روايه تميم رسلان بقلم أية محمد رفعت حصري

الفصل الأول بين سطور الصمت!
بزغت الشمس كقبلةٍ في ثغر الصباح المشرق؛ فاندفعت حزمة من أشعتها الذهبية على أوراق الأشجار المحاطة بإحدى الُمسْتشفَيَات الخاصة وأصوات العصافير تنساب شجية من بين أغصانها وكأن هناك احتفالًا مهيبًا بصحبتهم؛ فخلقت أصواتهم جوًا مثاليًا تطرب الآذان لسماعه فتسترخي مَن بداخل الغرفة على سماع تراقص أنغامهم،تسللت أشعتها المفعمة بالحياة من زجاج النافذة البيضاء وكأنها أرادت منح إحداهن نظرة جديدة تَفَتَّتَ الظلام الذي اختبرته لفترة من حياتها خاصة بعد مرور عدة أسابيع على جراحتها الخطيرة، ضوء قوي اخترق ظلمة عينيها فأغلقتهما سريعًا ثم عادت لتفتحهما مجددًا بحذرٍ شديد وكأنها تتعلم كيف تخطو ولأول مرة، يداه كانت تشدد على يدها بأمان ليحفزها على مواصلة ما تفعله باطمئنان لوجوده بجوارها، تمسكت بيديه بقوة وكأنها تنقل له تعبير ما تراه، بدا الضوء وكأنه يزعجها فحاولت التأقلم على حدته، تابعها الطبيب باهتمام فالمؤشرات مبشرة بالخير لنجاح زراعة القرنية، فتحت “ميرال” عينيها ببطءٍ وكل ما تأمله رؤياه، رؤية من غاب عن سُكنى العين والقلب بعدما أصيبت بحادث بشع منذ ما يقرب العامين فقدت بصرها الثمين على إثره، حاولت تخطي الضوء وهزيمته سريعًا لتتمكن من رؤيته جيدًا، فبدأت ملامحه بالظهور جزئيًا أمام عينيها.
عيناه ذات اللون السوداوي التي تحيطها هالة من الحب زرعت خصيصًا لها، وجهه المستدير ذو الأنف المستقيم، شفتاه المقوستان للأسفل ببسمته المرسومة بأمل عودة بصرها، نقلت نظراتها لذقنه التي تركها لتمنحه مظهرًا
رجوليًا صلبًا.
نهض “تميم” عن مقعده ليجلس أمامها على الفراش بقامته الطويلة وعضلات جسده المفتولة بفضل عمله الشاق، تمعنت في رؤية وجه زوجها الحبيب فأرادت لو أن يتوقف العالم من حولها ليبقيا معًا بمفردهما لدقائق معدودة تخبره بها كم كانت تتوق شوقًا لرؤياه المحببة لقلبها، لا تعلم لما ظلت الدمعات رفيقتها حتى بفرحةٍ كهذه، شقت البسمة وجه “تميم” الصلب ليحتضن بيديه وجهها الأبيض برقة وكأنها زجاج هش سينكسر بين يديه:
_قولتلك ربنا مش هيخذلنا
رفعت يدها على يديه بفرحة لتشير له بصدق حديثه فبمساندته نجحت بالقضاء على خوفها بحرمة ما ستفعله من قبول القرنية حتى بعدما أكد لها الطبيب بأن الفتاة أوصت بوصيتها بأنه بعد وفاتها يتم التبرع بقرنيتها لإنقاذ حياة إنسان وعن كامل إرادتها فليس هناك أي عائق أو حرمانية بالأمر، قطع صوت الطبيب المعالج لحظات الصمت بينهما فقال بمهنية دقيقة:
_حمدلله على السلامة يا مدام “ميرال”
انتبهت لنفسها فجذبت حجابها المطروح للخلف رغمًا عنها، فعقدته حول رقبتها باهمال قائلة ببسمة هادئة:
_الله يسلم حضرتك يا دكتور.
اقترب من الفراش ليتفحص عينيها جيدًا ثم أشار ل”تميم” بهدوء وهو يدوّن على النوت الصغير الذي يحمله:
_طبعًا مش هوصيك بضرورة المتابعة للتأكد أن عيونها قبلت القرنية لفترة متقلش عن سنة كاملة عشان لا قدر الله لو في مضاعفات أو حاجة. وقدم له الطبيب الرُوشِتّة بتشديد على كلماته الأخيرة:
_الأدوية دي لزم تتأخد بانتظام.