امرأة بين نارين

سيلا كانت جالسة على الكنبة، رجليها مطوية جنبها، عينها تتوه في شاشة التلفزيون بلا تركيز حقيقي. صوت الأخبار كان يتردد في الغرفة، لكنها بالكاد تسمعه. كل شيء هادئ… حتى خبط الباب المفاجئ جعل قلبها يقفز.
رفعت حاجبها، توترها واضح، وأمسكت بحافة الكرسي لتثبت نفسها.
— سيلا (بصوت مرتجف): “مين؟”
رد صوت من وراء الباب، قوي وواضح:
— عمر: “أنا… عمر، يا سيلا… افتحي.”
قفز قلبها في صدرها، دموع بدأت تتجمع في عينيها، وصوتها خرج على هيئة صرخة قصيرة:
— سيلا: “عمرررر!”
تراجعت خطوة للخلف، جسدها كله يرتجف،كل مشاعرها المختلطة تتصارع في لحظة واحدة.
صمت قليل، ثم جاء صوت عمر من جديد، أكثر إصرارًا:
— عمر: “افتحي يا سيلا… عايز أتكلم معاك.”
سيلا أخذت نفسًا عميقًا، محاولة تهدئة قلبها، لكنها لم تتحرك من مكانها بعد، عيونها ما زالت تراقب الباب، وكأن كل خطوة تتخذها نحو الفتح مكلفة بثمن عاطفي كبير جدً
….
— عمر (بصوت متردد لكنه مصمم): “خباكي… ومع ذلك لفيت الدنيا كعب داير لحد ما ناس ولاد حلال دلوني عليكي.”
سيلا شعرت بغضب مختلط بالدهشة، رفعت حاجبها وهي تتذكر الحراس تحت البيت:
— سيلا (ببرود): “عرفت تخبط على باب البيت مع كل الحراس اللي تحت.”
ابتسم عمر ابتسامة خفيفة، فيها ألم وندم:
— “أنا مشوفتش أي طقم حراسة من أصله… الجو خالي وقدرت أطلع ومحدش منعني. المهم دلوقتي… محتاجك تسمعيني، قبل ما دا يحصل، مش حابب منك تصدري أي حكم عليا. بعترف بغلطي… بس اتعلمت وعرفت قيمتك.”
سيلا ضحكت بسخرية، عيونها مليانة مرارة:
— “وأنا كمان اتعلمت وعرفت قيمتك.”
— عمر (بجدية): “طب تعالي، يلا نرجع المياه لمجاريها.”
سيلا شدّت نفسها، عيونها تتوهج بالغضب:
— سيلا: “هتوديني نعيش في القصر اللي خدته من تميم؟”
ابتسم عمر بخفة، لكنه أدار رأسه بعيدًا للحظة، كأنه يتذكر الماضي:
: “لا… مفيش قصر ولا شركة. أنا خسرت كل حاجة… بس فيه مبلغ محترم أقدر أفتح مشروع ونعيش منه.”
سيلا ارتجفت، شعور بالخذلان امتزج بالحزن:
—”بس اللي بيقطع صفحة كتاب بينساها… وأنت دورك في حياتي انتهى.”
عمر اقترب خطوة، عينيه تحمل مزيج من الألم والتوسل:
— “أنا مستعد أردك من تاني… طلقتك طلقة واحدة بس، مش تلاتة زي ما هو قال… أنا عايز نرجع. أنتي متتصوريش الكام شهر دول عدو من حياتي إزاي؟ اقسملك جاتلي عروض كتير… ستات مش حلوة بس جمال ونسب وعيلة… وكانوا هيرفعوني لفوق ويعوضوا خسارتي… بس كل دا رميته ورا ضهري… قلبي عمره ما دق غير ليكي..
بدأ عمر يحكي لها عن تميم، صوته أصبح أهدأ، كأنه يسرد سرًا عظيمًا:
— “تميم… انتي عارفة قصته واحد عايش ع أبسط الحاجات… كان سواق أوبر في مصر، شاب عادي، محدش يعرفه ودخله محدود… الجو كله حواليه كان اقل من العادي عادي، بس اللي متعرفهوش عنه انه كان بيراقب الأسواق الدولية والعالمية وهو قاعد مكانه… كان بيتعلم من اتقل الناس ف مكانه ولما قرر يسافر
عيني سيلا اتسعت، قلبها بدأ يدق بسرعة.
— عمر”دبي كانت البداية… هناك، بدأ يمشي في طريق غامض… محدش يعرفه كويس. اشتغل أول حاجة في استيراد منتجات صغيرة، يجيبها من أسواق محلية ويصدرها لشركات خارجية… خطوة خطوة، بدأ يفتح شركات جديدة، كلها مسجلة بأسماء مختلفة… شوية شوية، العقود بدأت تتوسع… الدولار، اليورو، الين… كل عقد متخطط له كويس… استثمر في العقارات، خطوط إنتاج للشركات، خدمات مالية… يبيع ويكسب لحد م عمل اسمه وزن.”
— عمر (صوته يرتجف من الحماسة والدهشة): “تميم عمل خطة محكمة عشان يعمل لنفسه امبراطورية شايفاه واجهة ونجاحه مع كل صفقة بيدخلها كانها غموض وسحر … عقود ضخمة بالدولار… استثمارات في أوروبا وأمريكا وآسيا…هو عقلية فزة بجد وانسان مش سهل”
سيلا شعرت بمزيج من الإعجاب والخوف، لكنها حاولت تثبيت نفسها على برودها المعتاد.
— “طالما في السليم… ربنا يفتحها عليه أكتر.”
عمر اقترب خطوة، صوته أصبح أكثر حنينًا:
— عمر: “مش ناوية تسامحيني؟”
— سيلا: “أنا مش قادرة أسامح نفسي إنه في يوم وثقت فيك.”
— عمر: “بس انتي غلطانة إنك خبتي… كان ممكن أول ما تشوفيه عندنا في البيت تبلغيني وتسيبيني أختار.”
سيلا عضّت شفتيها، شعور بالمرارة والخذلان يغمر قلبها:
—: “في الحالتين، قرارك هيكون ورا الفلوس… أنا منكرش إني بكره تميم وحابسني هنا، حتى أمي مش بشوفها… ويا عالم حالتها إيه… ممكن تكون فاكراني ميتة؟ طمن نفسك، مع أول فرصة هجرب أهرب… وهحسره عليا زي ما حسرتك عليا بالملي… شايلة لتميم جميلة كبيرة… إنه عرفني حقيقتك وشوفت وشك الحقيقي… انت بقيت غريب عني… وهتفضل محرم عليا لآخر يوم في عمري.”
وزقته الباب بعنف، ووقفت هناك، عيونها تلمع بالدموع والغضب المختلط.
— عمر (بدموع): “آه… الفلوس عمتني على حبك… ونكرت عشرتي معاكي… اللي بيينت عن معدنك وأصلك الطيب… بس أنا والله ندمان… بلاش تخربي بيتنا… احنا المفروض كنا على مشارف نجيب طفل ونبني عيلة.”
— سيلا (بحزم شديد): “هي لو هتتبني… هتكون في دماغك وبس… اتحمل نتيجة اختياراتك يا عمر.”
……..
كان تميم يجلس داخل سيارته المتوقفة في الجهة المقابلة للبناية، مستندًا بكتفه إلى المقعد الجلدي، وعيناه ثابتتان على باب المدخل كصيادٍ يترقب لحظة خروجه فريسته من الجحر.
وفجأة انفتح باب البناية.
خرج عمر بخطوات سريعة مضطربة، ملامحه مشدودة، وأنفاسه متقطعة، وكأن الغضب يخنقه من الداخل. كان واضحًا أنه خرج خالي الوفاض… مهزومًا.
راقبه تميم بصمت.
لم يتحرك…
لم يطرف له جفن.
فقط انفرجت شفتاه ببطء عن ابتسامة خفيفة، ابتسامة ماكرة تشبه انتصارًا صامتًا.
رفع عينيه قليلًا نحو نافذة شقة سيلا في الطابق العلوي، وبريق غريب مرّ في نظراته.
في تلك اللحظة تحديدًا، شعر بيقينٍ بارد يستقر في صدره.
سيلا لم تعد لعمر.
ما رآه في ملامح الرجل الخارج لتوه كان كافيًا ليخبره بكل شي
الهزيمة لا يمكن إخفاؤها.
أخرج هاتفه بهدوء، وضغط على رقمٍ محفوظ.
جاءه صوت أحد الحراس بسرعة:
— “أفندم يا باشا.”
قال تميم بصوت منخفض ثابت:
— “ارجعوا أماكنكم.”
— “تمام يا باشا.”
أغلق تميم الهاتف ببطء، ثم أعاده إلى جيبه.
مرر يده على ذقنه الخفيفة وهو ينظر مرة أخرى إلى باب البناية، وكأن المشهد ما زال يعاد أمام عينيه.
لقد ترك عمر يدخل… عن قصد.
أراد أن يسمع الحقيقة من فم سيلا… أن يرى رد فعلها بلا ضغطٍ ولا خوف.
والآن فقط…
فهم شيئًا واحدًا بوضوحٍ قاطع.
عمر خسر سيلا إلى الأبد.
أما هو…
فقد اقترب خطوة أخرى منها.
…
وقفت سيلا في منتصف الصالة، وعيناها عليه كأنها تحاول أن تتأكد أنه حقيقي وليس مجرد طيفٍ من الغضب الذي يسكن رأسها منذ شهور.
قالت بشرود، وصوتها بالكاد يُسمع:
— “رجعت؟”
أومأ تميم برأسه إيماءة خفيف
— “عمر كان هنا
قطّب تميم حاجبيه، ونظر إليها نظرة حادة.
— “دخل إزاي؟”
رفعت سيلا كتفيها ببرود ساخر.
— “تقصير حراسك… شكلهم مش شايفين شغلهم كويس.”
تغيرت ملامح تميم فجأة، اقترب خطوة، وصوته أصبح أكثر خشونة:
— “لا يمكن… إنتِ اللي دخلتيه؟”
نظرت إليه بثبات.
تابع وهو يرمقها بنظرة غاضبة:
— “دخلتيه… وقعدتي تتسايري معاه وتضحكوا… وطبعًا نسيتي كل القرف اللي شوفتيه على إيده.”
ثم رفع إصبعه وضربه بخفة قاسية على صدرها، وقال بحدّة:
— “إنتِ واحدة بريالة يا سيلا… بتعودي أي راجل يدخل حياتك إنك أسهل حاجة ممكن يمتلكها.”
اتسعت عينا سيلا من الصدمة، ودفعت يده بعيدًا عنها بعنف.
— “م سمحلكش تهيني!”
ثم تابعت بحدة:
— “أنا مش شغالة عندك… وم تخليش عقلك يسوحك وتفكر إني ضعيفة أو مكسورة الجناح.”
اقتربت خطوة نحوه، وصوتها أصبح أكثر قسوة:
— “ولا فاكر إن حبسك ليا طول الشهور اللي فاتت كسر عيني قدامك؟”
ابتسمت ابتسامة مرة.
— “أنا سيلا… اللي زمان كنت بتحفي وراها… وأبوها هو اللي رفضك.”
ثم أشارت إليه بسخرية:
— “ودلوقت… لسه بتحفي وراها برضه. بس يا حرام… نقبك طلع على شولة.”
اشتد فك تميم، لكنه لم يقاطعها.
أكملت وهي تنظر في عينيه مباشرة:
— “ومتقلقش… مش هطلب منك تمن العز ده كله.”
— “لأن وجعك من فراقي هو اللي خلاك تبقى الشخصية دي.”
توقفت لحظة، ثم قالت بهدوء ثقيل:
— “بس صدقني… النفوذ عمرها م بتدوم.”
— “لو كانت بتدوم… كانت دامت لغيرك يا تميم بيه.”
ساد الصمت للحظة.
ثم رفعت رأسها قليلًا وقالت:
— “وعلى فكرة… أنا مش بريالة.”
— “سيلا اللي كانت بتحبك… واللي ما كانش بيجيلها نوم طول ما إنت زعلان منها… ماتت.”
أشارت إلى نفسها.
— “دلوقتي في سيلا جديدة… ومن هنا ورايح مش هيشغلها حد غير نفسها وبس.”
ظل تميم صامتًا للحظات، ثم قال ببطء:
— “مجيء عمر هنا معناه إنه جاي وهو ضامنِك.”
رفعت حاجبها بسخرية.
— “وحتى لو…”
— ” أنا اديته اللي في النصيب… ومشي
ابتسمت ببرود:
— “وافاه يقمر عيش.”
نظر إليها تميم نظرة طويلة هادئة، ثم استدار وكاد ان يغادر.
لكن صوتها أوقفه.
— “أنا عايزة أروح بيتي.”
قال دون أن يلتفت:
— “ده بيتك.”
هزت رأسها بعنف.
— “لا… مش بيتي.”
التفت إليها أخيرًا، وقال ببرود:
— “اتعودي عليه.”
اشتعلت عيناها بالغضب.
— “تعرف؟”
— “لو عديت من واحد لتلاتة… وما خرجتنيش من هنا…”
ثم قالت بحدة خطيرة:
— “هقتل نفسي… أو أقتلك وأخلص.”
تأملها تميم بهدوء غريب، كأن تهديدها لا يهزه.
ثم قال بنبرة منخفضة:
— “طيب.”
اقترب خطوة، ونظر في عينيها مباشرة.
— “مستعد أجيبلك س\كينة… تقت\ليني.”
اتسعت عيناها من الصدمة.
تابع بنفس الهدوء:
— “وأكتبلك جواب بإيدي أقول فيه إني انتحرت.”
ثم قال بصوت أخفض:
— “شايفة؟ حتى وأنا بموت… مش هيهون عليا أئذيكي.”
سكت لحظة، ثم أضاف:
— “فكري… وأنا معاكي.”
ظلت سيلا تحدق فيه مذهولة، ثم نفخت بضيق وذهبت الي غرفتها
تنهد تميم بهدوء، واتجه نحو الباب.
وقبل أن يخرج قال:
— “هبعتلك ميكب أرتيست… تجهزك.”
تجمدت في مكانها.
— “عشان كتب كتابنا.”
ثم أضاف بنبرة غامضة:
— “ومحضّرلك مفاجأة.”
صرخت سيلا بكرهٍ واضح:
— “إن شاء الله تكون خبر موتك!”
وضربت الباب في وجهه بعنف.
وقف تميم في الممر لحظة بعد أن أُغلق الباب، ونظر إليه بصمت.
مرّ حزن خفيف في عينيه.
ثم تنهد ببطء.
كان يعرف جيدًا…
أن الطريق إليها ما زال طويلًا جدًا.
لكنه…
لم يكن من النوع الذي يتراجع.
….
كانت سيلا واقفة في منتصف الصالة، صدرها يعلو ويهبط من الغضب، وعيناها ما تزالان مشتعلة بعد المشادة التي انتهت منذ دقائق.
لم يهدأ شيء بداخلها… بل كان الغضب يتمدد في صدرها كحريقٍ بطيء يلتهم كل ما بقي من صبرها.
وفجأة…
دقّ الباب.
تجمدت لحظة، ثم صاحت بعصبية حادة:
— “مين اللي بيخبط؟! مش عايزة أشوف حد خالص… ابعدو عني بقااا!”
جاءها صوت فتاة من الخارج بتردد:
— “أنا… الميكب أرتيست يا مدام سيلا… أستاذ تميم بعتنا لحضرتك عشان نجهزك لكتب الكتاب.”
انعقد حاجبا سيلا بقوة.
— “مش هفتح… ومفيش جوازة هتتم! إنتو جايين الشقة الغلط.”
جاءها الرد سريعًا من خلف الباب:
— “يا مدام لو سمحتي… أنا هنا بعمل شغلي، وعندي أمر منه. ومش همشي غير لما أنفذه. ميرضيش ليكي تقطعي عيشي… أنا شقيانة وبجري على لقمة عيشي… وتميم بيه لو شم خبر إني رجعت من غير ما أخلص شغلي هبقى في خبر كان.”
ضحكت سيلا ضحكة قصيرة ساخرة، ثم فتحت الباب بعنف.
وقفت أمامها فتاتان تحملان حقائب ضخمة مليئة بأدوات التجميل، وخلفهما فتاة ثالثة تحمل كيسًا كبيرًا بداخله فستان.
تأملتهن سيلا ببرودٍ قاسٍ، ثم أشارت إلى الكيس.
— “ده الفستان صح؟”
تبادلت الفتيات نظرات مرتبكة، ثم قالت إحداهن بابتسامة متوترة:
— “أيوه يا مدام… تميم بيه بنفسه اللي اختاره ليكي. وجابلك أشهر مصممة عالمية.”
ثم أضافت بحماس:
— “الفستان متزين بأغلى الألماس… مبروك عليكي. أكيد هيبقى تحفة عليكي، جسم حضرتك ما شاء الله مرسوم… يابخته بيكي، زي القمر.”
لمعت عينا سيلا بغضبٍ مفاجئ، وخطفت الكيس من يدها بعنف.
فتحته بسرعة…
وأخرجت الفستان الأبيض.
فردته أمامها لحظة.
نظرت إليه ثانيتين فقط…
ثم قذفته أرضًا بقوة.
— “اطلعوا برّه.”
تجمدت الفتيات في أماكنهن.
قالت إحداهن بحرج:
— “بس يا مدام إحنا—”
قاطعتها سيلا بصوت ارتفع فجأة:
— “قلت اطلعوا برّه! بررررة! مش هتجوزه!”
ثم أشارت بعنف نحو الباب.
— “دي مش جوازة… دي جنازة! بتجهزوني ليه؟! كأنكم بترموني في قبري!”
وصاحت بمرارة:
— “القبر أرحم من عيشتي معاه!”
وقبل أن تتحرك أي واحدة منهن…
انفتح الباب ببطء.
ودخل تميم.
توقفت الفتيات فورًا.
كان واقفًا عند الباب، طويلًا بثباته المعتاد، حضوره يملأ المكان بهدوءٍ ثقيل.
عيناه هادئتان على نحوٍ غريب وسط الفوضى.
نظر أولًا إلى الفستان الملقى على الأرض…
ثم رفع عينيه إلى سيلا.
وقال بهدوء عميق:
— “الشو اللي عملتيه ده… أنا قادر أحط له حد.”
توقّف لحظة، ثم أضاف بنبرة أخف:
— “بس لحد دلوقتي… مقدّر اللي إنتِ فيه.”
ثم قال ببطء:
— “وقلت معلش… هتفوق. ومسيرها تفهم إني عملت الصح.”
اتسعت عينا سيلا من الغضب.
— “صح إيه؟! صح إيه يا تميم؟!”
ثم صاحت بانفعال:
— “إنت موهوووم؟! جاي تتجوزني وأنا رافضة حتى أبصلك؟!”
وأشارت إلى الفستان على الأرض.
— “الجوازة دي باطلة… ومش هتطول مني حتى شعرية!”
تقدم تميم ببطء داخل الشقة.
لم ينظر إلى الفتيات… فقط أشار بيده إشارة قصيرة.
— “سيبونا.
…
تحرّكن بسرعة نحو الباب، وخرجن في صمتٍ مرتبك، كأن الهواء نفسه صار ثقيلًا في تلك الشقة.
أُغلق الباب.
وبقي تميم وسيلا وحدهما.
انحنى تميم قليلًا، التقط الفستان من الأرض بهدوء، ونفضه ببطء، ثم وضعه على الأريكة بعناية كأن ما سقط لم يكن مجرد فستان… بل كرامة أُهينت أمامه.
كانت سيلا تنظر إليه بعينين مشتعلتين، كأنها على وشك الانفجار.
قالت بحدّة:
— “مش هلبسه… حتى لو شوفت حَلَمة ودنك يا تميم.”
رفع عينيه إليها ببطء، ونظرته ثابتة لا تهتز.
— “تميم… رغباته أوامر. مش طلبات.”
ابتسمت بسخرية مريرة.
— “امشي بالكلام ده على العرايس بتوعك… اللي بتحركهم زي العرايس الماريونيت عشان ينفذوا اللي يشبع غرورك.”
رد ببساطة، دون أن يرفع صوته:
— “وإنتِ بقى… من العرايس بتاعتي.”
انفجرت ضاحكة ضحكة حادة.
— “إنت واخد مقلب كبير في نفسك. إنت مش أقوى مني… والأسلوب الرخيص ده ما ياكلش معايا.”
اقترب خطوة.
— “يا سيلا… أنا عايز رضاكي عني.”
ثم أضاف بنبرة هادئة ثقيلة:
— “أسلوبك هو اللي بيخليني أبقى وحش.”
اشتعلت عيناها.
— “أنا مش أمك عشان تنول مني الرضا!”
ثم أضافت ببرود قاسٍ:
— “وبعدين… إنت وحش بالفعل.”
لم يرفع صوته، بل قال بهدوء بارد:
— “طيب… هنقبح؟”
ثم تابع كأنه يحسم أمرًا عاديًا:
— “كتب الكتاب بعد ساعة. خلصي… وعدّي ليلتك معايا.”
اتسعت عيناها من الغضب.
— “لا… مش هتعدي!”
ثم أشارت بيدها بعصبية:
— “وخليها حتى لو بعد دقيقة… ممكن متلاقنيش! أهرب بقى… أطير… أموت… أختفي! مش شغلك.”
نظر إليها تميم لحظة طويلة، ثم أشار إلى الفستان على الأريكة.
— “الفستان قدامك.”
ثم قال بهدوء ثابت:
— “عايزة تبقي عروسة؟ تمام.”
وأكمل ببرود:
— “مش عايزة… هتبقي مراتي برضه. حتى وإنتِ باللبس ده.”
حدّقت فيه بعناد، ثم قالت ببطء متعمّد:
— “طب عارف أنا هعمل إيه؟”
لم يرد.
تابعت وهي تبتسم ابتسامة مستفزة:
— “هتصل بعمر… حالًا.”
ارتسم شدّ خفيف على فكّه.
لكنها أكملت ببرود جارح:
— “وأقوله ييجي ياخدني.”
ثم اقتربت خطوة وهي تحدّق في عينيه.
— “وهو مش هيصدق… هيجري عليّا زي الغريق اللي لقى طوق نجاة.”
توقفت لحظة ثم أضافت ببطء:
— “هو مستني مني خطوة بس.”
ثم قالت بحدّة:
— “في الآخر… كان جوزي. وأحق واحد بيا.”
في تلك اللحظة…
اشتد فك تميم بقوة، ومرّ برق غضب في عينيه كاد يحرق المكان.
كان على وشك أن يصفعها.
لكنّه تماسك.
شدّ نفسًا عميقًا… كأنّه يقيّد غضبه داخل صدره بالقوة.
ثم تقدّم فجأة، وأمسك يدها بعنف.
شهقت سيلا:
— “سيب إيدي!”
لكن قبضته اشتدت أكثر.
اقترب منها، وصوته انخفض حتى صار خطيرًا:
— “تعالي معايا.”
حاولت أن تفلت يدها.
— “سيبني يا تميم!”
لكنه لم يتركها.
سحبها خطوة نحوه.
— “قلت تعالي.”
صرخت بغضب:
— “رايح بيا فين؟!”
نظر في عينيها مباشرة… وقال ببرود ثقيل:
— “هوريكي حاجة.”
ثم أضاف ببطء:
— “يمكن بعدها… تبطلي تقولي إن عمر أحق بيكي.”
…..
