امرأة بين نارين

قصة قصيرة بعنوان امرأة بين نارين الحلقه الثالثه والاخيرة
تميم ظل يسحب سيلا حتى توقفا في مكانٍ سري داخل الشقة، حتى هي استغربت جدًا. وضع يده على الريموت الموجود على الحائط، فظهرت على الشاشة الكبيرة صورة عمر في الكبارية، يتصرف بطريقة فاضحة. كان يرقص مع البنات، يشرب الخمر، ويده تتحرك بطريقة شهوانية على أجسادهن، وغمز لواحدة منهن وهي تضحك، ثم دخل معها إلى غرفة.
ثم ظهر موقف آخر: شاهدته سيلا وهو يخطط لصفقات مشبوهة، يتفق مع شخص لإعداد سيجارة وتوزيعها لتعويض خسارته. كما شاهد عمر يتحدث مع امرأة ع زوجته ويقول انها نكدية وخائنة ولا تستطيع ان تنجب له ولد
سيلا وهي تصرخ وتضع يدها ع أذنها بدموع القهرة
— لا… كفااااايا وقف الفيديو دا… أرجوك يا تميم!
تميم نظر إليها بوجع وغصة وقال:
— آسف يا سيلا… إني حطيتك في موقف زي دا. بس صدقيني، الواحد لما يحب بتتعمي أوي، مش بيشوف غير الحلو. حتى الوحش بيحليه عشان ميخسرش اللي بيحبه
ثم اقترب منها وأمسك يدها:
— وانتي أكيد اتقرصتي منه كتير، بس كانت قرصة خفيفة، دلوقتي علمت… وبالقوي كمان. سيلا، احنا لبعض. وانتي ليا من يوم ما اتولدتي. افتكري كدا أول مرة اتقابلنا فيها، لما قلتيلي “انت مجهولي اللي فضلت أحبه من قبل ما اشوفه”… أنا كنت قطة مغمضة، يوم ما فتحت عيني، فتحتها عليك. وكلمة راجل يعني انت. وكلمة ظهر وسند يعني انت. وانت الإنسان اللي لو الدنيا كلها مبقاش فيها حد غيرك، هكتفي بيك. وانت اللي بتسمعني من غير ما تحكم عليا. انت مرايتي، اللي لما ببصلها، بطلع حلوة وست الستات. فاكرة كلامك ليا يا سيلا؟
سيلا شعرت بالدوخة ف تقيأت على قميصه… تميم نظر إليها بدهشة، وزهول، وخوف عليها، محتضنًا إياها بحذر.
….
سيلا جلست على حافة حوض الحمام، رأسها يميل إلى الأسفل، تتقيأ بلا حول ولا قوة، وكل محاولة للتشبث بالقوة تجعلها أضعف. كان وجهها شاحبًا، ودموعها تسبق الألم.
تميم وقف عند باب الحمام، صامتًا للحظة، عيناه تفيض بالقلق. حاولت أن تدفعه بعيدًا:
— تميم… مش عايزاك تشوفني كده… أبعد… دا مش منظر…
لكن تميم اقترب ببطء، صوته منخفض وحنون:
— سيلا… يا قلبي… ما ينفعش أسيبك لوحدك في موقف زي دا… خدي نفس… واهدي… أنا هنا معاكي
حاولت تتحرك بعيدًا، لكنها ارتكزت على حافة الحوض، ضعيفة. تميم جلس بجانبها، يرفض أن يتركها، ويده ترتعش قليلاً وهو يضعها برفق على كتفها:
— سبيني أساعدك…
سيلا بخجل، بصوت خافت:
— تساعدني… في إيه يعني؟
ابتسم تميم ابتسامة هادئة، يحاول السيطرة على شعوره بالقلق:
— إنك تبقي أحسن
أمسك بمنديل ناعم، بدأ يمسح وجهها برفق بعد أن انتهت من التقيؤ، يمسح أثر الغثيان والدموع، وكل حركة منه كانت مليئة بالحنان والحرص. شعرت سيلا بدفء يملأ قلبها، وعيونها تلمع بامتنان وخوف في آن واحد.
…
جلس تميم بجانب سيلا على حافة السرير، ساعدها برفق حتى استقرت، ثم وضع قبلة خفيفة على رأسها. كان صمت الغرفة يثقل الجو، لكنه صمت مليء بالحرص والاهتمام.
ابتسم لها برقة، ثم قال بصوت حنون وحازم في الوقت نفسه:
— اسمعيني كويس… أنا مش هفرض نفسي عليكي، ولا هغصبك إنك تكوني معايا ومش راضية بالوضع. أنا مش هقبلها على نفسي. واللي بيخليني اتجرأ وعملت اللي عملته دا، عشان عندي يقين مليون ف المية إنه في، ولو جزء واحد في قلبك، لسة بيدق ليا.
رفع يده برفق، وكأنها درع يحميها من أي شعور بالخوف، وأضاف:
— عشان كدا، معاكي نص ساعة… يا تلبسي الفستان، يا تقولي لا… وساعتها صدقيني هساعدك ذاكرتك تنسي إنه في حد اسمه تميم عدّى من عليها.
ظل ينظر إليها بصمت، عيناه تغرقان بالعشق والحنان، وكل حركة من حركاته تشي بالأمان والثقة. ثم همس:
— قولي “أه”، وأنا هخلي تشوفي حضني كأنه الجنة على الأرض.
وقفت سيلا للحظة، يديها ترتعشان، وقلبها يخفق بشدة، كأن كل جزء من جسدها يهمس له: ثقي بي…، لكنه ظل ينظر إليها بلا كلل، بلا تردد، حتى شعرت بالطمأنينة.
اقترب من الباب، فتحه، وسمعته يقول بصوت خافت:
— سيلا…
التفتت إليه بعينين تملؤهما الدموع، لكنها كانت دموع امتنان وحب، فأجابت بثقة هادئة:
— أنا… موافقة نتجوز. اديني شوية وقت وهبقى جاهزة.
تميم ابتسم ابتسامة هادئة، قلبه يرتجف من السعادة، ويداه تحنّا على كتفيها دون أن تراه،
….
جلس عمر في مكتبه، يداه متشنجتان على حافة الطاولة، وعيناه تحدقان في الشاشة أمامه، والنبأ الجديد يقطع قلبه كالسيف: سيلا وتميم… كتبوا كتابهم.
ابتلع غصة ثقيلة، وانفجر غضبًا أعصابه، فأمسك بأقرب شيء وألقى به بعنف، تصدعت القطع، وارتج المكتب تحت قوة انفعاله. صمت للحظة، ثم رفع هاتفه، وأدخل الرقم المحفور في ذاكرته، ورن الهاتف على الطرف الآخر.
سمعت سيلا صوت رنين الهاتف، ارتجفت، وارتفعت دقات قلبها وهي ترفع الهاتف. عند ظهور اسم عمر على الشاشة، شعرت وكأن الهواء اختنق في صدرها.
— سيلا انا عمر حبببك ينفع كدا تبعدي عني وتبقي مراته هو نسيتي كل اللي عمله فيكي بسهولة ؟ انتي اكيد بتمثلي عليه دي خطة صح هتردي كرامتك وف الاخر هتعرفي انه ببتك الحقيقي هو بيتنا وبس… أنا مش قادر أعيش من غيرك ياسيلا لو مجيتيش عندي انا هنتحر وذنبي هيكون ف رقبتك — قال عمر بصوت متقطع، وك.
— عمر… بلاش الكلام دا… أنا… أنا خلاص بقيت مراته نصينا وحكايتنا خلصت دورنا انتهي ارضى وعيش وحب تاني الحياه مش بتقف ع حد ولو عليا هسامحك بس بلاش تعمل فعل مجنون ف لحظة تهور كدا انت هتموت كافر بلاش تخسر اخرتك اللي هتقبالك عشان اي مخلوق… — أجابت سيلا، محاولًة أن تثبت نفسها، لكنها شعرت برعشة في صوتها.
— سيلا بلاش قسوة انا بتخنق وبموت بدل المرة الف بالله عليكي بلاش تخليه يقرب منك روحي نامي بعيد عنه متخافيش منه انا هاجي واحميكي هاخدك ونسافر ونبعد عنه خالص سامحيني ونبدا من جديد انت عرفت مال الدنيا كله ف كفة ووجودك ف حياتي ف كفة اقسم بالله لو م عقلتي وعرفتي انك ليا انا هنتحر هموت نفسي ياسيلا فاهمة مش هسامحك ابدا… — صوته كان مزيجًا من الغضب والخوف واليأس.
أغلقت سيلا الهاتف بسرعة، دموعها بدأت تتجمع في عينيها، لكنها شعرت بقوة تميم خلفها، ممسكًا بيدها برفق، وهو ينظر إليها بعينين صامدتين:
— بيرميلك كارت والحمد الله مشتريتش منه… — قال تميم، صوته هادئ، ويده تضغط على يدها لتطمئنها،
…
جلس عمر في مكتبه، عيونه حمراء من البكاء والغضب، ويداه ترتجفان على الطاولة. كل شيء حوله صار بلا قيمة، كأن العالم كله اختزل في لحظة واحدة من فقده. الهاتف كان ملقى أمامه بعد مكالمته مع سيلا، وقلوب الحروف على الشاشة كأنها تجرحه أكثر فأكثر.
أمسك بزجاجة صغيرة من الدواء، نظر إليها بعينين لا تعرفان الرحمة، وكأنها المفتاح الوحيد لإنهاء الألم الذي يمزق قلبه. قلبه ينبض بسرعة، رأسه يدوخ من التفكير المرهق، وكل ثانية تمر كانت أقسى من التي قبلها.
أخذ نفسًا عميقًا، ثم أفرغ الزجاجة بسرعة، وابتلع محتواها، يغرق في صمت مكتبه الموحش. شعر بدوران يلتهم رأسه، ورؤية الغرفه تتمايل أمام عينيه، ثم استلقى على الأرض بلا حراك، وجسده صار ساكنًا، كأن الوقت توقف للحظة مؤلمة، ليترك وراءه فراغًا قاتمًا وشعورًا بالصدمة لمن حوله لو دخلوا المكتب.
ساعاته الأخيرة كانت عبارة عن صرخة صامتة داخله، لا يسمعها أحد سوى قلبه الذي توقّف عن النبض، لتصبح الغرفة شاهدة على النهاية الحزينة لرجل أحب بشدة وفقد كل شيء.
…
جلست سيلا في غرفة النوم، تمسك خاتمها بين أصابعها، عينيها تائهتان في الفراغ، وكأنها لم تصدق بعد أنها أصبحت زوجة تميم بالفعل. قلبها يخفق بين فرحة غامرة وخوف دفين. فجأة، رن هاتفها على الطاولة، فالتقطته بارتجاف.
— سيلا… الو؟ مين معايا؟ — سألتها بصوت خافت.
رد عليها صوت غريب، متردد ولكنه حازم:
— مدام سيلا… أنا آسف جدًا إني بتصل في وقت متأخر… بس الموضوع صعب وماكنش ينفع أستنى عشان أوصله ليكي… بس حاولّي تمسكي أعصابك.
ارتجفت سيلا، وحاولت تثبت نفسها:
— هو في إيه بالظبط؟
تابع الصوت بسرعة:
— أنا موظف في شركة أستاذ عمر… وللأسف… هو انتحر… ودلوقتي موجود في المستشفى… ولازم حد من عيلته ييجي يستلمه عشان يخلصوا إجراءات الدفن. حاولت ألحقه… صدقيني… كان لسه في النفس… بس قبل ما نوصل، نفذ أمر الله… شدي حيلك يا مدام… على ما أظن إنك طليقته… هو طلب مني وهو بيتألم إنه تسامحيه لأنه كان بيحبك أوي.
انقبض قلب سيلا، وكأن العالم كله توقف حولها. دموعها تسللت من عينيها بلا وعي، وصوتها ارتجف:
— عمر… مات؟!
كل ما شعرت به سيلا كان صدمة الفقد وانهيار القلب
…
:
تميم كان ماسك الدريكسيون بإحكام، كأن قبضته على عجلة القيادة تعكس غضبه وغيرة قلبه المشتعل. عينيه كانت مولعة، وكل جزء من جسده يصيح بالهوس، بالملكية، برغبة جامحة في السيطرة عليها بأي شكل. كان يشعر أن العالم كله يجب أن يكون تحت قدميه، إلا أنها، سيلا، كانت تتحدى هذا الشعور، تمردت على قيوده، وكبرياؤها العالي يشتعل أمامه.
السيارة تهرع في الطريق السريع، والليل كله يشهد صراع قلبه: حب جامح، غيرة حارقة، خوف على فقدانها، وهوس يتجاوز حدود العقل. كل تفكير تميم صار مركّزًا في جسدها، في صوته، في كل حركة منها، كأنها ملكه وحده، ومع ذلك لم يستطع إجبارها على تبادل شعوره الكامل.
سيلا جلست بجانبه، يديها متشابكتان على ركبتيها، عيناها تلمعان بالدموع، لكنها ترفع رأسها عاليًا، الكبرياء يقف أمام هوسه كحاجز. كانت كلماتها تتقاطع بين الألم واللوم والرفض، لكنها تخفي في صمتها قوة لا يستطيع هو اقتحامها بسهولة.
تميم أخذ نفسًا عميقًا، صوته حاد، مليء بالغيرة والهوس:
— عياطك دا… عشان هيوحشك مش كدا؟ حياتك معاه شريط بيدبحك وبيقطع فيكي؟؟
سيلا، بصوت متقطع وعيون ملأها الدمع:
— لأ… عشان هو مات… بسببي… مبقاش موجود معانا دلوقت عشان راح من الدنيا خالص مش هشوفه تاني مدانيش فرصة حتى اودعه عمر انسان طيب وخام بس الشيطان ضحك عليه وغواه وانت ساعدته انه يوسخ شخصيته وموته متحسر ع نفسه وعليا؟
تميم شد على الدريكسيون أكثر، قلبه مولع، كل نبضة فيه كأنها صاعقة:
— هو اندفع… وكان فاكر الانتحار هو الحل انا مضربتوش ع إيده ابدا وانتي اظن كبيرة وواعية اوي واتمني تراعي اني كنت بختبره عشان اشوفه جدير بيكي لدرجة تشفعله قصاد هوسي وجناني بيكي وحبي ليكي وغيرتي عليكي وكانت الاجابة لا
واضحة وبسيطة اهي
سيلا انفجرت بالبكاء، صوتها محمّل باللوم والندم:
— بلاش تتكلم عنه وحش… دلوقتي مات… مات موتة بشعة… وأنا… أنا بحمل نفسي ذنبه
تميم صارخ، صوته يقطع صمت الليل:
— دا ليه… بس ليه يا سيلا؟! هو مات لأنه فاكر مش هيعرف يشتغل… مش هيعرف يتجوز… كأنه الغيب ملك إيده… ما سلمش أمره لربنا…
سيلا ارتجفت، صوتها مليء بالحسرة:
— ركّبتي بتسيب… كل اللي م اتخيل اني… هشوفه ميت… كان لسه معايا… كان ممكن أوقفه… كنت ممكن أعمل حاجات كتير… بس معرفش عقلي كان فين لما وافقتك على الجواز؟
تميم رفع صوته بغضب وحرقة:
— أنا كل لحظة معاكِ بحس إنك هتجري من بين إيد ليه متخلينيش أتهنى ولو بلحظة واحدة تجمعنا
سيلا صرخت بحرقة، كل صوتها صدى ألم وذنب:
— أنا ماطلبتش منك تعمل كل دا! أنا حاسة كأني ف كابوس… مش بفوق منه… كل لحظة فيها مشكلة… كل نفس باخده بخسر ناس عزيزة على قلبي… وكانت مميزة جدًا ف حياتي… وانت السبب يا تميم في موت عمر! اللي جرالنا كله ربنا هيحاسبك عليه… في الدنيا وفي الآخرة…
تميم شد على يدها بقوة، صوته صار منخفض لكنه مولع بالنار:
— موتي نفسك وبس… ساعتها مش هتلاقيني…
سيلا بكت بمرارة، ثم همست بصوت حزين ومرتجف:
— لو دخولك الجنة واقف بس على إني أسامحك… أنا مش هسامحك… الظاهر فعلاً إني غلطت في حقي لما رجعتلك… بس أوعدك… هصلح الغلط دا قريب… وبطريقة هتفاجئنا كلنا…
السيارة مستمرة في الليل، الأنوار تمر عليهم كوميض سريع، والشارع كله شاهد على صراعهم الداخلي: حب وهوس، كبرياء وتمرد، بين الرغبة في التملك والخوف من الخسارة، بين الغضب والحنان، بين الماضي الذي ما زال يلاحقهم والحاضر الذي يجبرهم على مواجهة الواقع.
…
الجو في المشرحة كان قارص، الرياح الباردة تتسلل من كل شق، والأضواء الفلورية تعكس ظلّهم على الجدران المعدنية الباردة. سيلا توقفت فجأة، جسدها يرتعش، عيونها مليانة دموع، وصوتها يرتجف وهو يخرج من بين أسنانها:
— تميم… بص… ج\ثة عمر… اهي… شوف شفايفه عاملة إزاي… خليني اروحله!
تميم تحرك بسرعة، قبض على معصمها بإحكام، شدّه لأعلى وكأن كل غضبه وغيرة قلبه ينسكب في هذا القبض، عينه مولعة، جسده كله متوتر:
— خدي هنا… لا… مينفعش…
سيلا حاولت التحرر، جسدها يميل لقدام، صدرها يرتجف، عينيها نار:
— يعني إيه لا؟! هروح اشوفه غصب عنك… دا كان جوزي…
تميم دفعها برفق ثم شدّها مرة ثانية، صدره يتأرجح بالغضب والهوس، صوته صارم لكن منخفض:
— ودلوقتي… بقا محرم عليكي…
سيلا رفعت ذقنها متحدية، يديها ترتجف من الغضب، كل نفس بتاخده يلهب قلبها:
— ف حسباتك بس والله يا تميم… هاروح! ووريني… وافرد عضلاتك عليا… وشوف هتمنعني إزاي… محدش… أي حد… مهما كان… يقولي أعمل إيه وماعملش إيه… انت مريض… روح اتعالج…
تميم قبض على كتفها فجأة، شدّها صوبه، يحاول التحكم في نفسه، عينيه مولعتان بالغضب والحماية، جسده كله يصرخ:
— اسمعيني…
سيلا لم تتراجع، جسدها يميل للخلف، كل حركة صغيرة منها تشعل جنونه أكثر، عينها تلمع بالكبرياء، كل دمعة على وجنتها تزيد من هوسه:
— احنا هنا… في مشرحة… وانت غيرتك عمياك للدرجة دي!
بصريخ واقفة على بعد خطوة، جسدها مشدود، يديها متشابكتان أمام صدرها، صوته مليء بالحزم:
— يا عم… بطل عجرفة بقا… اتحمل مسؤوليتك لأول مرة… روح له… اتأمل فيه كويس… وشوف حجم اللي انت عملته… يمكن ساعتها تحس بالذنب…
تميم شد على كتفها مرة أخيرة، صدره يرتجف من الحزن والغيرة، كل عضلة في جسمه تتوتر، لكنه لا يستطيع أن يسمح لها بالاقتراب من الج\ثة. سيلا، رغم خوفها، تنظر إلى ج\ثة عمر بعينيها الواسعتين، كل جزء من جسدها يصرخ بالألم واللوم، وكل حركة صغيرة منها تحرق قلبه: هي متمردة، غير خاضعة، وكبرياؤها يحاصر هوسه، ويجعل كل ثانية بينهما انفجار من المشاعر.
..
رفعت سيلا الغطاء المعدني ببطء، وظهر وجه عمر شاحبًا، شفتاه متجمدتان، عيناه مغلقتان، ويده ممدودة على الصدر، كأنه حاول يمسك شيء قبل أن يرحل إلى الأبد.
تميم وقف بجانبها، واقف كدرع يحميها، قبضته على يدها مشدودة، صدره يرتجف بين الحزن والندم، عيونه لا تفارق جسد عمر.
— سيلا… ادعي له بالرحمة…
اقتربت سيلا قليلاً، تحاول لمسه بيدها المرتجفة، لكنها تراجعت فجأة، جسدها يترنح، صوتها متقطع لكنه مليء بالألم:
— يستاهل… أعيط عشانه… يستاهل… مينساهوش… يستاهل فعلاً… ادعي له بالرحمة… صح يا تميم؟
تميم ضغط على كتفها برفق ليثبتها، صوته منخفض لكنه حارق:
— صح… ياحبيتي… صح…
وقفت سيلا بجانبه، عينها شاخصة على وجهه، ودعته بصوت هادئ وخافت:
— مع السلامة يا عمر… نام مرتاح… أنا سامحتك من قلبي… ربنا يسامحك على كل اللي عملته… وهدعيلك في كل صلاة…
تميم اقترب من الموظف المسؤول عن إجراءات الدفن، أخذ الأوراق بسرعة، وأشار لسيلا بالابتعاد قليلًا:
— استنيني هنا… هخلص كل الإجراءات… بس عرفيني… أهل عمر فين؟
سيلا هزت رأسها، عيونها مبتلة بالدموع:
— عمر مقطوع من شجرة… ملوش أهل…
تميم كاد أن يشعر بالاختناق، صوته صار حازم لكنه مملوء بالألم:
— طيب… هوديه أنا المدفن… تحبي أوديه هناك؟
سيلا أجابت بصوت متقطع:
— ياريت… بصراحة، عمر كان ناوي يعمل… بس للأسف ملحقش…
جلس تميم على المكتب، الأوراق أمامه، كل حركة منه دقيقة، عيناه تتابع كل شيء، قلبه مثقل بالحزن، كل توقيع وكل إجراء كأنه محاولة لتعويض جزء مما حدث، للحد من شعوره بالمسؤولية عن موت عمر.
سيلا وقفت عند جانب الغرفة، تراقب جسده في التلاجة، يدها تمسك بمنديل، دموعها تتساقط، كل ثانية تمر تثبت لها أن كل شيء هنا لن يعيد عمر، وأن فقدانه أصبح حقيقة لا يمكن تداركها.
في طريق العودة، تميم يقود بسرعة، يده على عجلة القيادة مشدودة، عينه على الطريق، وقلبه مع سيلا، كل لحظة تمر كانت كأنها نار تحرق صدره. نظراته تتفحصها بين الحين والآخر، الخوف عليها يلهبه، والندم على كل شيء حدث يثقل صدره. مشهد جث\ة عمر ظل محفورًا في ذاكرتهما، لا يمكن نسيانه أبدًا، وجع لا يخف، وحقيقة ستظل تطاردهم طويلًا.
..