امرأة بين نارين

– “أنت اللي سافرت وبعدت من غير أي تمهيد ليا…”.
الكلمات كانت كالسهم في قلبه، تجعله يشعر بالحرقة، لكنه يعرف الحقيقة: الفراق لم يكن بيده. كان مجبرًا على الرحيل، مجبرًا على الابتعاد، لكنه لم يستطع أن يمنع ما حدث.
تميم وضع يده على عجلة القيادة، يغرق في الذكريات. يتذكر ضحكتها، نظرتها التي كانت تقرأ قلبه قبل أن يعرف هو كيف يقرأ قلبها، لمسة يديها البسيطة التي كانت كافية لتوقف العالم من حوله..
تميم شعر بغصة في حلقه، عينيه تلمعان بدموع لم يُسمح لها بالظهور. هو لم يخطئ… لم يخطئ في شيء. كل ما حدث كان خارج إرادته، وكل ما فعله كان من أجل حبه لها، من أجل مستقبل لم يُعطَ له فرصة.
السيارة تمشي ببطء، لكنه كأنه لا يرى الطريق. في رأسه فقط مشهد سيلا، صوتها، عتابها، واعترافها الأخير:
– “أوي يا تميم… بحبه أوي.”
تميم ضغط على عجلة القيادة بقوة، قلبه يئن بين الحنين والألم، يتمنى لو أن الزمان يعود به، ولو أن الظروف لم تكن قاسية، ولو أن كل شيء لم ينكسر بينهما.
هو يعرف أن الندم لن يغير شيئًا، وأن الماضي لن يعود، لكنه لا يستطيع أن يمنع قلبه من أن يتألم، وأن يشعر بالفراغ الذي تركته سيلا في حياته، فراغ لم يملؤه أحد مهما حاول.
….
عندما وصلت سيلا البيت، وجدت عمر جالسًا أمام اللاب توب، عينيه مركّزتان على الشاشة، وأصابعه تتحرك بسرعة على لوحة المفاتيح. الجو في الغرفة هادئ، لكن كان يحمل شيئًا من التوتر الصامت.
– سيلا (بابتسامة خافتة لكنها متعبة): “مساء الخير.”
– عمر (مستدير إليها دون رفع صوته): “مساء النور.”
اقتربت منه بخطوات هادئة، عيناها ترقبانه، ثم سألت:
– سيلا: “اتعشيت؟!”
– عمر (مبتسم قليلًا وهو يغلق اللاب توب): “ايوة… تعالي، عايزك.”
سيلا جلست بالقرب منه، قلبها ينبض بسرعة، شعور بالفضول مختلط بالخوف:
– سيلا: “خير يا عمر… إيه الموضوع؟”
– عمر (بلهجة متحمسة): “أنا جتلي فرصة شغل حلوة أوي.”
– سيلا (مندهشة، عيناها تتسعان): “بجد؟ فين؟”
– عمر (عينه متحمسة وهو ينظر لها): “في مجالي… هشتغل محلل بيانات في شركة سعودية… صاحبها اسمه تميم الشافعي.”
في تلك اللحظة، شعرت سيلا بجسمها يختل قليلًا، وكأن الأرض تهتز تحت قدميها. كانت على وشك السقوط، لكن عمر مسكها من وسطها بسرعة، عينيه مليئة بالقلق والخوف على سلامتها.
– سيلا (بخوف وارتباك): “لا يا عمر… بلاش….”
عمر أمسك بها برفق، قلبه يئن من خوفه عليها، وعينيه تحاول أن تقرأ شعورها الحقيقي. صمتت سيلا للحظة، تتنفس بصعوبة، وعقلها يسبح بين صدمة الخبر وذكريات الاسم الذي لم ترغب في سماعه.
سيلا رفعت عينيها نحو عمر، عينان ممتلئتان بالقلق والخوف:
– “ع جثتي… لو اشتغلت عنده”
عمر اتنهد، عيونه تبحث عن سبب منطقي:
– “افهم بقا… ليه؟”
– سيلا: “كده وخلاص”
ابتسم عمر بخفة، لكن صوته كان فيه لمحة استياء:
– “ياسلام… لما يكلمني ويقولي عرض مغري كده، وف المقابل ارفضه وسببي انه مراتي مش موافقة و بتقولّي كده وخلاص؟”
– سيلا: “يا عمر… أنا مش مطمنة للخطوة دي…”
عمر قرب منها، جبهته مشدودة، وحاول يطمنها بنبرة هادئة:
–: “بس انا صليت استخارة… ومرتاح… حاسس إنها هتكون نقلة كبيرة أوي ليا… مش بس كده، ده مجهود سنين اخيرا بحصده ياريت اشوف منك تشجيع مش خوف بدون داعي.”
– سيلا: “انت مجتهد… قدمت ف كذا شركة بالفعل… ليه بقا تختار تحديدا الشركة دي؟”
– عمر: دي من أكبر الشركات على الساحة… فرصة عمري مش عايزها تضيع من بين إيديا.”
– سيلا: “انت مصمم… مش هعرف أغير قرارك.”
ابتسم عمر بابتسامة نصفها تحدي ونصفها حب:
– عمر: “اقنعيني… اديني سبب واحد يخليني أرجع خطوة ورا.”
سيلا حاولت تتحدث، لكن كلماتها اختنقت في حلقها، شعرت بأن صوتها ضاع، كأن عقلها اتشل للحظة.
عمر لاحظ صمتها، اتكأ على ظهر الكرسي، ونظر لها بحدة وحنان:
– عمر: “شوفتي سكوتك معناه… معندكيش سبب. يبقى هتصل بيه وابلغه إني موافق ابدا من الوقت اللي هو يحدده.”
..
تاني يوم، جلسا على مائدة الفطور.
– عمر (بابتسامة وهو يسكب الشاي): “اعملي حسابك… النهاردة تاخدي اجازة من الشغل، لأنه عندنا ضيف مهم. عايزك تحضري له حاجة تخليه ميعرفش ينساها… لحد ما يموت!”
رفعت سيلا حاجبيها بدهشة، وارتجفت شفتاها قليلًا من الفضول والخوف معًا:
– “مين الضيف ده ياعمر؟”
نظر إليها عمر بعينين مليئتين بالغموض والمرح، وابتسامة تتراقص على شفتيه:
– “لما ييجي هتشوفيه بنفسك… بس ابدأي التحضير من دلوقتي، لأنه جاي ع المغرب. أنا عندي كام مشوار هخلصه بسرعة وبعدين هرجع. يلا سلام ياحبيبي”
…
:
عند المغرب، كانت سيلا منهمكة في تحضير الطعام، يداها تتحركان بسرعة بين المقادير والأواني، وقلبها يدق بحماس وارتباك في الوقت نفسه. الرائحة الزكية للأكل ملأت المطبخ، لكنها لم تستطع منع توترها من الارتفاع مع اقتراب ساعة وصول الضيف.
فجأة، خُبِط الباب بخفة، فتوجه عمر بسرعة وفتحه بحماس. دخل الضيف، وعيناه تجولان في كل زاوية من البيت، تتأمل التفاصيل الصغيرة وكأن كل شيء جديد بالنسبة له.
– عمر (مبتسمًا وهو يرحب): “نورتنا ياتميم بيه!”
سمعت سيلا الاسم، فشعرت برعشة تمرّ في جسدها، وكأن قلبها توقف للحظة. لم تكن متأكدة إذا ما كانت قد سمعت الاسم بشكل صحيح. دفعت قدميها بسرعة خلف المطبخ لتتجنب أن يلاحظها، لكنها لم تتمكن من الاختباء تمامًا.
نظرت عبر الزاوية، فرأت تميم يجلس الآن بجانب عمر، يتحدث معه بصوت هادئ، وعيناه تحملان لمحة من الغموض والشر،
…
جلس الثلاثة حول مائدة الطعام.
الأطباق كانت مصطفّة بعناية، وروائح الطعام تملأ المكان، لكن الجو لم يكن هادئًا كما يبدو. سيلا كانت تجلس صامتة، عيناها تهربان من النظر إلى تميم، بينما كان عمر يتحدث بحماس واضح.
تذوّق تميم لقمة، ثم هزّ رأسه بإعجاب.
– “الأكل حلو أوي.”
ابتسم عمر بفخر، ونظر إلى سيلا بحب.
– “مراتي اللي عاملاه.”
رفع تميم نظره نحو سيلا، وعيناه تحملان نظرة غامضة.
– “تسلم إيدك يا مدام.”
سيلا اكتفت بإيماءة خفيفة برأسها دون أن تنطق بكلمة.
تأملها تميم للحظة، ثم قال بنبرة مستفزة قليلًا:
– “هي خرسا ولا إيه؟”
اعتدل عمر في جلسته بسرعة.
– “لا لا… بتتكلم عادي.”
ابتسم تميم ابتسامة خفيفة، لكنها كانت تحمل شيئًا من السخرية.
– “يبقى أكيد وجودي تقيل على قلبها.”
لوّح عمر بيده نافياً وهو يضحك.
– “لا يا راجل… دي فرحانة جدًا بحضورك. دي عملت كل الأكل ده لوحدها عشان خاطرك… هي دايمًا بتكرم الضيف. مش كده يا حبيبتي؟”
رفعت سيلا رأسها أخيرًا، ونظرت مباشرة إلى تميم بعينين باردتين.
– “هو مين اللي عازمك يا تميم بيه؟”
تجمد عمر في مكانه، ونظر إليها بصدمة.
– “سيلا!”
ثم قال بجدية خفيفة:
–: “أنا اللي عازمته… عشان يبقى بينا عيش وملح. والراجل كان متواضع جدًا وقَبِل الدعوة.”
ابتسم تميم بهدوء، ومسح فمه بالمنديل.
– لأن أي حد بيشتغل عندي… بحب يكون بينا صداقة. ده بيأثر جدًا في جودة الشغل ونجاح فريق العمل.”
هزت سيلا رأسها بسخرية خفيفة.
– “مدرسة غريبة.”
رفع تميم حاجبه مبتسمًا.
– : “عشان كده أنا من أنصارها.”
ثم أخذ نفسًا ببطء، وكأنه يستمتع باللحظة.
– : “بس تعرفي يا مدام… ريحة أكلك فكرّتني بشخص عزيز عليا أوي.”
نظر إليه عمر باهتمام.
– “مين يا تميم بيه؟”
اتكأ تميم على الكرسي قليلًا، وعيناه لم تبتعدا عن سيلا.
“واحدة… كنت مرتبط بيها زمان.
كنا مع بعض في الجامعة… حبينا بعض أوي.”
انخفض صوت سيلا وهي تمسك الملعقة بقوة.
أما تميم فأكمل كلامه ببطء متعمد.
“بس طلعت سلبية…
محاربتش أهلها عشاني.
أبوها رفضني عشان كنت على قدي.”
سكت لحظة، ثم أكمل:
“سافرت دبي… اشتغلت… تعبت سنين… وأسست شركتي هناك.
ولما رجعت… لقيتها متجوزة.”
تنهد عمر بتعاطف.
– “ملكش نصيب فيها… ربنا قادر يعوضك.”
ابتسم تميم ابتسامة باردة، وعيناه ما زالتا مثبتتين على سيلا.
“بس أنا مش عايز غيرها.”
ساد الصمت للحظة.
ثم قال ببطء شديد:
“وهاخدها… حتى لو عايشة في عرين الأسد.”
ارتجفت يد سيلا قليلًا فوق الطاولة.
أما عمر… فكان يظن أن تميم يتحدث عن قصة قديمة لا علاقة لها بشيء.
لكن عيني تميم كانت تقول شيئًا آخر تمامًا.
….
بعد أن انتهت الزيارة وغادر تميم، عمّ الصمت أرجاء المنزل.
دخل عمر الغرفة وهو يفك ساعته ويضعها على الكومودينو، بينما لحقت به سيلا بخطوات سريعة، وملامح الغضب مشتعلة على وجهها. أغلقت الباب خلفها بعنف، ثم التفتت إليه
انت ازاي تجيب راجل غريب البيت وتقعده معانا من غير حتى ما تقولي؟
نظر إليها عمر باستغراب واضح.
غريب؟! ده صاحب الشركة اللي هشتغل فيها.
اقتربت منه خطوة، وصوتها يرتجف بين الغضب والقلق.
حتى لو… المفروض أعرف! تحطني قدام الأمر الواقع كده ليه؟
زفر عمر بضيق.
يا سيلا دي مجاملة بسيطة… الراجل قبل الدعوة وجيه بكل ذوق.
ضحكت سيلا بسخرية.
مجاملة؟! كنتوا قاعدين تضحكوا وتهزروا وكأنكم أصحاب من سنين… وتحكيله عن شغلك وعن حياتنا كمان.
مرر عمر يده في شعره محاولًا السيطرة على أعصابه
أنا عايز علاقتي بيه تبقى كويسة
رفعت سيلا حاجبيها بحدة.
العلاقة الكويسة تبقى في الشغل… مش في البيت.
نظر إليها عمر لأول مرة بحدة.
هو إيه اللي مضايقك بالظبط؟
سكتت لحظة، وكأن الكلمات عالقة في حلقها، ثم قالت بعصبية:
كان بيبصلي بطريقة مش مريحة.
هز عمر رأسه بنفاد صبر.
أنا كنت قاعد قدامكم… والراجل ماعملش حاجة غلط. انتي مكبرة الموضوع.
اقتربت منه أكثر، ونبرتها أصبحت حادة.
يا أنا… يا الشغل ده.
تجمد عمر في مكانه.
إيه اللي انتي بتقوليه دة؟
سيلا
لو اشتغلت مع الراجل ده… أنا مش هقدر أكمل. معاك
اتسعت عينا عمر بذهول ممزوج بالغضب.
ده شغل حلمت بيه سنين!
سيلا:
والحلم ده ممكن يبقى كابوس.
صمت لحظة وهو يحدق فيها بتركيز، ثم قال ببطء:
في حاجة بينك وبينه يا سيلا؟
اتسعت عيناها بصدمة.
إيه؟! طبعًا لأ!
ظل ينظر إليها وكأنه يحاول قراءة الحقيقة في عينيها، ثم قال ببرود:
يبقى ما تحطيش نفسك بيني وبين مستقبلي.
شعرت سيلا بوخزة مؤلمة في قلبها.
أنا بحاول أحمي بيتنا.
ابتسم عمر ابتسامة خفيفة، لكنها لم تصل إلى عينيه.
يبقى قولي الحقيقة الأول… عشان أنا بدأت أحس إني عايش مع واحدة معرفهاش.
ثم استدار نحو السرير وقال ببرود:
تصبحي على خير.
وقفت سيلا مكانها، تنظر إلى ظهره بصمت.
وفي داخلها كانت متأكدة من شيء واحد فقط…
أن دخول تميم إلى حياتهما
لن يمر بسلام.
كان المبنى أشبه بمدينة صغيرة قائمة بذاتها؛ سيارات فارهة تدخل وتخرج من الجراج، وموظفون أنيقون يعبرون البوابة الإلكترونية بسرعة ونظام.
تنفس عمر بعمق، وهو يشعر بمزيج من الفخر والرهبة.
عمر (في نفسه):
“وأخيرًا وصلت لهنا… والمجنونة بتقولي يا أنا يا الشغل .. تيجي بس تشوف المكان اللي هشتغل فيه والمرتب اللي هاخده من هنا… ده ممكن ينقل عيشتنا في حتة تانية خالص.”
عدل ياقة قميصه بثقة ثم دخل.
في الداخل كان كل شيء منظمًا بدقة؛ أرضية رخامية لامعة تعكس الأضواء، وشاشة كبيرة خلف مكتب الاستقبال تعرض شعار الشركة.
ابتسمت له السكرتيرة.
السكرتيرة:
حضرتك أستاذ عمر؟
عمر:
أيوه.
السكرتيرة:
أستاذ تميم بيه مستني حضرتك. الدور الخامس… المكتب الرئيسي.
شكرها عمر واتجه نحو المصعد.
داخل المصعد كان قلبه يدق أسرع من المعتاد.
ضغط زر الطابق الخامس، وظل ينظر إلى انعكاس صورته في المرآة الصغيرة.
عمر (متمتمًا):
إن شاء الله بداية خير.
توقف المصعد أخيرًا.
خرج إلى ممر طويل مفروش بسجاد داكن، وعلى الجدران لوحات حديثة وشهادات تقدير.
وصل إلى باب خشبي كبير كُتب عليه:
Tamim
تردد لحظة… ثم طرق الباب.
تميم من الداخل:
اتفضل.
دخل عمر.
كان المكتب واسعًا جدًا، تحيط به نوافذ زجاجية تطل على المدينة بأكملها.
جلس تميم خلف مكتب كبير من الخشب الداكن، يقلب بعض الأوراق بهدوء.
رفع عينيه عندما دخل عمر.
ابتسم ابتسامة خفيفة.
تميم:
أهلاً… أستاذ عمر.
اقترب عمر وصافحه.
عمر:
صباح الخير يا تميم بيه.
أشار له تميم بالجلوس.
تميم:
اقعد… وقولي، إيه رأيك في المكان؟
نظر عمر حوله بإعجاب واضح.
عمر:
ما شاء الله… مكان يفتح النفس.
ظل تميم ينظر إليه لحظة… كأنه يدرسه بعناية.
ثم قال بنبرة هادئة:
تميم:
بصراحة… أنا اخترتك من وسط ناس كتير. سمعت عن أمانتك وشغلك المظبوط.
اتسعت عينا عمر قليلًا.
عمر:
ده شرف كبير ليا.
ابتسم تميم ابتسامة غامضة.
تميم:
أنا مش بختار حد غير لما أكون متأكد إنه يستاهل الفرصة.
ثم نهض من مكانه واتجه نحو النافذة.
وقف ويداه خلف ظهره، ينظر إلى المدينة الممتدة أمامه.
تميم:
أنا بنيت الشركة دي من الصفر.
التفت قليلًا نحو عمر.
تميم:
وأهم حاجة عندي… الولاء.
هز عمر رأسه بثقة.
عمر:
أكيد طبعًا.
عاد تميم إلى مكتبه وجلس.
ثم قال فجأة:
تميم:
مراتك شكلها ست محترمة.
تفاجأ عمر قليلًا بالسؤال، لكنه ابتسم.
عمر:
تسلم… الحمد لله.
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي تميم.
تميم:
واضح إنها بتحبك.
ضحك عمر بخفة.
عمر:
وأنا كمان بحبها جدًا.
ظل تميم صامتًا لحظة، ثم قال بهدوء يحمل معنى خفي:
تميم:
الحب… حاجة غريبة.
رفع عينيه مباشرة نحو عمر.
تميم:
ممكن يغير حياة ناس كتير.
لم يفهم عمر سبب الكلام، فاكتفى بابتسامة مجاملة.
عمر:
أكيد.
رن هاتف تميم على المكتب، فنظر إلى الشاشة سريعًا ثم أغلقه دون رد.
عاد بعينيه إلى عمر.
تميم:
من النهارده… عايزك تبقى دراعي اليمين وعيني في الشركة.
مال للأمام قليلًا.
تميم:
خليك قريب مني في الشغل… وأنا أوعدك، في ظرف سنة بس ممكن تبقى في مكان ينافس مكاني أنا شخصيًا.
ارتسمت الدهشة على وجه عمر.
عمر:
العفو يا تميم بيه… أنا هعمل شغلي على أكمل وجه، وإن شاء الله أكون عند حسن ظنك.
ابتسم تميم ابتسامة بطيئة…
لكن عينيه كانتا تخفيان شيئًا آخر… شيئًا لم يلحظه عمر.
تميم:
اتفضل على شغلك… هتخرج بره وهيعرفوك مكان مكتبك. أنا بلغت الكل.
نهض عمر وهو يشعر بالفخر، ثم خرج من المكتب.
وبمجرد أن أغلق الباب خلفه…
اختفت ابتسامة تميم
ثم ضغط زرًا صغيرًا على مكتبه.
دخلت السكرتيرة.
السكرتيرة:
أفندم
تميم:
الأستاذ عمر… خليكي متابعة شغله أول بأول، ولو احتاج أي حاجة تتعمل فورًا.
السكرتيرة:
تمام يا فندم.
أومأ لها برأسه فانصرفت.
ونظر إلى صورة موضوعة داخل درج مكتبه…
صورة قديمة له… مع سيلا.
لم يكن اختياره لعمر بسبب كفاءته فقط
بل لأنه
زوج سيلا.
…
دخل عمر وهو يفتح الباب بحماس واضح، يحمل حقيبته بيد ويخلع حذاءه باليد الأخرى.
عمر:
سيلا… أنا جيت!
خرجت سيلا من المطبخ وهي تمسح يديها في المريلة.
اتأخرت ليه؟
اقترب منها عمر بابتسامة عريضة.
الشغل هناك حاجة تانية خالص… الشركة ضخمة، والنظام فيها عالمي.
تخيلي بقى إن تميم بيه بنفسه قال لي إني هكون قريب منه في الشغل.
تجمدت ملامح سيلا.
قريب منه… إزاي يعني؟
جلس عمر على الأريكة وهو يتحدث بحماس.
يعني تقريبًا هبقى دراعه اليمين. تخيلي! قال لي لو الأمور مشيت كويس ممكن خلال سنة بس أبقى في مكانة كبيرة جدًا.
كانت سيلا تنظر إليه بصمت، بينما القلق يزداد في عينيها.
وأنت… وافقت؟
ضحك عمر.
هو في حد عاقل يرفض فرصة زي دي؟
خفضت سيلا نظرها إلى الأرض.
ربنا يستر.
لاحظ عمر نبرتها القلقة، فعقد حاجبيه.
الراجل محترم جدًا ياسيلا
لم ترد. ودخلت الي غرفتها
ثم فجأة… اهتز هاتف سيلا
نظرت إلى الشاشة.
رقم غير مسجل.
شعرت بانقباض في قلبها.
فتحت الرسالة.
اتسعت عيناها فورًا.
كانت رسالة قصيرة جدًا:
“مبروك يا سيلا… جوزك بدأ شغله النهارده.”
ارتجفت يدها.
جاءت رسالة أخرى مباشرة.
“جي الأوان اخد حقي من الدنيا وانتي حقي ياسيلا