عرف صعيدى ج٣
الفصل التاسع
( تَمَرُد )
______________________________________
_ أشرق نهاراً جديد محمل بين طياته العديد من الأقدار للجميع، خرجت من غرفتها مسرعة ما أن استيقظت لعلها تطمئن على صحة العمدة، كانت تقدم قدم وتؤخر الأخري خوفاً من تصرفات السيدة نادرة المبهمة التي لا تعلم سببها ولما تفعل معها ذلك فلم يصدر منها أي أخطاء تُعاقب عليها
_ وقفت في منتصف الطابق في ذلك المرر الذي يجمع بين جميع الغرف وقبل أن تخطوا خطوة للأمام تفاجئت بيد تدغدغها من خلفها، أصدرت صرخة متوجسة خيفة من ذاك المجهول فأسرعت الأخري بوضع يدها أعلى فمها لكي تمنع صراخها الذي حتماً سيسبب مشكلة كبيرة
_ إلتقطت ورد أنفاسها التي إنحشرت داخلها من فرط الخوف حين رأت صفاء تقف أمامها، رمقتها بغيظ ورددت معاتبة:-
حرام عليكي يا صفاء جلبي وجع في رجليا ديي عاملة تعمليها بردك
_ إلتوى ثغر الأخرى متبسمة بإنتصار فلقد أخافتها على التمام والكمال، أخذت نفساً وأجابتها بمرح:-
وليه متجوليش أنتِ اللي خفيفة وبتخافي من خيالك؟
_ عقدت ورد ما بين حاجبيها بذهول ثم إستشفت لُعبتها ولم تعقب فهي ليست بارعة فيما تبتكر صفاء في فعله، بادلتها إبتسامة راضية وقالت:-
ماشي ياستي هعديهالك بس جوليلي الست نادرة فينها؟
_ لوت صفاء شفتيها كما قلبت عينيها بتذمجر ورددت مستاءة:-
ست نادرة بتحضر الفطور للعمدة تحت
_ تنهدت ورد براحة وأردفت بتلهف:-
زين جوي هدخل أطمن على عمي خليل طوالي جبل ما هي تاجي
_ أماءت لها صفاء بقبول ثم إنسحبت للطابق الأول سريعاً قبل أن يراها أحدهم، إستغلت ورد تلك الفرصة الذهبية وتوجهت نحو غرفة خليل سريعاً قبل أن تعود السيدة نادرة لكن لا تأتي الرياح بما تشتهي السفن فصوتها الذي دوي عالياً قد أخاف ورد وخفق قلبها رعباً إثره:-
وجفي عِندك رايحة فين كأنها تيكية بوكي تروحي وتاجي على كيفك؟
_ إقتربت منها بمشوخٍ وقامة مستقيمة ثابتة وواصلت حديثها بقوة:-
إستاذنتي جبل ما تدخلي أوضتي ولا متعلمتيهاش ديي في داركم؟
_ صعقت ورد من إهانة نادرة التي لا تنتهي وحاولت الدفاع عن نفسها بنبرة مهزوزة:-
أني كنت هستاذن من العمدة جبل ما أدخل..
_ قاطعتها الأخرى بصياح مهاجمة إياها:-
وتدخلي للعمدة وحديكي! مهتخلجيش عاد؟ ولا أنتِ متعودة على أكده
_ إتسع بؤبؤ عيني ورد بصدمة جلية رُسمت على تقاسيمها الرقيقة التي إنكمشت في نفسها من صدمتها، فغرت فاها وكادت أن ترد عليها رافضة لتلك الإهانة التي تمس كرامتها لولا خروج مصطفى من غرفته في تلك الأثناء فأسرعت والدته بمنادته بإنفعال:-
تعالى يا ولدي شوف مرتك وهي عترد عليا، أني نادرة على سن ورمح مفيش واحدة جدرت ترفع عينها عليا جبل أكده مرتك بترد عليا أني
_ حملقت بها ورد مذهولة مما تصغي إليه أذنيها لكنها لن تقف صامتة وتترك لها المجال لتقول ما ليس فيها:-
أني مجولتش ح..
