الغيرة ورطه حد السيف

أيوه.. أنا اللي خطفت جوز أختي واولادها منها مش بس جوزها قدرت اكره فيها ولادها وجوزها ومستعدة أقولها في وش الدنيا كلها ومش ندمانة. أنا بكرهها.. بكرهها لدرجة تخلي النــ,,ـــــار اللي جوايا متببردش غير لما أشوفها مكسورة ومطفيّة. من وإحنا عيال صغيرة وهي دايمًا ‘البنت المثالية’، اللي بتاخد كل حاجة، اللي الكل بيعملها حساب، اللي مفيش زيها.. وأنا؟ أنا كنت دايمًا ‘زيادة’ في حياتها، اللي بتعيش على الفتافيت اللي بتسيبها.
بس المرة دي اللعبة كانت لعبتي أنا. قررت أدوقها الوجع اللي عيشته سنين، بس المرة دي في أغلى ما تملك: جوزها وعيالها. مكنتش عايزة جوزها عشان حب، أنا كنت عايزة ‘أكــ,,ـــــسره’ في إيدها. والوجع الأكبر؟ إن عيالها بقوا بيحبوني أنا أكتر منها، بيجروا عليا أنا مش عليها.
لما بشوف نظرة الحسرة في عينيها وهي شيفاني واخدة مكانها في بيتها وبين عيالها، بحس إن روحي ردت فيا.. أخيراً يا ‘ست الكل’ بقيتي إنتي اللي ‘زيادة’ في حياتنا كنت عارفه إن اكبر وجع هتحسه لما ولادها يكرهوها ويحبونى اكتر منها وجوزها يشوفها عبء عليه
الناس فاكرة إن الموضوع حصل بالصدفة، بس لا.. أنا كنت زي النملة، بشتغل بنظام وبنفس طويل. كنت بدخل بيتهم وأنا لابسة وش الملاك، الأخت الحنينة اللي جاية تساعد.
كنت بوزّع السم في العسل؛ أقول لجوزها: ‘معلش هي أختي طبعها صعب ومبتستحملش، استحملها عشان خاطرنا’، وأنا عارفة إن الكلمة دي بتولع نــ,,ـــــار بينه وبينها.
أما العيال؟ فكنت أنا ‘ماما اللي بتدلع’ وهم ‘ماما اللي بتزعق وتذاكر’. كنت بشتري حبهم بالهدايا وبالكلام اللي هي محرومة تقوله من كتر ضغط البيت عليها. لحد ما جه اليوم اللي وقفت فيه في نص صالتها، وهي بتبص لشنطتي اللي محطوطة جنب سريرها، وبتبص لولادها اللي ماسكــ,,ـــــين في إيدي ورافضين يروحوا لها.. في اللحظة دي بس، عرفت يعني إيه انتصار.”

وقفت قدامها، مربعة إيدي وببص لها من فوق لتحت بابتسامة باردة. كانت واقفة مذهولة، دموعها محبوسة في عينيها زي الغريق اللي مش لاقي قشة يتمسك بيها. بصت لجوزها “عصام” وقالت بصوت مكسور ومبحوح: ‘بجد يا عصام؟ بجد بعت عشرة السنين عشان دي؟ عشان أختي؟’.
عصام حتى مرفعش عينه فيها، كأني عملت له غسيل مخ. رد ببرود .ها أكتر مني: ‘أختك هي اللي حست بيا يا سمر، هي اللي عرفت تحتوي عيالي وتفهمهم، إنتي كنتي دايمًا مشغولة بنفسك وبمثاليتك اللي خنقتنا’.
الكلمة كانت زي السكــ,,ـــــينة في قلبها، شفت جسمها وهو بيترعش. والضــ,,ـــــربة القاضية جت من ابنها الصغير ‘ياسين’، لما جري عليا واستخبى ورا ضهري وهو بيقولها: ‘أنا مش عايز أقعد معاكي يا ماما، أنا عايز أقعد مع خالتو.. خالتو بتلعب معايا ومش بتزعقلي زيك’.
في اللحظة دي، سمر وقعت على الكرسي، كأن رجلها مش شايلاها. بصتلي وقالت بذهول: ‘إنتي إيه؟ شيطانة؟ ليه بتعملي فيا كدة؟ أنا عملتلك إيه؟’.
ضحكت ببرود، وقربت منها خطوة بخطوة لحد ما بقيت في مستواها وهي واقعة على الكرسي، مكسورة ومطفيّة زي ما تمنيت طول عمري. مسكت خصلة من شعرها اللي كان دايماً ناعم ومرتب، ودلوقتي مبهدل من الصدمة، وقلت لها بصوت واطي ومستفز:
“عملتي إيه؟ إنتي معملتيش حاجة يا سمر.. إنتي بس كنتي ‘موجودة’. كنتي دايمًا واخدة الضوء، واخدة الدلع، واخدة الحب.. حتى لبسي كان بيبقى اللي صغر عليكي. كنت بشوف في عينيكي نظرة الشفقة وانتي بتديني لعبك القديمة، فاكرة؟ النهاردة بقى أنا اللي بديكي ‘بواقي’ حياتي.. أنا اللي خدت الجديد والعيال والراجل، وسبتلك الكرسي ده تعيطي عليه.”
قامت سمر فجأة وهي بتحاول تلم شتات نفسها، مسكت إيدي وهي بتترجى:.
“عشان خاطر العيال يا أماني.. بلاش تحرميني منهم، خدي عصام، خدي البيت، بس سيبلي ولادي.. دول روحي.”
نفضت إيدها من عليا بقرف، وبصيت لـ “ياسين” وأخته “ليلى” وقلت لهم بنبرة حنينة مصطنعة:
“يا حبيبي، روحوا العبوا في أوضتكم الجديدة، ومتقلقوش.. خالتو عمرها ما هتسيبكم ولا هتخلي حد يضايقكم تاني.”
الولاد جروا على جوه من غير ما يبصوا وراهم، وكأن سمر بقت غريبة عنهم. بصيت لها وقلت بمنتهى الجحود:
“سمعتي يا حبيبتي؟ مش عايزينك. أنا مش شيطانة يا سمر، أنا بس ‘تلميذة شاطرة’ اتعلمت منك إزاي آخد اللي أنا عايزاه.. الفرق إنك كنتي بتاخديه بالذوق والمثالية المزيفة، وأنا خدته بالدماغ والوجع. ودلوقتي.. الشنطة اللي عند الباب دي فيها هدومك، اتفضلي اطلعي بره حياتنا بكرامتك، ده لو لسه عندك كرامة أصلاً.”
وقفت أتفرج عليها وهي ماشية بجرجير رجليها، مكسورة بجد، وحسيت بنشوة عمري ما دوقتها قبل كدة. أخيراً، ‘ست الكل’ بقت لا شيء.
سمر مشيت، وقفلت الباب وراها بهدوء غريب.. هدوء كان بيخوف أكتر من الزعيق. لفت لعصام اللي كان واقف زي التايه، بس أول ما شافني، ابتسمت له الابتسامة اللي دوخته، وقلت له:
‘أخيراً يا حبيبي.. أخيراً هنعيش في هدوء من غير نكد ولا مشاكل’.
مرت أول ليلة، وأنا نايمة في سريرها، على مخدتها، وحاسة إني ملكت الدنيا. بس مع الفجر، صحيت على صوت عياط ‘ياسين’. جريت عليه وأنا فاكرة إني هقدر أثبته بكلمتين، بس لقيته زاق إيدي وهو بيصرخ:
‘أنا عايز ماما! فين ماما يا خالتو؟ أنتي قلتي إنها هتمشي وتيجي تاني.. هي فين؟’.
حاولت أهديه، بس ليلى كمان صحيت وبدأت تعيط. عصام دخل الأوضة وعينيه حمرا من قلة النوم، وبصلي بنظرة غريبة، نظرة فيها لوم لأول مرة:
‘مش كنتي بتقولي إنهم بيحبوكي أكتر منها؟ مالهم؟ ليه مش عارفين يسكتوا معاكي؟’.
في اللحظة دي حسيت بقرصة في قلبي، بس مش ندم.. لا، ده خوف إن ‘خارطة الطريق’ اللي رسمتها تتهد. قلت بحدة:
‘ده طبيعي يا عصام، لسه متعودوش، سيبهم عليا’.
عدى أسبوع، وبدأت ملامح سمر تختفي من البيت، بس روحها كانت لسه محاوطاني. كل ما أعمل أكلة، عصام يقولي ‘سمر كانت بتحط فيها بهار كذا’. كل ما ألبس قميص نوم، أحس إنه بيقارن بيني وبينها في سره.
وفي يوم، وأنا بنضف في الدولاب، لقيت ظرف مقفول مستخبي ورا هدوم عصام. فتحته وأنا إيدي بترتعش.. كانت ورقة مكتوبة بخط سمر، وتاريخها كان من أسبوعين بس، يعني قبل ما تمشي!
مكتوب فيها:
‘أنا عارفة إنك هتقرأي الورقة دي يا أماني.. وعارفة إنك فاكرة إنك كسبتي. بس اللي إنتي متعرفيهوش، إن عصام مبيحبش اللي بتاخد، عصام بيحب اللي بتدّي.. وإنتي معندكيش حاجة تديها غير الغل. الهدية اللي سبتهالك هي ‘الحقيقة’.. استني مكالمة من المحامي بكره، وهتعرفي إن اللي خطفتيه ده مش جوز أختك.. ده ‘همّ’ أنا ما صدقت خلصت منه’.
وقعت الورقة من إيدي، وفي نفس اللحظة جرس الباب رن.. وعصام دخل عليا وهو وشه أصفر زي الليمونة وبيقولي:
‘الحقيني يا أماني.. المصيبة اللي كنت مخبيها عن سمر.. البوليس عرفها!’”
عصام كان واقف مرعوب، جسمه كله بيلتفض وهو بيقول: ‘أماني.. أنا كنت ممدي سمر على وصولات أمانة وشيكات عشان شغلي، والنهاردة المحامي كلمني وقالي إن سمر رفعت قضية وبكره الورق هيتقدم للنيابة.. لو الورق ده مشي، أنا هتحبس، وإنتي هتتجري معايا لأنك كنتي شاهدة على كل حاجة’.
بصيت له بذهول.. يعني ‘البنت المثالية’ اللي كنت فاكراها هبلة وماشية بكلمة مني، كانت شايلة في إيدها حبل مشنقتنا إحنا الاتنين؟ كانت عارفة إني بلف حوالين جوزها، فسابتهولي ‘بالديون’ اللي عليه، وبالبلاوي اللي عملها!
ضحكت بهستيريا، وعصام بيبصلي كأني اتجننت:
‘إنتي بتضحكي على إيه؟ إنتي مش فاهمة إننا هنضيع؟’.
قلت له وأنا عيني فيها شر من نوع جديد:
‘بضحك عليكي يا سمر.. يا بنت اللعيبة! يعني إنتي مشيتي وسيبتيلي البيت والولاد والراجل بس عشان تضمني إن مفيش حد هيقف جنبه لما يروح السجــ,,ـــــن؟ عايزاني أنا اللي ألبس شيلة ولاده وديونه؟’.
في اللحظة دي، جالي إشعار على موبايلي.. رسالة من رقم غريب، فتحتها لقيت صورة لسمر وهي قاعدة في مكان شيك، ووشها منور، وكاتبة لي:
‘أخبار الهدية إيه؟ يا رب تكون عجبتك.. على فكرة، نسيت أقولك إن ياسين وليلى هما كمان بقوا ‘أمانة’ في رقبتك، شوفي بقى هتصرفي عليهم منين وجوزك مديون ومدان.. الحب مبيأكلش عيش يا أختي، والغل اللي جواكي هو اللي هيحــ,,ـــــرقك دلوقتي’.
عصام مسك كتفي بقوة وقال:
‘أماني، إنتي معاكي دهب كتير، وسمر كانت قايلالي إنك شايلة قرشين.. لازم ندفعهملهم عشان نخلص من القضية دي’.
بصيت لإيده اللي ماسكة كتفي، وبصيت للبيت اللي كنت فاكراه ‘جائزة’، ولقيت نفسي وقعت في الفخ اللي حفرته لغيري. أنا مش بس خطفت جوزها، أنا خطفت ‘الخراب’ اللي سمر كانت صابرة عليه سنين، ودلوقتي جه الدور عليا عشان أشيل القرف ده كله لوحدي.
فجأة، ياسين دخل الصالة وهو بيعيط:
‘خالتو.. أنا جعان، وماما سمر كانت بتعملي سندوتشات جبنة رومي، إنتي معندكيش جبنة ليه؟’.
بصيت للولد، ولقيت نفسي عايزة أصرخ في وشه.. أنا مش أم، ولا عمري هكون أم.. أنا مجرد واحدة كانت عايزة ‘تغيظ’ أختها، وفجأة لقيت نفسها ‘خادمة’ لعيالها وممرضة لمشاكل جوزها.”

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *