لحن الحياه ج4
بقلم سهام صادق

النهاية
****
الصدمه جالت علي أوجههم وعيناهم عالقة علي خطواتها
تتقدم منهم ببطئ قاتل وملامح يتمنوا تفسيرها .. لم تستطع فريدة رفع عيناها نحوها
تشعر بالخزي من فعلتها ولكن “أيهم ” حفيدها وندمت من اجله اشد الندم علي ما أقترفته بالماضي مع والدته ..لم تخطأ عائشه حينما اخبرتها يوماً انها سبب دمار الكثير
عائشه نهضت سريعا نحوها كما فعل جواد حتي لو احبوا الصغير وكان حقيقه بحياتهم ..
لم يقف الا كنان وحده ساكناً لا يقوي علي الحركه او الحديث وفاقوا جميعهم حينما ركض ايهم نحوها
– انتي صاحبة الحلوي اليس كذلك
فأبتسمت ورد وداعبت خصلات شعره بحنان ..جعلت عين الجميع تتسع من فعلتها
– نعم هي انا
فطالعها الصغير ببرآه ثم وجه حديثه لوالدته
– هي من حدثتك عنها ماما .. واعطتني الحلوي بالحديقه حينما كنت انتظرك
كانت تعلم “ايلا” بهويتها من قبل ..فهي لن تنسي يوماً بحياتها ذلك المشهد الذي أزال جميع حقدها عنها حتي رغبتها في استرداد كنان محتها تلك الذكري .. فهل ستبغض أمرأة بمثل هذا العطاء
فأشار لها الصغير وهو يشب علي قدميه
– من هذه الصغيره
وهنا خرج صوت كنان أخيراً وهو يتقدم منهم
– هذه شقيقتك زينب حبيبي
فأتسعت عين الصغير بصدمه الي ان أكمل كنان
– تلك المرأة العظيمه التي رأيتها بالحديقه .. زوجتي
كان صادق بكلماته .. فمشهد ورد الحاني وابتسامتها التي خصصتها لطفله رغم روحها المتآلمه ..جعلته يعلم حقاً معني العطاء الحقيقي النابع من الآلم
فدار الصغير بعينيه يبحث عن والدته التي وقفت تفرك يداها بتوتر
– ماما الم تقولي لي اننا سنعيش مع بابا معاً
شهقة صدرت عن جواد وهو يختبئ خلف ورد مُتمتما
– ورد لا نُريد احداً معنا
فضمته ورد بحنان ..فهي اكثرهم ادراكاً بمشاعر جواد وتعلقه بخاله حتي انه غار من طفلتها في البدايه .. ولكنها عاشت تلك المشاعر يوماً .. عاشت ان تُطالع الاطفال حول ابائهم تتسأل عن شعورهم ..
فأتجهت ايلا الي طفلها ..تضمه اليها بحنان .. تُطالع فريده بعتاب فهي من جعلت حياتهم هكذا
– سأشرح لك الامر فيما بعد حبيبي
فطأطأت فريدة رأسها بعدما ألتقت بعيناها مع ابنها الذي وقف كالضائع
ومشهد جميلاً حفر ذكراه في تلك اللحظه .. عندما أنحنت ورد قليلا بأبنتها نحو أيهم تعطيها له
– أنها شقيقتك ..الن ترحب بها
فوقعت عين الصغير علي الطفله ثم رفع عيناه نحو والدته ..ليتبع بنظراته لنظرات المحدقه ..ويمد يديه الصغيره وقد تحولت ملامحه الخائفه مما لا يفهمه ..الي ملامح سعيده ..هو الشقيق الاكبر لتلك الصغيره ليهمس بأذن الصغيره بعد ان ساعدته ورد بحملها تحت نظرات كنان المصوبه بترقب لأفعال ورد مع صغيره
– مرحباً بكي ..انا ايهم
فسقطت دموع فريدة وتحركت بمقعدها المتحرك بعيداً عنهم .. مُتذكره الماضي
……………………………………………
رغم تعبها وقفت تُحضر له حقيبة سفره بأرهاق ..فقد تأجلت سفرته كثيراً ولكن يجب عليه الذهاب للندن لأنهاء احدي الصفقات التي تتطلب حضوره .. ومع كل ألتفافه منه حينما تسأله عن أي شئ اخر يريده كانت تبتسم لانشغاله في مُداعبة الصغير
سعاده لم تعشها لا هي ولا شقيقتها في كنف حنان الاب .. ولكن اليوم رأت صغيرها ينعم بذلك الحنان فنست الماضي بأوجاعه
وكأن الحاضر أتي بترياقه يُمضد الشرخ الذي رسخه الزمن داخلها
وضحكه خافته صدرت منها عندما سمعت بكاء الصغير وجاسم يهتف به
– اسفين يااستاذ مالك هبوسك براحه خلاص
وعاد يُمدغه بقبلاته ..فتعالت ضحكاتها
– انت داخل مسابقه بوس ياحبيبي
فألتف نحوها بعد أن هدء الصغير من بكاءه
– قولي انك غيرانه يااستاذه
فأشارت نحو حالها بأستنكار وهي تلوي شفتيها بتذمر
– انا اغير ..لا طبعا
فنهض يتلاعب بحاجبيه وهو يطالعها مبتسما
– عيني في عينك كده
وعندما هربت بعيناها عنه .. مد ذراعيه يطاوق خصرها ضاحكا
– لاا احنا لازم نصالح ماما يامالك
ومال نحوها يطبع بقبلات متفرقه علي صفحات وجهها وهو يضحك فتبادله ضحكاته
– جاسم خلاص .. لا كده كان الله في عون ابني
فتعالت ضحكاته اكثر وهو يغمرها بقبلاته المشاكسه علي كلتا خديها
– بحاول اراضيكي انتي كمان
لحظات بدء الزمن يسجلها في مخزون الذكريات .. ذكري وراء ذكري كانت تمحي ماضي اليم ..
مشاعر دافئه دغدغت حواسها لتهتف بنبرة جياشة من شده الشغف
– انت ازاي كده ياجاسم
فأبتعد عنها ضاحكاً
– مش عارف ليه السؤال ده بقي يتسأل كتير
وداعب وجنتيها مبتسما بخفه وزفر انفاسه متنهداً
– عاوز اعوض احلامي معاكي انتي وابني .. انا اتحرمت من معني العيله وده كان قدري .. بس جاتلي الفرصه اني اعوض اللي اترحمت منه معاكم
واتجه نحو طفله ينظر اليه
– نجحت ووصلت عشان في يوم لما ولادي يقولوا اسمي يقولوه بفخر ..زي ما انا لحد الان فخور ان كان ليا اب عظيم وناجح
وشعر بيديها تٌطاوق خصره بتملك ودفئ ثم مالت برأسها علي ظهره
– مالك محظوظ بيك .. وام مالك كمان
فأبتسم بعد ان طرد ذكريات وحدته مع جدته العجوز التي كانت تفعل ما تستطيع لاجله واستدار بجسده نحوها يعبث بخصلات شعرها المعقوده
– شوفي اه انتي بقيتي تمو,تي في الدراما … لا انا عايز مراتي المجنونه من تاني
وتذكر احد مشاهدهم فأنفجر ضاحكاً
– فاكره يامهرة يوم ماقفلتي الباب عليا وقاعدتي ورا الباب بطبق البرتقال وبتاكلي بكل ثقه ..
فتذكرت ذلك المشهد المخزي الذي انبطحت فيه علي ظهرها وأحد فصوص البرتقال بفمها وهو يُطالعها من علو
– ماشاء الله عليك ياحبيبي مش فاكرلي غير اسوء ذكرياتي الهابله
فقهقه بقوه وألتف نحو صغيره الذي يتلاعب بقدميه
– انتي كل ذكرياتك هابله ياحببتي .. احمدي ربنا اني حبيتك بعيوبك .. ديه النقطه الصح في علاقتنا
فأحتقن وجهها بشر وكادت ان تتذمر وترد له كلماته ولكن بكاء الصغير انهي كل شئ .. ليبتعد عنها ضاحكا وهو يهرب من نظراتها التي ستصعقه
– شوفي مالك بعيط ليه .. واكمل انا تحضير الشنطه
…………………………………….
دلف من باب المنزل بأرهاق قد زال فور ان وجد صغيريه يركضان نحوه ومرام تركض خلفهم بطعامهم هاتفه
– مش هتهربوا مني غير لما تخلصوا الاكل كله
فتعلق الصغيران بساقيه ..يرغبان بحملهم .. فألقي كريم حقيبة عمله وانحني يحملهما بين ذراعيه
– حبايب بابا الحلوين .. تعبين ماما ليه
فأتجهت مرام نحوه تُقبله علي خده بحب
– حمدلله علي السلامه ياحبيبي
فبادلها قبلتها بمحبه وحنان .. وصغيريه يُعانقاه مخبئين وجههم بصدره حتي لا يأكلوا طعامهم
فضحك كريم علي فعلتهم
– انتي كنتي بتعذبيهم ولا بتأكليهم يامرام
فضحكت وهي تسحب منه احدهما ثم الاخر
– والله ابداً ده انا طول اليوم بجري وراهم في البيت .. غير هدومك لحد ما أحضرلك الغدا
عادت حياتهم القديمه كما كانت .. لا خادمه ولا مُربيه .. حياه ادركت معناها بعد درسها القاسي .. مدام الله لم يحرمها من العيشه الرغده والحب لا بأس ان تتنازل عن احد احلامها لتري حلم أخر يتحقق بعد رمي بذوره .. واولادها هم تلك البذور
وبعد مرور ساعه كانوا يتناولون طعامهم ليسألها وهي مندمجه في تذوق الطعام
– في حملة دعاية عملاها الشركه للمنتج الجديد .. عايزك تصممي لينا اللوحات الدعائيه
وتابع مازحاً وهو يُطالع دهشتها في تذكره تلك الهوايه التي كانت بارعه فيها
– ولا روح المصمم اللي عندك ذهب مع الريح
فأبتعلت طعامها مُندهشه من طلبه الذي لم تتوقعه بعد ان استقالت من الشركه
– كريم انت بتتكلم جد
فأبتسم وهو يُمازحها
– لا بتكلم بهزار يامرام
وصدحت صوت ضحكاته عندما وكظته بشراسه
– بتهزر يااستاذ ..قول بجد ان العرض حقيقي وانت واثق فيا
فمال نحوها يُداعب وجنتيها بحنو
– بعد ما نخلص اكل هقولك عن فكرة المنتج
فلم تجد ما تخبره به الا انها نهضت تحتضنه بسعاده وحب
………………………………………………
وقف يسترقي السمع بخوف من رحيلها كانت يده ساكنه على مقبض الباب المنفتح بعض الشئ.. كل كلمه كانت تخرج منها وهي تخبر شقيقتها عن راحتها والاهتمام والحب الذي يغمرها به كنان هي وطفلتها كانت تقت,له
وفي نفس الوقت كانت مهرة تخبرها عن أفعال جاسم منذ أن وضعت الصغير حتى أنه أجل سفرة عمله كثيرا وسافر مرغماً.. كان مكبر الصوت يجعله يسمع حديث مهرة وقلبه يتآلم على محبوبته التي لم تسرد اي شئ عما حدث ولا سبب ولادتها في غير موعدها بل لم تطلب من أحد ان يأتي إليها لمعرفتها بظروفهم والأحداث التي مروا بها بمصر
آلم جثم على قلبه بثقل وهي يستمع لتلك المحادثه الهاتفية… لتسكن جميع حواسه وهو يسمعها تخبر شقيقتها
– لا يامهرة متجيش أنتي تركيا.. انا هنزل مصر بعد شهر.. احضر فرح عائشة واجيلك.. ماما وحشتني وعايزه أزور قبرها وبيتنا كمان وحشني… انا ومرام اتفقنا ننزل مع بعض نفس اليوم
وضحكت بمزاح جعلته طبيعيا بعض الشئ
– فهمي جاسم من دلوقتي اننا هنقعد في الحاره في بيت ماما
فتعالت ضحكات مهرة وهي تعلم صعوبه الأمر حاليا
– هو الموضوع بقى صعب بس انا هكثف مجهودي الشخصيه من دلوقتي
فأبتمست ورد وهي ترى ملامح شقيقتها السعيدة
– ايوه كثفي جهودك بس من غير ما تزعلي جاسم.. إلا جاسم مفهوم
فصدحت صوت ضحكاتها مٌتذكره حديث أكرم معها منذ قليل بعدما شعر بحنقها من أمر سفر نرمين معه
– هو ايه حكايتكم أكرم يقولي الا جاسم وانتي كمان
فهتفت ورد بأمتنان وحب
– جاسم اخويا قبل ما يكون جوز اختي.. متعرفيش انا هنا وسط أهل كنان بكون فخوره بي ازاي.. لو تشوفي الهدايا بتاعت الولاده اللي جبهالي… حتى مخلي حد من معارفه هنا ف تركيا ديما يسأل عني
فلمعت عين مهرة بحب جارف وهي تستمع لكل كلمه عن زوجها.. سنين صبرها وتحمل كل الأذى من ألسن الكثير وكفاحها المُبكر بالحياه.. أتى بعوض بكت يوماً تدعو الله فيه أن يجعل لها نصيب من عوضه في الحياه.. دعوة أخرجها القلب في لحظة شقاء وكسر… جاسم كان يستحق صبرها طيلة السنين العطشه
طرفً آخر كان يقف ممزقاً وهو يستمع إلى زوجته التي وجدت في زوج شقيقتها رجلا حقيقيا تفتخر به.. ولكن ماذا عنه هو.. ماذا أضاف لها بحبه الذي لم يجلب الا الندوب
وانتهت المكالمه التي شملتها مهرة بوصاية كثيره والاهتمام بصحتها إلى أن يلتقوا
فألتفت ورد نحو الباب بعد أن فتحه كنان بأكمله ودلف للغرفه بملامح مٌرهقه.. اشفقت عليه ولكن قلبها مازال يؤلمها من معرفتها للحقيقة في ذلك اليوم وهتف بصوت خافت
– دوما تدهشيني بعطاءك وحنانك ورد…لو أخبرتك بكل كلمات الشكر والامتنان عما فعلته مع ايهم لن اوفيكي حقك.. لم أعد أجد الحب والعشق كافي لمرأَة مثلك
عم الصمت للحظات الي أن صدرت ضحكه خافته من بين شفتيها
– لم افعل ذلك لاجلك كنان .. انا فعلته من أجل ايهم ونفسي .. لن اكون زوجه الاب التي لا تري الا نفسها واولادها .. لن أكرر حكايتي انا وشقيقتي
…………………………………………….
ضحك وهو يجدها تندس بجانبه علي الفراش حتي ألتقصت به
– مالك ياريم..اوعي تقولي انك خايفه من فيلم
فأنكمشت علي نفسها وهي تشيح نظراتها الخائفه عنه
– لا ابداً ..انا اخاف برضوه
فطالعها بتحديق يتفرس ملامحها ثم لمعت عيناه بمكر
– هو المفرش بيتحرك كده ليه
فتشبثت به بصراخ
– الاشباح طلعت من الفيلم .. انا قولتلك
ضحك وكأنه يضحك لاول مره بحياته .. وضمها اليه مازحاً
– ياجبانه .. اشباح ايه ديه اللي تطلع من الفيلم ..خيالك واسع اوي ياحببتي
فأبتعدت عنه حانقه من مزاحه الثقيل
– انت بتخوفني يعني .. طب انا سيبالك الاوضه وهروح انام في الاوضه التانيه
وقبل ان تنهض من فوق الفراش ..صرخ بها وهو يضحك
– ريم الاشباح تحت رجلك
وفي لحظه وجدها تدفن نفسها بين ذراعيه تزفر انفاسها الدافئه بعنقه .. فأبتسم وهو يضمها اليه
– عملتي فيا ايه يابنت الناس الطيبين
وفكت حصار تعلقه به .. لتنظر لعيناه ثم أبتسمت وهي تتذكر دعائها في جنح الليل
– دعيت ربنا انك تحبني لو انت سعادتي
……………………………………………
أستند علي الجدار بملامح أهلكها الأرق .. لتفتح الباب ..فوقف يُشبع عيناه بملامحها التي أشتاق اليها وهتف بهمس
– رفيف
فأستدارت بجسدها الذي زاد ضعفاً وسارت للداخل تاركة له الباب مفتوح .. فأتبعها بخطوات نادمه ..لقد اوجعها حقاً بكلماته
كيف يُخبرها ان الطفل ليس بطفله وهو يعلم انها له وحده بل وتغيرت من أجله
لقاءه الاخير مع ريان أوضح له أهم نقطه بحياتها وللأسف هو ضغط علي الزر المؤلم ..”عاهرة ابنة عاهرة “تلك الجمله التي وسمت بها حياتها من قبل زوجة ابيها منذ الصغر ..الي ان اصبحت بالفعل تُريد ان تكون مثلما وسمت
أراه صوراً لها قديمه بالجامعه ..كانت فتاة هادئه بملابس محتشمه بالنسبه لفتاه غير محجبه .. لا زينه تضعها علي وجهها ولا تأنق تبحث عنه .. ولكن كل شئ تبدل عندما تقدم لخطبتها ابن خالته ..ثارت والدته هي وشقيقتها ..فكيف لابنة مغنية في الملهي ان تظل دوما عالقة بحياتهم يكفي انهم تقبلوها بالعائله
والده لم يتحدث بشئ منذ ان فعل فعلته الشنيعه بأمه وخطيئته مع اخري
وجاء صوتها المفعم بالآلم
– لماذا جئت عمار
فتنهد بثقل وهو لا يعرف كيف سيجيبها …وطأطأ رأسه بخجل مُتذكراً انه لم يفرق عنهم
– رفيف انا أسف .. بس خليكي مكاني ..حكايتنا بدايتها كانت غلط ..انا حبيتك بس في جزء جوايا كان شايفك البنت المُتحرره اللي عايشه حياتها من غير حساب
فضغطت علي شفتيها بقهر وهي تلتف اليه
– وعاهرة أيضا .. انسيت عمار
وسقطت دموعها بعجز تضغط علي شفتيها أكثر
– بدايتنا بالفعل خاطئه عمار .. انا سأرحل واعود لكندا ..طلقني عمار
الكلمه سقطت علي قلبه كنصل السكين ..ايُطلقها الان بعد ان أصبح أسير عشقها بعد ان أصبح داخلها نطفة منه
واقترب منها بملامح جامده
– لا هي مش لعبه اتجوزني وبعدين طلقني .. يلا قدامي علي بيتنا معندناش ستات بترفض رضي جوزها
رغم جمود كلماته بالبدايه الا انه انهاها بمزاح جعلها دون قصد تبتسم
ثم تابع بمرح ليري ابتسامتها
– ضحكت يعني قلبها مال
فأشاحت عيناها عنه ..فقد فضحتها أبتسامتها ..فمد كفه نحو خدها حتي تلتقي عيناهم
– انا اسف يارفيف علي اي كلمه وجعتك بيها
وضم وجهها بين راحتي كفيه يزيل عنها دموعها بأنامله الحانيه
– تعالي نبدء من اول وجديد
………………………………………….
استمعت لشقيقها بآلم عما يُخبرها به عن حالة كرم ..اليوم أصر عليه كثيراً ان يعرف سبب عدم مجئ والدته اليه ..لتكون الاجابه صادمه تمني لو لم يعلمها .. والدته فارقت الحياه
– لو شوفتي حالته يامهرة … صمته وجعني .. ضم نفسه علي السرير زي الجنين
فبكت وهي تتخيل المشهد
– قولتلها ان نهاية الظلم وحشه ..شوفي نهايتنا وصلت لايه أنا وحاسس اني بمو,ت بالبطئ .. المحلات وبتخسر ديون علي المحل .. ناس بقت تبص في وشي وفاهم عينيهم بتقول ايه عن امي ..وكرم يامهرة ..حاسس انه بيضيع هو كمان مني
فلم تجد شئ تفعله له الا ان تقترب منه تحتضنه بقوه متمتمه
– انسي ياأكرم وادعيلها بالرحمه
فضم نفسه اكثر اليها وهو ينتحب
– كرم عايز يشوفك
فأنصدمت مما قالها .. لتبتعد عنها مُتذكره وعدها لجاسم بأن تنسي شقيقها هذا ..فأبتلعت ريقها وهي تتهرب بنظراتها ..فلم يحتاج اكرم للفهم
– جاسم عنده حق
فزفرت انفاسها بضياع
– مش عايزه اعمل حاجه تاني تهدم اللي صلحنا
وأبتسمت بعد ان وجدت ضحي تقترب منهم بتوتر .. فألتف اكرم يُطالع ما تُطالعه هي ..فنهضت من جانبه مُرحبه
– تعالي ياضحي
ونظرت لاكرم الذي اشاح عيناه هنا ثم طالعها بعتاب علي جلبها لضحي
– اتفهموا انتوا الاتنين براحه .. وحذاري ارجع الاقيكم مكشرين ولسا زعلانين
ووكظت اكرم علي كتفه
– مش ديه حب حياتك اللي كنت هتوت عليها ..فاكر يوم مرضتش تاخدني واخدت جاسم بس ..عشان مبوظش ليك الجوازه
فأبتسمت ضحي رغماً عنها وهي تستمع لما تقصه عليها لاول مره
– هطلع أشوف مالك
وطالعت ضحي التي جلست علي احد المقاعد تفرك يديها بتوتر
– لو بس قالك كلمه تزعلك .. نادي عليا انزله ب “مالك” وهو عارف ايه اللي هيحصل
فأتسعت عين أكرم وهو يتذكر ليلة امس وما فعله به الصغير
– لا الا مالك
ونظر لضحي وهو يقص عليها
– انتي متعرفيش من ساعه ماولدت بتعمل فيا ايه انا وجاسم .. هي تنام واحنا نغير ونيم ونلاعب ونكست
وحدق بها بشر ..لتفر هاربه من امامه .. اما ضحي أخذت تضحك لينظر أكرم لملامحها وشوق ومن دون وعي هتف
– وحشتيني
………………………………………….
خرجت علياء من بوابة المعهد الذي تدرس فيها .. وقد انهت اخيرا اخر امتحان لها بل وسنتها الاخيره بالمعهد .. لتقف مع بعض زميلاتها تصافحهم وتودعهم علي امل اللقاء .. لتقع عيناها علي ذلك القابع في سيارته يخفي عيناه بنظارته السوداء ويُطالعها
فلم يسافر كما أخبرها ..مما جعل حبه يزيد داخلها .. تعلم انه يفعل المستحيل من اجل ان يقنع عمار الذي يخبرها كل يوم انه لن يوافق عليه ابداً ويسألها اذا كانت تحبه ام لا
لا تعطيه اجابه ولكن تصمت ..وقعت بين أصعب خيارين بحياتها
ان تجد الشخص الذي يشعرها بحبه وحبها لشقيقها الذي يرفض ريان بشده
ارادت ان تقترب منه حتي ان قدماها أخذتها نحوه .. ولكن تذكرت شقيقها ووعدها له ..وبعد ان كان الامل نبد بداخله لقربها وكاد ان يخرج من سيارته تجمدت عيناه علي خطواتها الهاربه
………………………………………….
هتفت بحب وهي تستمع لصوته
– زوجي الحبيب عامل ايه
فضحك وهو يتخيلها امامه
– زوجك الحبيب مقضيها اجتماعات مع الشركاء الجدد .. مالك نايم ولا صاحي
فأنتحب الصغير وكأنه سمع سؤال والده عنه
– اه صحي وبيسلم عليك بالعياط
وفتحت مكبر الصوت واقتربت بالهاتف من صغيرها
– ده كأنه بيحس ان في كلام عليه
فقهقه جاسم بصخب وهو يعدل ما رابطه عنقه .. ويسترخي بجسده علي احد المقاعد
– مش ابن جاسم الشرقاوي ..لازم يبقي حاضر في كل كلمه
كانت نرمين تقف خلفه تحمل فنجان قهوته .. لتتجمد ملامحها وهي تستمع للمكالمه وعيناها تترقرق بها الدموع من اثبات اخر اليها ان لا تضيع حياتها علي الوهم وتحلم بما ليس ملك لها
………………………………………
عادت من معهدها تُهلل بأنها اصبحت حره طليقه الان .. لتتسع عيناها وهي تجد رفيف امامها
– رفيف انتي جيتي ازاي
فضحكت رفيف علي عبارتها ..لتجد شقيقها يخرج من المطبخ ويعمل في يده السكين وواحده من البطاطس يقشرها هاتفا
– سؤال ذكي ياانسه علياء
فضحكت علياء بسعاده وركضت نحوها تعانقها
– البيت كان وحش من غيرك ..والواد ده كان كئيب ومكتأب وبيشغل ام كلثوم كل يوم ويشرب عرق سوس
لم تتمالك رفيف حالها .. وابتعدت عنها تضحك بقوه حتي تألمت معدتها
– اشتاقت اليكي حقا علياء ولمرحك الجميل
فضاقت عين عمار وهو يرفع السكين مصوباً هدفه نحو شقيقته
– ماشي ياعلياء … محرومه من الاكل النهارده
واقترب منها بشر .. فأختبئت خلف رفيف التي وقفت بينهم
– لقد فضحت مشاعرك .. انا سأعطيكي طعامي علياء
فحدق بهم بوعيد وقد استاء من دفاع كل منهما عن الاخر
– طيب انتوا الاتنين .. تروحوا زي الشاطرين تحضروا الاكل .. كانت مساهمه مني لطيفه النهارده بس خلاص جنيتوا علي نفسكم
وسحب كف رفيف ليعطيها ما بيده
– كملي الاكل يلي عايزه تديها من أكلك ..ياام قلب حنين
لتكتم علياء صوت ضحكاتها وهي تُطالع مزاح شقيقها بأعين متسعه ..فمن يراه الايام الماضيه لا يراه اليوم
……………………………………………
كانت جالسه علي الفراش تُخطط بقلمها علي الورقه ..لتشعر بوجوده .. فألتفت بوجهها قليلا لتجده يقف مستنداً علي باب الغرفه عاقداً ساعديه امام صدره ويُطالعها ..فأبتلعت ريقها بتوتر
لتصدر تصفيقه صاخبه منه
– هايل يارقيه .. روحتي ليها البيوتي سنتر بتاعها تهزقيها قدام زباينها
فهتفت بتعلثم وهي تُداري عنه نظراتها المرتبكه
– انا روحت اعمل شعري زي اي زبونه عندها ..هي اللي بدأت فأنا رديت عليها
فضاقت عين مراد وهو يتفحصها
– يعني من قله المكان روحتي عندها
فأستاءت من تلمياحته ودافعه عنها
– ايوه روحت قصد .. ما انا لو مكنتش عملت كده كنت هفرقع من الغيظ ..بسببها انت مخاصمني
ففك اسر ساعديه .. واقترب منها يُحدق بها
– والخصام ده انتي تستاهليه ولا لاء
فطأطأت عيناها للأسفل وعضت علي شفتيها بقوه
– استاهل يامراد .. بس انت السبب
فطالعها دون فهم بعد ان جعلت سبب فعلتها عليها .. لتجف الكلمات بحلقه وهو يسمعها
– ايوه انت السبب .. ومن وانا طفله بتدلع عليكي وبتسامحني .. اي تصرف غلط بتفهميني غلطي وبعدين برضوه تسامحيني .. عمرك ماقسيت عليا ..اتعودت علي حنان بقيت عارفه اني هغلط وهتسامحني جاي دلوقتي تعاقبني علي حاجه انت السبب فيها
وانحدرت دموعها بسبب قسوتها الايام الماضيه
– لو كنت اعرف ان ديه ضريبه الجواز ..كنت فضلت رقيه البنت اللي ربيتها بنت خالتك وبس
فألتقط يدها لتستند بركبتيها فوق الفراش .. ثم ضمها اليه بحنان
– خلاص متعيطش ..يمكن كلامك صح بس انتي المفروض تفهمي في فرق بين روقيه البنت ورقيه اللي بقت زوجه دلوقتي
فشهقت بشهقات متقطعه
– افهم من مين .. انا كل اللي بفمهمه اني بسمع وبس .. الام الوحيده هي اللي بتعلم بنتها وانا معنديش ام .. اما انا يامراد اتولدت لقيت نفسي بتنقل من بيت لبيت في العيله بتربي فيه ..
لم يستطع منع دموعه وهو يجدها امامه بكل هذا الضعف ..فضمها بقوه اليه متمتماً
– انا معاكي يارقيه .. انا كل حاجه ليكي ..المهم ثقي فيا وف حبي
وابعدها عنه بعدما شعر بحركه وجهها صعوداً وهبوطاً علي كتفه
– انتي بتعملي ايه
فتعلقت عيناها به ..ثم بقميصه هاتفه ببرآه
– بمسح دموعي اللي انت سبب فيها في قميصك ياحبيبي
…………………………………………
كان يتحدث معها ويضحك عما تفعله بأكرم كل ليله منذ أن سافر
– مفتريه ياحببتي ومدام مش هتتعبي فتربيه مالك.. يبقى نكثف جهودنا ونجيب التاني
فصدرت همهمه منها يعلم أنها تسخر من حديثه
– اسمع كده كلمه اعتراض
فهتفت بعلو صوتها
– اعترض وبشده
فضحك وقبل أن يعترض هو الآخر.. هتفت وهي تنظر لهاتفها فوجدت أكرم يدق عليها
– جاسم هشوف اكرم وارجعلك تاني
وفي نفس التوقيت صدرت طرقات خافته على باب غرفته المقيم بها بالفندق مٌتذكرا انه طلب وجبة العشاء
فترك هاتفه على الفراش دون أن يلاحظ أن المكالمه مازالت مستمره ولكن على خاصية الانتظار.. واتجه نحو الباب يفتحه فوجد موظف الخدمه يدلف بعربة الطعام ويتبعه.. أعطاه البقشيش ولم ينتبه أن الموظف ترك باب الغرفه مفتوحاً لتدلف
رفيف بزي نومها القصير تغلق الباب خلفها.. واقتربت ببطئ تنظر إليه وهو يقف أمام عربه الطعام يلتقط بعض حبات العنب
واحتضنته من الخلف دون شعور منها حتي انه انصدم من سماع صوتها
– بحبك ياجاسم ..ومش قادره اشوف راجل غيرك
فأتسعت عيناه.. وفي تلك اللحظه قد عادت مهرة للخط ومكبر الصوت كان مفتوحا في عادت حديثهم.. وكأن تأخيرها في الحديث مع اكرم ثم والده ضحى ووالدها كان من سوء وحسن حظها.. فكتمت أنفاسها وابتعد عن صغيرها النائم تستمع لما يدور
ازاحها عنه بغضب وهو لا يصدق فعلتها
– أنتي اتجننتي ازاي تجيلي اوضتي والشكل ده.. اطلعي بره يانرمين
فأقتربت منه برجاء بعد أن أشار إليها بالخروج
– انا مش قادره اشوفك مع واحده غيري.. انا موافقه اكون ليك زوجه بالسر ياجاسم
انقطع الاتصال بتلك اللحظه لتنظر لهاتفها تضيق عيناها بقهر.. فأهم لحظة قد انقطعت.. حاولت الاتصال ولكن الهاتف أصبح مغلقاً
ودارت حول نفسها.. نرمين تعرض عال زواجها الزواج تخبره بحبها..الغضب كان يتآكلها وهي تعاود الاتصال مرات ومرات
إلى أن صدح صراخ الصغير.. فأتجهت إليه تحمله باكيه
ولا تعلم لما تبكي
……………………………………………
ألقط عايدة الجريدة بغضب من يدها بعد أن رأت مشهد ألتقط لها وهي تزيح طفله صغيره عنها بقوه حتي أسقطتها أرضاً والطفله تمد لها يدها بأحد علب المناديل الذي تبيعه
خبر اخذ ضج عاليه ..فالكل يتسأل كيف لمن تمتلك عضويه بجمعيات حقوق الانسان والطفل وجمعيات الرفق بالحيوان ومن تدافع عن حق المواطن .. تمتلك تلك القسوه بأن تنبذ طفله مشرده أتت اليها تعطيها علبه مناديل في نفس الوقت الذي كانت تبكي فيه
المشهد فسر بجداره حتي من أتخذ الصورتان ألتقطها بعنايه ودقه
ظهرت عايدة وهي تخرج من احد المطاعم الفاخره تقف تمسح دموعها وطفله تقترب منها بعلبة المناديل ..ثم اسقاط عايدة لها
ليصدح رنين هاتفها .. فتنظر الي رقم المتصل بتوتر بعد ان اخذت تدور حول نفسها تُفكر بتلك المُصيبه
وعاد الهاتف يُعلن رنينه مجدداً .. لتضغط علي زر الاجابه تستمع لما يخبرها به المتصل
لقد تم الغاء عضويتها ببعض الجمعيات ..وتم وقف برنامجها
ليسقط الهاتف من يدها وهي تصرخ تلعن مدحت زوجها فلولا دعوتها لها لذلك المطعم واحتفاله بخبر حمل زوجته ماكانت وصلت لتلك الحاله .. ولكن هل للأنسانية مبرر او ظروف
……………………………………………….
نهضت ايلا بعد ان انهت كل حديثها الذي أتت من اجلها
لتنظر ورد لخطاها وصدي حديثها يتردد بأذنيها
اخبرتها انها لم تقصد تدمير حياتهم ولكن هي مثلها كمثل أي أمرأه غارت عندما وجدت اخري تنعم بمن كان زوجها يوماً بل وتحددت مع الصعاب وجعلت عائلته يحبونها حتي فريده بجبروتها أحبتها
رغبة بأن تجعل طفله يعيش بأسرة مكتمله ولكن وقت الرجوع لم يعد فهناك أمرأة اخري أحتلت قلبه وعقله
جملتها اخذت تدب علي قلبها بقوه فتجعله يخفق بجنون
” كنان لم يحب مثلها .. تراها في عينيه .. انطفئ لمعانه بمجرد هجرها له ”
ونهضت هي الاخري من فوق مقعدها تبحث بعينيها عن كنان الذي وقف يُطالعها هي وايلا من الشرفه
وتحركت لداخل المنزل ..فوجدته امامه يحاول سبر اغوارها
وقبل ان تتخطاه وقفت ترطب شفتيها بلسانها الي ان خرجت الكلمات من حلقها
– اجلب ايهم للعيش معانا .. ف ايلا ستسافر خارج البلاد
…………………………………………….
هتف مازحا وهو يُلقي سترته علي الأريكه
– ده استقبال لواحده جوزها جاي من السفر
فنظرت الي طفلها الذي ترضعه ثم اشاحت عيناها عنه ..فأقترب منها بهدوء
– ليلتها التليفون فصل شحن يامهرة
فهتفت وقد آلمها قد رده عليها ليله امس
– ولما شحنت تليفونك ..مردتش عليا ليه
فمسح علي وجهها برفق ثم نظر الي صغيره
– كنت مصدوم من اللي حصل .. مكونتش متوقع ان مشاعر نرمين ناحيتي وصلت لكده .. كنت فاكر انها مجرد نظرات فخر او اعجاب
ونهض من جانبها بندم وهو يمسح وجهها
– حسيت بالذنب اتجاها اوي .. عشان انا السبب في كل ده
فأتسعت عيناها من اعترافه .. الي ان بدء يوضح لها الامر
– نسيت ان الاعجاب في يوم ممكن يتحول لحب .. نسيت انها بشر والانسان للحظه بيضف
وتذكر صورتها الباكيه وهي تكتم صوت شهقاتها عندما رفض حبها مُعترفً بحبه لزوجته
تفهمت كلماته بهدوء
– كنت فاكرني بغير من غير سبب ..كويس انها فاقت في النهايه
ونهضت اليه بعدما وضعت الصغير جانباً وأحتضنته بشوق
– حمدلله علي سلامتك ياحبيبي
وقبل ان يطاوقها بذراعيه تابعت
– هو انا اه زعلانه منك .. بس هحاول اعمل نفسي عندي زهايمر وهنسي الحكايه
فأبعدها عنه ليعقد حاجبيه مستفهماً .. وقد اضاعت عبوسه
– ده كرم اخلاق منك يامهرة
فوجدت الخيط الذي ستبدء به طلبها ثم دارت وجهها عنه وهي تتوقع ردت فعله العنيفه
– كرم عايز يشوفني
…………………………………………….
وقفت جانبه في المقبره وهي تنظر لقبر زوجته بشرود ثم الي ملامحه الجامده ..وامسدت علي ذراعه بدعم
لتتجه عين ياسر اليها وهو يخبرها أنه علي مايرام
فتقدم منهم احد المقرئين يُرتل بعذوبه
﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