حمايا

حمايا مسح دمعة نزلت من عينيه بسرعة وبصلي بعيون ملبانة كسوف وكمل كلامه: “أنا وقتها قطعت المادة دي، وأصبحت بمر بعذاب يومي لا يطاق في حمام شقتي تحت، آلام رهيبة ومضاعفات صحية ملهاش أخر، ولما جوزك بدأ يجهز شقتكم فوق عشان الجواز.. أنا استأذنت العمال والسباك من وراكم كلكم، وخليته يركب نظام فلترة ومادة تعقيم أوتوماتيكية جوة صندوق الطرد بتاع حمامكم فوق، وكمان غيرت نوع المواسير والسيفون لنوع معالج طبياً على حسابي الخاص وأنا بجهز معاكم الشقة، وعملت ده فوق عشان أقدر أستخدم المادة المعالجة والفلتر فوق بعيد عن حماتك ومن غير ما تشم الريحة أو تتأذى، وفي نفس الوقت أقدر أتعالج وأستريح من الآلام الرهيبة اللي بعيشها كل يوم تحت بدون ما أعرض حياتها للخطر!”

أنا بقيت واقفة مش قادرة أستوعب كمية الصدمة.. حمايا مش بيطلع يضايقني ولا بيطلع يرخم عليا، الراجل بيطلع يهرب من عذاب صحي ونفسي بيعيشه تحت، وفي نفس الوقت بيحمي مراته وأم ولاده من الموت!

كمل حمايا كلامه ونبرة الكسوف زادت في صوته: “أنا مكنتش قادر أقول لابني ولا لأي حد في الدنيا.. موضوع محرج جداً بالنسبة لراجل في سني، وخفت لو قلت لابني يروح يقول لحماتك أو تحس إنها العائق فتزعل وتتحسر على نفسها، وخفت أقولك أنتِ بالذات فتشمئزي مني أو تحسي إن شقتك مبقتش ملكك.. فكنت بأجي على نفسي وأطلع وأنا عارف إنكم بتضايقوا، وكنت بحاول أخلص في ثواني وأشرب المرار وأنا نازل على السلم من الخجل منكم.. أنا آسف يا بنتي.. آسف إن سببيلك الضيق ده في أول أيام جوازك، والله العظيم لو عايزاني متطلعش تاني خالص مش هطلع، وهحاول أستحمل الألم تحت وخلاص ربنا يتولاني!”

في اللحظة دي، حسيت بنغزة جامدة في قلبي.. حسيت بقد إيه أنا كنت ظالمة الراجل ده في سري، واد إيه كنت بحكم على الظاهر ومن غير ما أفهم المعاناة الحقيقية اللي ورا تصرفه اللي كنت شايفاه غريب ومستفز. الدموع اتجمعت في عيني، ومبقيتش عارفة أقوله إيه ولا أعتذر له إزاي على الأفكار اللي كانت بتدور في دماغي طوال الفترة اللي فاتت.

قلتله بنبرة كلها رجاء واحترام: “يا بابا استغفر الله العظيم! حضرتك بتقول إيه؟ يتعب مين وأسف إيه بس؟ والله العظيم أنا اللي أسفة إن خليتك تضطر تحكي وتتكسف بالطريقة دي.. الشقة شقتك والمكان مكانك في أي وقت، وحضرتك تطلع وتنزل زي ما تحب ومن غير ما تستأذن ولا تحس بأي حرج أبداً، سلامتك وصحتك بالدنيا كلها يا بابا، ويا ريتك كنت قلتلي من الأول عشان أريحك وأوفر عليك أي كسوف!”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *