امرأة بين نارين

كان المطبخ هادئًا إلا من صوت السكين وهي ترتطم بلوح التقطيع بخفة. تميم يقف أمام الرخامة، يتحرك بثقة وهدوء وكأنه معتاد على المكان. قدر المكرونة كان على النار، والبخار يتصاعد منه برائحة الصلصة واللحمة التي كانت سيلا تحبها قديمًا.
أخذ الملعقة وتذوّق الصلصة قليلًا، ثم عقد حاجبيه وهو يفكر، قبل أن يمد يده إلى علبة الملح ويضيف رشة صغيرة، يقلبها بعناية وكأنه يوازن طعمًا يعرفه جيدًا.
بعدها انتقل إلى السلطة، يمسك السكين بمهارة واضحة، يقطع الطماطم والخيار بسرعة ونظام، القطع متساوية وكأنها خارجة من يد طاهٍ محترف.
سيلا كانت واقفة عند باب المطبخ، تراقبه بصمت. لم تكن تنوي أن تتكلم، لكن المشهد أمامها أربكها
تميم… يطبخ.
والمكرونة باللحمة تحديدًا… نفس الأكلة التي كانت تحبها دائمًا.
لم تملك نفسها وقالت ببرود:
— “بتعمل إيه وبعدين وجودك معايا ف نفس المكان غلط انا ليا شهور عدة؟”
لم يرفع رأسه وهو يواصل تقطيع الخيار:
—”واضحة يعني… بطبخ ياسيلا وبعدين متخافيش هناكل سوا وهمشي.”
ضيقت عينيها قليلًا:
— انت فاكر هاكل من ايدك اصلا ”
رفع نظره إليها أخيرًا، وابتسامة خفيفة ظهرت على شفتيه:
— نا عملت عايزة تاكلي تمام مش عايزة براحتك ثم بلاش تاخديني ف دوكة وعرفيني اي رايك ف الشقة مش بتشبهي عليها: ”
عقدت حاجبيها فورًا:
—: شقة كلها كأبة زي صاحبها اللي اشتراها بالظبط
عاد ينظر إلى السلطة وهو يخلطها بهدوء:
— “.”بس انا متاكد انها عجباكي دي كل التفاصيل اللي كنتي بتكلميني فيها زمان وعملتها كلها ع ذوقك
تجمدت ملامحها لحظة، لكنها سرعان ما استعادت برودها:
— “خليها لواحدة ست تانية غيري وبعدين ريحة الاكل وحشة اوي.”
رفع الملعقة مرة أخرى وتذوق الصلصة، ثم هز رأسه برضا:
—: “بجد طب تعالي دوقي كدا؟.”
اقتربت خطوة إلى داخل المطبخ رغمًا عنها، والرائحة بدأت تصل إليها بوضوح.
قالت بنبرة عناد:
— “أنا مش هاكل.”
ضحك بخفة وهو يطفئ النار تحت القدر:
— : “هنشوف هتعرفي تصمدي قدام اكتر اكلة بتحبيها ولا لا ؟.”
ثم بدأ يسكب المكرونة في الطبق بهدوء، ويرتب السلطة بجانبه بعناية.
رفعت سيلا حاجبها باستغراب:
— “انت بتعمل كل ده ليه؟”
رفع عينيه إليها، نظرة هادئة لكن عميقة:
— “عشانك.”
ضحكت بسخرية وهي تهز رأسها:
—: “هاكل لو مش عاجبني هرميه ف وشك.”
ابتسم وهو يضع الطبق على الطاولة:
— : “طب اقعدي بدل م انتي عمالة تبصي للاكل وتشمي من غير م دوقي اي دخل دا بعنادك معايا؟ كلي يلا عشان ورايا اجتماع مهم
ظلت واقفة لحظة، تنظر إلى الطبق… ثم إليه.
وقلبها، رغم كل شيء، لم يكن مطمئنًا لفكرة أنها ما زالت تتذكر طعم الأكلة التي صنعها خصيصًا لها.
…
جلسا متقابلين على الطاولة، وكلٌ منهما يحمل شوكته وسط صمتٍ ثقيل. لم يكن الصمت بينهما مريحًا،.
كانت سيلا تأكل ببطء، بينما يراقبها تميم بين الحين والآخر دون أن يعلّق. كأنه يحفظ تفاصيلها الصغيرة… الطريقة التي تمسك بها الشوكة، أو كيف تبتلع الطعام وهي تحاول أن تبدو غير مهتمة.
قطعت سيلا الصمت أخيرًا دون أن تنظر إليه:
— سيلا:
“الأكل حلو… بس متفتكرش إن ده هيغير حاجة بينا.”
ابتسم تميم بخفة، وكأنه كان يتوقع ردها
“مش مستني يغير حاجة… أنا بس كنت عايزك تاكلي. الأيام اللي فاتت كانت صعبة عليكي بما فيه الكفاية… جه الوقت تفصلي شوية وتهتمي بنفسك.”
رفعت عينيها إليه فجأة وقالت:
“هو عمر فين دلوقت؟”
توقفت يد تميم قليلًا عن الأكل، ثم وضع الشوكة جانبًا ومسح يده بالمنديل، قبل أن يجيب بنبرة حاسمة:
“لآخر مرة تجيبي سيرته قدامي… ولآخر مرة هجاوبك على سؤال يخص المخلوق ده.”
ثم أضاف ببرود:
“دلوقت؟… بيستلم تمن وجودنا سوا.”
ارتعشت عينا سيلا لحظة، لكنها تماسكت بسرعة وقالت بمرارة:
“آه… أنا سمعت كل حرف قاله. والباشا وافق بسرعة الصاروخ. مخدش باله إنه بيتنازل عن شغله وحياته… وبيخسر شقا عمره عشان واحدة مش حاسة بيه ولا هتحس.
إنت اشتريتني… وأنا مش سلعة يا تميم.”
رفع تميم كتفيه ببساطة، ثم قال بصوت هادئ لكنه صادق:
“آه… وافقت.”
ثم نظر إليها مباشرة وأضاف:
“وافقت عشان بحبك. بموت فيكي… بعشق التراب اللي بتمشي عليه. أفديكي بروحي… وتاخدي عيني وقلبي… وأدفع ملايين الدنيا عشان بس أنول نظرة حب من عينيكي ليا.
هو اللي غبي… مش عارف قيمتك. لو لف الدنيا كلها عمره ما هيلاقي ضفر منك.”
توقفت سيلا عن الأكل تمامًا، ونظرت إليه بحدة:
“إنت مجنون… مش طبيعي!”
رد تميم بهدوء شديد:
“أنا كنت محتاجه يوافق… وكنت بدعي بكده.”
قطبت سيلا حاجبيها بغضب:
“ليه؟ ليه يا تميم؟!”
مال تميم قليلًا للأمام وقال بصوت منخفض:
“عشان عمر طماع… والناس الطماعة أسهل ناس تتحكمي فيها.”
ثم أكمل بهدوء قاتل:
“هو آه بقى صاحب الشركة… بس الشركة مربوطة بعقود عالمية. مشاريع بالملايين… وهو معندوش الخبرة اللي يديرها.
هيضطر يصرف من الحسابات… وهيكتشف إن الفلوس اللي فاكرها بحر… مش هتكفي.”
ضيّقت سيلا عينيها وهي تستمع.
فأكمل تميم بنبرة أكثر برودًا:
“المشاريع دي ممكن توصل لأكتر من خمسمية مليون دولار عشان تتنفذ. لو معرفش يديرها… كل حاجة هتنهار.
والفلوس اللي فاكر نفسه هيعيش بيها عمره كله… هتروح في غمضة عين.”
ثم نظر إليها نظرة مظلمة قليلًا وقال:
“هيرجع شحات تاني… بس من غيرك انتي فاكرة هسيب اللي باعك يتهني واكون السبب ف كدا والله هيشوف الموت بعنيه ع كل قهرة منك.”
ارتجفت سيلا قليلًا وقالت ب
— سيلا:
“إنت هتعوض ده كله إزاي؟! وبعدين الفلوس دي كلها جبتها منين يا تميم؟ أوعى تكون اشتغلت في الحرام!
وبعدين… عمر كان جوزي… مرضاش ليه الأذية.”
نظر إليها تميم مباشرة وقال بثبات:
“أنا مش بتاع حرام.”
ثم أضاف بهدوء:
“وبعدين أنا مأذيتوش… هو اللي طلب، وأنا نفذت. هو … معرفش يحسبها صح بسبب طمعه.”
صمت لحظة ثم قال:
“أنا مسافر… أبدأ الشغل هناك وأظبط كل حاجة.”
تجمدت ملامح سيلا.
“يعني… مش هترجع؟”
أومأ تميم بهدوء:
“هفضل هناك لحد ما تخلصي شهور العِدّة.”
ارتبكت نظرتها قليلًا، ثم سألت بصوت أخفض:
“وإيه اللي هيحصل لما أخلصهم؟”
نظر إليها تميم نظرة طويلة… هادئة لكنها مليئة بشيء عميق.
ثم قال ببساطة:
“هرجع.”
رفعت حاجبيها وسألته:
“وترجع ليه؟”
ابتسم ابتسامة صغيرة، وقال:
“عشان ساعتها… مش هيبقى في راجل تاني يقول إنك مراته.”
ثم أضاف بنبرة واثقة:
“هتكوني حرة… وساعتها أنا اللي هطلبك.”
ساد الصمت بينهما مرة أخرى.
أما سيلا… فظلت تنظر إلى طبقها دون أن تأكل، لأن قلبها كان يدق بسرعة… أسرع مما تريد الاعتراف به.
…
كان الليل هادئًا، يتسلل ضوء القمر عبر النافذة فيرسم خطوطًا فضية على أرضية الشقة. وقف تميم عند الباب ممسكًا بحقيبته الصغيرة، بينما كانت سيلا تقف أمامه، ذراعاها متشابكتان وعيناها ممتلئتان بالرفض والعناد.
قال تميم بصوت هادئ:
“لازم أمشي دلوقتي…”
نظرت إليه سيلا بصمت،
تنهد تميم قليلًا ثم أكمل:
“كل شهر هيجيلك مبلغ يكفيكي… وفي حد هيعدّي كل أسبوع يجيبلك الأكل اللي تطلبيه. عندك تليفزيون ونت… حاولي تسلي وقتك. أنا عارف إن الحبس مش حلو، بس لازم أضمن إن محدش يقدر يقربلك.”
ثم أضاف بعد لحظة:
“عمر ممكن يظهر في أي وقت… عشان كده تحت في طقم حراسة كامل، بورديات ثابتة.”
أخرج هاتفًا من جيبه ومدّه لها.
— تميم:
“خدي الموبايل ده… ولو رنيت عليكي، أتمنى تردي. حتى لو تسمعيني صوتك لدقيقة.”
ابتسمت سيلا بسخرية خفيفة وقالت:
“أووه… إنت مخطط لكل حاجة! كأني عيلة صغيرة وإنت وليّ أمري.”
ضحك تميم بخفة، محاولًا تخفيف حدة الجو.
“والله اللي بعمله ده مش تحكم… ده خوف عليكي.”
رفعت سيلا حاجبها وقالت بنبرة أكثر هدوءًا رغم اعتراضها:
“أنا كبيرة كفاية أحمي نفسي… وأعرف أتصرف. وبعدين كونك حابسني هنا ده يتسمى إيه غير إنه انتهاك لحريتي؟”
نظر إليها تميم بثبات وقال:
“انتي مجبورة تعملي كده… فخلّيها برضاكي.”
تنهدت سيلا قليلًا وقالت بصوت خافت:
“طب وليه حابسني هنا؟”
اقترب تميم خطوة منها وخفّض صوته:
“أنا مش حابسك… تقدري تخرجي لو حبيتي. بس معاكي حراسة… وعربية توديكي وتجيبك. أظن كده عداني العيب.”
اقترب أكثر قليلًا، وكأنه أراد أن يطبع قبلة خفيفة على رأسها، لكنها تراجعت بسرعة وقالت بنفور:
“يأخي بكرهك كره.”
فتح تميم الباب ببطء، ثم التفت إليها مرة أخيرة، وابتسامة صغيرة ارتسمت على شفتيه.
— تميم:
“وأنا بحبك.”
ثم خرج وأغلق الباب خلفه بهدوء.
….
بعد مرور أربعة شهور، كانت سيلا شبه شبح لنفسها السابقة. كانت الشقة منظمة بشكل مثالي، كل شيء في مكانه، وكل وجبة تصلها جاهزة، لكن قلبها كان خاوي. الجو المحيط بها هادئ جدًا، لدرجة أن كل ضوضاء خارجية كانت تبدو مزعجة، لكنها كانت تشعر بغربة كبيرة عن نفسها وعن الحياة.
عينها تحمل برودًا مشوشة، وعادةً ما كانت تحدق في الفراغ لساعات، تفكر في الأيام اللي راحت، وفي صمتها الطويل عن كل ما كانت تحبه. أحيانًا تشعر بغضب دفين بسبب قيود تميم عليها، وأحيانًا تشعر بالارتباك والخوف من فكرة العودة إلى حياتها الطبيعية بعد كل هذا الوقت.
كانت تتلقى المكالمات والرسائل من تميم، صوته في الهاتف يطمئنها ويطمئنها على كل شيء، لكنها كانت تسمعه بصوت خافت، كأنها تتلقى كلمات حقيقية لكنها بلا تأثير على قلبها المتعب.
رغم كل شيء، مازال في داخلها شعور بالرفض والعناد، لكنها بدأت تدريجيًا أن تصارح نفسها: أنها فقدت جزءًا من حريتها، وأن الوقت الذي مضى جعلها تتساءل عن نفسها وعن من تحب وعن من تستحق فعلاً أن تكون معه. كانت تشعر بالحنين لما كان بينهما، لكنه مختلط بغضب ومرارة، وكأن قلبها يعيش على حافة الانتظار المستمر، بين الرجاء واليأس.
….

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *