روايه تميم رسلان بقلم أية محمد رفعت حصري

فُتح باب الغرفة لتظهر أمام الطبيب الذي كاد بالمغادرة فتاة بالعقد الثالث من عمرها ترتدي فستانا زهري اللون وحجابًا ورديا يضيء وجهها القمحي، أسرعت بخطاها للداخل لتحتضن “ميرال” بدموع وعدم تصديق بعدما علمت ما حدث من أخيها فقالت بعتاب وبكاء متواصل:
_كده تعملي العملية ومتعرفناش!
ربتت “ميرال” على ظهرها بفرحة تحتضنها دمعة دافئة دون أن تفارقها:
_محبتش أقلقكم معايا وأنا عارفة أن ماما ضغطها عالي ومش هتستحمل.
ابتعدت عنها “نورهان” بغضب من حديثها لتشير لها بحزنٍ
_مش حجة لو كنتِ حابة تعرفيني كنت هتقوليلي معرفش ماما بس إنتي والأستاذ عاملين علينا حزب.
تجاهل “تميم” مشاكسة شقيقته وانتهز وجودها مع زوجته ليخرج مسرعًا خلف الطبيب ليستوقفه بالخارج، فاقترب منه بعدما التفت يتفحص الطريق من حوله فقال بصوتٍ منخفض للغاية:
_أتمنى أن حضرتك متنساش وعدك بموضوع القرنية ده.
تفهم ما يود قوله؛ فرفع يديه بثبات ليشدد على كتفيه:
متقلقش يا “تميم” محدش هيعرف حاجة.
أشار له بابتسامة ترسم بالكاد وكأنها تكفي للثناء على مثل هذا الطبيب الذي استغل حاجته للقرنية فرفض أن يقدمها له إلا بمبلغ ضخم يفوق طاقته، فقرر “تميم” التخلي عن الأرض الزراعية التي ورثها عن أبيه ليدبر المال مقابل أن يخفي الموضوع عن زوجته فهو يعلم جيدًا بأنها سترفض ذلك وبشدة، يعلم بأنه ارتكب خطأ فادحًا بحقها ولكنه يقبل الموت على أن يرى معشوقته تعاني ولو لدقائق بسيطة، أغلق عينيه بخوفٍ من أن تنفضح فعلته فود لو أن يعود بها للمنزل سريعًا بعيدًا عن هذا المكان.
توقف المصعد عند الطابق المنشود، لتخرج السيدة “حكمت” من داخله متوجهة للاستعلام عن الغرفة التي تقطن بها زوجة ابنها الوحيد، فلفت انتباهها من يستند بذراعيه على (درابزين) الدرج الجانبي لإحدى الغرف في شرودٍ تام، توجهت إليه بخطواتها الثقيلة التي تتناسب مع جسدها السمين؛ فوقفت مقابله لتستحوذ على كامل انتباهه:
_تميم!!
استقام بوقفته ليجد والدته تقترب منه فأسرع إليها ليساندها بذراعيه قائلًا بضيقٍ:
_إيه اللي جابك يا أمي مش قولتلك خليكي عشان رجلك.
لوت فمها بتهكم على ما فعله، لتشير له بيدها بغضب:
_أنت ليك عين تتكلم، بقى بتضحك عليا وبتقولي أنها عند والدتها يومين ومتقولناش!، البت تقول علينا إيه، معندناش واجب؟
قبّل رأسها بمحبةٍ فحديثها إن لم يكن يتحمله من قبل هو بأمس الحاجة له الأن وخاصة حينما يتذكر ما فعل، ابتعدت برأسها للخلف كاعتراض على طريقته المعتادة:
_لأ مش هتعرف تراضيني المرادي.!
ثم سألته بتوجس والضيق من أفعاله يستحوذ بعينيها:
_إمشي وريني أوضتها فين خليني أطمن عليها.
ابتسم رغمًا عنه على كلماتها فتبعها ليوصلها للداخل.
*****
في أحد الأسواق الشعبية الخاصة بالفواكه والخضروات تنقلت من بائع لآخر لتستكشف الأسعار أولًا قبل الشراء مثلما قدمت إليها حماتها بالتعليمات المشددة بضرورة الشراء بأسعار منخفضة والحصول على فاكهة من الدرجة الأولى حتى وإن قضت يومها بأكمله بالشراء فلا بأس بذلك من وجهة نظر تلك المرأة البغيضة، أشعة الشمس المتأججة جعلتها تتصبب عرقًا حتى أصبح ريقها جافًا كالصحراء القاحلة، وقفت أمام أحد المحلات الخاصة بالعصائر المنعشة تتطلع لها بلعابٍ يسري لحاجتها الشديدة لارتشاف قطرات المياه الغير متوفرة حاليًا، تفحصت “وجدان” حافظة النقود الصغيرة البالية لتجد أن المال الذي تمتلكه لا يكفي إلا لشراء المستلزمات، أكملت طريقها خوفًا من أن تعنفها حماتها من نقص المال من بضعة الجنيهات التي ستحتسي بها العصير حينما تستجوبها عما فعلت بكل جنيه من المال! اشترت المطلوب ثم حملت الحقيبة فوق رأسها متوجهة للعودة للمنزل.
*****
أغلق باب شقته وهبط للأسفل ليتناول طعام الإفطار قبل الذهاب لعمله بالورشة التي عمل بها منذ يومين بعد إلحاح من زوجته بأن يجد عملًا يسد به قوت يومهم ورغم رفضه الشديد لأي عمل كانت تجده له استطاعت أن تقنعه بالعمل مع عمها بالنجارة، طرق “جمال” باب شقة والدته بالطابق السفلي؛ ففتحت له شقيقته التي تكبره بثلاثة أعوام قائلة بتأفف:
_ما المفتاح بره لازم ترن يعني؟!
أغلق الباب من خلفه ليتابعها للداخل بسخرية من طريقتها بالحديث:
_بحركك بدل ما إنتي قاعدة على السرير مابتتحركيش.
جلست جوار والدتها مدعية الحزن الشديد لتبدأ اسطوانتها اليومية لقلب الطاولة على تلك المسكينة الغائبة لخدمتهم:
_مابتحركش ليه ياخويا أمال مين اللي بينضف لأمك الحتة وبيشوف طلباتها، دا مراتك مابتنزلهاش إلا الظهر تأكل وتطلع، أنا مش عارفة هي ساكتلها ليه؟!
انقلبت ملامحه للغضب فتطلع لوالدته التي رسمت الحزن على ملامحها ليردد بنبرة شرسة:
_الكلام اللي “هدى” بتقوله صح يا ماما؟!