روايه تميم رسلان بقلم أية محمد رفعت حصري

التقط منه الملف، فقال وهو يتفحص توقيعه على الأوراق:
_جالي من كام يوم عشان أحضر له أوراق بيع الأرض اللي حيلته عشانها بس محدش يعرف، دي هي فاهمه إنه مادفعش غير تكاليف العملية بس.
تملكه الذهول من حديثه ليعقب بتحذير:
_بس كده حرام يا سيف، دي تجارة بالأعضاء!
جذب حقيبته السوداء ليرتب ما يخصه بداخلها، ليجيبه بتوضيح:
_اللي فهمته إن في ناس بتتبرع بأجزاء من جسمها بعد وفاتها لأشخاص تستحق، فالدكتور اللي عمل لها العملية طلب مبلغ كبير من تميم عشان يوصله بالناس اللي تقدر توفرله قرنية متبرع، يعني هو مادفعش للمتبرع نفسه، هو دفع للدكتور.
تطلع له بإعجاب ظهر بلهجة صوته:
_واضح إنه بيحبها أوي لدرجة إنه بيبيع الأرض اللي حيلته ويعمل كل ده عشانها.
ابتسم” سيف” على تحليله الدقيق عن شخصية “تميم” دون أن يراه، فرفع يديه ليربت به على كتفيه بلهجةٍ غامضة نقلت له رسالة معينة عن ما يختبره:
_الحب بيعمل أكتر من كده.
وتركه وتوجه للمغادرة والآخر شاردا بحديثه بقلب ممزق لما يعانيه لأجل عناد والدته بالارتباط بابنة خالته على ثقةٍ تامة بأنها تناسبه!
*****
جذبت المفتاح من حافظة النقود القماشية لتفتح البوابة الحديدية المتهالكة بعض الشيء، ثم حملت الحقيبة على رأسها من جديد لتكمل طريقها للأعلى، طرقت باب المنزل ببعض الألم الذي يجتاز موضع جنينها من فرط المجهود المبذول، فتحرك تجاه الباب بشعلة غضب تنهش عينيه.
بعد أن نجحت كلا منهما إضرام النيران قدر ما استطاعتا، جذبها بالقوةٍ من حجابها قاصدًا أن يؤلمها، سقطت الحقيبة من يدها أرضًا وهي تحاول أن تثبت أقدامها عن السقوط، عقلها غير مستوعب لما يحدث إطلاقًا…
علا صوته بالسباب القذر غير عابئ بسماعها أو حتى منحها بعض الشفقة بالتعامل لكونها حامل بجنينه، خرجت كلماته التوضيحية بعد موجة سبابه فكانت كبداية لها لفهم ما حدث هنا بغيابها حينما قال:
_أنا مش هخلص من مشاكلك ولا إيه، كل يوم بتنزلي لأمي وش الظهر وتسبيها تخدمك وكمان بتروحي لأمك من غير ما تقوليلي؟!
حاولت التقاط أنفاسها المتقطعة من فرط ضغطه على حجابها فانغرست الدبابيس برقبتها، فقالت بصعوبة بنطق الكلمات:
_والله ما حصل، دا أنا بنزل كل يوم من النجمة قدامك وبخدمها هي وأختك، وشايلة عيالها على كفوف الراحة.
صرخت بألم حينما لكمها على صدرها بالقسوة ليقاطعها بحدة:
_يعني هي هتكدب؟!
تدخلت “هدى” بالحديث والشماتة تتراقص بحدقتي عينيها:
_قطع لسانك أمي مش كدابة، ده إنتي اللي بميت وش يا بت وبتستغلي أنها طيبة وساكته علي البلاوي اللي بتعمليها.
التزمت الأم الصمت مدّعية تأثرها الكبير بكلمات زوجة ابنها، أما “وجدان” فحاولت دفعه بعيدًا عنها حفاظًا على جنينها وخوفًا من خسارته على يديه مجددًا، فتطلعت تجاه حماتها قائلة ببكاء لعلها تستميل عاطفتها المفقودة:
_حرام عليكي أنا مستهلش منك كده، أنا ماشية تحت طوعك من أول ما دخلت البيت ده!.
تطلعت له بنظرة نارية لتشير لها بذراعيها بضجر:
_قال بطلوا ده واسمعوا ده،هتكدبي الكدبه وتصدقيها ولا إيه يا بت، إنتي من يوم ما دخلتي البيت ده وإنتي عامله زي الحرباية بميت وش بتوقعي بينا كلنا وأخرهم عايزة توقعيني في بنتي وابني.
ثم تطلعت لابنها بغضب لتلكزه على ذراعيه:
_البت دي متقعدليش هنا، عايزها والحب واكلك أوي يبقى تقعدوا فوق في شقتكم متنزليش هنا.
لطمها “جمال” على وجهها بغضب ليدفعها بقوة تجاه الباب قائلًا بعصبية أعمت عينيها عن ما يحدث لزوجته من إضطهاد مأساوي:
_وعلى إيه كل ده، زي ما جيت ترجع.
وأشار لها على الدرج المؤدي لشقتهم ليضيف لكلماته القاسية:
_لمي هدومك وغوري على أمك.
وكأنه فتح الأسوار المقيدة لقدميها، فهبطت للأسفل ركضًا حتى تلوذ بالأمان لجنينها من هذا الزوج اللعين الذي فرض عليها أن تحتمل أبشع ما يكون من أجل وصية والدتها المتكررة؛ بأن عليها التحمل فلقب المطلقة بئس المصير بالنسبة إليها، لذا عليها التحمل حتى ولو واجهت الموت ألف مرة!
*****
وضعها على الفراش برفقٍ ثم دثرها بالغطاء جيدًا، سعادتها بالعودة للمنزل لا توصف وخاصة بعد غياب دام لأسابيع بعد الجراحة، جلس مقابلها ليمسك بيدها بقوة، وكأنه لا يصدق نفسه بأنها تراه..!
تقابلت عيناها البنيتان بعينيه التي ترتل عشقها بجنون، طبع قبلة محملة بالاشتياق إليها على جبينها فأغلقت عينيها باستحياء.
_دعيت ربنا كتير أوي عشان اللحظة اللي ترجعي تشوفيني فيها من تاني.
كلمات همس بها “تميم” وهو يحتضنها بجنون، تمسكت به والدموع تسري على وجهها دون توقف،لا تعلم أسعادة به أم حزنا على ما مروا به ولكن بالنهاية صارت بجواره وتراه، فقالت وهي تشدد من احتضانه:
_وحشتني أوي يا تميم كنت خايفة العملية تفشل وم….
وضع يديه أمام شفتيها مقاطعًا إياها من استكمال كلماتها ثم مرر أصابعه على وجهها برفق جعل جسدها يرتجف إشتياقًا له وللمساته، اقترب منها كالمشدوه وهو لا يرى سواها، لا يرى سوى من عشقها بجنون، أزاح حجابها بخفة ليقربها إليه ليغتنم من بحور عشقها بعالمهم السري، المزين درجاته بلؤلؤ عشقهما الخالص.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *