روايه تميم رسلان بقلم أية محمد رفعت حصري

هزت المرأة السمينة رأسها بتأييد على حديث ابنتها الكاذب:
_هعمل إيه يا ابني ما أنا بقول يمكن الحمل تعبها ولا حاجة!!
رفضت بشكلٍ قاطع ترك فرصة ولو صغيرة لاتماسه العذر إليها؛ فقالت بلهجة عدائية تفوح منها رائحة الكره والحقد تجاه زوجة أخيها:
_وهي أول ولا آخر واحدة تحمل، ما أنا قدامك أهو معايا تلات بنات زي الفل ومدّلعتش نص الدلع اللي إنتي مدلعهولها ده، كانت حماتي الله يمسها بالخير بتقومني من الفجر معاها قبل ما تروح الغيط.
لطمتها “ألطاف” برفق حتى تسبك دور الحنان الزائف:
_قفلي يابت على السيرة أصل تستقصدك الفترة اللي إنتي قاعداها لما جوزك يرجع من السفر وترجعي بيتك.
وصل لدرجة خطيرة من الغضب؛ فنهض عن محله ليتجه للمطبخ المجاور لهم على بعد خطوات صارخًا بعصبية:
_وجدان!!؟؟
أشارت والدته بحنق والخبث يتمكن من وجهها اللئيم:
_في السوق من ساعتها ولسه مرجعتش.
لم تمرر “هدى” حديثها مرور الكرام فأضافت لتضمن إضرام النيران:
_ماهي ما بتصدق تخرج عشان تروح لأمها من غير ما تعرف حد من البيت ولا تستأذن الراجل اللي هي على ذمته.
انقبضت عروق رقبته حينما طعنت رجولته بخبث؛ فجلس ينتظر عودتها ليعنفها بشدة كعادته حينما تأتيه شكوى منها فيأدبها بالضرب المبرح غير مكترث لحملها ولا لفقدانها أول جنينها بسبب اعتدائه بالضّرب المبرح عليها.
*****
سلكت الشارع الرئيسي حاملة الحقيبة على رأسها فانعطفت للشارع المنشود لبيت زوجها، لمحت والدتها تنظف الدرج الخارجي لمنزلها المتهالك فهي تسكن جوارها، انتبهت “آمال” لبنتها وهي تقترب منها حاملة فوق رأسها حقيبة السوق الضخمة؛ فأسرعت لتحمل عنها قائلة بصدمة والحزن يختبىء بلهجتها:
_طلعتك السوق برضو، منها لله ألطاف بنت جواهر.
التقطت “وجدان” أنفاسها بصعوبة؛ فأستندت على حافة الدرج بتعب ملحوظ، لتفرك بطنها بألم قائلة بلهجة هادئة حتى لا تثير حزن والدتها:
_عادي يا ماما أديني بهوي نفسي بدل الخنقة دي.
اعترضت على كلامها بسخط وغضب ملحوظ بحديثها:
_تهوي نفسك إيه، الكلام دا بأخر الحمل، إنتي لسه بالأول ولا البعيدة عايزة تسقطك تاني زي ما ابنها عمل قبل كده.
نفضت “وجدان” جلبابها الأسود الفضفاض من الغبار، لتحاول تغيير الحديث فيما بينهما فقالت باستغراب:
_بتكنسي السلم ليه، أمال فين مريمة؟
أشارت لها بضيق من تصرفات ابنتها الصغرى وعدم تقبلها بالمرة:
_بسلامتها مش بتقوم إلا قرب العصر.
جذبت عنها المكنسة اليدوية لتنهي الدرج فقالت “آمال” بحزن بعدما انتهت ابنتها من تنظيفه:
_ليه كده يا بنتي، إنتي ناقصة هدة.
قدمت لها المكنسة ببسمة رقيقة:
_هو أنا عملت إيه بس؟!
ثم فركت يديها بتردد وارتباك فقالت بحرج:
_معلش بس يا ماما، لو عندك شوية أريل أروح أولع على الغسيل لحد ما جمال بس يقبض.
تمزق قلب والدتها فهي تعلم جيدًا معاناة ابنتها بالعيش مع رجلٍ مثل هذا، ولكنها كانت تشدد عليها بضرورة العيش والمصابرة والإبتعاد تمامًا عن تفكيرها بالطلاق، فتركتها وصعدت للأعلى لتحضر لها ما أرادت، تناولت منها الكيس البلاستيكي الأسود الصغير الذي أعدته لها لتحمل الحقيبة فوق رأسها؛ فأسرعت “آمال” بالحديث:
_راحة فين أقعدي افطري معانا.
أجابتها بنفي والخوف يلمع بعينيها مما سيحدث لها:
_لا مش هينفع مقولتش لحد.
وأضافت بلطف حتى ل تحزن والدتها:
_هبقى أستأذن في يوم وأجيلك.
ربتت الأم على ظهر ابنتها بتفهم:
_ماشي يا حبيبتي خدي بالك من نفسك وأنا هبقي أروح أشوف بنت خالتك وأعدي عليكي بالليل شوية.
أجابتها “وجدان” بلهفة:
_ميرال، ليه مالها؟!
تنهدت بحزن وهي تضيف بأسى:
_خالتك بتقول إنها عملت العملية من فترة وهيشوفوا النتيجة النهاردة،فاهروح أشوفها ببيت جوزها.
أكدت عليها بالحديث:
_ابقي سلميلي عليها لحد ما أشوف يوم كده وأعرف أروحلها.
ضيقت “آمال” عينيها باستغراب:
_ما تطلبيها على التليفون بتاعك!!
صمتت “وجدان” بتوترٍ من أن تعلم والدتها بالحقيقة فقالت بارتباك:
_وصليلها سلامي بس.
وكادت بالمغادرة فأستوقفتها والدتها بعدما جذبتها من ذراعيها قائلة بصدمة:
_داهية ليكون باعه زي الدهب؟!
ارتباك نظراتها وخوفها كان الإجابة الصريحة على سؤالها، لتغادر سريعًا قائلة بتهرب:
_اتاخرت أوي همشي بقى.
وغادرت سريعًا قبل أن ترى والدتها دمعاتها المؤلمة وانكسار فؤادها المكلوم فزوجها يحرص على ضعضعة مشاعرها وكسرها أمام عائلته على الدوام، وعادات مجتمعها اللعين تحتمها على أن تستسلم لنصيبها البائس أفضل من أن تكون مطلقة!
*****
توقفت سيارة الأجرة أمام المنزل؛ فهبط “تميم” ليساند زوجته مع والدتها التي لحقت بهم على المستشفى بعدما علمت بالأمر هي الأخرى، تماسكت “ميرال” وهي ترفع يدها على رأسها بألم تحاول مقاومته ولكن دون جدوى، شعر بها فانحنى ليحملها بين ذراعيه بخفة، ثم صعد الدرج ليتوجه لشقتهم الخاصة وعيناه متعلقة بها بجنون تأبى الخنوع لأوامره بالتطلع أمامه حتى لا يتعثر على الدرج، تواثبت دقات قلبها وكأنها تراه للمرة الأولى بحياتها رغم أنها قضت عامًا كاملا برؤيته ليلًا نهاراً وعامين كان هو عينيها وبصيرتها، حبهما مختلف يتعهد به النقاء بحماية روابطه ولكن ترى ما المخبىء لهما؟!
*****
موسيقى هادئة تطغى على أجواء مكتبه البسيط المزين ببعض مزهريات الورد الأبيض الذي يعبر عن النقاء والراحة، حتى لون طلاء الحوائط الأبيض كان يمنحك الرؤيا للتخمين بشخصية صاحب هذا المكتب المميز ذو الذوق الرفيع، وبمنتصف هذة الغرفة المصنفة بترتيب دقيق مكتب دائري الشكل يكتسح معظم المساحة، كان يجلس على مقعده شابًا وسيمًا للغاية يتابع عمله بمهارة عالية وتدقيق بكل خط هندسي يرسمه بلوحته الهندسية لتصميم معمار الفيلا التي استلم العمل عليها منذ فترة قصيرة، صدح رنين هاتفه ليقاطعه عما يفعله، فرفعه “معاذ” بيديه وحينما رأى اسمها أعاد إغلاقه مجددًا بعدم رضا بوجود تلك الفتاة الجريئة لجواره، فكم ود أن ينهي خطبته بها من البداية ولكن أمام إصرار والدته المتكرر باختيارها الوثيق بها جعلته ينصاع لرغباتها رغمًا عنه، لذا قبل بتلك العلاقة بشكلٍ مجبر ولكنه غير راضٍ عن ذلك.
طرقات مزعجة تأكد من صاحبها، فوضع القلم من يديه بقوة ليرفع صوته المتعصب من حركات رفيقه الطفولية وكأنه كل صباح يقرع الطبول بمكتبه الهادئ:
_إدخل يا سيف وبطل شغل العيال ده على الصبح.
فتح الباب ليظهر من خلفه من يخبئ وجهه بالملف الذي يحمله، اقترب من المكتب فجذب المقعد المقابل له ثم جلس ليضع الملف أمام “معاذ” قائلًا بغضب مصطنع:
_لا بقولك إيه هتعاملني كده يبقى شوفلك محامي تاني للشركة غيري:
وحينما وجده عابس الوجه قال ببسمة ساخرة
_واضح كده أن فرحة هانم لحقت تعكنن مودك كالعادة.
لوى فمه بسخطٍ على كلماته وخاصة من ذكره لاسم أكتر شخصية يمقتها:
_حاسس إني مش هخلص من الكابوس دا يا سيف.
تلاشت بسمته فيبدو أن المزاح ليس مرحبًا به تمامًا بمثل حالته، يشعر بالأسف على حالة صديقه فما فرض عليه ليس بعقاب يومٍ أو شهرٍ بل عقاب سيلاحقه على الدوام، بلل شفتيه بلعابه ليتمكن من قول كلماته المتكررة إليه ولكنه لم يمل عن قولها:
_إنت لسه فيها يا معاذ، إنهي الخطوبة دي قبل ما الموضوع يتطور وهيبقى صعب بعد كده تسيبها.
تراجع “معاذ” بمقعده للخلف لينهض عنه متوجهًا للشرفة، فحرر أول أزرار قميصه ليتمكن من التنفس ليزيح الغصة المؤلمة التي تحتل صدره:
_إنت أكتر واحد عارف أنه مش هينفع، مقدرش أجازف بمرض والدتي وبالوقت ده.
نهض الآخر عن مقعده ليقف على مقربة منه قائلًا بهدوء وبكلماتْ مرتبة:
_حاول تتكلم معها وتفهمها أنك محبتش فرحة ولا قادر تشوفها.
ابتسم بسخرية على بساطة رفيقه فربما عدم تعارفه الكافي على والدته لا يتيح له الفرصة بالتعرف على عنادها:
_مش بالبساطة دي، أنا كدا هكون بوجهة نظرها بعاندها ومعتقدش هكون بالغباء الكافي عشان أرجع أبدأ حرب جديدة معها.
جذب “سيف” الملف ليقدمه إليه بعصبية:
_خلاص موت نفسك مع واحدة مش بطيقها. ووضع الملف بيديه بغضب بادٍ بعينيه:
_واتفضل إمضي الملف ده خليني أخلص شغلي وأمشي.
تناوله منه باستغراب وهو يتفحص ساعة يديه _هتمشي بدري كده؟!
أجابه بتوضيح وهو يتفحص هاتفه:
_رايح زيارة لبيت “تميم”؛ مراته خرجت النهاردة من المستشفى.
انحنى بجسده قليلًا على المكتب جاذبًا القلم ليوقع الأوراق قائلًا باهتمامٍ:
_مش دا صاحبك اللي مراته عملت حادث من سنتين؟!
أشار له بهدوء فاسترسل الآخر حديثه بذهول:
_هو عمل لها العملية ؟!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *