وسقطت الأقنعة ج1
بقلم سهام صادق

وتمتم غاضباً وهو يُصيح : بنت الإيه مكفهاش الفلوس اللي أخدتها.
وكاد أن يُكمل بكلماته البذيئه ليقطع طارق حديثه: يا ريت توقف حملاتك في مُساعدة الغلابة، لأنك تقريبا بقيت بتجني شهواتك من وراها … وتابع بخطواته تاركاً له المكان بأكمله.
فجلس حاتم علي كرسيه وهو يتلاعب بأحد الأقلام مُتمتماً: هتفضل محترم لحد امتى يا طارق!
…………………………………………………………
أخذ يطوي أكمام قميصه بغضب وهو يُطالع أحد رجاله الخونة، وأنحني قليلا كي يزيل تلك العصبة السوداء عن عينيه، ليفتح الرجل عيناه بفزع ينتظر موته
وبدأ يُتمتم بهدوء: ورق مرور البضاعه من الجمارك يتمضي مفهوم.
ليتنفس الرجل بخوف وهو يُحرك رأسه: بس يا هاشم بيه أنا ماقدرش أخالف مبادئي.
فأطلق هاشم ضحكة عاليه وهو يُنفث دُخان سيجارته في وجه الرجل قائلا: وكان فين الشرف والضمير ده و انت بتقبض الفلوس؟
ليغمض الرجل عينيه بألم: والله أنا عملت كده عشان عملية أبني، وهبطت دموعه بحسره وهو يُتابع: اشتريت حياة إبني بفلوس حرام، لحد ما ضاع مني.
ونطق الرجل بصعوبة وهو يتذكر ابنه: ابني مات
فلم تُحرك تلك الكلمه شئ فيه .. ليقترب من أذن الرجل كالأفعي قائلا ببرود: كل ده ميهمنيش يا أستاذ حمدي سامع، و إلا هعمل تصرف مش هيعجبك ومش هحترم شيبتك ديه.
فأحنى الرجل رأسه بأسف قائلا : لله الأمر من قبل ومن بعد.
ليخرج هاشم مُشيراً إلي رجاله كي يتبعوه … و أغلقوا الباب تاركين ذلك الرجل يتذكر دموع زوجته وابنته اللاتي لم يتبقي لهما أحداً غيره.
…………………………………………………………
جلس بأسترخاء يُتابع نظرات ذلك الرجل الذي دوماً يتحامي خلف سطوته فهو ابن خالته وصديق طفولته وقبل كل ذلك اخ له فقد تربوا سويا في بيت واحد عندما توفت خالته وزوجها في حادث ليأتي هو ليعيش معهم وعندما مرت السنين توفي والده هو ايضا لتلحقه والدته بعد عامان ليتركوهم بمفردهما في حياه قاسيه ، فقد كان هاشم لم يبلغ العشرة أعوام اما زين فقد كان عمره اربعة عشر عاما .. فيفرقهم القدر عندما جاء اهل والده لأخذه ليعيش مهم في مسقط راسهم .. ليبقي الاخر وحيداً دون أهل .. ليُصبح بعد سنين طويلا رجلا طاغي بهيبته وامواله
فهو” زين نصار”
هاشم بفخر: ما تقلقش يا زين كله بقي تمام، والراجل هيمضي علي مرور البضاعه…وأكمل بتأفف: مكنتش صفقة ألبان ديه اللي هتجيب ليا وجع الدماغ.
فزفر زين حانقاً من سلبيته قائلا بتوعد: و مين قالك ان أنا قلقان، ده شغلك و انت حر فيه… وأنا نصحتك كتير…وصبري عليك انت عارف سببه
وأشار نحوه بأصبعه قائلا بجمود : وافتكر ياهاشم أن ديه أخر مره هداري على عمايلك الوسخه وصفقاتك المشبوها
ليبتسم هاشم قائلا بسعادة : قدرت تأخذ الأرض اللي علي طريق الساحل؟
فطالعه زين وهو يرتشف من فنجان قهوته بتمهل قائلا: قريب أوي الأرض هتكون تحت إيدي.
ثم نهض من مجلسه ليتحدث بغضب: وبحزرك لأخر مره يا هاشم من صفقاتك المضروبة اللي بتعديها بأسمي من ورا ضهري ، أول و أخر مرة هساعدك أنا مش ناقص وجع دماغ.
ومن ثم صار بجسده الشامخ ووقاره الذي يهابه أي أحد يراه
ليبتسم هاشم بأرتياح: وإيه يعني الألبان يكون تاريخ إنتاجها انتهي من سنه .. عادي هي الناس بيحصل ليها حاجه ولا بتموت حتي
وبدأ يُشعل سيجارته وهو يستنشق دُخانها بسعاده حتي رن هاتفه بأحد الأرقام ليكسو وجهه الضيق فيغلقه سريعا متأففا:شكلي مش هخلص منك ياحمايا العزيز.
………………………………………………………….
أخذت تمسح الأرضيات بإنهاك، ونظرات أحدهم تخترقها بوقاحة دون أن تشعر .. لتقف زوجته خلفه قائلة بضيق: راجل عينه زايغة بصحيح.
فألتف إليها هو هامسا في أذنيها: شايفة الستات، يا ساتر علي خلقتك اللي تسد النفس .. ربنا يسامحك يا حاج.
ليهبط درجات السُلم وهو يُدندن ومازالت أعينه علي تلك البائسة التي تُزيل عرق وجهها المُتدفق، فأقترب منها قائلا بأبتسامة لا تعلم بخبثها: عامله إيه يا ليلي؟ و أمك و أخوكي محمود عاملين إيه؟
فأبتسمت ليلي بود وهي تمسح أيديها في عباءتها الباليه: الحمد لله بخير يا بشمهندس.
فيسمعوا صوتا من خلفهما عالياً، و تقترب منهما زينب بغضب: الله الله، ما بقاش غير الخدامين علي أخر الزمن يقفوا يتسايروا مع أسيدهم.
ثم دفعتها بيديها صائحة: يلا علي المطبخ يا بنت فاطمة.
لتخفض ليلي برأسها أرضا بعدما حملت دلو الماء ودموعها تهبط دون توقف… ليُطالع هو زوجته بحنق : يا ساتر عليكي ست، صوتك زي الغراب.
ولف عباءته علي جسده وهو يُتمتم: جوازه تقصف العمر.
………………………………………………………….
نظرت إليه والدته بتعب: أختك لسه ما رجعتش من بيت الحاج ناجي يامحمود.
ليتأمل هو لفافة التبغ التي بين يديه مُتأففا: قولتلها تيجي بعد العزومة اللي عاملها الحاج ناجي.. عشان تاخذ الأكل اللي فاضل.
فتنهدت أمه بحسره: حرام عليك أختك يا محمود، البنت بتذاكر و بتشتغل.
ومن ثم أدمعت عيناها بألم: يا رتني كنت بصحيتي ما كنتش حوجتها أبدا لحد.
لتدلف ليلي تلك اللحظة مُحملة ببواقي الطعام، فنهض محمود قائلا بنهم: جبتلنا إيه!
وتأمل الطعام بسعادة وهو يدفعها بعيدا ويأخذه منها : لما أكل إبقوا كلوا .. وعاد يجلس ثانية ليلتهم الطعام ونظرات أخته وأمه تحاوطه.
فأقتربت هي من والدتها لتُطمئنها بأنها بخير، وما من دقائق معدوده كان قد التهم الطعام فيها: أنا خارج .. بيت فقر مفيهوش حاجه عدله.
وتركهم وانصرف وهو ناقم علي حياته .. فجلست هي بجانب والدتها علي فراشها البالي وأخرجت من جيب عباءتها لفافة بها طعام أخر خبأته لها: خدي يا ماما كلي عشان تخدي دواكي.
لتتأمل فاطمة أعين ابنتها بأشفاق : سامحيني يا بنتي، أنا السبب خلفتلك أخ مايتسماش راجل.
فربتت ليلى علي يد والدتها بحنان وهي تبتسم: ربنا يهديه يا ست الكل.
وبدأت تُطعم والدتها بذلك الرغيف الذي يحتوي علي قطعة من اللحم قد خبأتها لوالدتها وهي تعلم بأن أخيها لن يترك لهم الطعام الذي أخذته بعد خدمتها في ذلك البيت الذي كانت تعمل به والدتها قبل أن تصيب بالشلل.
فأبتسمت أمها برضي وهي تأكل الطعام: بكره ربنا هيعوضك خير يابنتي .. بس اصبري

