امرأة بين نارين

سيلا كانت جالسة على حافة السرير، موبايلها بين إيديها، عينها لا تفارق صورة عمر، والدموع تترقرق على وجنتيها. قلبها مثقل بالألم، وكأن كل ثانية تمر ثقيلة عليها. فجأة، خبط الباب، ودخل تميم. لم يقل شيئًا، لكنه لمح الصورة في يدها، شعور بالغيرة مشى في صدره مثل نار صامتة، لكنه فضّل الصمت، حاملاً معه صينية الطعام بعناية.
وضعها أمامها برفق:
— يلا… كلي.
سيلا هزّت رأسها، صوتها متقطع:
— مليش نفس.
تميم اقترب، جلس على طرف السرير، عيونه تلاحق كل حركة منها، صوته مليء بالحنان والحرص:
— معلش… تعالي على نفسك… لازم تاكلي.
سيلا حاولت تتراجع، جسدها كله يرتجف:
— مش قادرة… صدقني.
تميم مد يده، مسك يدها بخفة، قرب وجهه من وجهها، عيناه مولعتان:
— طب… أكلك بإيدي… إيه رأيك؟
سيلا رفعّت رأسها، تحدت عيونه:
— اعمل اللي انت عايزه.
بدأت تاكل ببطء، عيونها تلمع وهي تفكر في أمر حسمت أنها ستفعله. فجأة قالت، بعزم وقوة:
— مش ناوي تتمم جوازك مني.
تميم تجمد، عيونه تثبتت فيها، صوته منخفض لكنه مشحون بالشغف:
— حبيت لما انتي تطلبي دا… وقلت أصبر عليكي لما تخرجي من صدمتك.
سيلا ضحكت بسخرية، عيونها تختلط فيها الحزن والرغبة:
— عايزني أخد كفايتي من الحزن طب انا اهو بقولك كلي ليك وعايزاك زي م انت عايزني واتفضل خد حقك فيا بكل رضا
تميم اقترب أكثر، قبض على خصرها ببطء، قلبه يخفق، جسده كله يتحدث بلغة الرغبة والملكية، حملها برفق ووضعها على السرير. كل حركة منه مليئة بالحرص والشغف، وكل لمسة منه تتجاوز الكلام، تتسلل إلى قلبها، تجعلها ترتجف وتذوب في حبه.
سيلا سلمت له نفسها، جسدها يرتجف مع كل ضمة، كل همسة، كل تنفس، وفجأة شعرت بحبه يتغلغل فيها بعد سنوات من الانتظار والحرمان.
غمضت عينيها بحزن وحنين، وهو بعد عنها، أخذ يدها وراستها بين يديه، صوته ملئ بالشغف والحنان:
— بحبك أووي يا سيلا… بعشق كل حاجة فيكي.
سيلا نظرت له قبل أن تغمض عينيها مرة أخرى، همست في سرها:
— سامحني… بس انت هتصحي مش هتلاقيني.
…
استيقظ تميم من النوم، قلبه مازال يدق بعنف، وجسده يشعر بنشوة الليلة الماضية، وكأن العالم كله أصبح ملكه بعد امتلاكه لها. ابتسم وهو يلمس يدها على الوسادة، رائحته تملأ أنفه، ودفء جسدها يلتصق بذاكرته. شعر بالسعادة المطلقة، بالسيطرة التي لم يعرفها من قبل، وبحب متوهج لا يمكن كتمه.
لكن، عندما فتح عينيه بالكامل، وجد الوسادة فارغة. رفع رأسه، نظر حول الغرفة بسرعة، وقلبه يضرب كأنه سيقفز من صدره.
— سيلا؟! — صرخ وهو يجلس على السرير، يده تضرب الوسادة كما لو كانت تعطيه إجابة. — انتي فين؟
تحرك بسرعة، فتح الحمام… لا شيء. فتح الدولاب، لا أثر لها، كل ملابسها اختفت. بدأ يصرخ، صوته ممتزج بالغضب والخوف:
— معقولة تضربني ع افايا وتستغل اني ضعيف قدامها وتخدرني وتهرب معقول نمت دا كله اكيد حطتلي حاجة انا متاكد بس أمتي شربت من أيدها
حاول يتذكر، قبل أن يتمم جوازه منها، طلبت منه أن يشرب مياه لكي ينعش ريحة نفسه قليلاً. اندهش، ماذا بها؟ ما بها ريحة نفسي! لكن مع ذلك فعل ما تريده، قامت جلبت مياه وجعلته يشرب منها، وبعد انتهائهم شعر بالارتخاء ونَمَّ يوم كامل دون أن يشعر.
(يضرب الحائط بيده، جسده كله يرتجف من صدمته وغضبه)
— ادي اخرة ثقتي ادي اخرة ثقتي استاهل ضرب الجزم نيمتني يوم كامل ليه لييييبه؟
جلس على الأرض، رأسه في يديه، ثم رفع عينيه نحو السقف، صوته يهتز بين الجنون والألم:
— مش هخليكي تكسبي الشاطر اللي يضحك ف الاخر وهجيبك حتى لو ف بطن الحوت هجيبك وافعصك تحت رجلي مش هخسرك ياسيلا
خرج يمشي في الشارع، صوته يصرخ باسمها، كل شبر في البيت والحي يسمع صوته، وجسده يهتز بين الهلع والغضب والشوق:
— سامعاني مش هسيبك هدور عليكي مش هاكل ولا هشرب ولا هنام شغلي الشاغل اجيببك تحت رجلي تاني ورحمة امي ل اندمك ع كذبك عليا ياسيلا فاكراني هفق انا اللي بحرك الناس ب اشارة مني يوم م اضعف قدامك تخليني خيبة كدا والله ل اعرفك يعني اي راجل لما يكره هنتقم منك ومش هسيب فيكي حتة سليمة هرجعك مش ف جنة حضني زي م وعدتك هرجعك لجحيمي لغضبي ل وجعي ليه ياسيلا لييييه
الشارع كله أصبح مسرحًا لهوسه، كل صوت وكل ضوء يعكس جنونه، كل قلبه صار نارًا، وكل حركة له تصرخ: هي ملكي، لن أفقدها مهما حدث… مهما حدث…
….
تميم جلس خلف عجلة القيادة، وكأن كل ثانية تمر تُذِكرُه بأن سيلا هربت منه. قلبه ينبض كطبول حرب، كل خفقة منه تصرخ باسمها، وكل تفكير فيه يختلط بالجنون والقلق.
في ذهنه، صور سيلا تتكرر: ابتسامتها، صوتها، لمساتها، وحتى تلك اللحظات التي غابت فيها عن شعوره بالسيطرة. كل ذكرى كانت كسهم يغرز في صدره، يزيد من هوسه ويشعل غضبه.
في تلك اللحظة، شعر بشيء يتحرك خلفه في الطريق، سيارته فجأة تُحاصر من كل جانب. أضواء ساطعة، سيارات تقف أمامه وخلفه، وكأن العالم كله أصبح فخًا. حاول التملص،
السيارة انزلقت على أحد المنعطفات بسرعة جنونية، ودوامة الذاكرة مع غضبه جعلت تميم يفقد السيطرة. صوت المطاط على الأسفلت، صرير الفرامل، كل شيء صار فوضى.
— يا رب… — تمتم وهو يحاول السيطرة، لكن الذكريات كانت أكبر من قدرته.
وبفجأة، انعطفت السيارة بعنف، وارتطمت بالحاجز، ثم انقلبت عدة مرات، كان صراخه الأكبر ليس للخطر على جسده، بل لأنه خسر السيطرة، ولأن سيلا كانت الآن بعيدة، وكأنها لم تعد له، وكأن العالم كله أصبح حافّة من نار تحيط به من كل جانب.
…
كانت سيلا جالسة في صالة الانتظار بالمطار، يداها متشابكتان فوق حقيبتها الصغيرة، وعيناها تتحركان بقلق بين الوجوه المارة. ضجيج المطار من حولها كان صاخبًا، لكن داخلها كان أكثر صخبًا. قلبها ما زال ينبض بسرعة، وكأنها تخشى أن يظهر تميم فجأة من بين الحشود.
تنفست ببطء، محاولة تهدئة ارتجاف أصابعها. نظرت إلى جواز السفر في يدها، ثم أغمضت عينيها للحظة، فعادت إليها ذكريات الساعات الماضية.
تذكرت كيف دخلت غرفة تميم بهدوء، بعد أن غرق في نوم عميق. كانت خطواتها حذرة، وقلبها يخفق بعنف في صدرها. فتحت درج مكتبه ببطء، واخدت مفتاح الخزنة وفتحتها وعثرت على المال الذي كانت تعلم أنه يحتفظ به هناك. ارتجفت يدها وهي تأخذ بعضه، لكن عقلها كان يصرخ بأن هذا هو الطريق الوحيد للهرب.
أغلقت الدرج سريعًا، ثم خرجت من الغرفة بخطوات مترددة.
انا اسفة ياتميم اسفة اوي
عادت إلى واقعها حين جلس بجانبها شاب ف عمر 30، كان يرتدي بدلة بسيطة، وملامحه هادئة. التفت إليها قليلًا وقال بصوت منخفض:
— خلصتي الإجراءات؟
هزّت رأسها بخفة:
— آه… الحمد لله. بجد شكرا.
تنهد الرجل بارتياح وقال:
— شكرا ع اي انتي رفضتي حتي تاخدي الفلوس مني.
أجابته سيلا:
— منا تصرفت وجيبتها.
قال الرجل:
— امك إنسانة عزيزة ع قلبي… هي مش خالتي، دي أمي. وع العموم هنسافر دلوقت، خالك مستنيكي ..حياتك كلها جاهزة هناك، وإن شاء الله بداية خير عليكي. انسي كل اللي حصلك هنا وارميه ورا ظهرك.
همست سيلا:
— تفتكر هقدر؟
ابتسم الشاب مطمئنًا:
— تقدري ونص… أنا لما خالتي اتصلت بيا من لبنان وحكتلي عنك صممت أساعدك واتواصلت معاكي، ولما لقيتك اتحمستي لفكرة السفر رجعت لوالدي ع طول، وجهزلك عقد عمل يناسب شهادتك ومش عايز شكر اني سهلتلك كل الإجراءات عشان عارف انه جوزك كان مضيقها عليكي ازاي ؟ ومتقلقيش اول م الدنيا تظبط هكلم تميم عشان يطلقك
سألت سيلا، بعينين ممتزج فيهما الخوف والأمل:
— مش دلوقت مش دلوقت خالص
أجابها الشاب بثقة:
— اللي يريحك انا معاكي فيه .
في تلك اللحظة، دوّى صوت النداء في المطار:
“النداء الأخير للركاب المتجهين إلى بيروت…”
حان وقت الرحيل… لكن الماضي لم يكن مستعدًا لتركها بسهولة.
…
غرفة الطوارئ كانت مشتعلة بالقلق والخوف، وأجهزة المراقبة تصدر صفيرًا متواصلًا. تميم الشافعي، رجل الأعمال المعروف، كان ملقى على سرير العناية
خرج الدكتور من الغرفة، ملامحه متوترة، ووقف أمام عائلته التي اجتمعت على عتبات المستشفى.
— هو… هو في غيبوبة كاملة ياعالم هيفوق منها امتي —
تجمّد الجميع للحظة، وكأن الزمن توقف. الخوف والرعب ارتسم على وجوههم، لم يستطيع أحد نطق كلمة
الأم والأخوات والأب، كلهم وقفوا مذهولين، يدركون أن رجل الأعمال الذي عرفوه قوي ومسيطر لم يعد بيده شيء سوى الانتظار. كل نظرة على جهاز المراقبة كانت تحمل قلقًا عميقًا، وكل صوت في المستشفى يذكرهم بحقيقة صادمة: تميم الآن في عالم غريب، لا يستطيعون الوصول إليه إلا بالصبر والرجاء.
وفي الطائرة، رغم كل شيء، شعرت سيلا بأن هذه اللحظة تمثل لها فرصة نادرة. كانت على وشك أن تبدأ حياتها من جديد، بعيدة عن الماضي، بينما كانت حياة تميم معلقة بين الغيبوبة والحقيقة المجهولة، وكأن القدر نفسه قرر أن يبدل الأدوار، ويترك كل منهما في مسار مختلف تمامًا.
هل سيستطيع تميم الاستيقاظ من غيبوبته، أم أن جسده مازال محتجزًا بين الحياة والموت؟
هل سيظل تميم كما كان، أم أن غيبوبته ستترك أثرًا يجعل شخصيته مختلفة؟
ماذا ستفعل سيلا إذا واجهت غضب تميم بعد كل ما فعلته؟
هل سيكون اللقاء بينهما بداية مصالحة أم كارثة لا يمكن التنبؤ بها؟
انتظرو نوفيلا ف انتظار العودة
الجزء التاني من امراة بين نارين

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *