وسقطت الأقنعة ج1

بقلم سهام صادق

نظرت الي والدها بألم وهي لا تُصدق بأن الحياه يُمكن أن تأخذه منها كما أخذت اخيها في غفلة… فوضعت بيدها المُرتعشه علي فمها لتكتم صوت نحيبها حتي فتح والدها أعينه قائلا بتعب : متعيطيش يا حنين يابنتي، إوعي تعيطي عايزك تبقي ديما قويه .. يابنتي سامعه … وعاد يُغمض عيناه من شدة تعبه فتمتم بخفوت: لما تدفنوني وتاخدوا عزايا .. إسألي أمك عن الجواب اللي سيبتهولها، إوعي تنسي يا حنين .. وخلي بالك من أمك ومن نفسك يا بنتي.
ومدَ يده يُعانق يدها لأخر مره وهو يُتمتم: أنا رايح لأخوكي، أشهد أن لا اله إلا الله وأشهد أنا محمد رسول الله.
فأرتعشت يدها لثواني وهي لا تُصدق وكأنها في كابوس، وأبتسمت بخفوت قائله: بابا إصحي أنت بتضحك عليا .. وعايز تعمل نفسك ميت عشان أحضنك وأبوسك وأقولك أصحي وانحنت بجسدها لتلتقط يده: يلا بقي نخرج من المستشفي الوحشه ديه اللي بيحسسونا فيها بفقرنا…
وصاحت بصوت عالي بعدما رأت إحدى الممرضات تنظر لجهاز القلب بإشفاق والذي أعلن بصافرته عن إنتهاء رحلة ذلك الأب.
حنين: أخيرا حد جيه يشوفنا، يلا نادي الدكتور خليه يشوف بابا عشان نخرج أنا وهو من هنا.
فطالعتها الممرضة بإشفاق قائله: باباكي حالته كانت صعبه يا أنسه، و ماكنش فيه أمل إنه يعيش كان مُجرد وقت.
لتصرخ وهي تُطالع تلك الممرضة بأحتقار: إنتي كدابة وأخذت تلتف حولها كالمجنونة وهي تُدرك حقاً وفاة والدها، ومن ثم صرخت بوجع
……………………………………………………….
دلف منزله بإنهاك شديد بعد يوم حافل من المخاطر بسبب تلك الصفقه التي كانت ستؤدي بحياته للهلاك… ليسمع صوت ضحكات تعلو، فوقعت عيناه علي أهل زوجته وهم يلتفون حول طاولة الطعام والخادمة تخدمهم، ليسير ناحيتهم ببرود تام: منورين والله يا جماعه
ليهتف والد زوجته: ده نورك يا هاشم يابني، تعالا تعالا كُل معانا
وحدقت به حماته قائله : بس أنا زعلانه منك يا جوز بنتي ثم همست بعتاب: فين هدية عيد الأم بتاعتي.
فحاول أن يبتسم هاشم مجاملة قبل أن ينفجر بهم: إن شاء الله يا حماتي، أومال فين هبه؟
لتجيبه حماته قائلة بعدما عادت تلتهم طبق الأسماك الموضوع أمامها: راحت تغير للبنات.
وكاد أن يستأذن منهم ليتجه نحو غرفته، فوجد والد زوجته يُحادثه وهو يطالع أبنته الصغري: قولي لجوز أختك علي مصاريف جامعتك الخاصة ياريم، أنا عارف إيه اللي خلاني أطوعك إنتي و أمك.
فأخفضت الفتاه رأسها أرضا فيما طالعها هاشم: متقلقيش يا ريم بكره المصاريف هتدفع.
وغادر من أمامهم قبل ان يصُب غضبه عليهم لطلباتهم التي لا تنتهي.. وأتجها الي غرفته ليهرب من تلك العائلة التي لا تنطق الا بكلمات الاخذ والطلب ، ودلف داخل حجرته يبحث عن زوجته فيجدها تُبدل ملابسها المُبتلة وأخذ يقترب منها برغبة وهو يلتهم جسدها وضمها إليه: وحشتيني
فحدقت بوجهه بصدمه وكأنه ليس هاشم زوجها، ورفعت بوجهها نحوه ليتأمل هو عينيها السوداء قائلا بهيام: بحبك
لتُلجم الصدمة ملامح وجهها أكثر، وأحتضنته بحب: وأنا كمان بحبك أوي يا هاشم.
وتذكرت والديها وطلبهما من أجل أخيها فقالت دون وعي: حسام عاوز عربية جديدة يا حبيبي!
ليبتعد عنها بغضب، فندمت علي حماقتها ولكن بعدما فات الأوان.. وأقتربت منه قائله بتوسل: والله ما قصدي يا هاشم أصل…..
فأزاح بيدها التي حاولت أن تُمسك بذراعيه، وألتقط ثيابه سريعا من دولاب ملابسه .. ليدخل المرحاض قائلا ببرود: روحي شوفي البنات ياهبه.
وأغلق خلفه الباب بقوه وهو يُتمتم بغضب، فطالعت ذلك الفراغ الذي تركه خلفه بألم : أنا إيه اللي عملته ده
………………………………………………………….
صرخ بطفله، حتي وجد نفسه يهوي علي أقرب مقعد .. ليتنهد بتعب: إمشي اطلع علي أوضتك.
فركض سليم للأعلى بخوف، ولكنه سريعا ما عاد لوالده بعتاب طفولي: أنا بحبك يا بابا، بس سالي ديه لاء…
وعاد يصعد درجات الُسلم ثانية، لتُطالعه تلك السيدة التي اعتنت به في صغره وأيضا تعتني بأبنه ليُحادثها أخيرا: سليم لازم يُدخل مدرسة داخلية يا داده!
………………………………………………………………
وقفت تستمع الي تهكمات أصدقائها بالجامعة، حتي ركضت بعيداً عنهم .. لتسمح لدموعها بأن تزيل بعض من أوجاع قلبها… وتذكرت حديث “منه” أبنة اخو الحج ناجي الذي تعمل لديه كخادمة، فتسمع صوت أقدام قريبة منها
وألتفت بظهرها بعدما مسحت دموعها سريعا.
لتتأملها صديقتها بإشفاق قائلة بحزن: مقولتليش ليه يا ليلى؟
فتسقط دموعها ثانية دون شعورمنها، لتقترب منها صديقتها التي تُدعي حنان : مش إحنا إخوات يا ليلي؟
فهزت ليلي رأسها بألم : مكنش ينفع أقولك يا حنان، سامحيني أديكي عرفتي وكل الكلية عرفت خلاص .. و أخفضت أعينها لتتأمل ملابسها الرثة : عرفتي أنا ليه ماكنتش بلبس غير الطقم ده .. ومش بهتم بنفسي زي البنات!
…………………………………………………………
لمعت عيناه بقوة وهو يتأمل ذلك التمثال الذهبي الصغير، فأرتسمت علي شفتيه ابتسامة نصر وهو يتخيل كيف قد قاده ذكاءه إلي تلك المقبرة التي تضمها أتربة الجبال.
ولكن سريعا ما تلاشت تلك البسمة من علي شفتيه وهو يتذكر بأنه مازال تابعا تحت سطوة ذلك الرجل المجهول الذي يقودهم دوماً.
ليرن هاتفه، ويجيب علي المُتصل بأبتسامه واسعة: البنت وفقت يا مسعد؟
فيأتيه صوت المُتصل مؤكدا: كل حاجة تمام يا حاتم بيه، بس البنت تعبتني جامد معاها وعاملة نفسها شريفة وطاهرة.
ليتهكم وجه حاتم وهو يتأفف: يبقي خلاص تشوف مين هيطلع أخوها من السجن ويدفعله الدين بتاعه…
وأنتهي الحديث بينهم، وأرتسمت ابتسامة واسعة علي شفتي حاتم وهو يتذكر كيف قاده حظه لتلك الفتاة، فهي ليست سوي بفتاه فقيره، قد أبلغها بعض الناس عنه ..بأنه رجل رحيم يفعل الخير وأنه سيدفع لأخيها ذلك المبلغ الذي اختلسه من مصنعه… ليتذكر هو المبلغ الذي لا يتعدى الخمسة ألاف جُنيهاً وهو يُتمتم: الليلة ليلتك يا حلوة!
***********

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *