قصة يوسف

في اللحظة اللي القاعة كلها سكتت فيها يوسف مسك الميكروفون وبص لأبوه من غير أي كره ولا عصبية وقال
عارف يا أبي أنا كنت صغير أوي لما سبتنا عشان أكيد مفتكرش وشك كويس لكن أمي عمرها ما خلتني أكرهك. كل ما كنت أسألها أنت فين كانت تقول يمكن عنده ظروف. وكل ما كنت أزعل كانت تخليني أدعيلك بدل ما ألعنك.
القاعة كلها كانت ساكتة لدرجة إنك تقدر تسمع صوت النفس.
يوسف كمل وهو مبتسم ابتسامة هادية.
أنا قضيت سنين أتعلم أمشي. كل خطوة كنت باخدها كانت بتوجعني. كنت أقع وأقوم وأقع تاني. والدكاترة قالوا إن احتمالات إني أمشي ضعيفة جدًا. لكن أمي كانت كل يوم تقولي جرب مرة كمان.
لف ناحيتي وقال
لو في حد يستحق يقف هنا النهارده مش أنا… هي.
الأنظار كلها اتوجهت عليا.
حسيت إن رجلي مش شيلاني.
يوسف أشار بإيده ناحيتي وقال
الست دي كانت أمي وأبويا وصاحبتي وسندي. كانت تشتغل الصبح وبالليل تفضل معايا في العلاج. كانت تبيع دهبها عشان تدفع تمن جلسة. وكانت تضحك في وشي وهي مكسورة من جواها عشان متخلنيش أحس بالخوف.
بدأت دموعي تنزل من غير ما أقدر أوقفها.
الناس كلها قامت تصقف.
لكن يوسف لسه مخلصش.
رجع بص ناحية أحمد وقال
وأنت يا أبي… متشكر.
أحمد ابتسم وهو فاكر إن ابنه سامحه.
لكن يوسف كمل بنفس الهدوء.
متشكر لأنك لما مشيت علمتني إن الرجولة مش كلمة أب مكتوبة في شهادة الميلاد. الرجولة موقف ومسؤولية وصبر. ولو كنت فضلت معانا غصب عنك يمكن كنت هتكسرني كل يوم بنظراتك. إنما غيابك خلاني أعرف قيمة الإنسان اللي فضل معايا.
الابتسامة اختفت من وش أحمد.
الناس بدأت تبصله بنظرات مختلفة.
يوسف قال
أنا دعوتك النهارده مش عشان أرجعك أب في حياتي. دعوتك عشان تشوف بعينك الولد اللي قلت إنه عبء وهو واقف قدامك دكتور متخرج بامتياز.
وبعدين رفع شهادة التخرج وقال
النجاح ده مش هدية ليك… النجاح ده هدية لأمي. الست اللي آمنت بيا لما العالم كله كان شايفني حالة ميئوس منها.
القاعة انفجرت تصفيق.
ناس كتير كانت بتمسح دموعها.
وأحمد كان واقف مكانه مش قادر يرفع عينه من الأرض لأول مرة من خمسة وعشرين سنة.
افتكرت إن الحكاية خلصت عند كده… لكن وأنا خارجة مع يوسف من القاعة لقيت أحمد بيجري ورانا وهو بيصرخ باسم ابنه وطلب منه طلب محدش فينا كان يتوقعه.