روايه تميم رسلان الفصل 2 بقلم أية محمد رفعت حصري

الفصل الثاني حلم غامض!
خطوات قصيرة تفصلها عن منزل والدتها، ورغم ذلك كانت تشعر بتثاقل قدميها، وكأنها تخطو بطريقٍ غير محبب إليها، تعلم جيدًا ما ستواجهه بداخل منزلها من كلماتٍ تحفيزيه تقودها للعودة للمرة التي تعدت الرابعة عشر، تكره سماع تلك الكلمات المتكررة بشكلٍ معتاد عن ما سيصيبها كلما بعدت عن منزل زوجها أو صممت على فكرة الطلاق منه،صعدت الدرج الخارجي للمنزل وهي تجر أحلامها المحطمة بزوج ظنت بأنها ستتمكن من تغيير جزء بسيط بشخصيته الضعيفة، فتنتهي آمالها الكبيرة مع كل مرة يرفع بها يديه عليها، تعبت من كثرة التوضيح والشرح لوالدتها بأنها لم تعد تحتمل العيش مع شخص كهذا، طرقت “وجدان” على باب المنزل والدمعات تشق طريقها على وجهها الممتلئ بالكدمات المؤلمة، ثواني مرت عليها كالدهر وهي ترى شريط حياتها معه، فكم فرصة قدمتها وستقدمها له؟!
فُتح الباب لتجد شقيقتها أمامها، فلم تتردد لثانية بالتفكير وألقت بنفسها بأحضانها لتفرغ ما يذبح فؤادها المكلوم، بكت بحرقة على كل ما تتعرض له من ظلم عانته ومازالت تعانيه، زوجها الذي يطيع والدته بكل ما تطلبه منه حتى وإن طلبت منه أن يقتل زوجته فسيفعلها دون تردد!!
ربتت “مريمة” على ظهرها بحنان لتشاركها البكاء، فقالت بصوت مختنق بالعبرات:
_عمل فيكي إيه تاني الحيوان ده؟
بكت “وجدان” بقهر وهى تحاول أن تجيبها، ولكن كأن الحسرة أصابتها بالبكم فاكتفت بالبكاء على صدر شقيقتها الصغرى، حتي شعرت ببعض الطمأنينة وهي تتمسك بها، عاونتها “مريمة” بالجلوس على الأريكةٍ البالية وجلست جوارها بلهفةٍ لمعرفة ما حدث معها، مسحت “وجدان” دمعاتها العالقة بأهدابها لتجيبها بحسرةٍ وانكسار:
_قرفت من العيشة معاه،حياتي بقت شبه الموت البطيء،حتى الهوا بتنفسه بصعوبة.
تألم قلب “مريمة” لما يحدث مع شقيقتها الوحيدة، فتركتها وتوجهت للمطبخ لتصنع لها كوبًا من عصير البرتقال الطازج، تحركت تجاهها بصمتٍ غامض وكأنها فقدت المقدرة على منحها أمالا زائفة وقدمت لها الكوب ثم جلست جوارها بصمت استغرق دقائق متتالية لتنهيه بكلماتها الشرسة:
_إتطلقي منه.
توقفت “وجدان” عن شرب العصير، لتتطلع إليها بصدمة مما قالته، اعتدلت “مريمة” بجلستها لتكون مقابلها، وأعادت كلماتها مجددًا:
_عيشي حرة لنفسك يا وجدان، كده هتموتي على إيده أو بحسرتك.
وضعت وجدان الكوب من يدها على الطاولة، وإبتلعت ريقها بصعوبة بالغة وهي تجيبها بحذر من وجود والدتها:
_إنتي عارفة لو أمك سمعتك هتعمل فيكي وفيا إيه؟
ابتسمت “مريمة” بسخرية على خوف شقيقتها من ردة فعل والدتها، غير عابئة بما تعانيه:
_أمك مش هي اللي عايشة معاه، أنتي اللي شايلة الهم لوحدك وشايفة الموت بعينيكِ.
تساقطت دمعة مؤلمة من عينيها لتجيبها بخيبة أمل:
_إنتي شوفتي بنفسك إيه اللي حصل لما طلبت منها تطلقني منه آخر مرة!!
ثم تنهدت بحسرة على حالها، لتسترسل حديثها:
_أمك كل اللي يهمها الناس وبس، كل اللي شايفاه نظراتهم لينا هتكون إيه لو اتطلقت؟!، كل اللي يهمها أنها تراضي الناس حتى ولو كان على حساب بنتها..!
ضغطت “مريمة” على يدها بحنان، وأزاحت دمعات عينيها باليد الأخرى لتقول بحزن:
_اتكلمي معاها مرة وإتنين ومليون متمليش يا وجدان.
حاولت “وجدان” رسم الابتسامة على وجهها لتخفف من حدة الأجواء المضطربة بينها وبين شقيقتها فقالت باستغراب وهي تتفحص الغرف من حولها:
_أمال هي فين؟!
أجابتها “مريمة” ببسمة مرح لتخرجها مما هي به:
_أكيد مش بالبيت يعني، عشان كده بكلمك بقلب جامد، راحت من بدري عند خالتك.
تعالت ضحكاتها بعدم تصديق على ما تفوهت به، فلكمتها برفق والأخرى ترسم بسمة صغيرة بالكاد،فبداخلها يئن لأجلها، نهضت “مريمة” عن الأريكة وأخفت دموعها سريعًا ثم أشارت بيدها على غرفتها بابتسامة رسمتها بصعوبة:
_طيب ادخلي غيري هدومك وارتاحي شوية على ما أجهزلك الغدا.
أومأت “وجدان” برأسها بخفة، فهي بحاجة للراحة بعد ما تعرضت له من ضرب مبرح لها ولجنينها، فقامت متوجهة لغرفة شقيقتها لتبدل ثيابها وتحظى ببعض الراحة بعيدًا عن هذا الضغط المأساوي.
*****