاجة… وإنك ترجع أب في حياتي حاجة تانية.
أحمد نزل عينه في الأرض.
يوسف كمل
أنا مسامحك عشان قلبي يرتاح… لكن السنين اللي ضاعت مين هيعوضها؟ مين هيعوض أمي عن كل ليلة باتت فيها جعانة عشان توفرلي العلاج؟ مين هيعوضها عن الشغل ليل ونهار؟ مين هيعوض طفولتي وأنا مستني أب عمره ما جه؟
أحمد مقدرش يرد.
أنا كنت واقفة ساكتة أراقب المشهد وقلبي بيدق بسرعة.
يوسف قرب منه وقال بهدوء
أنا مبكرهكش… لكن كمان مبعرفكش. بالنسبة لي أمي هي عيلتي كلها.
أحمد مسح دموعه وقال
حتى لو تسمحلي من وقت للتاني أطمن عليك.
يوسف هز راسه وقال
ده قرار محتاج وقت… والثقة مش بترجع بكلمة آسف.
في اللحظة دي رن تليفون يوسف.
رد بسرعة وبعد ثواني ابتسم لأول مرة من ساعة ما خرجنا من القاعة.
قفل المكالمة وبصلي وقال
ماما… المستشفى اللي كنت بتدرب فيها كلموني.
قلبي وقف.
قلتله
خير يا حبيبي؟
ابتسم وقال
وافقوا يعينوني دكتور معاهم بعد الامتياز… وقالوا إنهم اختاروني من بين كل المتقدمين.
حضنته وأنا ببكي من الفرحة.
أحمد كان واقف بعيد بيتفرج علينا وعرف إن الفرحة دي هو مالوش فيها أي نصيب.
قبل ما يمشي لف ناحية يوسف وقال
أنا فخور بيك.
يوسف رد بكل هدوء
الفخر الحقيقي هيكون لما تبقى راجل وتصلح اللي لسه ينفع يتصلح مع الناس اللي ظلمتهم في حياتك.
أحمد مشي بخطوات تقيلة، وشكله كان أكبر من عمره بسنين.
افتكرت إن دي آخر مرة هشوفه… لكن بعد أسبوع واحد بس، وصل بيتنا ظرف كبير عليه اسم أحمد، ولما فتحه يوسف اتصدم من اللي كان جواه، لأنه كان هيغير حياتنا من جديد.
يوسف فتح الظرف وهو مستغرب، ولقي جواه ملف كبير وعقد بيع وصورة من كشف حساب بنكي ورسالة مكتوبة بخط إيد أحمد.
بدأ يقرأ بصوت هادي.
“عارف إن مفيش حاجة هترجع السنين اللي ضيعتها، ولا هتمحي الوجع اللي سببتلكم فيه. وعارف إن كلمة آسف قليلة جدًا. لكن دي أول مرة في حياتي أقرر أواجه غلطتي بدل ما أهرب منها.”
