عرف صعيدى ج٣
_ عاد مصطفى إلى السرايا بعد أن بدأت الشمس في الغروب وكالمعتاد إستقبلته والدته بحفاوة شديدة وقالت:-
ثواني والوكل هيكون جاهز
_ بادلها الإبتسام فأسرعت هي إلى المطبخ تؤمر خادمتها بإعداد الطعام ووضعه على المائدة، تفاجئ مصطفى بنزول والده فتوجه نحوه دون تردد يريد مساعدته:-
يدك يابوي اساعدك
_ أبعد خليل يديه عن مصطفى وهدر به شزراً:-
لساتني واجف على رجليا ممحتاجش مساعدتك
_ هتف مصطف وهو يطالع الأرض بخجل:-
ربنا يديك الصحة يا أبوي
_ تابع خليل نزوله إلى الأسفل ثم نادي بنبرة جهورية:-
صفية يا صفية
_ جائته السيدة نادرة راكضة فلم تساعها السعادة حين سمعت نبرته تتردد في أرجاء السرايا مهللة بفرحة:-
يا ألف نهار أبيض يا عمدة حمدالله على سلامتك
_ لم يعقب على ما قالته وكرر ندائه بنبرة مرتفعة:-
يا صفية
_ جائت مهرولة فنهرها بإنفعال:-
مش بنادم عليكي مبترديش ليه؟
_ إزدردت ريقها بخوف واجابته بتلعثم:-
ستي جالتلي خليكي مطرحك وأني هشوفه بنفسي
_ مرر أنظاره بين السيدة نادرة وصفية ثم أمرها بغضب:-
بعد أكده لما أنادم عليكي بالاسم تاجي طوالي
_ أماءت رأسها بطاعة فواصل حديثه:-
جهزيلي الوكل يلا عشان اروح أشوف مصالحي
_ اؤمات برأسها وهتفت:-
أمرك يا عمدة
_ أولاته ظهرها وأسرعت داخل المطبخ لكي تكمل إعداد الطعام وهو معهم، جلس ثلاثتهم حول المائدة، بدأ خليل في تناول طعامه سريعاً حتى يغادرهم ما إن ينتهي منه، وزع مصطفى أنظاره بين الجالسين وبين باب غرفة ورد الذي يظهر منه جزءاً أمامه، تردد في فعل ذلك لكن داخله يحثه على فعلها فنادي بنبرته الرخيمة:-
صفاء..
_ لم يكرر ندائه فهي كانت متابعة لما يحدث وجائته مهرولة ما إن صغت إلى إسمها فقال:-
جولي لصفية تحضر طبج زياد واطلعي نادي ورد تاجي تاكل معانا
_ الدهشة دون غيرها قد تشكلت عليى تقاسيم الجميع، إتسعت حدقتي صفاء بذهول على أمره ورددت بعدم تصديق:-
أطلع انادم ورد تاجي تاكل وياكم!
_ رمقها بطرف عينيه وأردف مؤكداً :-
أيوة جولت حاجة غريبة إياك ؟
_ أسرعت بتحريك رأسها يميناً ويساراً نافية سؤاله وهتفت بحماس:-
هنادم عليها طوالي
_ إرتفعت نبرتها وهي تخبر والدتها بإحضار صحن زائد لورد قبل أن تصل إلى المطبخ، فحماسها قد أنساها ثباتها التي تتلبس ثوبه أمامهم، صعدت إلى الأعلى ما أن أخبرت والدتها وتلك المرة لم تتطرق باب ورد بل ولجت للغرفة مباشرةً ..
_ إنتفضت ورد من مكانها إثر دخولها المفاجئ، لم تتحمل تصرفها تلك المرة وكادت أن تعاتبها لكن لم تترك لها المجال لتتحدث وأسبقت هي بالحديث بأنفاس لاهثة:-
سي مصطفى جالي أنادم عليكي تنزلي تاكلي معاهم تحت!!
_ إبتسمت صفاء ما أن أنهت جملتها بينما عقدت ورد جبينها بغرابة ورددت متعجبة:-
جالك تجوليلي أكده ولا ديي لعبة من ألاعيبك؟
_ أسرعت صفاء بالرد عليها نافية ظنونها:-
جسماً بالله جالي كيف ما جولتلك أكده يلا إنزلي طوالي
_ إرتبكت ورد على تلك الخطوة التي لم يسبق وأن خطتها من قبل سوى مرةٍ واحدة لكن لم يكن مصطفى زوجها بعد، فهل حان فعلاً جني ثمار صبرها؟
_ إختارت عباءة باللون الأخضر مطرزة بالفضة، لا تعلم لما إرتدتها فبالأخير سيغطيها وشاحها لكنها شعرت أن عليها التألق لذاك النداء الأول ..
_ وضعت أعلاها وشاحها وهبطت الأدراج سريعاً، إرتخت ملامح خليل وقد تحولت إلى الراحة ما إن لمح طيفها ناهيك عن سعادته بطلب مصطفى لمشاركتهم المائدة، بينما لم تبعد السيدة نادرة نظريها عن مصطفى بغضب شديد لطلبه المبهم، تتآكل غيظاً من الداخل كذلك أحمر وجهها بسبب كظم غضبها، تقابلت عينيها مع أعين مصطفى فأرسلت إليه إشارة موحية بعدم رضاها عن طلبه فحاول هو توضيح الأمر لها بنظراته التي يشير بها على والده فاستشفت أنه إفتعل ذلك من أجل أن يوطد العلاقة بينه وبين والده..
_ إلتوت شفتي نادرة للجانب بتهكم ما إن رأت هطول ورد عليهم عكس إبتسامة خليل التي إتسعت بسعادة وهلل مرحباً بوجودها:-
ايوة أكده الوكل بجا له طعم تاني مع الجمر
_ أخفضت بصرها في حياء قد إنعكس على ملامحها فاحمرت وجنتيها لكن حمدلله لم يراها أحد، تنهدت وردت عليه بإرتباك حرِج:-
ربنا يخليك يا عمي
_ أسرع خليل بالرد عليها قائلاً:-
لاه جوليلي يا بوي لو تحبي يعني
_ رفعت ورد بصرها عليه بإمتنان كبير ورددت بحياء:-
أكيد طبعاً أحب أكده
_ بادلها خليل إبتسامة فسارت هي متوجهة نحو مقعدها التي إعتادته بجوار هلال، توقفت قبل أن تجلس حين وجه مصطفى حديثه لها:-
تعالي إجعدي جاري يا ورد
_ إتسعت مقلتيها بعدم تصديق لما وقع على مسامعها وطالعته من أسفل وشاحها ثم أقتربت منه وهي لازالت أسفل تأثير الذهول، نهض مصطفى ما إن جلست هي فخفق قلبها رعباً من إبتعاده عنها فهو من طلب أن ترافقه مقعده فما هذا إذاً؟
_ إقترب مصطفى من باب السرايا تحت نظرات الجميع المندهشة عليه ونادي بنبرة جهورية قائلاً:-
عسران..
_ جائه ملبي ندائه فأمره مصطفى بثبات:-
تؤمر الغفر محدش منيهم يهوب داخل السرايا واصل وأني هؤمر صفية تطل كل شوية عليهم تشوف لو محتاجين حاجة وأي دخيل تعرفني بوجوده جبل ما يدخل السرايا مفهوم؟
_ أماء له بطاعة وقال:-
مفهوم يا باشمهندز
_ أغلق الباب خلفه وعاد لمقعده، إلتفت حيث تجلس ورد وأردف بلطف:-
دلوك تجدري تخلعي وشاحك وتطلعي وتنزلي على كيفك ..
_ إنحني بقرب أذنها وواصل حديثه هامساً:-
مش بكيفك جوي يعني إعملي حساب أبوي
_ إبتعد عنها فلم تستطع هي منع إبتسامتها العذبة التي أشرقت وأضافت لوجهها حيوية وأزادته عنفواناً ..
_ كانت السيدة نادرة تتابع ما يحدث أمام مرأى عينيها بعدم تصديق، تكز على أسنانها ببغض واضح وهي تري إبتسامة ورد تزداد إشراقاً، لكنها لن تقف تشاهد في صمت بالطبع ستوقف ولدها عند حده وقبل وقوعه فيما تخشاه ..
_____________________________________
_ أعدل من وضع جلبابه ليكون مهندماً ودلف للخارج بخطى متريثة قاصداً سرايا العمدة لكي يطمئن على إبنة عمه وأمانة زوجته، توقف عن السير وردد بنبرة خافتة:-
وعشجي…
_ سحب شهيقاً عميقاً وتابع سيره متلهفاً لسماع نبرتها مع تذكره لملامحها الطفولية اخر ما يتذكره منها، أوقفه والده بسؤاله:-
على فين العزم
_ أوصد عينيه لثوانٍ ثم إستدار إليه وأجابه على مضضٍ مختصراً الحديث معه:-
على سرايا العمدة هطمن على ورد!
_ رمقه حمدان لبرهة ثم بدأت ترتفع ضحكاته في العلن بسخرية، حاول التحدث من بين قهقهته مردفاً:-
لساك عايش على الأحلام اللي معتصحاش منيها ديي
_ دنى منه حمدان وواصل سخريته:-
البت إتجوزت رملناها جامت اتجوزت خوه، خايف تترمل تاني تتجوز عسران نفسيه
_ طالعه طاهر بتقزز وقال بإزدراء ناهي الحوار:-
عتتحدث براحة غريبة أني نفسي معارفش أعيشها من يوم اللي حوصل وأني مليش علاقة بالموضوع، كانهم شالو جلبك وحطوا مكانه حجر!
_ إتسعت حدقتي حمدان بذهول لسماعه ما تفوهه طاهر، رفع ذراعه للأعلى يريد تأدبيه بصفعة تعيد إليه صوابه لكنه تفاجئ بمنعه للوصول إلى وجهه، قبض طاهر علة يد والده بقوة وهو يكز على أسنانه بغضب، كم يكرهه ويبغض تلك الحياة التي يعيشها معه أسفل سقفٍ واحد..
_ سحب طاهر يده إلى جانبه ثم توجه إلى الخارج بخطى سريعة يهرب من مخاوفه لطالما تمنى أن ينتصر عليها لكنه لا يمتلك الشجاعة فبالأخير هو والده وله حق الطاعة، نفخ بضيق شديد ربما يحاول إخراجه مع أنفاسه التي يزفرها، عاد ليكمل سيره متجهاً إلى سرايا العمدة..
_ وصل بعد دقائق ليس إلا وتفاجئ بأحد رجال الغفر يمنعه من دخول السرايا موضحاً:-
ديي أوامر الكابير، خليك إهنه على لما نعطيه خبر
_ قطب طاهر جبينه بغرابة فالأمر لم يكن هكذا من قبل لم يملك سوى الإنتظار لحين إعطائهم خبر بوجوده بينما هاتف الرجل مصطفى وأخبره بنبرة خشنة:-
طاهر ولد حمدان المنشاوي إهنه
_ ألقي مصطفى بسؤاله متعجباً:-
وديه جاي يعمل إيه عندينا؟
_ رفع الرجل بصره على طاهر وسأله بحدة:-
رايد إيه؟
_ مفاجئة أخرى قد تلقاها طاهر من خلف سؤاله المريب الذي لا يوجد له معني، حاول التحلي بالصبر قدر المستطاع وأجابه على مضضٍ:-
جاي أطمن على بت عمي
_ أخبر الرجل مصطفى ما قاله له طاهر فنهض مصطفى عن مقعده ونظر إلى ورد وأردف:-
طاهر بيجول جاي يطمن عليكي، خير يطمن عليكي من إيه؟
_ عقدت ورد حاجبيها بغرابة فالأمر بدي مريياً بعض الشيئ وخصيصاً سؤال مصطفي الذي يليه العديد من الأسئلة المحملة بالتهم وأجابته بنبرتها الرقيقة:-
مخابراش، أني هروح أشوفه رايد إيه
_ نهضت هي الأخرى فتفاجئت بيد مصطفى تمنعها من المرور قائلاً:-
خليكي إهنه أني هشوفه
_ عارضته بلطف:-
معلاش سيبني أني أشوفه رايد إيه
_ سمح لها مصطفى بإيماءة من رأسه فأسرعت هي بوضع وشاحها أعلى رأسها وأقتربت من الباب فظهر طاهر من خلفه بملامح مشدودة بسبب تصرفات هؤلاء الحمقى، وقف قبالتها وسألها بتوجس:-
أنتِ زينة؟
_ حركت رأسها مؤكدة سؤاله وقالت بقلق :-
أني بخير في حاچة جلجتني؟
_ سحب نفساً وأوضح لها سبب زيارتة:-
مرت عمي وصاتني عليكي جبل ما تهمل البلد وأني جيت أطمن عليكي لو محتاجة حاجة كيف ما جالتلي
_ شعرت ورد بالإمتنان لإهتمامه فهي حقاً في أشد الحاجة لوجود من يهتم لأمرها، كادت أن تجيبه لكن أسبق مصطفى بالحديث بنبرة جامدة:-
هيوحصلها إيه عاد وهي في سرايا العمدة؟
_ أقترب منه قليلاً وربت على كفته وواصل حديثه:-
أطمن يا طاهر ورد في حِمايا
_ رفعت ورد بصرها عليه ما إن أدلى أنها في حمايته، لم تستطيع السيطرة على نبضاتها التي إزدادت بإضطراب شديد، أجبرت عقلها على العودة إلى الواقع فليس بحين يسمح لتصرفاتها البلهاء في الحضور، نظرت إلى حيث طاهر وهتفت ممتنة:-
أني زينة متجلجش عليا وشكراً على مجيتك ديي حسستني إني ورايا أهل مش لحالي
_ تقوس ثغر طاهر ببسمة لم تتعدي شفاه وردد حديثه الذي يأباه قلبه ساخراً لكن حان وقت الإقتناع به:-
أنتِ في مجام خيتي وواجب أطمن عليكي وبما إنك زينة هستأذن أني بجا، العوافي
_ رددت ورد ممتنة له عكس نبرة مصطفى الحادة:-
الله يعافيك ..
_ أولاهم طاهر ظهره وغادر وقلبه يعتصر حزناً فأي شعور يمكن أن يصف وجهه في تلك اللحظة التي يعترف بكونها شقيقته وهي لم ولن تكون كذلك!
_ إلتفتت ورد إلى يمينها فتفاجئت بسودتاه يطالعنها وأحست أن خلفهما شي يريد قوله، انتظرته ربما يدلي ما في جوفه لكنه لم يفعل فولجت للداخل بخطى متريثة فقلبها يرقص فرحاً علي تلك الأحداث الجديدة التي حدثت اليوم ..
_ كان يقف العمدة في إنتظارها وحين إقتربت منه إبتسم في وجهها وأردف معاتباً بلطافة:-
بجا أكده بردك متاچيش تطمني عليا مش بتعتبرني كيف بوكي ولا إيه يا ورد؟
_ شعرت ورد بغصة مريرة في حلقها فهي حاولت مراراً لكنا دوماً تتلقى الرفض من السيدة نادرة، وجهت بصرها عفوياً خلف خليل حيث تقف نادرة فاستشف خليل الأمر كله من خلف نظراتها، حرك رأسه مستنكراً أفعال نادرة الدنيئة ثم حاول تغير مسار الحوار الذي بدأه:-
بس الوكل كان له طعم تاني وأنتِ مشاركانا فيه ربنا يديمها نعمة يابتي
_ إلتوى ثغرها للجانب مُشكلة إبتسامة خجولة وردت عليه بحياء:-
ربنا يخليك يا أبا الحاج ويديم وجودك بيناتنا
_ ربت خليل على ذراعها بحنو وردد:-
ويديمك في حياتنا يا بتي ويتعرف جميتك
_ قال آخر جملته وهو ينظر إلى مصطفى الذي استشف ما يرمي إليه جيداً، أخفض رأسه بخجل ثم حاول نهى ذلك اللقاء بإقترابه من ورد قائلاً:-
بكفياكي واجفة في نص السرايا إطلعي على أوضتك أو ادخلي أوضة الضيافة أهي مجفولة بردك ..
_ إنتظر تلبيتها لأمره لكنه فوجئ بحديثها:-
شيفاك عتؤمرني في الراحة والجاية كاني مش مرت خوك عاد؟
_ تعمدت ورد إلقاء حديثها لكي تأخذ منه إعتراف صريح بإعتبارها زوجته، تقوس ثغر خليل ببسمة حاول إخفائها حين فهم ما تحاول هي فعله ووقف يتابع رد مصطفى على أحر من الجمر عكس نادرة التي كانت تقف كمن يقف على جمر متقد لا ترضى نبرة تلك اللعينة التي تحادث بها والدها كما تعترض كل ما حدث من مصطفى إلى الآن فهي كانت مطمئنة حيث تري عصيانه لأمر والده وتمرده على تلك الفتاة!، خرجت من شرودها وتابعت الأحداث على مضضٍ
_ وقف مصطفى يتخبط بين إجاباته، لا يجد إجابة واضحة صريحة يرد عليها بها فهو في الأساس لا يعلم ماذا يَكِن لها داخله
_ حسناً الإنسحاب في ذلك الوقت هو الحل الوحيد، لم يتردد مصطفى في الخروج من السرايا بخطى مهرولة قبل أن تعيد سؤالها مرة أخرى والنتيجة ستكون ساحقة أمام الجميع ..
_ ظهرت شبح إبتسامة على ثغر ورد فهي توقعت هروبه لكنها لن تتراجع عن إعترافه بها زوجةٍ له وأمام من أدلى لهم من قبل أنها في إعتبار زوجة أخيه وليست زوجته!
_ عادت بأدراجها إلى غرفتها فقط يكفيها ما حدث اليوم من روائع فلقد فقدت الأمل في حدوث نصفها ، أستلقت على الفراش وهي تعيد كلماته التي همس بها في أذنها فقشعر له بدنها فلم يسبق وأن تقرب منها رجلاً بتلك الحميمة برضائها، ستعترف أنها إستمتعت بقربه كثيراً ربما لأنها أرداته هو عكس أخيه التي نفرت منه ..
