حمايا

حمايا هز رأسه بالقبول وشكرني بنظرة مش هنسى أثرها في حياتي، وانسحب ببطء شديد وبخطوات متسلسلة ناحية باب الشقة الشبه مفتوح، وخرج وانزلق على السلم زي الطيف. أول ما سمعت باب شقته تحت بيتقفل بالراحة، حسيت إن جبل إتشال من على صدري!
بس الفرحة مكملتش.. رجعت المطبخ عشان أهدى وأكمل كلامي مع حماتي، بس وأنا داخلة، لقيت حماتي قامت من على الكرسي وكانت طالعة من المطبخ رايحة ناحية الصالة!
قالتلي وهي ماشية: “أنا هطلع أشوف الصالة عندك وأعدل المفرش اللي على الترابيزة ده يا آلاء، عشان تبقى الشقة مرتبة قبل ما ابني يرجع من شغله..”
وفعلاً، خرجت حماتي للصالة، وأول ما قربت من المفرش اللي جنب الحمام، وقفت فجأة!
سكنت الحركة في جسمها، وبدأت تستنشق الهواء بنظرة غريبة جداً.. وبعدين كحت كحة خفيفة، وبصتلي بعيون واسعة ومليانة شك واستغراب!
قلبي نزل في رجلي تاني.. الريحة! ريحة المعقم المعالج والفلتر كانت لسة معلقة في الهواء القريب من الحمام!
قالت حماتي بنبرة فيها حدة وتساؤل عجيب: “إيه الريحة دي يا آلاء؟ الريحة دي مش غريبة عليا.. أنا شامة ريحة مادة نفاذة، ريحة كيميائية زي اللي كانت في المستشفى زمان! أنتِ بتمسحي الحمام بإيه يا بنتي؟ أنتِ جايبة منظفات نوعها إيه؟”
أنا اتسمرت مكاني.. لو قلتلها منظف عادي، ممكن تطلب تشوف الإزازة، ولو دخلت الحمام تشوف، هتشوف صندوق الطرد والوصلات المعالجة الطببة اللي تركيبها غير السباكة العادية! ولو شكت في حاجة، هتقلب الدنيا وتفضل تنبش لحد ما توصل للحقيقة، وحمايا تحت حذرتي إنها لو عرفت هتحس بالذنب وتدخل في نوبة حساسية من كتر الزعل!
رديت بسرعة وحاولت أخبي توتري بأي طريقة: “دي.. دي مادة معقمة جديدة يا ماما، حمزة جوزي جابها من الصيدلية عشان يطهر بيها السباكة والمواسير، قال لي إنها كويسة عشان البكتيريا والميكروبات.. بس هي ريحتها شديدة شوية، عشان كده أنا كنت قافلة الباب وبغسل الحمام!”
حماتي قربت خطوة ناحية باب الحمام، وقالت وهي بتضيق عينيها بذكاء الستات الكبار: “بس الريحة دي مش غريبة عليا يا آلاء.. الريحة دي أنا شميتها من سنتين لما تعبت ودخلت العناية المركزة! الدكتور ساعتها قال إن جوزك أو أبو جوزك كان بيستعمل مادة معينة هي اللي سببتلي الأزمة.. هو جوزك بيجيب المادة دي تاني ليه؟ وهل أبوه يعرف بالموضوع ده؟”
السؤال ده نزل عليا زي الصاعقة.. حماتي مش سهلة، وذاكرتها المربوطة بالتعب بتاعها صحيت في ثانية! وقفت بينها وبين باب الحمام، وقررت أستخدم كل دهائي عشان أخرج من المأزق ده من غير ما أكذب كذبة كبيرة ومضرّة وفي نفس الوقت من غير ما أفركش السر.