”ششش اسكتي أنتِ هتردي على أمي إياك؟”
_ هتف بهم مصطفى بنبرة أمرة فكانت الصفعة الاقوى، هي الأن وحيدة بينهم ينفردون بها ولا تقدر على إعفاء نفسها أمامهم فهم من يرمونها بالباطل عمداً فماذا تنتظر منهم
_ زفيراً وشهيقاً فعلت هي ثم أردفت متعمدة تبرئة نفسها:-
أني مردتش عليها ومغلطتش وأنت زي ما سمعت منيها تسمع مني أني مرتك..
_ هاجمها مصطفى رافضاً لتلك الحقيقة التي لا يعترف بها للأن:-
متجوليش مرتي..
_ إستدار لليمين ورفع سودتاه عليها فلم يري سوي وشاحها الغبي الذي يزيده حنقاً منها وواصل بغضب :-
وسبج وجولت أني مشايفكيش غير مرت أخوي يعني كل اللي بينا حتة ورجة لا راحت ولا جت، وأمي خط أحمر وعجبك على أكده عجبك ليكي رأي تاني الباب يفوت جمل وعنزة مهتجيش عليكي
_ رجفت شفتيها مهددة بعاصفة بكاء شديدة على وشك الوصول، لقد تبخر تماسكها تماماً لطالما حاولت جاهدة بأن تتلبس ثوب القوة أمامه خصيصاً، إنها رت قوتها وتحولت إلى شهقات حاولت هي إخفائها قد الإمكان إلى أن تبتعد عنهم، فلم تستطيع النجاح في ذلك وصدرت آنه من بين آنينها وقعت على مسمع مصطفى
_ شعر بإنعدام رجولته في تلك اللحظة حين تأكده من بكائها، حسناً يعترف بأنها لا تعنيه لكنه لا يريد أن يجرح قلبها بهذا الشكل المؤذي، نعم هو حاد الطباع ولا ينظر خلفه في تصرفاته مهما كانت بلهاء لكنه قد ندم على فعلته الحقيرة تلك
_ حرك رأسه عفوياً مع سيرها بعيداً عنه لكنه سرعان ما أعتدل عن ما يراود أفكاره ونظر في الفراغ أمامه يذكر كبريائه بأنه لن ينحني لأنثي!
_ عدل من وضع وشاحه الذي يعتلي كتفيه بنظرة تحولت إلى العجرفة والتعالي وهو يذكر عقله من يكون هو، دنت منه السيدة نادرة وملست على صدره بفخر واإعتزاز شديد ورددت برضاء كامل عن تصرفه:-
عشت يا ولدي دايماً رافع راسي
_ تنهدت وسألته بفضول:-
على فين من بدري أكده ؟
_ أجابها مختصراً حديثه بعبوس:-
على الشغل
_ تراجع للخلف وأولاها ظهره ثم توجه نحو السُلم، خطاه كانت تسير على نهج بطيئ للغاية وسودتاه تطالع باب غرفته التي إختفت خلفها ورد، لا يرضي بما فعله لكن هيهات لتكبره فهو لن يتنازل ويعتذر من أجلها ..
_ أسرع من خطاه وهبط للأسفل سريعاً ليثبت لنفسه بأن الأمر لا يعنيه وأنه فقط فعل الصواب بينما ظهر طيف بسمة طفيفة على محيا السيدة نادرة بإنتصار لكونها ليست بمفردها من تتصرف بقسوة مع تلك الفتاة فبالأخير مهما طالت فترة مكثوها في السرايا ستفر هاربة منهم ..
_ عادت إلى غرفتها تتغنج وتتراقص بسعادة عكس الحالة المذرية التي كانت عليها ورد، إنهارت بالكامل كلما تردد داخل عقلها حديثهم، هي من وافقت بسهولة على تلك الزيجة إذاً فلتتحمل عواقبها..
______________________________________
في منزل آخر، إجتمع من في المنزل حول مائدة الطعام يتناولن الفطور، الصمت سيد الجلسة حيث قاطعه بقوله ساخراً:-
منوياش تهملينا انتي كمان يا صباح بت عمك إتجوزت بدل المرة تنين حتى في ديي أنصح منك
_ شرقت صباح وإرتفع سعالها، رمقه طاهر بغيظ عارم ثم نهض عن مقعده وضرب براحة يده الغليظة على ظهرها بقوة وساعدها على إرتشاف القليل من الماء لكي تبتلع كلماته التي وقفت في حنجرتها ولم تستطيع إبتلاعهم، نهره طاهر بتجهم:-
نصيبها لسه مجاش ولا أنت نسيت النصيب هو كمان؟
_ وضع حمدان قطعة الخبز التي بيده دفعة واحدة في فمه، إنتظر حتى هضمها بالكامل ثم تشجأ في وجههم وحدثه بجمود:-
لا منسيتوش يا سي طاهر وإبجي اتحدت معايا زين بدل العنتزة اللي عتحدت بيها بوك ديي
_ كز طاهر على أسنانه بغضب يحاول كظمه ثم إنسحب من بينهم ودلف للخارج بخطى مهرولة يود أن يهرب منه ومن المنزل ويترك خلفه حياته السابقة بأكملها، رفعت ثريا بصرها على حمدان وعاتبته بهجوم:-
عاجبك أكده الواد مكملش لجمته وإحنا ما صدجنا يجعد ياكل إمعانا
_ رمقها حمدان بطرف عينيه شزراً كما لوى شفتيه للجانب الأقرب لها وهمس لها بتحذير:-
كان العلجة بتاعت كل يوم إتوحشتك يا ثريا
_ سرت رجفة قوية في أوصال ثريا متوجسة خيفة في نفسها من تحذيره، نهضت عن مقعدها بهدوء وتركت له المكان يفعل به ما يحلوا له فهي ليست على إستعداد بتلقينها ضرباً مبرحاً من يديه الغليظة فعلاماتها الزرقاء لازال أثرها موجود على جسدها، نهضت صباح هي الأخرى فلن تعطيه الفرصة ليختلي بها ويسُم بدنها بالكلمات البذيئة، دلفت للخارج لعلها تلحق بطاهر حتى تواصل ما بدأته البارحة..
_ تفاجئت بوقوف طاهر مع زوجة عمها وشقيقها أمام منزلهم، لم تتردد وأسرعت خطاها نحوهم ربما تعلم أي شيئ عن تعيسة الحظ إبنة عمها
“على فين يا مرت عمي؟”
_ خرج السؤال من فاه طاهر بإهتمام فأجابته السيدة سنية بلطف:-
رايحين نطمن على ورد يا ولدي عشان نتوكل على الله نعاودا مصر جبل ما الليل يدخل علينا
_ إرتخت ملامح طاهر وباتت تعابيره جامدة لا تدل على شيئ، إستشفت سنية ما خلف تطلعاته الباردة وربتت على كتفه بآسي:-
كله نصيب يا ولدي إرضي بنصيبك وربنا أن شاءالله يعوضك بلي تستاهلك وتستاهل جلبك الطيب يا طاهر بس رايدة منيك طلب واحد
_ تحول برود عينيه إلى شغف وهم بسؤالها مهتماً:-
رايدة إيه يا مرت عمي جولي
_ تقوس ثغرها ببسمة سعيدة وشدت على كتفه بإمتنان وأردفت موضحة طلبها:-
ورد أختك يا طاهر أطمن عليها يا ولدي أني مهبجاش موجودة وانت إهنه حمايتها وجت ما تحتاج لضهر كون لها أخو حنين أني عارفاك مهتهملهاش واصل بس جلب الأم بجا لازمن أمشي وأكون مطمنة عليها
_ على الرغم من صعوبة إقتناعه بأنها شقيقته كما لقبتها زوجة عمه إلا أنه لن يتخلي عنها حتى وإن كان النصيب لا يرضيه، إلتوى ثغره للجانب مشكلاً إبتسامة متهكمة ورد عليها بشموخٍ:-
متخافيش يا مرت عمي ورد في عنيا التنين
_ بادلته إبتسامة حين روادها شعور الطمأنينة وسكن قلبها، شدت على كتفه بحب وقالت مودعة كليهما:-
أشوفك وشكم بخير
_ غادرت برفقة شقيقها وزوجته وبناته متجهين إلى السرايا ليطمئنوا على ورد قبل سفرهم، لم تتحرك بؤبؤة عيني طاهر على السيارة التي اختفوا فيها
_ ”شقيقة” تلك الكلمة التي لا تريد الإقتلاع من عقله، يتردد صداها داخله، ألم يحين وقت الإقتناع بها؟
”أخرتها تبجي أختك؟، عالم ناجصة”
_ هتفت بهم صباح بحنق وهي تتابع طيف سيارتهم التي بدأت في الإختفاء، إلتفتت حيث طاهر وتابعت حديثها بإزدراء:-
مآنش الأوان تشوف اللي تستاهلك يا خوي؟ أنت جلبك طيب كيف البفتة البيضة وتستاهل واحدة تشبهك تعوضك عن اللي فات، وصدجني مفيش أحسن من مروة أنا خبراها زين وبأكدلك أنها المناسبة ليك..
_ سحب شهيقاً وأخرجه ببطئ ثم حرك قدميه للأمام قاصداً الخروج فأوقفته صباح بسؤاله:-
جولت إيه يا خوي؟
_ أجابها مختصراً:-
مش وجته يا صباح بعدين
_ نفخت بتزمجر شديد فهي تريد أن تتم العلاقة بينهما سريعاً لكي تلقن ذاك الضيف درساً لن ينساه مدي حياته..
______________________________________
_ رحبت صفية بضيوفهم بحفاوة عكس الشعور المسيطر داخلها فهي على دراية تامة بما حدث البارحة، صعدت للأعلى لكي تخبر ورد بوجودهم، طرقت بابها بخفة لم تسمع أي صوت أو حركة تدل على وجودها
_ أعادت طرقاتها بقوة أكبر قائلة:-
يا ورد يا بتي والدتك وخالك تحت ورايدين يطمنوا عليكي
_ فتحت الباب وظهرت من خلفه بعينين متورمة من فرط البكاء، أصدرت صفية شهقة خافتة حين وقع بصرها على حالتها المذرية، نظرت يمينها ويسارها ثم ولجت للداخل وأوصدت الباب خلفها وسألتها بإهتمام:-
مالك عاد يابتي ليه البكا ديه كلاته؟
_ مسحت ورد بسبابتها على أنفها لتجفف الماء الذي يسيل منها وردت عليها بنبرة مرتجفة:-
أني تعبت، مخابراش بيحوصلي إكده ليه؟ متهنتش بجوازتي من هلال وبعدها متهنتش بجوازتي من خوه كاني شوم كيف ما بتجول الست نادرة
_ فرت دمعة على مقلتيها حزناً حين تذكرت هجومها وإفترائها عليها في الصباح وواصلت حديثها بتلعثم:-
حتى الست نادرة حالها اتبدل أو يمكن كانت أكده واني موخداش بالي دي افترت عليا وجالت لولدها اني برد عليها وأني والله مرديت عليها ولا رفعت صوتي حتى
_ لم تستطيع التماسك لأكثر وجهشت باكية ورددت من بين بكائها:-
حتى ولدها عام على عومها وداس على كرامتي لاجل أمه
_ وضعت كلتى يديها على وجهها وانهمرت في البكاء الغزير، أشفقت صفية على حالتها التي أثرت بقلبها، إقتربت منها وضمتها لحضنها محاولة التخفيف عنها:-
والله معرفاش أجولك إيه يا بتي ربنا يعوضك خير عن اللي شوفتيه ..
_ إبتعدت عنها ورد وأردفت ما عزمت عليه:-
أني مهجعدش إهنه تاني أني مستاهلش المعاملة ديي أنا لساتي صغيرة على كل بيحوصلي ديه
_ ربتت صفية على ذراعها وأردفت مشجعة إقتراحها:-
معاكي في كل اللي هتعمليه المهم تكوني مرتاحة
_ حركت ورد رأسها عدة حركات متواصلة حاسمة أمرها على الهروب من ذلك السجن التي حُسرت بين جدرانه، شهيقاً وزفيراً فعلت ثم دلفت للخارج بعدما إرتدت وشاحها الأسود الذي لا يظهر منها أي أنش وهبطت للأسفل بتريُث
_ أسرعت خطاها ما أن رأت والدتها بتلهف، ألقت بنفسها بين أحضانها الدافئة، لا تعلم كيف تماسكت في ذلك الحضن الحنون ولم تخر قواها وبكت، إبتلعت ريقها لتتحلى بالتماسك أكثر أمامهم
_ إبتسمت لها السيدة سنية وبدأت بالحديث:-
جيت أطمن عليكي يا جلب أمك جبل ما أهمل البلد
_ دنت منها وسألتها بهمس:-
طمانيني عليكي، حوصل؟
_ أهذا الكلام بمثابة تخليها عنها؟ لا تدري حقاً لقد تشتت عقلها، طالعتها لوقت قبل أن تردف:-
هتمليني لوحدي ياما؟
_ خفق قلب السيدة سنية تأثراً بنبرتها التي شعرت من خلفها بتخليها عنها، أخرجت تنهيدة مليئة بالهموم وأجابتها بنفاذ صبر:-
مليت يا ورد من جرف حمدان اللي مهيخلصش، بيتحكم فيا كاني جارية عنديه مش أمانة خوه، طهجت يا بتي رايدة أرتاح لي شوية بس طبعاً لو جولتي لاه مههملكش وحديكي يا حبة عيني أني مليش غيرك
_ رفعت ورد بصرها وحملقت في معالم السرايا بتفحص وإهتمام، تشاور عقلها فيما نوت عليه، أتكمل فيها أم تغادرها؟
_ لكن مواصلتها للعيش في ذلك السجن لن يكون منصفاً لها وإن غادرت لن يكون منصفاً لوالدتها حتماً لن يغادروا البلدة قبل إنتهاء ورد من عدتها إن تم الطلاق دون رفض من الجهة الأخرى وستضطر لأن تتعامل مع سخافة حمدان..
_ تريد أي علامة توجهها إلى أي طريق تسلك، أعادت النظر إلى والدتها التي تنتظر إجابتها بفروغ صبر
”سافري ياما اموري بخير”
_ هتفت بيهم ولا تدري ما الذي دفعها لقول ذلك والسماح بسفرها، لم تترك لها الحياة خيار لتختار أفضلهم ففي كلتى الأمرين لن تترضي عواقبهم ..
_ أدركت أنها أكثر نضجاً الأن حين فضلت راحة والدتها على ذاتها فمن المستحيل أن تضحي من أجل أي شخص إلا لها فهي من أحبتها بصدق ولم تندم على قرارها السريع التي لم تحسب عواقبه بعد لكن حتماً سيرضيها الله..
_ لم تكتفي سنية بجملتها فهي أكثر الانُاس حفظاً لنبرتها حين ترفض شيئاً، سحبت نفس وأردفت مؤكدة:-
ليه حساكي مش بتجوليها من جلبك؟ جولي لو ريداني أجعد وحداكي المهم تكوني مبسوطة يا جلب أمك
_ رسمت ورد بسمة زائفة وردت عليها تنكر حدسها:-
أكيد ياما زعلانة عشان هنتفارجوا بس هكون مبسوطة وأنتِ مرتاحة وبعيدة عن حمدان وعمايله
_ ربتت ورد علي ذراع والدتها وتابعت مضيفة:-
سافري ياما متشليش همي أني بخير في سرايا جوزي طلع طيب وعيخاف عليا كيف أبوي الله يرحمه أنا إهنه في أمانته
_ كلماتها بثت الطمأنينة في قلب السيدة سنية وشعرت بالراحة المفرطة داخلها، ضمتها للمرة الأخيرة قبل مغادرتها ومن ثم تلاها خالها وزوجته ثم بناته الحبيبات ..
_ وقفت ورد على باب السرايا تلوح لهم بيدها مودعة إياهم وقلبها ينفطر حزناً لكونها باتت وحيدة لا يعولها أحد، أعادت يدها لجانبها ما إن إختفى طيف السيارة من أمام مرأي عينيها، حسناً لقد حان الوقت لأن تنهار قوتها وها قد بدأت عبراتها في النزول بألم شديد يكاد يخترق ثيابها من شدته ..
_ رأته يعود من جديد إلى السرايا، لا تعلم أي شعور يصف تلك اللحظة لكنها تريد معانقته لعل عناقه لها يهدئ من روعها قليلاً ويبدل حالها إلي الأفضل
_ سار بجوارها كأنها نكرة لم يراها ولم يهتم لوقوفها على تلك الحالة التي لا داعي لها، إستدارت حيث يسير ولم ترفع زرقاوتاها الذي إنطفئ وميضهم من عليه بقهرة كبيرة سكنت قلبها ..
_ عادت إلى غرفتها تجر خيباتها التي إنسدلت عليها خلف بعضهم دون رأفة لقلبها الرقيق، أوصدت باب غرفتها وببطئ شديد تركت جسدها يهبط رويداً رويداً إلى أن احتضنت الأرض التي نالت نصيبها من الدموع التي تختفي بين ثغراتها، لم تكف عبراتها في الهطول، بكاء صامت يقطعه أنين خافت من حين لآخر، ظلت على حالتها تلك إلى أن أنهال عليها التعب وغفت رغماً عنها بمشاعر جامدة خالية من أي شعور ..
