امرأة بين نارين

قصة قصيرة بعنوان امرأة بين نارين الحلقه الثانيه
كانت سيلا تقف أمام شباك الصيدلية، يديها تقبضان على حافة الكاونتر كأنها تحتاج لشيء تتشبث به. أخرجت من حقيبتها ورقة صغيرة ودفعتها للصيدلي.
رفع الرجل نظارته قليلًا، وقرأ الأسماء بصوت منخفض، ثم نظر إليها باستغراب خفيف:
— الأدوية دي تقيلة جدًا يا مدام، وعايزة تعامل حذر… الدكتور كاتبها لحضرتك مش كده؟
ابتلعت سيلا ريقها سريعًا وقالت:
— أيوه… وأهي الروشتة. وأنا فاهمة إنها لازم تتصرف تحت إشراف طبي.
هزّ الصيدلي رأسه وهو يفتح الأدراج واحدًا تلو الآخر، يخرج العلب ويضعها أمامها:
— الحقن دي لازم تتحفظ في التلاجة… عشان تحافظي عليها لأطول وقت ممكن. وهكتبلك مواعيدها عشان متنسيش، لازم تتاخد بانتظام لو عايزاها تبقى فعالة.
ثم ابتسم ابتسامة خفيفة:
— بالشفا إن شاء الله.
أومأت سيلا دون أن تنظر إليه، وعيناها معلقتان بالأدوية أمامها، كأن كل علبة تحمل ثقل حلم كامل. دفعت الحساب بسرعة، ضمت الكيس إلى صدرها، وخرجت.
خطت سيلا خطوتين فقط خارج الصيدلية… ثم توقفت فجأة.
سيارة سوداء كانت تقف على الجانب الآخر من الطريق، والباب مفتوح قليلًا. وكان يقف بجانبها… تميم.
ذراعاه متشابكتان أمام صدره، وعيناه مثبتتان عليها كأنه كان ينتظرها منذ زمن. شعرت سيلا أن قلبها سقط في قدميها.
اقتربت منه بخطوات حادة وقالت بغضب مكبوت:
— إنت بتعمل إيه هنا يا تميم؟ ومين قاللك تيجي أصلاً؟ وعرفت منين إني هنا؟ في إيه يا أخي؟ اقتحمت حياتي بدون أي حق… وعايز تخربها؟ وكمان استغليت جوزي في أكبر نقطة ضعف عنده عشان طموحه ونجاحه؟!
اشتدت نبرتها أكثر:
— اسمعني كويس… أنا مش هفضل ساكتة. سكوتي ده مش ضعف… ولو فاكر نفسك جامد، فأنا أقدر أوقفك عند حدك كويس أوي… فاهم ولا لأ؟
ابتسم تميم ابتسامة خفيفة… لكنها كانت باردة، ثم أشار بعينيه إلى الكيس في يدها:
— إيه الكيس اللي في إيدك دا؟
شدت سيلا الكيس أكثر وقالت بحدة:
— إنت ودانك فيها مشكلة؟ ولا مش سامعني؟ ولا عايش دور المستعبط؟
اقتربت منه خطوة وقالت:
— اسمع… أنا مش ست خاينة، ومش هسمحلك تشوه سمعتي. أقسم بالله أعملك محضر… ونفوذك اللي فرحان بيها دي ولا حاجة قدام أصلك.
تغيرت ملامح تميم قليلًا، وقال بهدوء بارد:
— تعايريني ليه؟ أنا كنت حرامي؟ ولا مرتشي؟
ثم أكمل وهو يقترب خطوة:
— شغلي كله حلال… وعمري ما مديت إيدي لحاجة مش حقي. كل لقمة باكلها بدفع تمنها… وأنا دفعت فيكي زمان، يا سيلا… مش فلوس بس.
رفع حاجبه قليلًا ونظر إلى الكيس مرة أخرى:
— شكلك بتتعالجي؟
نظرت له بغضب واضح:
— ملكش دعوة… حياتي معاك انتهت من زمان.
اقترب أكثر، وصوته أصبح أخفض وأكثر خطورة:
— ليّا دعوة… خصوصًا لما أشوفك بتموتي على عيل منه.
تجمدت سيلا في مكانها.
أكمل تميم بنبرة ساخرة:
— قلبك ملهوف أوي تخلفي من عمر؟
ثم قلد صوتها قديمًا:
— “تميم… نفسي أول عيل يكون منك. نفسي أجيب منك دستة أطفال، يفضلوا يجروا حوالينا… ولو جبت مليون طفل هسميهم كلهم تميم.”
ارتجفت ملامح سيلا… لكن الغضب غلبها:
— كان فيه… وخلص. زيك بالظبط.
ضغط تميم فكه بقوة:
— إنتي بتستفزيني.
رفعت كتفيها بلا مبالاة:
— استفز… ولا يهمني.
مد يده فجأة وأمسك بذراعها:
— إنتي فاكرة إنك هتعيشي حياة هادية كده… وأنا أتفرج عليكي وأضحك؟
سحبت ذراعها بعنف… ثم صفعته بالقلم أمام الناس.
صوت الصفعة كان حادًا:
— سيبني يا حيوان! وإوعى تفكر تلمسني تاني!
اشتعلت عيناها غضبًا:
— أقسم بالله هحسرك عليها، ومش هتعرف لا تاكل ولا تشتغل بيها تاني!
ثم قالت بحدة:
— فوق لنفسك… أنا ست متجوزة، وبحب جوزي. ومش هبعد عنه عشان إنسان زيك.
وتابعت وهي تنظر له مباشرة:
— ويكون في علمك… أول طفل ليا أبوه هيكون عمر… مش إنت يا تميم.
كانت الكلمات كأنها صفعة ثانية.
تراجع تميم خطوة، وعيناه تشتعلان بالغضب:
— امشي.
نظرت إليه لحظة… ثم استدارت ومشت دون أن تنظر خلفها. خطواتها كانت سريعة… لكنها لم تتوقف.
أما تميم فظل واقفًا مكانه يراقبها حتى اختفت في نهاية الشارع. فجأة ضرب بيده سقف السيارة بعنف، فتح الباب ودخل بعصبية، وأغلقه بقوة حتى اهتزت السيارة كلها. جلس خلف المقود، أنفاسه متسارعة، وعيناه مليئتان بالغضب.
تمتم بصوت خافت كأنه يقسم:
— هوريكي يا سيلا…
قبض على المقود بقوة:
— عمر اللي فرحانة بيه ده… لما يشوف الفلوس والنجاح والعز… نشوف ساعتها هيختار نفسه… ولا هيختارك إنتي.
كان عمر جالس جنب سيلا على السرير، يراقبها وهي مستلقية، عيونها معلقة في السقف وكأنها سرحانة في مكان بعيد.
— عينك في السقف كده؟ وشكلك عمالة تعدي راسمين كام نجمة؟ — قال عمر بابتسامة خفيفة.
تنهدت سيلا:
— النوم طاير يا عمر… أووي بجد.
اقترب منها مد ذراعيه:
— تعالى هنا… هتلاقي نفسك نمتي من غير ما تحسي.
ضحكت وتركت نفسها ترتمي في حضنه:
— اي أخبار الشغل؟ — همست بعد لحظة.
تنهد عمر بعيدًا عن نظرها:
— مش عايز أتكلم فيه دلوقتي… إحنا وقت نوم، وخايف نتخانق لو فتحنا الموضوع.
رفعت حاجبها بسخرية خفيفة:
— نتخانق ليه؟
ابتسم لها:
— خلينا نغير الموضوع أحسن… قوليلي، جبتي دواكي؟
أومأت برأسها:
— أيوه… الدكتور طمني وطلب أفضل متابعة تلت شهور ع الأدوية قبل أي خطوة.
ابتسم عمر وقال:
— ربنا يكرمنا يا حبيبتي.
نظرت له بعينين مليئتين بالأمل:
— قريب يا حبيبي… أنا عشمانة أووي.
ضحك عمر:
— وأنا جعان أووي… الشغل لبخني جامد ونسيت أحط أي لقمة في بقي أنا ع لحم بطني من الصبح.
مدت سيلا يدها بابتسامة:
— ومقولتش ليه بس الأكل جاهز وعلى التسخين طول الوقت؟
حاولت تقوم، فمسكها من ذراعها بحنية:
— جعان؟ آه… بس ميرضنيش تقومي دلوقتي… أنا عايز آكلك إنتي.
ضحكت بدلال، اقترب منها أكثر لينعم بقربها، ولكن رن التليفون.
رفع عمر السماعة:
— ألو؟
توقف قليلاً، ثم قال بصوت منخفض:
— إزيك يا تميم بيه…

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *