روايه تميم رسلان الفصل 5 بقلم أية محمد رفعت حصري

اتجهت “ميرال” علي صوت طرقات علي باب شقتها لتفتحه وتجد “نورهان” أمامها، فقالت على عجلة:
_”إدخلي”
ولجت للداخل بدهشةٍ، حينما رأتها ترتدي ملابس الخروج، ثم تبعتها لغرفة النوم فوقفت جوارها وهي تكمل إرتداء ملابسها فقالت بذهول:
_”هو ميعاد الدكتور النهاردة ول أيه؟!”
أجابتها “ميرال” بالنفي وملامح وجهها توحي بالحزنٍ الشديد:
_”ل، رايحة المستشفى، “وجدان” بنت خالتي تعبانه شوية”
تحولت نظرات “نورهان” للصدمة، فأشارت لها بإستهزاء:
_”يا حبيبتي إنتي عاملة عملية مش كنتِ طالعه عمرة وراجعة، وبعدين إزاي “تميم” يسمحلك تخرجي وإنتي بالحالة دي؟”
جذبت “ميرال” حجابها فى محاولت متوترة لعقده قائلة:
_”متقلقيش عليا أنا كويسة، هروح مع “آسر” وهرجع على طول بإذن الله”
استدارت “نورهان” بيأسٍ من محاولت إقناعها، فتطلعت للأدوية على الكومود بتذكر:
_”طيب أخدتي علاجك؟”
فأشارت لها “ميرال” بخوف وتشتت:
_”بصراحه لأ، من ساعة ما عرفت اللي حصل ليها وأنا مش على بعضي”
تعحبت “نورهان” من رد فعها لتسألها باهتمام:
_”ليه إيه اللي حصل؟”
استدارت “ميرال” في مواجهتها لتخبرها:
_”لما أجي بإذن الله هحكيلك بس أخلص الوقتي أصل “آسر” لسه مكلمني وقالي انه على وصول وأنا لسه مخلصتش”
أشارت لها بتفهم ثم توجهت للمطبخ لتعود بعد دقائق بكوب من اللبن الساخن قائلة بحزم:
_”مفيش خروج من البيت من غير ما تأخدى أدويتك، دي تعليمات “تميم” باشا”
أحتلت إبتسامة مشرقة وجهها عند سماع حروف اسمه المهلكة، فتناولت منها الكوب حتى انتهت منه، ثم تناولت الأدوية قائلة بدلل مضحك:
_”إل تعليمات “تميم ” باشا “رسلان””
عدلت “نورهان” من ياقة قميصها الوردي الطويل الذي ترتديه على بنطال أسود اللون، وبغرور مبالغ به قالت:
_”وأخته طبعًا أمال أيه!”
انطلق صوت رنين الجرس معلنًا عن وصول شقيقها، فشهقت “ميرال” بصدمة:
_”آسر وصل ولسه هاجهز شنطتي والطرحة اللي مش راضية تتظبط دي”
وجذبت حقيبتها لتضع هاتفها ومتعلقاتها ثم قالت لها برجاء:
_”افتحي الباب يا “نورهان” وقوليله خمس دقايق بس وهكون جاهزة”
أومأت برأسها وتوجهت لتفتح باب الشقة لتجد صوتاً غاضبًا مندفعًا بوجهها كالبرق:
_”مش قولتي أنك لبستي وهاتستنيني تحت!”..
تلاشت تعبيرات وجهه الغاضبة تدريجيًا حينما رأى تلك الفتاة تقف أمام عينيه، لم يرها منذ زواج شقيقته إلا مرات معدودة، تنحنح “آسر” بحرجٍ فأشار بيديه للداخل بارتباك:
_”هي لسه مجهزتش؟!”
أجابته وعينيها موضوعة أرضًا:
_”بتحضر شنطتها بس”
وفتحت الباب على مصراعيه ثم ابتعدت عنه قليلًا:
_”إتفضل إستناها جوا، هي مش هتتأخر”
رسم ابتسامة صغيرة على وجهه وتقدم للداخل، ثم اختار أبعد أريكة وجلس عليها بحرجٍ من لهجته المنفعلة التي تحدث بها منذ قليل ظنًا منه بأن شقيقته من ستكون باستقباله ولكن خابت ظنونه وعرض نفسه لحرج هو بغنى عنه، خرجت “نورهان” بعد قليل من المطبخ حاملة كوب من العصير ثم وضعته أمامه على الطاولة قائلة بلطف:
_”إتفضل”
قال بابتسامة هادئة:
_”مالوش داعي”
حملت الصينية الفارغة بين يدها وقالت وهي تتوجه لغرفة “ميرال”:
_”دي حاجة بسيطة”
قالتها وخطاها يكاد يشبه بالركض متناغمة مع ضربات قلبها التي كانت غريبة بعض الشيء، نعم هي تتذكر “آسر” شقيق زوجة أخيها؛ ولكن آخر مرة رأته كان منذ فترة طويلة، أما الأن فهي تراه شخصًا مختلفًا كليًا، دخلت الغرفة فوجدت “ميرال” ترتدي حذائها وتسألها بسخرية:
_”هيقتلني صح؟”
اكتفت “نورهان” بابتسامة بسيطة ثم جلست على الفراش المقابل لها قائلة بفضول أخفته بصعوبة:
_”هو مش “آسر” كان مسافر، رجع أمته؟!”
جذبت “ميرال” نظارتها الشمسية ثم ارتدتها قائلة بحزنٍ طفيف:
_”معجبوش تحكم الكفيل فيه فنزل مصر تاني، وزي ما إنتي عارفة صعب جدًا يلاقي شغل بمتتهى البساطة رغم إنه متخرج من كلية كويسة فحاليًا شغال على الميكروباص بتاع بابا الله يرحمه عما يلاقي شغل”
أجابتها ببسمة إعجاب فشلت بإخفائها:
_”وﷲ شاب مكافح، غيره من الشباب هنا ما بيصدقوا يأخدوا كلية ويركنوا على جنب مع أول شغل يترفضوا فيه ويقولك يا نشتغل بكليتنا حاجة كويسة يا بلاش”
عقبت “ميرال” على حديثها ببسمة ساخرة:
_”ل، في مصر أنواع كتير”
وخرجتا من الغرفة سوياً فما أن رأهم “آسر” حتى نهض عن مقعده، متناولًا هاتفه ومفاتيحه من على الطاولة، اقتربت منه “ميرال” وهي تجاهد بأن تكون لطيفة لتخفي تأخيرها الملحوظ فقالت بخفة:
_”اتأخرت عليك يا حبيبي أنا عارفة، بس هنعمل إيه بقى عادات لا يمكن الست تبطلها”
ضيق عينيه بسخرية وهو يراها تعترف بكل بساطة بما يخص هذا الجانب من النساء:
_”لا خدي راحتك، لأني أنا اللي غلطت لما قولتلك هجي أخدك”
كتمت ضحكاتها بصعوبةٍ وأدّعت الحزن قائلة:
_”ماشي يا سيدي هبقى أصالحك بعدين”
أشار لها بيديه بغضب مصطنع:
_”طيب إنجزي بقى”
اتجهت معه للخارج فاستوقفتها “نورهان” قائلة بصوتٍ منخفض ظنته غير مسموع:
_”أنا هفضل هنا عشان أنضف الشقة وأعمل لتميم أكل على ما ترجعي”
ابتسمت لها “ميرال” بفرحة وقالت بسعادة كبيرة:
_”والله العظيم ما أعرف من غيرك كنت هعمل إيه، دائمًا على طول كدا جانبي، أنا لو عندي أخت مش هتعمل معايا كده”
لوت “نورهان” فمها بعدم رضا عن حديثها، قائلة بضيقٍ شديد:
_”بطلي هبل وروحي يلا أصل أنا حاسة أن أخوكي شوية وهيولع فينا إحنا الاتنين، ماتبقيش تبعتيله بمشاوير تاني شكله خلقه ضيق”
رُسمت ابتسامة على وجه “آسر” الذي يقف جوار الباب بانتظارها، فودعتها “ميرال” سريعًا ولحقت به ليهبطا معًا للأسفل.
****
أغلقت “نورهان” الباب خلفهما بابتسامة رقيقة ترتسم على وجهها الممتلئ، ثم توجهت للمطبخ وبدأت في غسل بعض الخضروات وتقطيعها بعدم تركيز وشرود، لا تعلم لما جذبها حضوره بتلك الدرجة التي لم تتخيلها من قبل، نظرات عينيه العسلية التي كانت تتحاشى التطلع إليها حرجًا آسرتها بكل ما تحمله معاني الكلمات، تذكرت كيف تحولت ملامحه بتلك السنوات فأصبح يمتلك جسدًا صلبًا، أما ملامح وجهه الداكن جعلتها تشعر وكأن طيف الليل الهادئ على وشك الاستحواذ على ما حوله، شهقت بألم حينما أحست بالس.كين يلامس أصابعها بسبب شرودها الأبله، لعقت إصبعها بألم ثم توجهت للحمام المجاور لها، أخرجت علبة الإسعافات الأولية ثم عقمت إصبعها لتعاود استكمال الطعام الذي تعده بعد أن عادت لوعيها معنفة نفسها بأن تغض فكرها كما أغضت بصرها، ولحقيقة أخرى مؤلمة بأنها لم تشعر يومًا بأنها فتاة مكتملة، وزنها الزائد وتقدمها بالعمر مثلما أخبرها الجميع جعلها تفقد الثقة بنفسها وبالحياة المحيطة بها!
****
بالسيارة..

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *