روايه تميم رسلان الفصل 5 بقلم أية محمد رفعت حصري

الفصل الخامس قرار بعد معأناة!
تحرر قيد جسدها ببطء فبدأت بتحريك جفن عينيها الثقيل بصعوبة ،بدت الصور مشوشة قليًلًا ولكنها بدأت بالوضوح رويدًا رويدًا، أسرعت إليها “كوثر” لتمسك يدها بلهفة:
_”وجدان” حبيبتي سامعاني؟”
هزت رأسها بإشارة بسيطة، وقفت “مريمة” و”آمال” جوارها وتدريجيًا بدأت باستعادة وعيها، وما أن أفاقت حتى بكت بقهرٍ وكأن أحدًا قد أحتبس دموعها لفترةٍ طويلة من الوقتٍ، بكت “آمال” هى الأخرى لبكائها ،في حين أزاحت “كوثر” دمعات عينيها قائلة بتأثر:
_”وحدي الله يا “آمال” وأحمدي ربنا إن البت خرجت منها” وشدت على معصم “وجدان” بحنان:
_”أوعى تعيطي ول تزعلي، إنتي طول عمرك صبورة وبتتحملي المصاعب” قالت “وجدان” بألمٍ يختنق صدرها:
_”معدتش قادرة يا خالتو، طاقتي خلصت وصبري نفذ” وبدمعاتٍ أشعلت وجهها أكملت:
_”معدتش قادرة الكلمة دي ماما مش عارفة تفهمها، لسه مصممه أني أرجع وأنازع مرة وإتنين عشان كلام الناس” ثم تنهدت بآنين يعصف بقلبها المكلوم:
_”معدش فاضل مني حاجة أخسرها على إيده، كل حاجة خسرتها، أنا بقيت بقايا لج.ثة بتتحرك”
كانت تستمع لكلماتها بدموع تكتسح معالم وجهها، جسدها يكاد يشتعل من الآلآم وكأن مقعدها تضرمه النيران، نيران أشعلتها كلمات ابنتها وذكريات ما فعلته بها، كسرت حواجز الألم قائلة بصوتٍ يحمل شجاعة لم تعهدها من قبل:
_”هطلقك منه يا “وجدان””
توقفت “وجدان” عن النحيب بصدمة، صدمة شملت حتى “مريمة” و”كوثر” في حين اقتربت منها “آمال” ثم قبّلت يدها ببسمةٍ صغيرة تشق درب المعاناة، ثم قالت ويدها تمسد على شعر “وجدان” المصعوقة من تغيرها المفاجئ:
_”معدش يهمني حد غيرك يا نور عيني، مش هارميكي بالنار تاني خلاص” واحتضنتها “آمال” فتمسكت الأخرى بها ببكاء حارق وكأنها تخبرها به كم المعاناة التي لقتها على يد هذا النذل، لحت على وجه “مريمة” بسمة مشرقة فتشبثت “كوثر” بيدها قائلة بهمس خافت:
_”خلاص الهم ده هينزاح وأخيرًا أختي فاقت وقدرت تفهم”
أشارت لها “مريمة” بفرحة، فأستندت على الخزانة الصغيرة بجوار الفراش لتتابع ما يحدث بينهما بتعجب، فدائمًاً ما كانت تظن بأن والدتها قاسية القلب، متجمدة المشاعر، وهي الأن ترى شيئاً غير المتوقع..!
****
الزحام يعج بالمكان، فاليوم هو الأول من شهر “أكتوبر” وكالمعتاد بالنسبة إلي موظفين خدمة العملاء بأن الزحام يصل لأبوابه لحصد الرواتب والمعاشات وغيره، وصل “تميم” متأخراً، فصف سيارته سريعًا ثم ولج للداخل بخطواتٍ سريعة للصعود لمكتبه، اجتاز الطريق بالأسفل بين الناس ليصل للأعلى بأقل من خمسة دقائق فجلس على مقعده متنهدًا براحة، أشار له زميله الذي يجلس على المكتب الذي يليه بالغرفة المنفردة:
_”إيه يا عم التأخير دا كله، ده أنت مواعيدك سيف، اتحسدت ول إيه؟!”
التقط “تميم” أنفاسه بابتسامة هادئة غائمة بذكرياتٍ اليوم الذي قضى ليله بالتطلع لجوهرته ذات البشرة القمحية، تعجب زميله “حسن” من شروده المطول فنهض عن مكانه وطرق على المكتب بخفة:
_”روحت فين يا عم!”
استرعى إنتباهه، فاستقام “تميم” بجلسته قائًلًا:
_”مفيش، راحت عليّا نومة مش أكتر”
لوى “حسن” شفتيه بسخطٍ:
_”وأكيد هتقول الكلمتين دول لرئيس القسم، ما أنا عارفك مستحوذ على عقله الباطن”
ضيق “تميم” عينيه بذهولٍ من كلامه فقال بغضب:
_”وهكدب ليه؟!”
رفع “حسن” يديه للسماء وكأنه يشكو هذا الرجل المثالي من وجهة نظره، ثم استدار إليه بابتسامة تكبت الغيظ بصعوبةٍ ليقول بلهجة ساخرة:
_”حضرتك بتشتغل في القسم الخاص بالعملا الفي آي بي، يعني أهم من أي قسم وجاي متأخر وببساطة هتقول لرئيس القسم اللي سأل عليك أكتر من مرة ووشه بيطلع نار معلش إتأخرت عشان كنت نايم!”
زفر “تميم” بانزعاجٍ من حديثه المبالغ به، فأشار إليه بضيقٍ وكأنه على وشك خسارة هدوئه أعصابه:
_”خلاص يا “حسن” أول لما أشوفه هقوله معلش إتاخرت النص ساعة دي أصلي كنت بدفن أبويا وراجع”
حك “حسن” شعره بتفكير قطعه بهمسٍ خافت:
_”هتحيي الراجل ليه ما تسيبه نايم في تربته ومستريح، وبعدين أنا قولتك دورلك على سبب تاني مش تأڤورها!”
_”على مكتبك”
قالها “تميم” بغيظ يكبته بالضغط على أسنانه، ابتلع “حسن” ريقه بخوف مصطنع فقال مازحًا ليخفف من حدة ما حدث معه:
_”طيب يا عم متزقش، دا كان يوم منيل بنيلة لما حطوني معاك بأوضة واحدة”
وتركه وتوجه لمكتبه والأخر يتابعه بابتسامة جانبية بالكاد ترسم على طرفي شفتيه.
****
فردت ذراعيها بتكاسل حينما داعب الضوء وجهها، لتفتح “ميرال” عينيها وهي تتفقد الفراش من حولها بابتسامةٍ صغيرة تلاشت تدريجيًا حينما وجدت الملاحظات الموضوعة بجوارها، جذبتها بضيقٍ من عدم رؤياه لستيقاظها المتأخر، فابتسمت بتلقائية حينما قرأت كلماته المدونة على أكثر من صفحة:
_”صباح الخير يا عمري، كان نفسي أشوف جمال عيونك قبل ما أنزل بس للأسف إتاخرت جدًا”
_”أنا كلمت نورهان ساعة وهتكون عندك بإذن الله، ما تنسيش تفطري وتأخدى أدويتك”..
_”ملاحظة أخيرة ياريت تخلي بالك من نفسك لحد ما أرجعلك بالليل ..
زوجك المخلص تميم الجميل”