عرف صعيدى ج٣
#عُرف_صعيدي
الفصل العاشر
( رُبَّ صُدْفَةٍ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ ميعادٍ )
______________________________________
_ أنهى مصطفى آخر درجة في السُلم فتفاجئ بخروج إحداهن من المطبخ، رفع ذراعه للأعلى أمام وجهه يمنع عينيه من التمعن بها وهتف متسائلاً بغلظة:-
مين اللي خالعة راسها ديي متعريفش أن فيه رجالة في السرايا!!
_ لم تتحمل صفاء الوقوف خلف الباب ومراقبة ما يحدث دون أن تضع بصمتها، دلفت للخارج مسرعة ولم تكترث لندائات والدتها الآمرة التي تحثها على التوقف مكانها وعدم التدخل فيما لا يعنيها، أقتربت من مصطفى وأردفت بخبث:-
دي ورد مرتك يا سي مصطفة معرِفهاش ولا إيه؟
”ورد!”
_ ردد بإسمها يستوعب حديث صفاء، إزدرد ريقه فهو ليس على إستعداد لمواجهة ذات الوشاح الأسود، لا يريد الإختلاط معها على حالتها تلك فتحسبه زواجاً حقيقياً ما إن رأها..
_ لا يوجد مفر أمامه، أخفض ذراعه ببطئ وتعمد أن يتحاشي النظر عنها لكن شئ ما جذبه لأن ينظر إليها وكأنه رأي تلك الهيئة من قبل، سمح لسودتاه أن تلتفت حيث تقف فذُهل مما وقع أمام مرأي عينيه
_ إنها هي! التي تفارق عقله في النهار ولا يعلم للنوم سبيل لصورتها التي يبدأ برسمها بوضوحٍ في مخيلته ليلاً، تمعن النظر فيها بعدم تصديق أهي كانت أمامه طوال الوقت ولا يعلم أنها نفسها من جمعتهم الصدفة ليلة زفافهم!
_ كم آراد لكم نفسه بكل قوته ندماً على هروبه منها، إضطرابات غريبة قد أصابته لحظتها ناهيك عن تدفق الادرينالين في الدم المندفع في شرايينه فتسبب في خفقان قلبه بقوة كما زاده حماساً و عنواناً ..
_ تفحص كل أنش بها بإهتمام واضح، صوب بصره على زرقاوتاها التي تشبه صفاء السماء والتي تختفي بين أهدابها الكثيفة التي تسر الناظرين، أخفض بصره قليلاً ليري وجنتيها الحمروتين وشفاها الوردية المنتفخة كحبة البرقوق، ثم تمعن النظر أكثر على إنحناءات جسدها الصارخة ذات اللون الحليبي، لم تكن نحيفة بل مليئة بعض الشئ ذات قوام ممشوق وياحبذا فستانها بنفسجي اللون الذي يتماشي بتناسق مع منحنياتها وينتهي طوله قبل ركبتيها..
_ ماهي إلا ثوانٍ قليلة إلا أنها قلبت كيانه بالكامل، إقترب منها حين إستشف أن ذاك الجمال الرباني يمكن لغيره رؤيته، هرع إليها ووقف قبالتها فخفق قلبها رعباً من طوله اليافع الذي شعرت به للمرة الأولي فعلى الرغم من كونها طويلة القامة إلا أنها شعرت بضئالتها أمامه..
_ جف حلقها من شدة التوتر التي وقعت بين ثناياه وخصيصاً بعد قربه منها لتلك الدرجة، خرج مصطفى عن صمته حين طُرق باب السرايا وهتف بعصبية:-
محدش يدخل إهنه
_ أمسك بيدها وأمرها بوجه محتقن:-
همي جدامي
_ أجبرها على السير خلفه بخطى سريعة كادت أن تتعرقل إثرها ، حركت رأسها عفوياً لتنظر إلى صفاء موحية إليها بإشارات معاتبة لخطتها اللعينة التي ستسبب لها المتاعب حتماً، غزت الإبتسامة شفاه صفاء حين طالعتها ورد ثم غمزت إليها بمرح وإنسحبت سريعاً داخل المطبخ بسعادة فلقد نجحت خطتها ..
_ وصل مصطفى إلى غرفته السابقة وأوصد الباب خلفه والغضب يتطاير من عينيه، أوقفها أمامه ونهرها معاتباً بغلظة:-
كيف توجفي في نص السرايا بخلاجتك ديي؟ متعرفيش أن فيه رجالة داخلة خارجة على السرايا إياك؟!
_ إزدردت ريقها فالتوتر والإرتباك سيديان الموقف ولقد تملكوا منها حتى كادوا ينهوها بالكامل، فتلك مرته الأولى لمحادثتها وبالأحر معاتبتها فكيف ستواصل الحوار معه؟، فغرت فاها لتبدأ بالحديث لكن الكلمات لا تريد الخروج من جوفها، إبتلعت ريقها مراراً لتبلل حلقها الجاف وقالت بتلعثم:-
الغفر بتدخل السرايا بعد ما يستأذنوا يعني مفيش حد هيشوفني
_ رفع حاجبه الأيسر بعدم إعجاب لهرائاتها وردد:-
وأبوي! هيستاذن هو كماني وهو هيمشي في سرايته؟
_ أجابته مبدية إستنكارها لحديثها الساذج:-
بوك مش حرام يشوفني أكده
_ أسرع مصطفى بالرد عليها بنبرة حادة لا تريد النقاش:-
ولو.. خجلاتك ديي أني بس اللي أشوفك بيها!
_ إزدادت نبضات قلبها كما إرتفعت وتيرة أنفاسها المتهدجة التي تسمع صداها داخلها، لم ترفع زرقاوتاها من عليه إطلاقاً فقوله لمس شئ ما داخلها لا تعلم ماهو لكنه أزاد من انجذابها إليه..
_ كذلك لم يرف لمصطفى جفن وهو يطالع زرقاوتاها بتمعن يتأكد من كونهما حقيقيان وهي نفسها من تسببت في هروب النعاس من عينيه طيلة المدة الماضية بسبب التفكير والانشغال بها، لكن ليس بتلك السهولة علي عقله يستطيع إستيعاب ما توصل إليه في دقائق معدودة، إنسحب من أمامها فأسرعت هي باللحاق به وأمسكت بيده فرجف جسده إثر قبضتها الرقيقة ..
_ إلتفت إليها مصطفى عاقداً حاجبيه مستفسراً عما تريد:-
في حاچة؟
_ ترددت في السؤال الذي تريد طرحه عليه لكن دفعته في وجهه دون تفكير زائد قبل أن تتراجع قائلة:-
لساك معتبرني مرت خوك؟
_ وقع سؤالها على عقله فنشط كل ذكرياته وقد تذكر أنها كانت إمرأة لأخيه قبله فكيف له أن يتقبل فكرة أن من انشغل العقل وطالب القلب بها نفسها زوجة أخيه رحمة الله عليه..
_ حرر يده من بين قبضتها وأولاها ظهره وانصرف من الغرفة سريعاً أسفل نظراتها المبهمة عليه، فلم يجيب على سؤالها إذا ما الذي عليها إفتراضه الأن؟ كلماته ومعاتبته لن تكون إلا لزوج لزوجته لكن ماذا عن هروبه وعدم رده عليها؟
_ نفخت بتزمجر شديد فعلى ما يبدو أن هناك المزيد من الوقت تقضيه في الإنتظار المرهق التي تكرهه من أعماق قلبها، أسوء شعور هو الإنتظار، إنتظار الأشياء التي يتمناها قلبك وتطالبها حاجتك، إنتظار كلمات حنونة صادقة تربت على القلب وما يعيشه من حزن طالت أيامه، إنتظار حدث عظيم يغير الحياة إلى الأفضل، صراع أزلي تعيشه مع ذاتك المغلقة لا يشعر بك من حولك، لا يشاركك أحدهم ذلك الإنتظار الذي يشبه الموت بحد عينه لكن ببطئ شديد..
_ عادت إلى الخلف وجلست على طرف الفراش، تشتت عقلها بالأفكار اللعينة التي تسببت في خنقتها، فهناك الأحلى فيما حدث منذ ثوانٍ وهو أنه تجرأ وأمسك بيدها ووقف قبالتها ونظر بسودتاه إلى عينيها، لقد لمست في نظراته بشئ ما، تجزم أن شعورها لن يخدعها وحدسها سيكون في محله وما شعرت به كان صحيحاً حقيقياً وأنه لم يعد يعتبرها زوجة أخيه كما أدلى من قبل لكن عقله يأبي قول ذلك ..
_ ظهرت إبتسامة عريضة على ثغرها الوردي وهي تتمني أن يصيب حدسها تلك المرة ولا تعود وحيدة كما كانت ولازالت تعيش كذلك ..
______________________________________
_ ولج للغرفة وتوجه نحو المرآة مباشرةً، وقف أمامها يطالع سودتاه التي بدت حدتان تشبه طباعه، رفع يده وأدخل إصعبين داخل عينيه وإقتلع عدساته اللاصقة ثم أعاد فعلته في العين الأخرى لتظهر عينيه بلونهما الاصلي ..
_ طالع عيونه باهتمام بالغ فالأن يبدوان كعينان ورد تماماً، تشبهان زرقاوتاها وكأنهما نفسهما، شعور ما قد تغلغل إلى أوتاره فاجبره على لوي شفتيه للجانب مشكلاً إبتسامة على ذلك التشبيه المريب ..
_ سرعان ما أختفت إبتسامته حين تردد داخل عقله سؤالها التي طرحته عليه، أهو انسحب لأن أمره قد فضح أمامها أم لأنه لا يتقبل فكرة زواجها من رجلاً آخر؟
_ رمق صورته المنعكسة في المرآة وأغلق على أسئلة رأسه داخله دون أن تخرج للحياة، لقد تمنى زوجه لم يقترب منها رجلاً غيره، فماذا الأن؟
هل سيقبل بها فقط لأنه رآها مرةٍ واحدة! كان تفكيره دوماً يعود به إليها كلما حاول نسيانها حتى لا يعيش على أمل كاذب لكن ما حدث اليوم كأنه دليل قاطع على أن الامل يمكن أن يتحقق بين ليلة وضحاها ويكون حقيقة يلمسها بمشاعره قبل لمسها بالأيدي!
_ حرك رأسه ينفض أفكاره التي لا يتوصل معها لنهاية ترضيه، أعاد وضع عدساته اللاصقة ودلف من الغرفة وهبط سريعاً دون أن يلتفت وينظر خلفه ..
_ لمحت صفاء طيفه فانتظرت حين غادر السرايا وأسرعت نحو الطابق العلوي لكي تعلم نتيجة خطتها، طرقت على الباب ثم فتحته دون إستئذان فالحماس يكاد يتساقط منها، فلم تلحق ورد رفع عينيها على الباب فتفاجئت بولوجها، شعرت بالضيق لفعلتها المتكررة وعزمت أن تحادثها في تلك المسألة إن كررتها مرة أخرى
_ ركضت إليها صفاء ووقفت أمامها متسائلة في عجالة:-
ها جوليلي حوصل إيه؟ خطتي نجحت؟ إوعاكي تجولي لاه أزعل والله
_ نهضت ورد من الفراش وأجابتها بتهكم:-
محوصلش حاجة جالي مينفعش أجف بخجلاتي أكده والسرايا داخلها وخارجها رجالة
_ نفخت ورد بضجر بائن ورددت بعدم إستعياب:-
أني معرفاش طاوعتك كيف في اللي جولتيه ديه منابنيش غير التأنيب وبس
_ قطبت الآخرى جبينها مستنكرة حديثها وأسرعت بتوضيح اعتقادها الساذج:-
تبجي خطتي نجحت، طلاما عاتبك يبجي غيران عليكي العتاب من الحب
_ قلبت ورد عينيها غير متقبلة حديثها وأردفت وهي تحرك رأسها بعدم تصديق:-
غيرة إيه وحب ايه ده أني سألته لساك معتبرني مرت خوك سابني وخرچ من غير ما يرد عليا، تبجي غيرة كيف ديي؟
_ لم تختفي الإبتسامة من علي وجه صفاء وأوضحت لها ما تقصده:-
هو مردش عليكي يبجي أكده فيه إحتمالين يا أيوة يا لاه، لكن لما يرد عليكي يبجي حسم أمره ومهيغيرش عليكي إفهمتي؟
_ جلست ورد على الفراش بإهمال ورددت بنفاذ صبر:-
أني زهجت من كل اللي بيحوصل يارتني ما جولت لامي تسافر يارتني مشيت وياها
_ نفخت بضيق شديد تشعر به فحاولت صفاء التخفيف من عليها:-
هانت يا جلب أختك أني متوكدة أن اللي عملناه ديه هيرضيكي بس انتي إصبري وشوفي..
_ أوصدت عينيها فلقد نفذ صبرها ولم يعد له مكان داخلها، نظرت إلى الأعلى وهتفت بحنق:-
صبرت كاتير جوي يارب هون اللي جاي بجا..