روايه تميم رسلان الفصل 2 بقلم أية محمد رفعت حصري

انتهى دوام “معاذ” فعاد لمنزله، ليستريح قليلًا بعد عناء يوم شاق، صف سيارته أسفل العمارة التي يقطن بها، ثم صعد للأعلى بالمصعد، وقف أمام باب المنزل وكاد أن يخرج مفاتيحه ولكنه تفاجأ به يفتح من تلقاء نفسه، هكذا ظن ببادئ الأمر ولكن أسوء ما توقعه هو وجودها بالمنزل بهذا الوقت المتأخر.
شملته “فرحة” بنظرة متفحصة لا تخلو من الإعجاب به لتتوقف نظراتها عند رمادية عينيه الجذابة، تعشقه حد الجنون منذ الصغر ولكنه غير قادر على أن يبادلها مثل هذا الحب، حاول كثيًرا ولكنه لم يتمكن، وبالنهاية انصاع لرغبات والدته بالتقدم لخطبتها.
ولج “معاذ” للداخل ليغلق الباب من خلفه قائلًا باقتضاب من زياراتها المتكررة:
_إنتي هنا من إمتي؟!
منحته نظرة جاهدت لجعلها حزينة أكثر مما ينبغي:
_من لما حضرتك ماردتش على مكالماتي، فجيت أطمن على خالتي وأشوفك مش بترد عليّا ليه؟!
مرر أصابعه بين خصلات شعره الفحمي لعله يخفف من حدة ألم رأسه وخاصة بوجودها:
_كان عندي شغل كتير ومعرفتش أرد.
تبعته بخطواتها للداخل لتجيبه بغضب ملحوظ بنبرتها:
_وفيها إيه يعني لو كنت رديت عليا وقولتي كدا، على الأقل مكنتش هقلق عليك بالشكل ده
اعتصر قبضته وهو يحاول التحكم بنفسه حتى لا تستمع والدته المريضة لحديثه:
_هو أنا عيل صغير عشان تقلقي عليا.!!

كادت بأن تجيبه ولكن قاطعها صوت والدته حينما قالت باستغراب:
_أنت رجعت يا حبيبي؟
تعمد أن يتجاهلها تمامًا ودخل لغرفة والدته غير عابئ بها، حاولت الأم أن تستقيم بجلستها حينما رأته يقترب منها فأسرع إليها “معاذ” ليضع الوسادة خلف ظهرها باستقامة، قابلته ببسمةٍ حنونة رسمت على وجهها الشاحب الذي أرهق من محاربة هذا المرض اللعين الذي بدأ يسيطر على جسدها بأكمله، فلم يكتفي بفناء جمالها وشعرها الطويل بل حاربها بأقوى جيوشه ليسيطر على كل جسدها، فالسرطان هو أبشع الأمراض التي تحارب الجسد، جلس جوارها بابتسامة صافية ل تخرج لسواها، فقالت وهي تربت على ذراعيه المتمسك بها:
_اتاخرت كدا ليه؟!
أجابها بهدوء ومازالت ابتسامته تحلى وجهه الأبيض:
_كان عندي شغل كتير ولسه مخلص حالً، وبعدين مش أنا قايلك متقلقيش عليّا.
تطلعت لمن تقف خلفه بمكر، ظنًا من أن كلماتها ستسد الشرخ الكبير بداخل قلبه تجاهها:
_مش أنا اللي كنت قلقانه، فرحة قاعدة تستناك من بدري في البلكونة.
سيطر على أعصابه بصعوبة والتزم الصمت، فلوت “فرحة” شفتيها بعدم رضا على تجاهله لحديث والدته فقالت بعتاب:
_شايفة بيعاملني إزاي يا خالتي؟!
ابتسمت العجوز وقالت بحذر حتى لا تفسد الأجواء المضطربة:
_هو كلمك يا بت هتتلككي ولا أيه، روحي يلا حضري الأكل لخطيبك.
اكتفت بإشارة بسيطة من رأسها وخرجت من الغرفة وهي ترمقه بنظرات ضيق على تعامله الجاف معها، ما إن تأكد من خروجها حتى ألقي بمفاتيحه على الكومود المجاور لها بغضب جامح ليقول بحذر منتقيًا كلماته:
_ممكن تفهميني أنا هقدر أخد راحتي في بيتي إزاي؟!، أنا تقريبًا برجع كل يوم ألاقيها هنا!
أجابته بهدوء وبصوتٍ منخفض للغاية:
_عيب كده يابني، يعني دا جزاتها أنها بتيجي تطل عليّا وأنا تعبانه؟!
كظم غيظه بصعوبة وهو يحاول أن يبدو ثابثًا:
_يا أمي أنا قولتلك ألف مرة أقعد معاكِ، وبعدين ما الممرضة بتبقى معاكي طول النهار ومش بتروح بيتها غير بالليل.
أشارت له بضيق من حديثه:
_يعني أقولها معدتيش تجيلي؟!، وبعدين إيه كل ما برجع أشوفها دي!، هما كلهم كام شهر وهترجع تشوفها على طول.!!
وباغتته بسؤالٍ يضم لهجة العتاب:
_وبعدين إنت اللي مش بترد على إتصالاتها، هتعمل البت إيه يعني؟!
نهض عن مقعده بغضب ليردد بصوت عصبي:
_حتى دي لحقت تقولهالك!
وترك الغرفة بأكملها وتوجه للخروج، أسرعت “فرحة” خلفه فاستوقفته باستغراب:
_رايح فين؟!
أجابها وهو يرتدى حذاءه متعمدًا عدم التطلع إليها:
_نازل..
سألته بذهول:
_والأكل!!
منحها نظرة جافة وهو يتوجه للباب:
_ماليش نفس.
وأغلق الباب خلفه ليغادر من أمامها، لشعوره بالاختناق كلما رأها، بسبب شعوره بأنه مجبور على القبول بها لأجل مرض والدته، فحتى هي لم تمنحه فرصة الاختيار..!!
*****
عادت “آمال” لمنزلها بعد أن أدت واجب الزيارة لتتفاجأ بابنتها بالمنزل، فقصت على مسامعها ما حدث لها على يد زوجها، وتحريض حماتها وابنتها المتكرر معها، استمعت الأم لحديث ابنتها جيدًا وبداخلها عاصفة من نيران تكاد تحرق قلبها،تحكمت بتعبيرات وجهها بمهارة حتى تبدو أكثر ثابتًا وانتظرت حتى أفرغت شحنة بكائها لتبدأ بالحديث المألوف بالنسبة إليها:
_معلش يا بنتي هنعمل إيه؟! أهي البيوت كلها مليانة بلاوي وهو أحسن من غيره.
تطلعت لها “وجدان” بنظرات حملت الحسرة والصدمة من إجابتها المبسطة عما تقصه لها، فقالت بدموع أغرقت وجهها المتورم من أثر اللكمات القاسية:
_أحسن من غيره في إيه يا ماما؟!، قوليلي حاجة واحدة بس هو عملها ليا!، قوليلي أي تصرف أخده صح في حقي وأنا مأخدتش بالي؟!
وخلعت حجابها لعلها تتمكن من رؤية جروح جسدها وما فعله بها، فأجهشت بالبكاء وصرخت منفعلة بصدرٍ ناهج من شدة انفعالها:
_لسه عايزة تشوفي أكتر من كده؟!
وجلست على الأريكة باهمال، فساقيها لم تعد تحملها على الوقوف لتستكمل حديثها بصوتٍ متقطع من البكاء:
_يا ماما ده أنا بيعدي عليا أيام مبلاقيش في تلاجتي حتة جبنة أفطر بيها عشان مضيع كل فلوسه على الهباب اللي بيشربه، وكل ما أكلمه يقولي مفيش شغل وهو أساسًا مش عايز يهين نفسه ويشتغل وسايبني ملطشة للي يسوى وللي مايسواش.
وكفكفت دموعها لتحمس نفسها بقوة وإرادة لقرار اتخذته بعد معاناة جازفت بها:
_زي ما إنتي شايفة كل يوم والتاني ضرب وإهانة، مستنية إيه لما يسقطني المرادي كمان.
أشاحت “آمال” بوجهها عنها محاولة تجاهل الاصابات التي لحقت بصغيرتها، فماذا ستفعل إن كانت خلقت بمجتمع يرى المرأة كالأسيرة بمنزل زوجها لا تفارقه إلا حينما تتوفاها المنية، وأخيًرا خرجت عن صمتها مدعية الغضب والاستياء من حديثها وبصراخ أخافها قالت:
_يعني إنتي عايزة إيه من الآخر؟!، عايزة تتطلقي والناس تشمت فينا، عايزاهم يقولوا بنت كوثر عاشت وعمرت وبنت آمال خربت بيتها، عايزة توقفي سوق أختك هى كمان؟
خرجت “مريمة” من غرفتها بعينيها المتورمة من أثر البكاء لتتدخل بالحديث قائلة بحزن على حال شقيقتها:
_مالكيش دعوة بأختها، إن شا لله أعنس يا شيخة مالكيش دعوة بيا، بنتك بتموت هتسبيها تموت على إيد الإنسان الزبالة ده عشان كلام الناس.
والتقطت أنفاسها المتقطعة لتضيف بمرارة وهي تتطلع بعين والدتها دون أي خوف أو إستجابة لنظراتها التحذيرية:
_ريحي نفسك أنا خلاص كرهت الجواز اللي هيكون على حساب موت أختي، أنا عمري ما هكون سعيدة على حساب تعاسة أختي، ياريت تفهمي دا كويس.
نهضت أمهما عن الأريكة بغيظ من حديثها فقالت بحدة لتضمن خلق جو مناسب لتكون الكلمة الأخيرة لها:
_يبقى إنتي اللي مقوياها وعايزاها تخرب بيتها بإيدها، وده مش هيحصل إلا على جثتي.
كادت “مريمة” بأن تجيبها ولكن قطعت “آمال” أطراف الحديث فيما بينهما حينما جذبت خمارها لترتديه مجددًا مشيرة لبنتها بحزم وبقسوة تملأ عينيها:
_قومي البسي عشان ترجعي بيتك، ما تشمتيش حد فيكي وحاجي على بيتك وجوزك، خراب البيت مش بالساهل.
نظرت إليها بعينين تزرفان الدموع، بينما قلبها يكاد يتوقف من كلمات أمها التي نزلت عليها كالصاعقة وكأن هناك برقٌ أصاب صدرها فاشتعل بنيران القهر والحسرة من رد فعل أمها، ولكنها بدلًا من أن تنقض وتصرخ وتسُب العادات والتقاليد والمجتمع بأكمله ارتدت حجابها كيفما اتفق وجففت دموعها ثم نهضت من مكانها لتتحرك ببطء وكأنها دمية مطرزة بالعادات ونظرات المجتمع إليها، فحتى والدتها لم تشعر بها بل وتجبرها على الخنوع لما تراه بداخل هذا المنزل حتى لا تحصل على لقب مطلقة! لذلك عليها أن تُضحي بنفسها لأجل إرضاء أناس لن يتوانى أحد منهم عن تمزيقها إن أراد، فقط غير مسموح لها أن تأن، فحتى لو فعلت لن يتجاوز صوت صراخها حنجرتها المسكينة ..!!
*****
على إحدى المقاهي الشعبية المطلة على النيل بالقاهرة، ارتفعت أصوات بعض الشباب الذين يتابعون مبارة كرة القدم على التلفاز الجانبي، وبجوارهم بعض من الرجال في تحدٍّ لكسب لعبة (الطاولة) محدثين أصواتًا مرتفعة من الحماس، كان يجلس “سيف” مقابل “تميم” على طاولة جانبية مقابلة للنيل، ألقى “سيف” النرد (الزهر) ليبدأ باللعب هو الآخر مواصلًا الحديث بترقب لما سيحصده:
_بس أنت غلطت يا تميم مكنش ينفع تتصرف في الأرض بدون علم والدتك.
تابع “تميم” اللعبة بنظرة ملل فجذب القهوة ليرتشفها على مهل،ثم أجابه:
_صدقني أنا مكنتش عارف أنا بفكر إزاي، المهم عندي أنها ترجع تشوف من أول وجديد حتى ولو كنت هدفع حياتي مقابل ده.
استند “سيف” على ذراعيه بابتسامة هائمة قائلًا:
_حبك وتعلقك بيها شيء جميل أوي يا تميم، أوقات كتير كنت بسأل نفسي هو الحب ده فعلًا موجود، ولو موجود هيكون في طبقات عادية كده زينا؟!
ضيق “تميم” عينيه متعجبًا من كلام صديقه ليسأله قائلًا:
_وإيه دخل المستويات بالحب؟!
أجابه ساخرًا وهو يرتشف من المشروب الغازي الموضوع أمامه:
_بحكم مهنتي شوفت كتير، أغلب قضايا الخلع اللي جاتني كان سببها واحد تقريبًا.. الحب!!
لوى “تميم” فمه باستنكار:
_إنت هتقلب على “مصطفى كامل” ولا إيه؟!، وبعدين ما تتجدعن كده وتشوفلك واحدة بنت حلال تلمك.
انفجر”سيف” ضاحكًا حتى أصبح وجهه قاتًما للغاية، فقال مراوغًا:
_أنا حابب الانحراف من كتر القضايا السودة اللي بتجيني.
شاركه “تميم” الضحك معقبًا على كلماته بسخرية:
_انحرف براحتك لما نشوف أخرتها.
منحه “سيف” ابتسامة مكر فجذب النرد مشيًرا له بحماس:
_طب العب…
أغلق “تميم” العلبة الخشبية بملل:
_لا خلاص كفايه!!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *