عرف صعيدى ج٣

في المساء،
جلس مصطفى برفقة والدته على المائدة يتناولون العشاء بمفردهم فلا يوجد غيرهم، حمحمت نادرة وقالت متسائلة بنبرة مندفعة:-
هتعمل إيه مع اللي ما تتسمي؟

_ إحتقن وجهه بغضب ورد عليها بعبوس:-
مخابرش مش في دماغي من أساسه، وجودها زي عدمه

_ ظهرت شبح إبتسامة على ثغر نادرة ثم أخفتها سريعاً قبل أن يلمحها مصطفى وتابعت حديثها معه:-
طليجها يا ولدي وشوف حالك بدل الإسم متجوز وإتحسبت عليك جوازة الندامة

_ أماء رأسه بقبول فهذا ما يدور في عقله لكن بطريقة مختلفة بعض الشيئ، تنهد وأردف بقوة:-
ده اللي هيحوصل بس لما بوي بنفسيه يجولي طليجها!!

_ عبست الأخرى بعدم إعجاب ولامته بإمتعاض:-
وبوك مش هيجولك طليجها ده الود وده يظبط الأمور بيناتكم يعني إنسي يا ولدي

_ طالع أمامه بجمودٍ وردد:-
العمر لساته منتهاش والبادي أظلم

_ رفعت نادرة إحدى حاجبيها بتعالي وتريث لكون ولدها بذاك الدهاء، ستنتظر لا تملك سوي الصبر فهو مفتاح الفرج وفي النهاية ستجني ثمرة صبرها ..

_ تابعوا تناولهم للطعام في صمت إلى أن شبعت بطونهم، عادت نادرة إلى غرفتها تطمئن أن زوجها قد أنهى طعامه، فلقد إمتنع عن مشاركتهم المائدة العائلية منذ إصابته بتلك الوعكة بينما إنسحب مصطفى للخارج يجلس برفقة عسران، مرت مدة ليست بقصيرة إنضم إليهم ضيف وأكملوا ثلاثتهم سهرة ذكورية على أصولها ،
فعل عسران فعلته المعتادة كل مساء وهي الاستماع إلى الطرب القديم أسفل ضوء القمر والنجوم مع إرتشاف فنجان قهوة سادة ثقيلة فذلك ما يعدل صفوه ..

_ كانت الأغنية تلك المرة مختلفة كانت تعود للشحرورة ”صباح”

أنا هنا يا ابن الحلال
لا عايزه جاه و لا كتر مال
بحلم بعش
أملاه أنا سعد و هنا
أنا هنا يا ابن الحلال

_ إستقيظت ورد إثر دندنة الأغنية، رفعت رأسها بثقل قد شعرت به في الجزء الأيسر من رأسها، قاومت حتى نهضت مستندة على الحائط إلى أن صلبت قامتها وتوجهت إلى الشرفة تتبع صوت الأغنية.

مليت لك القله.. عطشان تعالا
عطشان تعالا يا جميل يلا
مليت لك الابريق عطشان تعالا
عطشان تعالَا و سلامه طريق
أنا ورا الشباك سهرانه بستناك
علمت قلبي هواك من قبل ما تجيني ولا أتملاك

_ شعور قوي قد رادوه في تلك الأثناء ورفع بصره عفوياً على شرفة غرفته فتفاجئ بطيفها واقف كوقوفها بالأمس، لم يرفع بصره عنها وظل مثبتاً نظريه على الشرفة مع دندنة الأغنية ..

بحلم بعش
أملاه أنا سعد و هنا
أنا هنا يا ابن الحلال

_ دندنت ورد مع كلمات الأغنية التي شعرت بوصف حالها متعجبة من نظراته التي تطالعها دون غيرها :-

و إن جيتني يا مهنّي ندرن عليا
ندرن عليا العين و النني
و إن جيت تدق الباب ندرن عليا
ندرن عليَّا القلب يشيله حجاب
فرشت لك رمشي اخطر عليه و امشي
من شوقي ما بنامشي
باستنا حتا العمر مستني
بحلم بعش
أملاه أنا سعد و هنا
أنا هنا يا ابن الحلال
فى الغيبه انا شايفاك انا انا شايفاك
قلبي انكشف عنه الحجاب و لقاك
فى الغيبه انا شوفتك انا انا شوفتك
قلبي شاور لي عليك وعرفتك
انت اسمراني جميل
لك غيه فى المواويل
والقلب لك بيميل
من قبل ما يكون لي نصيب وياك
بحلم بعش
أملاه أنا سعد و هنا انا هنا يا ابن الحلال

_ أخفض بصره ما أن إنتهت كلمات الأغنية، رمق من هم بجواره ليتأكد أن الأمور تسير على ما يرام، تنهد براحة حين رآهم يتبادلون أطراف الحديث ولم ينتبه له أحد

_ لمح ضيف طيفها يظهر من خلف باب المطبخ، أعاد النظر مراراً لكي يتأكد من هويتها، إلتوى ثغره للجانب مشكلاً بسمة عذبة حين تأكد منها، نهض فجاءة وسار متجها نحوها فأوقفه مصطفى بسؤاله:-
على فين إكده؟

_ وقع قلب ضيف في قدمه فهو لم يحسب لذلك السؤال مطلقاً، إلتفت إليه وحمحم ثم أجابه بإرتباك حرِج:-
ها.. لا كنت هروح أشرب مية من القُلة اللي هناك ديي بحب ميتها

_ أماء له مصطفى متفهماً ثم إنصرف ضيف سريعاً من أمامه، أزفر أنفاسه براحة كبيرة لم يستوعبها عقله فكاد أن يفضح أمره وبالتأكيد العواقب ليست محمودة ..

_ إقترب من القارورة الفخارية ورفعها للأعلى يرتشف منها فجائته الأخرى على استحياء تاركة مساحة كافية بينهم، أخفض القارورة من على فمه ولازال محتفظ بها بين قبضتيه وطالعها بأعين مُتيمة مردداً بنبرة ولهانة:-
إتوحشتك جوي

_ أخفضت بصرها في حياء كما احمرت وجنيتها وسارت كالبندورة في تمام جنيها، إبتسمت بعذوبة وقالت:-
جولتلك بلاها الحديت ديه

_ ظهرت بسمة سعيدة على محياه فهو يعشق حيائها الذي يتعامل معه باستمرار والذي يدل على برأئتها الأنثوية، إبتلع ريقه وسألها بمرح:-
أومال أجوله ميتي؟

_ رفعت بصرها عليه وقد إنعقد حاجبيها تلقائياً كما عقدت ذراعيها بتزمجر ورددت بحنق:-
جوله وجت ما أكون مرتك حلالك كيف ما وعدتني ولا نسيت الوعد إياك؟

_ أسرع هو بالرد عليها ينفي حديثها:-
لا طبعاً منسيتهوش أني بس مستنظر الوجت المناسب اللي أجي اتجدم لك فيه عشان أليج بحضرة الداكتورة

_ لم تمنع ضحكتها التي خرجت عفوية فخفق لها قلبه وتسببت في إضطرابات مشاعره التي تحثه على التودد معها أكثر، ماذا إن سمح لهما الوقت والمكان؟

_ تقابلا في نظرة حب صادق طالت لوقت قطعها ذلك الصوت الدخيل:-
واجفة حداكي بتعملي إيه يا صفاء؟

_ إتسعت حدقتي صفاء على آخرهم بصدمة حين إنسدل سؤال والدتها عليها، رجف جسدها من فرط الإرتباك والتوتر التي إنحشرت داخلهم، حاولت أن تستيعد جزءاً من رونقها وإلتفتت إليها مجيبة إياها بتلعثم:-
كنت بملي القُلة عشان لو الغفر إحتاجوا مية

_ أوماءت لها صفية باقتناع ثم صوبت بصرها على ضيف فلم يروق لها وقوفه في الوقت ذاته مع خروج إبنتها، لم تريد أن تطيل في الأمر أثناء وجوده وأمسكت بذراعها أمرة إياها:-
همي جدامي يلا..

_ لم يرف له جفن منذ أن تفاجئ بوجود والدتها، أوصد عينيه ما أن إختفت من أمامه يتنفس الصعداء، حاول ضبط أنفاسه المتهدجة التي يصغي إلى صداها داخله ثم عاد إلى صديقه بهدوء..

