روايه تميم رسلان الفصل 5 بقلم أية محمد رفعت حصري

تعالت ضحكاتها على آخر ملاحظاته، فوضعت النوت لجوارها مشيرة برأسها بعدم إقتناع:
_”تميم الجميل!..”
وعادت لنوبة الضحك من جديد وحبه يتربع بثنايا قلبها فهو ينجح دائمًاً برسم البسمة على محياها حتى وإن كان ليس جوارها، جذبت “ميرال” هاتفها ثم أخرجت رقم أخيها للاطمئنان عليه بعدما أخبرتها والدتها بالأمس بأنها ستكون بجواره لمرضه الشديد، وضعت الهاتف على آذنيها حتى سمعت صوته فقالت بابتسامة هادئة:
_”صباح الخير يا حبيبي”
أجابها بابتسامة رسمت على وجهه عند رؤية اسمها:
_”صباح الجمال على أجمل ميرا”
قالت وهى ترتب الفراش:
_”ها طمني عليك، دلوقتي بقيت أحسن؟”
أجابها باستهزاء:
_”يا بنتي دول شوية برد مش مستهلين اللي بتعمليه إنتي وأمك ده”
ضحكت على طريقته ثم قالت باستهزاء:
_”ماشي يا عم إحنا غلطنين إننا عبرناك ورنينا نصبح عليك”
أجابها ساخراً:
_”هو أنا لسه نمت عشان تصبحي عليّا”
ضيقت عينيها بذهول:
_”معقول لسه ماروحتش بالميكروباص لحد دلوقتي؟!”
قال بتوضيح:
_”ل أنا بالمستشفى من إمبارح مع أمك”
انقبض قلبها فقالت برعب:
_”فالمستشفى ليه، مش بتقول شوية برد!”
أجابها بحزنٍ بدى بلهجته:
_”وجدان” هي اللي بالمستشفي وإحنا معاها”
وقص عليها ما حدث بإيجاز فهبطت دموعها بتأثر، ثم تركت ما بيدها وجذبت ملابسها لتخبر أخيها بأن يأتي إليها بالحال ليأخذها إليها، اعترض ببدء الأمر لخطورة جراحتها فمازالت لم تشفى كليًا، ولكن أمام إصرارها وبكائها الهيستري وافق على الفور، أغلقت معه المكالمة ثم طلبت “تميم” فما لبث سوى دقائق معدودة حتى أتاها صوته الباسم:
_”أيوه يا روحي”
أجابته بصوتها الباكي:
_”تميم”، “وجدان” بنت خالتي في المستشفى وأنا قولت لآسر يجي يأخدني عشان أروحلها”
كاد أن يرد عليها ولكنها قاطعته وأسرعت باستكمال كلماتها:
_”أنا عارفة إنها عمرها ما دخلتلي بيت ول جيت في اي ظروف حصلتلي، بس هي صاحبتي وبنت خالتي، عشان خاطري خاليني أروحلها”
رد عليها ذاهًلًا:
_”إيه اللي بتقوليه ده، أكيد طبعًا مش هوافق عشان السبب ده، إنتي لسه تعبانه ومينفعش تتعرضي لأشعة الشمس الوقتي”
قالت ببكاءٍ حارق:
_”أنا هركب مع “آسر” من تحت البيت وهطلع على المستشفى على طول، عشان خاطري خليني أروح”
أجابها بصوتٍ هادئ:
_”روحي يا “ميرال” وإبعتيلي عنوان المستشفى هخلص شغل وهكون عندكم بإذن الله”
ضيقت عينيها بذهول فقالت بعدم استيعاب:
_”هتيجي بجد!!”
أجابها بحدةٍ من طريقتها الغريبة بالحديث:
_”أكيد طبعًا مش بنت خالتك!”
ابتسمت بفرحة، فهمست بخجل يفترس ملامح وجهها:
_”على فكرة أنا مش بحبك من فراغ، أنت أحسن وأروع زوج بالعالم كله”
_”أممم.. لو كنتِ دخلتي الدخلة دي من الأول كنت وافقت تروحي المريخ”
تعالت ضحكاتها بصوتٍ طرب دقات قلبه فقال بضيقٍ:
_”كفاية ضحك بدل ما أسيب الشغل وأجيلك”
أسرعت قائلة بمكر:
_”وعلى إيه، هقفل”
وأغلقت الهاتف سريعًا فابتسم بهيام وهو يتأمل صورتها على شاشة هاتفه بفستانها الأبيض وطرحتها الطويلة فوق حجابها الأبيض المرصع بتاج يزين رأسها وهو يقف بجوارها يحتضنها بقوة، ذكريات يشعر وكأنها كانت بالأمس وليست منذ خمسة أعوام.
****
ذهبت إليه مرغمة، فجلست بانتظار أن يسمح للسكرتيرة بإدخالها، زفرت “فرحة” بضيقٍ فتوجهت لمكتب السكرتارية الخارجي لمكتبه قائلة بتذمر:
_”بقالي ساعتين ونص مستنية، ادخلي وقوليله لو مش هيقابلني أمشي أحسن من الذل ده”
كادت السكرتيرة بأن تجيبها، فانطلق صوت الهاتف ليخبرها “معاذ” بأن تدخلها، أشارت لها بابتسامة مصطنعة:
_”إتفضلي”
جذبت “فرحة” حقيبتها بعصبية من أمامها وهي ترمقها بنظرات غيظ وكأنها من أمرت بتأخيرها بالخارج، دلفت لداخل مكتبه فوجدته يجلس على مقعده وهو يضع ساقاً فوق الأخرى، يرمقها نظرات آلية للغاية وكأن تعبيرات وجهه تتجمد حينما يراها، جلست على المقعد أمامه بارتباك ملحوظ، فخطفت نظراتها إليه لتدرس حالته قبل أن تتحدث معه، جذب قلمه ثم أخذ يحركه بالهواءٍ بلهوٍ مخيف قطعه بصوتٍ ثابت جعلها تفشل في تخمين حالته المزاجية:
_”مش قولتلك آخر مرة رجلك تخطي مكان شغلي؟”
أشارت له برأسها، فرفع حاجبيه بسخرية:
_”وشايفك ما شاء الله عملتي بكلامي”
تطلعت له بنظرة كره استطاع قراءتها بسهولة، وخاصة وهي تحاول رسم تعابير مخادعة بعشقه المتيم:
_”حسيت من طريقتك المرة اللي فاتت إنك زعلان مني في حاجة، فجيت عشان أعرف إيه اللي مغيرك من ناحيتي كده؟!!”
رسُمت بسمة على وجهه كانت مخيفة بالنسبةٍ لها، فقال وهو يهم بالنهوض عن مقعده:
_”ماتخليكي صريحة معايا وتقوليلي إن خالتي اللي بعتتك لحد هنا عشان تشوف أنا عرفت إيه، أو بالمعنى الأصح إيه اللي ورا الكلام اللي قولته إمبارح”
ارتبكت بجلستها وهي تفرك أصابعها بتوتر ملحوظ، فجلس “معاذ” على المقعد المقابل لها بنظرات سخطٍ تحاوطها، ليهمس باشمئزاز من طريقة تفكيرهم الوضيعة:
_”طول عمر خالتي والغل بيأكل فيها من نحيتنا”
ضيقت عينيها بصدمةٍ من سماع كلماته الغير واضحة:
_”أنت بتقول إيه؟!”
تطلع لها مطولًا وكأنه يحسم أمرًا ما بداخله، فقال بنبرة خبث ودهاء:
_”بقولك اللي إنتي عارفاه إن أنا مش عارف أحبك، يعني كنت بعاملك طول الفترة اللي فاتت وكأنك أختي فأكيد محتاج وقت أتقبل دا ول إيه؟”
تنفست بصورةٍ طبيعية وبراحةٍ كبيرة حينما صرح لها بأن ما بالأمر هو مقته منها فهو أمر معتاد بالنسبة لها، غافلة عن ما يدور داخل ثنايا عقله فهو تعمد أن لا يكشف مطمعهم الحقيقي وراء هذا الزواج لأمر هو يجهله، فأشار لها بيديه قائًلًا بهدوء يخفي خلفه حقدًا عظيماً:
_”ممكن تسيبني أشتغل بقى”
هزت رأسها بإيماءة سخيفة لتجذب حقيبتها وتخرج بابتسامة بلهاء لا تعلم سببها، والأخر يرمقها بنظرةٍ مليئة بالضيقٍ على صبره المبالغ به تجاههما.
****
شقة “ميرال”..