_ رمقه مصطفى متعجباً من حالته المريبة وسأله مستفسراً:-
المية عجبتك للدرجة دي، مجدرتش تفوت القُلة وحديها؟

_ أنتبه ضيف لتلك القارورة التي لازالت تتوسط صدره ، ابتسم بتهكم فهو لازال أسفل تأثير المفاجأة وقال:-
مختش في بالي معلاش بجا الظاهر إني محتاج أنام، يلا تصبحوا علي خير

_ ألقى بجملته ثم إنصرف سريعاً بينما إستأذن مصطفى هو الاخر ونهض ليعود حيث غرفته التي لم يعتادها بعد، وقبل أن يولج للداخل راوده ذاك الشعور مرة أخرى فرفع رأسه للأعلى قاصداً شرفة غرفته لكنها لم تكن واقفة كما توقع، أخفض رأسه وأكمل سيره إلى الداخل حيث غرفته ثم فراشه الذي ألقى ببدنه عليه وكما أعتقد تماماً لن ينام بسهولة كسابق أيامه في تلك الغرفة اللعينة ..

______________________________________

_ إعتادت ورد على الليالي التي تقضيها بمفردها وحيده بين أربعة جدران، يزداد اكتئابها في الظهور كل يوم كما فيه الشهور الماضية من بعد وفاة هلال، منعت الطعام لفترات طويلة فقط تأكل حين تحتاج أجهزة جسدها لذلك ..

_ مر أسبوع لم يتغير به شئ، لا تبرح فراشها إلا لدخولها المرحاض، كما تزداد قساوة السيدة نادرة كل لحظة تجمعها بيها، لم يحدث بينها وبين مصطفى أي لقاء حتى وإن كان عابراً فقط تنتظر الليل لتقف في الشرفة تصغي إلى الأغنية الجديدة الذي يختارها عسران وتدندن معها بشغف قل تدريجياً مع الوقت إلى أن التزمت غرفتها ولم تعد تخرج إلى الشرفة ..

_ على الرغم من يومه الروتيني المعتاد الذي لا يتغير نظامه إلا أنه ينتظر لحظة وقوفها مع بدأ ترنيم الأغنية ثم يعود إلى غرفته التي أعتاد النوم فيها مؤخراً..

_ إستعاد خليل جزءاً من صحته وعاد يتابع أعمال أراضيه بنفسه كما كان يفعل لكن الفجوة تتسع بينه وبين مصطفى كأنه عزم بألا يحادثه مرة ثانية قبل أن يوطد علاقته مع ورد التي خربها بغشوميته

_ تزداد السيدة نادرة حنقاً وإمتعاضاً كلما مرت الأيام ولازالت تلك الفتاة تعيش معها أسفل سقف واحد لكنها لا تملك سوي الصبر لبعض الوقت لحين تتغير الأحداث بمفردها

_ إستمرت صباح في الإلحاح على طاهر لعله يوافق على ما تريده هي، إستحوذت على عقله وتفكيره بطريقة تُشبه أساليب السحر وربما تتفوق عليها فتأثير الزن المستمر أشد حقاً من مفعول السحر، لا تكِل ولا تمل لحظةٍ بل تزداد تشبثاً في تحقيق مرادها ..

_ أيام ثقال مملة تسير ببطئ شديد على الجميع لأ يحدث أي جديد بها يبدل مجري حياتهم، حسمت صفاء على إفتعال خطةٍ ما ربما تنجح في توطيد علاقة ورد ومصطفى ..

_ نهضت من الصباح الباكر وصعدت إلى غرفة ورد قبل أن يستيقظ أحدهم وطرقت بابها بخفة ثم ولجت للداخل قبل أن تأذن لها، لم تتفاجئ برؤيتها غافية فالوقت لازال باكراً، إقتربت منها بخطى خفيفة لكي لا تزعجها، جلست بجوارها تنتظر إيقاظها ..

_ مرت دقيقتان بالتمام فلم تتحمل إنتظارها للدقيقة الثالثة، إنحنت عليها وضربت على ذراعها بخفة تحاول إعادتها لأرض الواقع:-
ورد جومي صباح الخير، رايدة أخبرك بلي في راسي مجدراش استني لما تصحي ..

_ شعرت ورد بأن ذلك الصوت في أحلامها لكن مع تكراره تأكدت أنه حقيقي، فتحت أهدابها ورمقت صفاء لبرهة دون إستعياب لما يحدث بعد

_ جذبت صفاء انتباهها بحديثها الذي يحثها على النهوض ط:-
صباح الخير يا جلبي يلا جومي ورانا شغل ياما نعمله

_ نهضت ورد من نومتها وفركت عينيها بكسل فهي تشعر كأنها غفت للتو ولم تأخذ كفايتها من النوم، رمقتها بطرف عينيها وقالت بصوت متحشرج:-
في إيه يا صفاء الساعة كام؟

_ قهقهت الأخرى بمكر مع نظرة عابثة إستشفت ورد منها أن الوقت لازال باكراً، سحبت نفساً عميقاً وسألتها:-
شغل إيه عاد اللي ورانا؟

_ نهضت صفاء عن الفراش وجابت الغرفة ذهاباً وجيئا وهي تخبرها بحماس ما استحوذ على أفكارها طوال الليل لكي تحل مشكلة علاقتها بمصطفى ..

_ أنهت حديثها وسألتها بتلهف بنفس بداية حديثها:-
ها جولتي إيه؟

_ قابلتها الأخرى بجمودٍ فلقد تعكر صفوها تماماً من تلك العائلة ولا تريد خوض تجربة نسبة فشلها كبيرة، حتماً ستنتكس ما أن رأت ردة فعل لن تعجبها من خلف ما ستفعله فأسرعت بالرفض:-
بلاها الفكرة ديي أني ملياش نفس اعمل اي حاجة واصل همليني لحالي يا صفاء الله لا يسيئك

_ صممت صفاء علي تنفيذ فكرتها وأردفت بإصرار واضح:-
لا مههملكيش لحالك وهنفذوا اللي جولته بحذافيره وأني متوكدة أنك هتطلعي مجبورة الخاطر

”وإن متجبرش بخاطري وجتها اعمل ايه؟”
_ رددتهم ورد بفروغ صبر فهي حقاً باتت هاشة المشاعر ولن تتحمل خذلان آخر ، وقفت صفاء أمامها وقد إنعكست تعابير وجهها للغضب وأجابتها بإنفعال:-
تبجي تطلجي وبلاها العيشة اللي مش عيشة ديي

_ أوصدت ورد عينيها بإرهاق بادي على تقاسيمها ثم إختفت معالمها خلف يديها التي وضعتهم أمام وجهها فأشفقت صفاء على حالتها المذرية وأقتربت منها ضمتها بحنان وقالت ربما تخفف من عليها:-
مش بيجولوا أإن ربنا لما يحب عبد بيبتليه أنتِ ربنا إبتلاكي بتنين مش واحد بس

_ إبتعدت عنها ورد وقطبت جبينها بغرابة فوضحت لها صفاء قصدها:-
نادرة وولدها..

_ اإنفجرت كلتاهن ضاحكتين على مزحة صفاء التي دقت أسارير السعادة قلبها حين نجحت في رسم الإبتسامة على وجهها، تنهدت بصوت عالٍ وقالت:-
أيوة إكده اضحكي محدش واخد منيها حاجة

_ أخرجت ورد تنيهدة مرهقة وأعادت تكرار خطة صفاء التي علقت في ذهنها، رفعت زرقاوتاها عليها وأطلقت سؤالها بخجل:-
هنبدأوا كيف؟

_ إتسعت ضحكة صفاء التي طالت أذنيها من فرط سعادتها الممزوج بحماسها، وبدأت تعيد ما قصته عليها قبل دقائق معدودة ولاحظت إصغاء ورد لها بإهتمام فزدادت تلهفاً بمبادرة ما تنويان علي فعله ..

_ فعلت ورد كل ما أخبرتها به صفاء دون زيادة أو نقصان بمساعدتها ثم هرولن للخارج لمتابعة بقية خطتهن، تفاجئن كلاً من صفية وهويدا بخطة صفاء الداهية وكالمعتاد نهرتها والدتها ورفضت تدخلها لكن لم تكترث لها صفاء ووقفت أمام باب المطبخ تنتظر نزول مصطفى على أحر من الجمر ..

_ نفخت بتزمجر فالوقت يمر ببطئ عليها وهي لا تطيق الإنتظار من فرط حماسها، ها هو ظهر طيفه من ذلك الممر ثم هبط الأدراج بتريث وثبات، فصرخت صفاء ما إن رأته يقترب منهم مهللة:-
نزل نزل نزل …

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *